‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياف مصطفى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياف مصطفى. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 مايو 2025

اسجنوهم في بلدتكم إنهم أناس مصلحون

 

اسجنوهم في بلدتكم إنهم أناس مصلحون

محاضر بكلية العلوم الهندسية جامعة أمدرمان الإسلامية ، 
عضو شبكة المشكاة الإسلامية


قضى الله كوناً وقدراً أن يكون الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يتدافعان ينتصر الحق تارة ويضعف أخرى، يُبْتلى أهل الحق بتسلط أهل الباطل "لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ"، فما يقع من أحداث وإن بدى للناس شراً إلا أن الخير يعقبه.

طاغيةٌ يعِظُ قومه

في كل عصر ومصر هنالك فرعون يتسلط على قومه، يسومهم سوء العذاب، يقتل الأبناء ويستحي النساء، ينهب الأموال يقرب أهل الضلال ويقصي أهل الحق والنضال. يتهم المصلحين بالإفساد في الأرض، سلفه في ذلك فرعون الأول لما خرج على الناس في ثوب الواعظ الناصح، محذراً من موسى عليه السلام ومن آمن معه " إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56)"، ثم وصف دعوة موسى عليه السلام والوحي الذي أُنزل عليه بأنه تبديل للدين وإضلال للناس أجمعين وإظهاراً للفساد في الأرض "إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ"، كثيراً ما يتكرر مثل هذا السيناريو في عصورنا هذه، فيخرج على الناس فراعنة جثموا على صدور العباد، أظهروا في الأرض الفساد، يرمون المصلحين بأبشع الأوصاف لإبعاد الناس عنهم، والتمهيد لقتلهم أو طردهم أو سجنهم فتجدهم يصفونهم بأنهم (دعاة الصحوة) وتارة (دعاة الخروج) وتارة (خوارج العصر) إلى غير ذلك من الأوصاف، المتأملُ في هذه الأحداث يجد أنَّ ما قام به فرعون الأول مع المصلحين نفسه ما يسلكه ظلمة اليوم مع الدعاة العاملين، فقط تختلف الأدوات. كم من سجون ملئت وقبور دفنت، ومصلحون شردوا وعن بلدانهم اُبعِدوا كل ذلك باسم الخوف من الإفساد في الأرض وتبديل الدين والله يعلم المصلح من المفسد. أحياناً قد يخاف أولئك الطغاة من ردة فعل الناس ووقفتهم مع أهل الحق، لكن ما يقوي موقفهم ويُعزِّز قرارتهم وقوف فئة التصفيق معهم، من يرون أن كلام الحاكم أو المسؤول يسمع له ويطاع وأن قتل وشرد. تلك الفئة هي من تُقوي موقف الظالم.

قال الملأ..

كثيراً ما تثبت عروش الظالمين بقولة الملأ، يقوى موقف المفسدين بتصفيق المنافقين، الذين يزينون فعل الظالمين على أنه دفاعاً عن الحق وحصاراً للإرهاب وتضييقاً على أهله، ينزلون كلام الملك أو الرئيس منزلة المعصوم. كان فرعون دائماً ما يرمي موسى عليه السلام بالتهم الباطلة ليصرف نظر الناس عنه، تخيل لو أن أحداً من حاشية فرعون أو جمعاً من ملأه أنكر عليه ذلك ونصح له ووقف مع الحق ما كان ليتجرأ على الإقدام في محاولة قتل موسى ومن معه، لكن ذلك لم يكن. كانت مواقف أولئك المصفقين في صف الظالم على الإطلاق، حكى الله مواقفهم السلبية تلك في كثير من آياته "وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ" "قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ" إلى غير ذلك من المواقف.

والناظر لحال زماننا يجد أنَّ الملأ من الغوغاء هم من يتحكمون في قرارات الأمة، من يصفقون للظالم، يدعمون ظلمه وقتله للأبرياء. كان الملأ في عهد الطغاة الأول ينحصرون في حاشيته والمقربون له، لكن توسعت رقعة قطيع الملأ في زماننا فإعلام فاسد، وصحفيون خائنون، ودعاة منتفعون، كلهم يدعمون الظالم، كلٌ يدلي بدلوه في الفتك بالشعوب المكلومة. دائماً ما تجد تلك الحاشية التي تحيط بالظلم تحاول أنْ تلقي برداء التهمة على المصلحين لتلفت أنظار الناس عنهم، وهم في قرارة أنفسهم يعلمون أنَّهم هم المفسدون "وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ"، تأمل قولهم "إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ" رموهم بالعفة في ثوب النصح. والمتأمل يجد أنَّ كل المصلحين الذي أُودعوا السجون أو طُردوا أو قُتلوا كانت البداية بتهمٍ أُلصقت إليهم، هم منها براء أو وُصفوا بصفات في واقع الحال هي سمة طيبة لكنها خرجت مخرج الذم عند أولئك، (دعاة الصحوة)، (دعاة التغيير) لسان حالهم (أسجنوهم في بلدتكم إنهم أناس مصلحون) فتنهض دعواتٌ لسجن الدعاة والعفيفين من أهل الإعلام والسياسية بحجة أنَّهم يريدون تغيراً، ويسعون في الأرض فساداً.

طلب التفويض (ذروني أقتل)
في ظل الصراع الدائم بين الحق والباطل، وتسلط الظالمين وأذنابهم من المنافقين على أهل الصلاح والإصلاح، يبقى قول الله عز وجل "وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ" هو الذي يتعلق به المصلحون"

تأمل.. لما أراد فرعون أن يبطش بموسى عليه السلام، أحب أن يكون ذلك بعد تهيئة الرأي العام لذلك، رغم كونه لا يحتاج لذلك (ذروني أقتل موسى)، وهذا السيناريو يكرره طغاة اليوم مع علماء الأمة ودعاتها والمصلحون فيها وشعوبها (ذروني) أعطوني تفويضاً (أطلب تفويضاً بمواجهة العنف والإرهاب والتطرف وفرض حالة الطوارئ)، يريدون أن يُصوروا أنَّ فعلتهم وبطشهم ببعض الناس ما كان إلا بتفويض من عامة الشعب، بأمر منهم، يزينون باطلهم بتقمص دور الناصح الأمين، وهذا ديدن الطغاة المتجبرين ألا لعنة الله على الظالمين .

ثبات المصلحين

في كل محنة تقع على الأمة تجد من يُثبت الله قلبه، من يقف في وجه الظلم والجور ناصحاً ومحذراً من عاقبة ذلك، لما كان كفار قريش يتقصدون النبي صلى الله عليه وسلم ويضعون على ظهره الأوساخ والأقذار، كان الصديق أبوبكر رضي الله عنه يقف لهم بالمرصاد ويحذرهم من التعرض للنبي صلى الله عليه وسلم، وما كان يخشى بطشهم ولا عاقبة فعلهم، فالمصلح الذي يعلم أن واجبه أن يُبيَّن الحق ولا يكتمه لا تخيفه السياط ولا تصرفه صنوف العذاب، يعلم يقيناً أنَّه قد يناله الأذى لكن في نفس الوقت يتذكر أنَّ عليه كلمة ينبغي أن يُبلغها. لما اجتمع قوم فرعون ليبطشوا بموسى عليه السلام وخططوا لذلك ودبروا، حكى الله قصة رجل مصلح لم تأخذه في الله لومة لائم، لم يخف وعيد الطاغية فرعون فتكلم بشموخ المؤمن "أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" فذكر بهذا الموقف وخُلد ذكره به، وقد رأينا في زماننا من الذين نوَّر الله بصيرتهم نصحوا لحكامهم والظالمين في بلدانهم، وبينوا لقومهم ولم تأخذهم في ذلك لومة لائم، ولم يصرفهم وعيد ظالم. فكان عاقبة أمرهم أن سجنوا وعذبوا واتهموا وصنفوا، كما فعل بأسلافهم، لكن بقي ذكرهم حسناً على ألسنة الناس وبقيت مواقفهم شاهدة على شموخهم وعزهم، نسأل الله أن يفرج عنهم، في حين حفظ لآخرين مداهنتهم لأهل الظلم ووقوفهم بجانبهم، ومدحهم إياهم، لسان حالهم: وما أنا إلا من غزيّةَ إن غـوَتْ.. غوَيتُ وإن ترشدْ غزيّةُ أرشـــدِ. والتاريخ لا يرحم، والمواقف لا تنسى، وكل أمرئ يُذكر بين الناس بفعله إن خيراً أو شراً.

وما كيد الظالمين إلا في تباب

في ظل الصراع الدائم بين الحق والباطل، وتسلط الظالمين وأذنابهم من المنافقين على أهل الصلاح والإصلاح، يبقى قول الله عز وجل "وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ" هو الذي يتعلق به المصلحون، يطمئن به المستضعفون أن للظالمين نهاية وإن طال ليلهم، فكل فرعون يتسلط على قومه مصيره إلى زوال وعاقبته إلى خسران، لكن يبقى السؤال متى يتحقق ذلك ؟ أجاب الله تعالى في كتابه أنَّه وعد عباده بالتمكين في الأرض وتبديل الحال من بعد الخوف أمناً "وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا" ووضع شرطاً لذلك إن تتحقق نال المصلحون والمستضعفون ما وعدوا "يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًٔا" فواجب على الأمة أن تُصلح حالها، أن ترحم ضعفاها وأن تجمع كلمتها، لتزيل عنها تسلط الظالمين وتنال حريتها وتنعم بأمنها.

خذوا العبرة من حياة سوار الذهب!

 خذوا العبرة من حياة سوار الذهب!

محاضر بكلية العلوم الهندسية جامعة أمدرمان الإسلامية ، 
عضو شبكة المشكاة الإسلامية



ما أجمل أن ترحل وتترك خلفك سيرة عطرة، يذكرك الناس بخير ما قدمت، لا سيما وإن كان لك منصب أو كنت صاحب شأن، فكيف وأن كان معها بذل للحياة من أجل الغير. كثيرا ما يرحل أصحاب المناصب وتتبعهم لعنات المستضعفين وذلك لظلمهم وتسلط البعض على رقابهم وتضيقهم على سعة حياتهم والسعيد حقاً من ملك التصرف في حق الغير لكنه آثر سلامة نفسه من القيل في الدنيا ومن العذاب يوم الآخرة.



ما فعله سوار الذهب كان مثالاً للرجل النزيه الذي قدم مصلحة بلاده على حظوظ نفسه، آثر أن يترك خلفه أثراً طيباً وفكرا نيرا عسى أن يقتدي به من بعده


لما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم عن الولاية حذر من طلبها وبين أنها قد تهلك صاحبها (إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة) لأن التعلق بها أمر خطير والظلم فيها والبعد عن القسط جد يسير وقل أن تجد ملكاً من ملوك الأرض يُصرف عن الانشغال بها وبزينتها بعد أن يذوق لذتها ويتهنى بنعيمها.



مرت على الناس شخصيات سجل التاريخ لها مواقف مشرقة وذكريات ناصعة، بعضهم ممن مكن الله له من سياسة الناس فشهد عهده العدل بين الناس والسعي في قضاء حوائجهم. من هذه الشخصيات ذلك الرجل الذهب رحمه الله الذي شهد له أهل السودان بطيب معشره وحسن خلقه وحبه للخير وسعيه في نشره بين الناس.



ولد المشير عبدالرحمن سوار الذهب في العام 1935 م في مدينة الأبيض، تلقى تعليمه في الكلية الحربية السودانية وتخرج منها في العام 1955م، تسلم السلطة وعين رئيسا لجمهورية السودان في العام 1985م وسلم السلطة طواعية في العام 1986م شغل بعد استقالته منصب رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية. هذه الأحداث باختصار لأن الغرض ليس سرد سيرة حياته فكل أهل السودان مدركاً لها متابعاً لتفاصيلها، لكن الحديث هنا عن قيم عظيمة ضربها الرجل في مسيرة حياته. وعن فقد لرجل أمة في زمانه يحتاج الناس أن يقتفون بعضا من سيرته العطرة.





تقلد المشير عبدالرحمن سوار الذهب الحكم ثم تنازل عنه طواعية وقل أن يحدث ذلك من ملك أو زعيم وقد عهد على مر عصور أن من يصل لسدة الملك لا يفارقها إلا بالموت أو تنزع عنه بالقوة لكن ما فعله الذهب كان مثالاً للرجل النزيه الذي قدم مصلحة بلاده على حظوظ نفسه، آثر أن يترك خلفه أثراً طيباً وفكرا نيرا عسى أن يقتدي به من بعده. ثم بعد مغادرته لسدة الحكم ما جلس يترفه بما يحظى به من تتبعهم ملحقات السلطة، بل انخرط في عمل عظيم شرف به وتعطرت به سيرته حيث عمل رئيسا لمجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية التي كان جل عملها في الدعوة وبذل الخير للناس.


رسائل من حياة المشير ووفاته

في حياة المشير سوار الذهب على البساطة وتركه لملذات الدنيا وموته وقد بعد عن ملهيات السياسة رسائل..

– تقلد سوار الذهب الحكم ثم تنازل عنه فزاده الأمر عزا ورفعة وإطراءً حسنا بين الناس، وفي ذلك رسالة لكل حاكم أن التغيير ليس ضعفاً وأن التنازل ليس هواناً وإنما حيث دارت المصلحة ينبغي أن يتبعها المرء.



– أن المسؤول كلما كان قريباً من الناس، من همومهم، من مشكلاتهم كان قريباً من قلوبهم إذا تكلم سمع له وإذا وجه استجاب الناس له وإذا فارقهم تبعته دعواتهم.



توفي المشير سوار الذهب راسما بذلك خارطة طريق للحاكم الذي لم تلهه السلطة عن أبصار طريق الحق والعمل لأجله والاهتمام بقضايا الناس والنزول لحاجاتهم


– قال صلى الله عليه وسلم : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم) فكان نعم الرجل الذي أحبه الناس (تصلون عليهم) أي تدعون لهم فكان كل الناس يذكره بالخير عند المحافل وبعد موته امتلأت الصفحات بالدعاء له والترحم عليه.



– عاش سوار الذهب وسلم يداه من سفك الدم الحرام وأكل المال الحرام فسلم عرضة من ألسنة الناس لأنه أصلح أولا ما بينه وبين الله فأصلح الله ما بينه وبين الناس فعاش بين الناس بحسن سيرة ومات والناس تذكر له كل خير.



– مات المشير سوار الذهب وقد ترك خلفه سيرة عطرة لحاكم مخلص وعامل متقن وزاهد في السياسة وتبعاتها فهلا تعلم منه من جاء بعده.إعلان




– توفي المشير سوار الذهب راسما بذلك خارطة طريق للحاكم الذي لم تلهه السلطة عن أبصار طريق الحق والعمل لأجله والاهتمام بقضايا الناس والنزول لحاجاتهم، بل وكرس جل وقته للعمل الخيري والدعوي نسأل الله أن يتقبله في جنات النعيم وأن يغفر لنا وله أجمعين.



– الحياة قصيرة ومهما بلغ المرء فهو غير مخلد، والسعيد من أتعظ بغيره وتعلم من تجارب الذين سبقوه، ومهما ملك المرء نهاية المطاف حفرة ضيقة يكون بعدها أما نعيم مقيم أو عذاب مهين.



– قال الخليفة عمر عمر رضي الله عنه: (لو طالت بي حياة لما أقررت والياً أكثر من أربع سنين) إن كان عدلاً ملَّه الناس، وإن كان جائراً فيكفيهم من جوره أربع سنين)، فطول المدة مؤذن بالملل، ومن تقلد منصباً عاش فيه زماناً ولم يحقق شيئاً فليترك المجال لغيره، فطول مكث الماء يفسده.



نسأل الله أن يجنب أهل السودان الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يحقن دماءهم، ويحفظ أعراضهم، وأن يحفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم ونعيذه أن يغتالوا من تحتهم ..

الاثنين، 26 مايو 2025

سُلطانُ العلماءِ وعُلماء السُلطانِ

 سُلطانُ العلماءِ وعُلماء السُلطانِ


محاضر بكلية العلوم الهندسية جامعة أمدرمان الإسلامية ، 
عضو شبكة المشكاة الإسلامية


لما وليّ الصديق أبوبكر رضي الله عنه الخلافة قام في الناس خطيباً فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني.. إلى أن قال: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. كانت هذه أول كلمات للصديق فور توليه أمر الناس، مبيناً في ثناياها أنه وُليَ على الناس ليس لأفضليته عليهم -تواضعاً منه إذ شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالأفضلية- وأنه إن توَسد الأمر قد يطرأ عليه النسيان أو الخطأ، فيحتاج إلى النصح إن أخطأ والتنبيه أن نسي، ثم وضع قاعدةً ينبغي لكل من تولي أمر الناس أن يضعها نصب عينيه "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" حتى لا تتكبر نفس من تولى أمراً وتغتر بما تقلدت من منصب وبما أوتيت من جاه.

من تأمل في هذه الكلمات يتبينُ له أن أولى الناس الذين يشملهم خطاب الصديق "وإن أسأت فقوموني" هم أهل العلم والدراية، من آتاهم الله فقهاً وعلماً، لأنهم أعرفُ الناس بالحلال والحرام بالمتشابه والمُحكم، بالمسائل القطعية والخلافية. فلما كان هذا حال من يتولى أمر الناس يقرب البطانة الصالحة ويضع نفسه موضع المُكلفِ لا المُشرف كانت قضايا الأمة ومشاكلها تحل بمشورتهم. لذلك لما مرض أبو بكر الصديق رضي الله عنه مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ما زاد في مالي منذ دخلت الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي، قالت عائشة رضي الله عنها: فلما مات نظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وناضح كان يسقي بستانا له فبعثنا بهما إلى عمر فقال رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده.
 
"هكذا كان سلطان الإمارة يقف من خلفه سلطان العلم"
 

سُلْطَانُ العلم وهيبةُ العلماء
يقول الشيخ الدكتور عبدالحي يوسف: "علماء السوء نعني بهم أولئك الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها"

كان العلماء الربانيون يصدحون بالحق، ولا تأخذهم فيه لومة لائم، فحفظوا للعلم هيبته وسلطانه، إذا أستشارهم الحاكم العادل وطلب نصحاً بذلوه، وإذا توعدهم الظالم ثبتوا على الحق وجهروا به، علموا أن الله خصهم دون سواهم بعلم علمه إياهم، وحملهم على عاتقهم أمانة عظمت معها مسؤوليتهم، فحفظوا عهد الله ببيان ما ولاهم إياه "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ" فهذا هارون الرشيد رحمه الله يطلب من الفضيل بن عياض رحمه الله أن ينصحه، وأن يشير عليه فقال له الفضيل: إن عمر بن عبدالعزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبدالله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليَّ: فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة. فقال له سالم بن عبدالله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا. وليكن إفطارُك منها الموت. وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المؤمنين عندك أباً، وأوسطهم عندك أخاً، وأصغرهم عندك ولداً؛ فوقِّر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غداً من عذاب الله عزَّ وجلّ فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، وأكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت.

وإني أقول لك: إني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام، فهل معك -رحمك الله- مثل هؤلاء، أو من يشير عليك بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديداً. فلو كان الفضيل يريد نوالاً لأكثر من الإطراء والمدح ووصف هارون الرشيد بأنه المصلح -وهارون كان كذلك- ولو كان يخشى بطشاً لتملقه وطوع كل شيء ليتجنب بأسه، لكن لأن الراعي كان مصلحا والعالم كان ناصحاً أميناً لا يخشى في الله لومة لائم، ذكره بنقصه، وبين له موضع خلله، ووضع يده على الجرح ليلتئم، فحفظ للدين هيبته، وذكر الخليفة بما كان ينقصه، فرفع الله ذكره وتوالت الألسنة بالثناء عليه..
 
وهذا الإمام الحبر أحمد بن حنبل رحمه الله لما دخل على المأمون في فتنة خلق القرآن، استشاط المأمون غضباً، وقام فزعاً وقال للإمام أحمد بصوت عال وحدة غضب: هذا هو سيفي قد جردته من غمده فو الله لا أدخله فيه.. إلا أن تعترف بخلق القرآن. كان يسع الإمام أحمد ما وسع غيره من الترخص حين الإكراه، وكان يسعه الصمت لينجو من بطش السلطان، لكن الإمام أحمد علم أن خلفه خلقاً كثيرين ينتظرون قولته، فإن ذل فقد يضل على إثره كثيرون، فآثر أن يقول الحق ويصدح به ويثبت عليه فبين أن القرآن غير مخلوق، فوقف بذلك في وجه السلطان، فضُرب لأجل ذلك وسجن، وثبت الله به الأمة من بعده، فعز ذكره ورفع الله قدره وأجرى الله إلى يومنا هذا ألسنة الناس بالثناء عليه.
هذه نماذج لعلماء حفظوا للعلم سُلطانه ونصحوا لذي السلطان بالعلم الذي معهم، وغيرهم كثير كالإمام مالك رحمه الله لما أفتى رحمه الله أن يمين المكره لا تلزمه، وكان أبو جعفر المنصور يريد من الإمام مالك أن يفتي بغير ذلك، لقي عقابا على ثباته على مبدئه، وكان يسع الإمام مالك في هذه الفتنة أن يأخذ بالرخصة ويسلم من الأذى، فشرف بذلك ورفع الله قدره بثباته، وحق أن يقال فيه:
يدع الجـواب فلا يراجع هيبة
والسائلون نـــــواكس الأذقانِ
 
أدب الوقار وعزُّ سلطان التقى
فهو المطاعُ وليس ذا سلطانِ!
  
وغيرهم ممن رفع الله ذكرهم، وحفظ جهادهم وكلمة الحق التي قالوا بها، هم سلف وواجبٌ علينا أن نتبع نهجهم، وعلى من تقلد رايتهم أن لا ينكسها ويرمي بها في أحضان كل ظالم وفاجر.
  

عُلماء السُلطان
وبضد ما ذكر سابقاً، يوجد صنفٌ من الذين آتاهم الله علماً، وزادهم فيه درجةً، من يُداهن به ذا السلطان الجائر، يتملق به ليبلغ عنده مكانة ومنزلة، يمدح تارة ويلوي أعناق النصوص أخرى ليوافق هوىً لذلك السلطان، مثل هؤلاء والذين ينظرُ إليهم العامة على أنهم قدوة وأسوة، كانوا سبباً في سقوط هيبة العلم والعلماء عند كثيرين. كيف لا والواحدُ منهم يحكي عن جهاد الصحابة والصالحين في إعلاء كلمة ربهم وصبرهم على البلاء، ثم يناقض قوله بفعله وينسف ما بنى بمواقفه. يرى الناس من ذي الظالم جوراً وسفوراً جهاراً نهاراً ثم يجتهد هو في إيجاد المخارج له، والبحث عن التبرير له.
  
فلا يستوي أبداً من كان معتزاً بدينه رافعاً به هامته، يدفع عنه في كل محفل ومَجمَع، ومن نكسه وتذلل به وأشترى به لعاعة من الدنيا، وأسوأ ممن تذلل به ذاك الذي طوعه لخدمة طاغية أو فاجر أو ذي منصب، يصدق فيه قول القائل:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى
وللمشتري دنياه بالدين أعجب

وأعجبُ من هذين من باع دينه
بدنيا سواه فهو من ذين أخيبُ

 
يقول الشيخ الدكتور عبدالحي يوسف: "علماء السوء نعني بهم أولئك الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا والتوصل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها"، تلك الطائفة التي ما انفكت تعين على الباطل وتروج له بالصد عن سبيل الله وتحريف الكلم عن مواضعه وقطع الطريق التي تصل العباد بالله، والتي جعلها حكام السوء في كل زمان مطية لتزيين الشهوات وتبرير المنكرات. هذه الفئة النكرة حذرنا منها رب العالمين في كتابه وضرب لها مثلاً "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" سورة الأعراف.
 
فالمتأمل يجد طائفة من هؤلاء في زماننا ما اكتفت بإعانة الظالم فقط، بل لوت أعناق النصوص من أجل أن تبرر له وتدعم مشروعه وتقف خلفه مدحاً وإطراء وتبجيلاً أهانوا أنفسهم قبل أن يضعوا من قدر ما حملوا.. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد توعد من وليَ أمر الناس فغشهم وكتم عنهم بقوله : (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) وفي رواية لمسلم: "ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ". والغش ضد النصيحة، وعدم القيام بما فيه نجاتهم مع قدرته. فيدخل في ذلك من آتاه الله علماً فهو مسترعاً في دين الله، يحفظ للناس دينهم وينصح لهم.

الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018

سلمان العودة.. ماذا علمني الشيخ السجين؟

سلمان العودة.. ماذا علمني الشيخ السجين؟
18/9/2018


يمر الإنسان في حياته أحياناً بمنعطفات واختبارات، يحتاج في تلك اللحظات لقوة تثبته، أو مرشد يبين له بعض معالم الطريق، يقف بجانبه يأخذ بيده، منه يتعلم أن للنجاح أسرار، وأن المستحيل يتحقق بالثبات، وأن الأفكار الملهمة تحتاج لغرس، خاصة ممن خبر دروب الحياة وصقلته التجارب. في خضم الفتن وكثرة الابتلاء يجد الإنسان في قصص الصالحين والصابرين سلوى، في تواضعهم دفعاً لكبر النفس وإلزاماً لها لتعرف حدها، في صبرهم عبرة لتعيد للقلب تمسكه بالحق الذي يحمله، في جهادهم دفعاً للخوف من النفس وربطاً عليها. فمن يمر على سيرهم منذ العهد الأول مروراً بعهد التابعين ومن تبعهم، يجد في تلك السير ما يجدد في النفس العزم والثبات على المبدأ.

يكون عِظَم التأثر بعمق المعرفة في تلك السِيَر، أو بقرب حدوثها، فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم لها وقع في النفوس لعظم صاحبها صلوات ربي وسلامه عليه. وكذلك سير الصحابة رضوان الله عليهم، فهم الأسوة والقدوة، لكن أحياناً يكون ذلك الشخص الملهم والذي يقتطف الإنسان منه ثمار المعرفة والدرر قريب العهد يشهد المرء لحظات حياته، وصبره وتضحياته. شخصية تأثرتُ بها، تابعتُها كثيراً، رأيت فيها صدق القول مع بيان ذلك بالفعل، وهو ما يجعل التعلق بليغاً حين ترى من الشخص تطبيقاً لما يقول فلا تخالف أفعاله أقواله، وكما قال الأول: وإِذا بحثْتَ عن التقيِّ وجدتـهُ.. رجلاً يصدقُ قولهُ بفعالِ. تلك الشخصية التي رأيت منها تواضعاً عميقاً وصبراً جميلاً وتطبيقاً عملياً لما ينشر على صفحات الكتب، هو فضيلة الشيخ د. سلمان بن فهد العودة، الملهم في كتاباته، صاحب النبرة المميزة في كلماته، لا تكفي كلمات مقال في نثر ما يميزه ويعلي من قدره، وسأحاول أن أنثر في هذه الكلمات بعضاً مما تعلمته من سيرته ومسيرته في دعوته.

علمني العودة أن الداعية الحق ينبغي أن يتواضع للناس بقدر ما عنده من علم وفقه، كنت أسمع كثيراً عن تواضعه الذي يحكيه طلبة العلم والدعاة عنه، وكما قيل ليس من رأى كمن سمع. ثم قدر الله أن كتب للشيخ زيارة للسودان ضمن برنامج دعوي قامت به إحدى المؤسسات، وكان ضمن ما تقوم به تلك المؤسسة أن يهيأ للزائر مركباً معيناً فكان اعتراض الشيخ على تلك الطريقة واصفاً إياها بأنها قد تبني في نفس المرء كبراً. مرت الأيام وكل يوم يعكس تواضع الشيخ، يجلس مع الكبير والصغير، يوقفه الشباب لأخذ الصور فلا يرفض لهم طلباً مع ابتسامة على الوجه يعر الناظر إليها أن فعله ذلك عن رضاً تام ومحبة كاملة. علمني العودة أن العالم العامل أولى الناس بالصبر عند الملمات، وأن الصبر يزيد المرء رفعة في الدرجات، يذكر بين الناس بالفضل وعند رب الأرض والسموات. يسمع المرء كثيراً من الدعاة والمصلحين حديثاً عن الصبر، ينقل بعضهم قصصاً للصالحين من الصحابة والتابعين كلها تحكي عن خصلة الصبر التي قل أن يجسدها الشخص حين تقع المصيبة عليه. جسد الشيخ سلمان العودة خصلة الصبر واقعاً مشاهداً سمعت قصته مع ابنه عبد الرحمن الذي توفي في حادث كان وقتها الشيخ سجيناً، فذكر الشيخ كيف أنه تلقى خبر وفاة ابنه الذي لم يره منذ مدة، وكتب في ذلك أبياته الشهيرة.

وداعاً حبيـبي لا لـــــقاء إلى الحـشر
وإن كان في قلبي عليك لظى الجمرِ
صبرت لأني لــــــم أجــد لي مخلصاً
إليك وما من حيلة لــــي سوى الصبر
تـراءاك عيني في السرير مـــــوسداً
على وجهك المكدود أوسمة الطهر
بـراءة عينيك استـــــثارت مشاعري
وفاضت بأنهار من الدمع في شعري
علمني العودة أن كلمة الحق تقال على كل حال، في الشدة والرخاء، حال الاختيار أو الإكراه، وأعظمها تلك التي تكون عند سلطان جائر كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلى آخر ما ذكره في تلك الأبيات، التي يتسلى بها كل مكلوم، وكل مصاب، وبعد سنين من تلك الحادثة إذا بالشيخ يفجع في زوجته (هيا السياري) وابنه (هشام) في حادث كذلك. حادث أخذ منه شريكة حياته التي أحبها وأعلن ذلك الحب بين الناس، حادث راح معه فلذة كبده وأغلى ما يملك المرء – ابنه – فاجعة مثل هذه تذهب عقل المرء وفؤاده، لكن كان الشيخ فيها عنواناً للصبر، نشر في تغريدة خبر وفاتها معزيا نفسه وأهله، ثم كتب متحدثا عنها وعن ابنه هشام، واستقبل بعد ذلك المعزين في صبر مسلماً لأمر القدر الذي كتبه الله عليه. علمني العودة أن محبة الناس ينبغي أن تظهر في التعامل معهم، فكلمة أحبك في الله ينبغي أن تكون حباً حقيقياً، نوالي من أجلها أولياء الله ننصرهم إذا استنصرونا، ننصح لهم إذا استنصحونا، نتألم لألمهم إذا أصيبوا، ونفرح لفرحهم إذا بالخيرات أغدقوا. تلك هي المحبة الحق، فعلاً وقولاً. علمني العودة أن المرأة تعامل بشيء من العطف والحنان، وأن وصية النبي صلى الله عليه وسلم (استوصوا بالنساء خيرا) ينبغي أن تكون نصب الأعين، كان اهتمامه بها ظاهراً في كتاباته، في تعامله مع بناته وزوجته، يصرح بحبهن والعطف عليهن، ضرب بذلك مثالاً في تعامل الأبن الحاني والزوج المحب. قرأت له كتاب "بناتي" فكان نبراساً ومنهجاً للتعامل مع البنات، وضع فيه بعض النقاط على الحروف التي يجهلها كثيراً من الآباء في تعاملهم مع البنات خاصة في فترة المراهقة.

علمني العودة أن الداعية ينبغي أن يجتهد في ايصال الحق للناس بكل سبيل، وأن يسلك في ذلك كل طريق، وأن المجتهد في طلب الحق يدركه، وأن المخلص في دعوته تفتح له أبوابها وييسر له سبيلها. أذكر أن الشيخ كان من أوائل الذين ظهروا على شاشات التلفاز يوم أن كان يدور حوله لغط ويحكم بعضهم على ذلك بالحرمة، تقدم الشيخ بثقة ودخل في أوساط المجتمع فكان له الأثر. ثم ما أن ظهرت وسائل التواصل كان الشيخ من المقدمين عليها المشاركين للشباب فيها، يبادلهم المحبة، يشاركهم الهموم، يطرح الأفكار، يناقش المعتقدات، فكان قريباً منهم لذلك ظهر تأثر الكثيرين به وتفاعلهم الواضح معه. وما زلت أذكر مقاطعه الشهيرة (وَسْم) التي كان الناس ينتظرون نزولها على قناته على اليوتيوب لمشاهدتها لأنها لامست واقعهم وعالجت كثيرا من قضاياهم.  علمني العودة أن الوقت ثمرة المؤمن، يغتنمه في نفع الناس وإصلاح نفسه، يلاحظ ذلك في كتاباته واهتماه بشأن الوقت والكلام عنه. استثمر وقته في التأليف والكتابة، والنشر والتسجيل، نفع الله به وتداول الناس مخطوطاته، في إحدى الجلسات حكى عن سجنه الذي دام خمس سنوات وكيف أنه أستثمر ذلك في القراءة والحفظ والمدارسة، فجعل من المحنة منحة، ومن السجن مكاناً للعلم والتحصيل، فما ضاع وقته في الندب والتحسر.

علمني العودة أن كلمة الحق تقال على كل حال، في الشدة والرخاء، حال الاختيار أو الإكراه، وأعظمها تلك التي تكون عند سلطان جائر كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن المبادئ لابد أن تكون راسخة لا يزعزعها إرهاب ظالم ولا إغراءات فاجر وأن المرء قد يمتحن في ثباته على المبادئ والتوفيق أن يبقى عليها. وكان الشيخ كذلك ثبته الله وزمرة من إخوانه فوقفوا في وجه الظلم، رفضوا خذلان إخوانهم رغم التهديد والوعيد لسان حالهم كما قال يوسف عليه السلام (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)، فضربوا بذلك أروع الأمثلة في الصدع بالحق، وبينوا أن رابط الدين أقوى من رابط العشيرة والوطن والنسب. بينوا أن القدوة ما ينبغي أن يلتزم الصمت وقت الأزمات بل لا بد أن تكون له كلمته، مبينا للحق. في محنة الأشقاء التي وصلت حد القطيعة والحصار، رفع الشيخ أكف الضراعة ودعا "ربنا لك الحمد لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك اللهم ألف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم" فلم يسلم من تأويل المتربصين فكانت العاقبة أن زج به في السجن. كان حريصاً على جمع الشمل والإصلاح بين الفرقاء، نسأل الله أن يفرج همه وأن يعجل فرجه وأن يجعل ما أصابه كفارة للذنوب والخطايا وأن يجمعه بأهله سالماً غانماً. فــــرج الله عن الشيخ الذي قال بالحـق وللحق كتب، نحسب الشيخ صدوقاً صادقاً، قـال لله ولله احتــسب.