‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.احمد خيري العمري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د.احمد خيري العمري. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 يناير 2025

في ذكرى سقوط الاندلس، وداعا فرناندو

 في ذكرى سقوط الاندلس، وداعا فرناندو

  العمريد.أحمد خيري العمري

فرناندو..
أم هل أناديك فرديناند؟ لا فرق، فرناندو، أو فرديناند.. فمنذ أن رأيتك في تلك اللوحة، وأنت تمد يدك ليقبلها أبو عبد الله الصغير، وأنا لا أستطيع الكف عن التفكير بك، بكما، بتلك اللوحة..
فرناندو ..
لعلك أدركت، أو لم تدرك، وأنت تأمر برسم تلك اللوحة، أنك قد دخلت التاريخ، وأن الزمن سيتوقف عند تلك اللوحة لفترة طويلة.. كما تتوقف الصورة في فيلم تشاهده.. نضغط على زر الجمود، فتتوقف الصورة.. أحياناً لأنك مشغول ولا تريد أن يفوتك شيء، وأحياناً لأن الصورة أعجبتك وتريد أن يمليَّ عينك بها..
ولكن أحياناً، لأنها آلمتك، لأنها صفعتك..و لأنك تريد اخذ الصفعة الى مداها..
* * *
فرناندو .. أوقفت الصورة عند تلك اللوحة.. ولو كان الأمر بيدي، لحاولت أن أمحوها –أن ألغيها– أن أتصرف كما لو أنها لم تكن.. البعض يفعل ذلك فعلاً.. لكن ذلك لن ينفع، لم يكون سوى إنكاراً، لن يكون سوى هروباً من الحقيقة عبر دفن الذاكرة في رمالٍ متحركة..
فرناندو، أوقفت الصورة عند يدك الممتدة بكبرياء، كبرياء المنتصر، وشفتي أبي عبد الله الصغير تلثمها بذلّ، ذلّ المهزوم..
فكرت أن تلك الصورة يجب أن تكون في دفاترنا وكتبنا وتحت وساداتنا.. يجب أن تكون في ساحاتنا وشوارعنا..
ليس جلداً للذات، فرناندو، ولا مازوشية وحباً في إيذاء النفس..
ولكن ربما لأن "ترميم الذات" – إن شئت – سيتطلب ذلك.. سيتطلب أن أمعن النظر في تلك اللوحة-على ما فيها من أذى.. عليّ أن أفعل ذلك..
بعض العلاجات مؤلمة، كما تعلم، فرناندو..
لكن لا بد منها، كما تعلم أيضاً فرناندو..
* * *
الصورة تقف..
لكن يخيل لي أن تاريخنا أيضاً قد وقف عندها، سواء وعينا ذلك أم لو نعيه..
بطريقة ما، بل بطرق مختلفة، ما تزال يدك ممدودة.. ورأسك مرفوع بكبرياء المنتصر..
وما يزال هناك منا، من يقبل يدك، ورأسه محني بخضوع..
الأسماء تغيرت حتماً يا فرناندو.. لكن غرناطة ما تزال تسلم، بطريقةٍ ما، كل ليلة .. و ليلة سقوطها هي ليال عمرنا كلها....
* * *
كأن التاريخ وقف هناك.. كأننا دخلنا في تلك الدوامة وعجزنا عن الخروج منها، بل كأننا اعتبرنا أن الدخول في تلك اللوحة، والتماهي معها هو الوضع الطبيعي، كأنه قدر لا مفر منه..
البعض استمرأ أن يكون رأسه منحياً لتقبيل يدك أو يد فرناندو آخر.... البعض أعجبه ذلك، على أمل أن يصير مثلك ، البعض تنافس مع البعض الآخر في التقبيل بحرارة أكبر.. آملاً بحظوة المهزوم عند المنتصر – وبعضنا نظر ومجّد لذلك.. وبعضنا قبلها – ودعا عليها بالكسر – و كان ذلك أضعف الايمان..
اختلفت الوسائل يا فرناندو .. لكن تاريخنا – على الاقل جزء كبير منه – يبدو كأنه توقف عند تلك اللوحة..
* * *
ولا ملامَ يا فرناندو.. لا لوم عليك بالذات، إنما أنت العدو..
وهل يلام العدو على أنه عدو؟..
إنما فعلت ما يجب أن تفعله.. نكثك لعهودك التي وقعتها يوم سلمك عبد الله الصغير غرناطة إنما يتوافق مع كل قيمك – التي يبرأ منها أي دين حتى لو ادعيت زوراً الانتساب إليه..
كل ما اقترفته، سابقاً، ولاحقاً – لا يمكن أن يلام عليه عدو.. العدو – بالتعريف يفعل ذلك.. خاصة إذا تجرد من القيم..
إنما اللوم يقع على الطرف الآخر من اللوحة.. الذي كان يقبل بذل يدك الممدودة بتكبر..
أتحدث إليك فرناندو، وأنا أضمر الحديث عنه، وإليه.. لكني لأسباب مختلفة لا أرغب في الحديث إليه مباشرةً.. لا أريد أن أنزلق إلى لومه – كفرد – أو تقريعه كفرد .. رغم أن ذلك سهل جدا و رغم أن ذلك قد حدث مرارا..
أدرك تماماً، أن الأمر أكبر منه، و حتى منك فرناندو..
* * *
هناك كتاب، يا فرناندو، ربما أهنته وأهانه جنودك بينما كانوا يسفكون دماء أهل غرناطة ويستبيحون أعراضهم وأغراضهم.. ربما داسه جنودك بأقدامهم – وربما أحرقوه ومزقوه.. وربما فعلوا ما هو أكثر من ذلك..
أقول لك، يا فرناندو، إن من قبّل يدك، وربما قومه معه، أهانوا ذلك الكتاب أيضاً، رغم كل مظاهر التبجيل والاحترام التي قدموها له، أهانوه بطريقة ما، رغم حرصهم على تزيينه وزخرفته، أهانوه، بأن وضعوه على "رفٍ" ما، في غير موضعه – أهانون بأن لم يقرؤوه كما يجب – وهل تنزل إلا ليقرأ؟..
أهانوه بأن هجروه..
فكان ما كان..
* * *
في ذلك الكتاب، هناك سطر، نسميه نحن آية، تلخص كل ما حدث.. ويبدو أن من قبل يدك لم يقرأها، أو أنه قرأها ولم يفهمها.. أو ربما فهمها ولكن بعد فوات الأوان.. ربما فهمها عندما ألقى النظرة الأخيرة على غرناطة، يوم التفت متنهداً في ذلك الموضع المطل على المدينة، الذي سمى، لاحقاً، "تنهيدة العربي الأخيرة"..
ربما كان يفهمها أصلاً – لكن مثل فهمنا نحن: فهم بلا تطبيق.. وبالتالي فهم مع وقف التنفيذ: لا يسمن، ولا يغني من جوع..
لعلك تسأل فرناندو – عن هذا السطر، عن هذه الآية..
إنها تقول:
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ}
[الرعد: 13/11]..
وقد كان تغييراً كبيراً هذا الذي حدث، والذي جعل من أمير غرناطة، يقبل يدّك يا فرناندو.
ما كان جدك ليتصور في اقوى احلامه بأن حاجب أمير غرناطة سيقبل يده.. وليسَ أميرَها.. وما كان أجداد أمير غرناطة ليفكروا مجرد التفكير بأن واحداً من سلالتهم سيفعلها..
لكن التغيير حدث.. وصار أكبر من أي حلم لأجدادك، وأسوأ من أسوأ كوابيس أجداده..
ولم يكن ذلك مصادفة، ولم يحدث فجأة..
وكانت الأنفس الإنسانية، قد مهدت لذلك، قد تغيرت، رويداً رويداً وبالتدريج..
إلى أن توج التغيير بمشهد الإذلال ذاك..
مشهدك وأنت تمد يدك يا فرناندو.. ليقبلها عبد الله الصغير.. صاغراً..
* * *
والدته أيضاً، لم تكن قد وعت تلك الآية، رغم أن التاريخ أنصفها أكثر مما فعل مع ابنها..
فعندما بكى، لحظة مغادرته قصره، قالت له أمه: "ابك كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال"..
ربما كانت تعبر، بلغة عصرها، عن ما نقصده اليوم، من تغيير الأنفس.. لكن، هل كانت هيَ خارج الموضوع؟.. هل يمكن أن تكون كذلك فعلاً؟.. هل يمكن أن نسمح لها بأن تلقي اللوم على ابنها – ولا تلوم نفسها أيضاً: ألم يكن دورها أصلاً أن تنشئه على غير ما أصبح؟.. إذا كان لم يحافظ على ملكه – كالرجال – فمن ربّاه ليفعل ذلك؟..
كما قلت، الأمر أكبر منه، ومنها.. وحتى من عمه، ومن بطانته التي ظلت تسبح بحمد الامر الواقع و تقول إن كل شيء بخير.. ومن حاشيته التي لا يهمها سوى خزائنها..
إنه أكبر من الأفراد كأفراد، يا فرناندو، ولذلك فإن الآية، تحدثت عن "الأنفس" – بالمجموع – وليس عن "نفس" واحدة..
فلو كانت المشكلة في فرد واحد – تغيَّرت نفسه – ولو كان ملكاً أو حاكماً.. لما حدث ما حدث.. لأن المجتمع – الذي لم يطاله التغيير – سيجبر الكسر الذي تسبب به تغيير شخص واحد..
لذلك، فإن تلك الصورة التي توقف عنها التاريخ، كانت تعكس حالة أمة كاملة، تغيرت برؤاها ونفسيتها ومفاهيمها، وهبطت من القمة إلى القاع، وتوج ذلك أنه جاءك ليقبل يدك.. فرناندو..
* * *
ولو أننا أرجعنا الشريط إلى الوراء، وبحثنا في حيثيات تلك القبلة، وجذور ذلك الانهيار، لوجدنا الترف – والغرق في الملذات والتفكك.. وصراع الأقارب – العقارب على احتكار المال والسلطة – وكل ذلك كان ينزع من القيم سلطتها ويحولها إلى مجرد هيكل فارغ سينهار عند أول ضربة..
هل يهمك ذلك كله في شيء، فرناندو، فحيثيات سقوطهم كانت حيثيات انتصارك – أو على الأقل كانت جزءاً منها.. ربما ستهز كتفيك لأن الأمر لا يعنيك – لكن تذكر، أن ما أسقطهم، بطريقةٍ ما، سيسقطك لاحقاً أيضاً..
* * *
فرناندو ..
تلك الآية التي لم يعوها.. جاءت في سورة اسمها الرعد..
بالضبط جاءت قبل الحديث عن البرق، والرعد، والصواعق..
لعلك ستقول إن ذلك محض مصادفة.. لعلهم فهموا الأمر كذلك أيضاً.. لكن لا.. في هذا الكتاب، الذي أهنته، فرناندو، والذي أهانوه، لا شيء على الإطلاق يأتي مصادفة..
ولذلك فالسحاب، والبرق، والرعد، والصواعق، كلها إرهاصات تنذر بما هو قادم، تتابعها، وتتاليها، وتراتبها، سيجعلك تعرف ما سيحدث لاحقاً..
وكذلك التغيير – الانهيار، الذي يأتي كحتمية لتغيير الأنفس، إنه لا يأتي فجأة ولا من دون مقدمات، دوماً هناك سحاب يتجمع – في بنية المجتمع – وسيكون هناك صدام اجتماعي – يعبر عن نفسه أحياناً بصوت عالٍ كالرعد.. وأحياناً بضياء واضح كالبرق.. كل تلك إنذارات كان يجب أن يتنبه إليها المجتمع.. لكي يمنع الوصول إلى المرحلة النهائية: الصواعق المدمرة..
لكن ذلك لم يحدث، ظلت الإنذارات تتجمع، كسحاب مركوم، وظل الرعد صافرة إنذار، والبرق يضيء مكامن الخلل، ولكنهم كانوا مشغولين بجدالهم، وبترفهم وبصراعهم على الكراسي والعروش..
إلى أن جاءت الصاعقة، نتيجةًً حتمية لكل ما لم يحاولوا تغييره..
* * *
ثم ماذا فرناندو ..؟
ثم إن تراتبية التغيير هذه، التي تؤدي من القمة إلى القمامة، يمكن لها أن تعكس، يمكن لها أن تستثمر، لنتسلق من القاع، إلى القمة، لنخرج من تلك اللوحة، ولنعدل من وضع الانحناء الذي جمدنا عليه..
فالسحاب المركوم – يمكن، لو أحسن استغلاله، لو استثمر مع نفسٍ تريد استثماره، أن يكون مصدراً للماء الأساسي للحياة.. يمكن أن يأتي بالخير لأرض طال عطشها..
وذلك الرعد، يمكن له أن يكون مصدراً للنتروجين – سمادا للتربة.. من أجل حصاد قادم..
والبرق يمكن له أن يضيء الدرب.. للحظات نعم ولكنها كفيلة بمعرفتك الطريق الصواب..
حتى الصواعق، يمكن لها أن تزيل ما يجب إزالته، من أبنية آيلة للسقوط.. مما لا أمل في إصلاحه..
كل ذلك يمكن أن يكون جزءاً من تغيير معاكس، لو كانت النفس مؤهلة للتصدي له..
* * *
سنكذب لو قلنا إن ذلك قد حدث، حتى الآن، فرناندو ..
حدثت أشياء هنا وهناك.. لكن ليس كما يجب – وبقينا حبيسي اللوحة.. بطريقة أو بأخرى..
لكن انصت فرناندو.. انصت جيداً، هل تسمع الرعد الآن..؟ إنه قادم من تلك النفوس التي صارت تؤمن أنه لم يعد ممكناً البقاء في اللوحة.. دقات القلوب صارت مثل ضربات رعد قادم لا محالة..
أنصت جيداً.. الرعد أولاً.. وبعدها سيأتي ما يجب أن يأتي.. و يحدث ما لا مفر من حدوثه..
اليوم..
أو ربما غداً، فرناندو..



الصورة لأبو عبد الله محمد، آخر ملوك غرناطة.. منحنيا لفرناندو.. عندما سلمه مفاتيحها.




 

إنسان العصر الحديث يتحدث إليكم.

الأحد، 16 فبراير 2014

إنسان العصر الحديث يتحدث إليكم.


إنسان العصر الحديث يتحدث إليكم..

من محذوفات "الفردوس المستعار والفردوس المستعاد"


د.احمد خيري العمري

أنا إنسان العصر الحديث. أنا إنسان عصر المتغيرات.. أنا إنسان بلا ثوابت.. بلا ثوابت عليها.. بلا ثوابت شببت عليها.. وبلا ثوابت أربي عليها اولادي.. كل شيء يتغير.. وكل شيء نسبي.. وكل شيء يبدو اليوم حقيقي وأصيل، سيكون غير ذلك في وقت آخر..

أنا إنسان اللاحلال واللاحرام – بل إنسان الاباحة المطلقة.. إنسان بلا تابو.. ولا شجرة محرمة في جنة الاستهلاك والوفرة..
لكن منذ ان دخلت في ذلك ، وأنا اشعر ان عقدي قد انفرط، وإني لست أكثر من حبات زئبق تدحرجت على ارض ملساء.. وظلت تتشظى وتتشطر .. وتتباعد عن بعضها البعض..

نعم.. منذ ان فقدت الثوابت.. وأنا اشعر أني فقدت عمودي الفقري.. فقدت الوعاء الذي يحتويني.. وصرت أتناثر هنا وهناك بدعوى أنني حر..
لكني أشعر إن الأمر ليس هكذا.. وأن هذهِ الثوابت أكثر عمقاً من أن تلغى.. بل إني اشعر إن لها جذوراً في داخلي، وإن ما اجتث لم يكن سوى سيقانها.. وإنها تنبت من جديد من أعماق أعماقي..
نعم. إني احتاج إليه، مالك يوم الدين، ليضمني ، ويحتويني، ويلملم شتاتي.


* * *

أنا إنسان العصر الحديث.. أنا النخبة الناجحة.. أنا من تطمعون إلى أن تصلوا إلى ما وصلت أنا إليه.. أنا كل السعادة التي ترغبون بها. أخوض فيها وارتع ليل نهار..
 تعرفون الفردوس الذي تصبون اليه ؟..
 أنا أسكنه .. هو عنواني الدائم. هو مقر اقامتي الدائمة..
نعم.. وأنا سعيد لأنكم تحسدونني.. سعيد بسعادتي.. سعيد بالأصفار الستة في حسابي البنكي.. سعيد ببيتي الضخم.. وبالبيت الصيفي حيث أقضي إجازات نهاية الاسبوع.. سعيد بإجازتي الطويلة في ذاك المنتجع في الكاريبي، حيث الليلة الواحدة في ذلك الفندق الفخم تكلف بقدر كلفة اجازاتكم الرخيصة كلها..

وأنا سعيد بعائلتي.. سعيد بزوجتي الحسناء التي – لو مرت أمامكم ، لأدارت رؤوسكم.. وسعيد إنها تنفق ثروة طائلة من أجل أن تحافظ على جمالها، سعيد بأولادي اللامعين، وبقدرتي على تأمين افضل الجامعات لهم ليدرسوا فيها. وشراء أعلى الشهادات ليكونوا سعداء هم ايضاً..
نعــم. إنني سعيد جداً.. سعيد لقدرتي على اثارة غيظكم وحسدكم.. سعيد لأني في – مكان- أنتم مستعدون لدفع كل شيء من أجل الوصول اليه..
نعم.. إنني سعيد جداً.. وتستطيعون أن تروا ذلك على وجهي أن لم تصدقوا .. انظروا الــي.. أترون كم أنــا سعيــد..

* * *

لكن شيئاً ما، يهمس في أذني، ويقول إن تكراري وتشديدي على إني سعيد يعكس شكاً داخلياً في أعماقي بهذهِ السعادة ، إنه ينطوي على قدر من الإنكار لها. كما لو إني غير مقتنع واظل اكرر ذلك لأقنع نفسي قبل أن أقنعكم.. شيء ما يهمس ليقول لي إن الناس السعداء لا يقولون ذلك طوال الوقت..
لكن ذلك يحيرني شخصياً.. ما الذي أريده حقاً ؟.. المزيد من المال ؟.. أنني احصل عليه.. حتى لم أعد اعرف ما أفعل به.. المزيد من كل شيء عندي ؟.. لم أعد أرغب في شيء .. لم أعد أرغب في أي شيء مما تعودت أن أرغب به ببساطة : لقد اتخمت.. ولا اعرف حقاً ما أريد..


* * *

.. لكني أعرف أنني كلما ازددت نجاحاً، وكلما صعدت أكثر إلى القمة، كلما قل الاوكسجين في رئتي، والدم في شراييني.. وكلما زاد ضيق تنفسي..
وأعرف أني على قمة العالم حيث أقف، أشعر بالبرد وبانعدام الامان..
نعم.. على تلك القمة الباردة حيث أقف، لا افكر بمكاني غير انه "هاويــة" أو مكان ملائم للانتحار..

* * *

لا.. لست سعيداً..
وتستطيعون أن تروا ذلك على وجهي .. ابتسامتي ليست أكثر من تقلص في عضلات الوجه.. و وجهي المشدود ليس سوى قناع يخفي تجاعيدي وانسداد شراييني..
لا. لست سعيداً.. لكني أحاول أن أبدو كذلك لتستمروا في غيظكم وأنتم تتأملوني بحسد..
تلك هي السعادة الوحيدة التي أعرفها.. والتي أحرص على الحصول عليها..


* * *

.. لكني أعرف ان هناك سعادة أخرى، كيان آخر ومقاييس اخرى..
..وربما اود لو اني كنت افهمها.. وأنتمي لها..


* * *


{ربما يود الذين كفــروا لو كانوا مسلميـــن..} الحجر-2


* * *

ربما يودون لو أنهم كانوا مسلمين –حقــاً- منتمين لذلك الاله –الذي لا اله الا هو،، منتمين لكونه رب العالمين.. الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين.. ربما يودون لو أنهم انتموا لمنظومة ذلك الاله العابر لحدود الزمان والمكان، الصالح لاحتوائهم واحتضانهم سواء عاشوا في الاسكيمو او في الصحراء، في الخيمة او في الطابق التسعين في مانهاتن..
ربما يودون لو أنهم كانوا مسلمين –حقــاً- يعرفون ذلك الاله الذي لا اله سواه، ربما يودون لو أن "رب العالميــن" كان هناك في رؤوسهم منذ بداية نشوئهم، ومنذ بداية تكون وعيهم، ربما يودون لو أنه قد دخل في تشكيل مفاهيمهم، ساهم في أن يشعروا بإنسانيتهم، بإدراك معانيها، وآفاقها..
ربما يودون لو أنهم اعترفوا بحقيقة ضعفهم.. ولجأوا "للرحمن الرحيم"، يحيطهم كما يحيط الرحم بالجنين، ويمده بالدفء والحنان، ويمتص الصدمات لكي لا تؤديه او تخدشه. ربما يودون لو أن "مالك يوم الدين" لملم شتاتهم، وأعطاهم بوصلة يحددون فيها موقعهم.. ويمنحهم طوقاً للنجاة.. وقارباً للإنقاذ..
.. نعم.. ربما يودون لو أنهم كانوا مسلمين..

* * *
مسلمين حقاً اعني ..
وليس مثلنا..

* * *

ربما نود – نحن- لو إنا كنا مسلمين، بهذا المعنى..
ربما نود لو هذهِ المفاهيم تغلغت فينا.. قد نشئنا عليها.. قد صارت عمودنا الفقري.. وبوصلتنا ودماغنا، وشرياننا الابهر الاكبر..
.. ربما نحن ايضاً نود لو إنا كنا مسلمين..