‏إظهار الرسائل ذات التسميات فتاوي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فتاوي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 7 ديسمبر 2025

أحكام شرعية متعلقة بقرار ترامب بتصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية

 أحكام شرعية متعلقة بقرار ترامب بتصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية



تصويرُ النازلة وسؤالُها

بسم الله الرحمن الرحيم ..

في ٢٤/ ١١/ ٢٠٢٥ صدر قرار تنفيذي من البيت الأبيض بتصنيف أفرع من جماعة الإخوان على أنّها كيان إرهابيّ، ما يعني إغراء الأنظمة على مستوى العالم بملاحقة أعضائها ومعهم كثير ممن لا علاقة لهم بها بذريعة الانتماء لها أو التعاون معها؛ مما سيترتب عليه ابتلاءات ستقع للجماعة وقياداتها والمؤثرين فيها، ولكثير من شبابها العاملين، ولبعض من لا يرضى النظام العالميّ عن أدائهم في أمريكا وأوربّا والعالم ولاسيما المنطقة العربية، من مثل الاعتقال والتسليم لأنظمة تنتظرهم لتصفية حساباتها معهم والحدّ من نشاطهم الدعوي والسياسيّ المعارض للأنظمة والداعم لقضايا الأمة؛ فهل هناك معالجة شرعية لهذه النازلة؟

التكييف الشرعيّ لواقع النازلة

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد

فإنّ هذا القرار الغشوم يراد منه التضييق على كلّ عمل دعوي أو خيري أو سياسي مقاوم للظلم والفتنة، وذلك بغضّ النظر عن هوية القائمين بهذا العمل، ومما لا شكّ فيه أنّ الأنظمة في الغرب والشرق سوف تصدع به بدرجات متفاوتة وأنماط مختلفة، وربما وجد البعض فيها ذريعة لتصفية حسابات مع كثير ممن يعملون للإسلام، وغطاءً قانونيًّا لانتهاك حقوقهم وإيقاف أنشطتهم، وكلّ هذا من قبيل المفاسد الكبرى والمخاطر العظمى التي ينتظر أن تحلّ بالدعاة والعلماء والجماعات والمؤسسات الدعوية والخيرية وغيرها؛ وهذه بلا ريب مفاسد واقعية غاية في الخطورة من نظر التكييف الشرعيّ.

والمسلم حيال هذه التحديات مطالب شرعًا بالاعتصام بدينه والتمسك بحقّه في الدعوة لما يؤمن به من الحقّ، ومطالب كذلك بالثبات على الحقّ مع التوكل على الله، قال تعالى: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ‌فَاخْشَوْهُمْ ‌فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: ١٧٣)، وفي الوقت ذاته مطالب شرعًا بأن يتخذ من التدابير ما يحمي به الدعوة ويفوت على العدو فرص الانقضاض عليها؛ ومن ثم فإنّ الواجبات كثيرة ومعقدة؛ لكنّ الأجر عظيم إن شاء الله تعالى.

الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة

أولًا: العمل الجماعيّ مشروعٌ؛ وهو من فروض الكفايات؛ لأنّ واجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والعمل لدينه لا يتمّ إلا من خلال عمل جماعيّ منظم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (وَلَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ إِلَّا ‌أَمَّرُوا ‌عَلَيْهِمْ ‌أَحَدَهُمْ) ١، وقد شغر الزمان عن سلطان شرعيّ يقوم بهذه الواجبات التي لا تسقط إلا بانفراط عقد الكون، فلم يعد لدي الأمة سبيل للقيام بها إلا بالعمل الجماعيّ المنظم، وإذا كانت الجماعات قد تلبست بكثير من الآفات كالتعصب والحزبية والالتفاف على الشورى ونبذ المؤسسية، فإنّ العلاج ليس بإنهاء فكرة العمل الجماعيّ، ولاسيما مع خلو الزمان من سلطان عام، وإذا كانت تعددية هذه الجماعات مع ما تلبست به من آفات أدّت إلى تفرق الكلمة، فإنّ العلاج ليس بإنهاء دورها وحلّ عقدتها وتنكيس راياتها، ولا في دمجها قهرًا في كيان واحد، وإنّما في ترشيد مسيرتها، وإحياء أدب الاختلاف وفنّ إدارة المشترك، مع تقارب أهل الحل والعقد في الأمة واجتماعهم على رؤية واحدة ومشروع موحد، تلتقي عليه كلمتهم، ثم تنطلق كل جماعة تعمل للإسلام بما آتاها الله من استعدادات، وذلك في ظلّ الخطوط العريضة لمشروع الأمة الجامع، وهذا هو الأصلح مع تعدد فروض الكفايات وتعدد وتنوع وتباين الاستعدادات.

ثانيًا: وهذا الواجب (العمل الجماعي) لا يسقط ولا يتخلّف لمجرد صدور قرار كهذا، بسبب الخشية من تبعاته على الأفراد؛ فإنّ الله تعالى منع المؤمنين من أن يخشوا الكفار فيوقفوا العمل لدين الله، فقال عزّ وجلّ: (أَتَخْشَوْنَهُمْ ‌فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الآية (الأنفال: ١٣)، 

وقال سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌اسْتَجِيبُوا ‌لِلَّهِ ‌وَلِلرَّسُولِ ‌إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) الآية (الأنفال: ٢٤)، أي: لما يحييكم من الجهاد في سبيل الله والعمل لدين الله، والأمر بالاستجابة هنا أمر للوجوب، وإن كان من الفقه والعقل والرشد أن تُتَّخَذ التدابير لتلافي المفاسد بقدر الإمكان، كأن يتحور العمل في صور وأنماط تصعب على العدو استهدافه، أمّا ترك العمل الجماعي خشيةً من هؤلاء المجرمين فلا يجوز، ولعلّه في زماننا ينزل منزلة التولّي يوم الزحف، أو يقاربها.

ثالثًا: لا يجوز لنظام من الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين أن يتعاون مع هذا القرار الظالم، لا سيما إن كان من الأنظمة التي لا تزال على إسلامها – لكون الواقع دلّ على أنّها ما تأخرت عن تحكيم الشريعة إلا لأنّها في حال الضرورة – فيجب أنْ تعلم أنّ المعارضين السياسيين والدعاة الإسلاميين وسائر العاملين للإسلام ليسوا إرهابيين كما يدعي هذا الطاغوت الأفاق؛ وعليه فلا يجوز اضطهادهم، لأنّ هذا من قبيل الظلم والطغيان والإثم والعدوان، والله تعالى يقول: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ‌وَلا ‌تَعاوَنُوا ‌عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) (المائدة: ٢)، والرسول الله صلّى الله عليه وسلم قد قال في خطبة الوداع: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» ٢، وقال: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا ولا يُسْلِمُه ولا يَخْذُلُهُ» ٣، وقد أمر الله بتأمين من طلب الأمان من المشركين فقال بعد آية السيف: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ ‌أَبْلِغْهُ ‌مَأْمَنَهُ) الآية (التوبة: ٦)، فكيف بالمسلم؟ بل وكيف بالمسلم الداعية أو المجاهد العامل للإسلام؟! ثمّ إنّ الذي يقوم بتسليم مسلم ليُحكم عليه بالإعدام أو ليُقتل تحت التعذيب هو في الحقيقة شريك في القتل، وقد قال أمير المؤمنين عمر: “لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به”، والجمهور من العلماء على أنّ الجماعة تقتل بالواحد، فلا ريب أنّ هذا حرام، وأنّه ظلم وإجرام.

رابعًا: يجب على المنتمين للجماعات العاملة للإسلام أن يحملوا قادتها على الاستقامة، وعلى التقارب مع الجماعات الأخرى ونبذ الخلاف والشقاق، واستمرار المناصحة لهم. والله أعلم.

هيئة الإفتاء في نوازل الأمة العامة

                         ٢٠٢٥-١٢-٠٦                  

الأربعاء، 11 سبتمبر 2024

لماذا لا أحتفل في ذكرى المولد النبوي؟

 


لماذا لا أحتفل في ذكرى المولد النبوي؟

لأن هذا الأمر ينطوي على أمور خطيرة فقد يبدو هذا الأمر صغيراً في أوله ولكنه عظيم في نهايته فالاحتفال بالمولد: أوله بدعة ومعصية وآخره كفر وزندقة والعياذ بالله.


لماذا لا أحتفل في ذكرى المولد النبوي؟

الجواب:
 

مع أنه جدي وقبل ذلك نبيي وقدوتي وحبيبي صلى الله عليه وسلم فإن هناك أكثر من 40 سبب يمنعني من الاحتفال بيوم مولده، والحق أحق أن يُتبع وإليكم هذه الأسباب بالتفصيل من كلام علماء الدين:

1- لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرني بذلك، وهو النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي لم يقبضه ربه إليه حتى أكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة كما قال سبحانه وتعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فأبان سبحانه بهذه الآية الكريمة أن الدين قد كمُل والنعمة قد أتمت ولم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفيد بمشروعية هذا الاحتفال.


2- لأنه لو كان الاحتفال بيوم المولد النبوي مشروعا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته؛ لأنه أنصح الناس للناس، وليس بعده نبي يبين ما سكت عنه من حقه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وقد أبان للناس ما يجب له من الحق كمحبته واتباع شريعته، والصلاة والسلام عليه وغير ذلك من حقوقه الموضحة في الكتاب والسنة، ولم يذكر لأمته أن الاحتفال بيوم مولده أمر مشروع حتى يعملوا بذلك.

3- لأن الله قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]. ولم أجد في الكتاب والسنة ما يدعوني إلى هذا المولد وطاعة الله وطاعة رسوله تقتضي الامتثال والتسليم بما شرعوا بدون زيادة أو نقصان.


4- لأن في هذا الاحتفال إساءة ظن بنبي الإسلام وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم ولم يفعله صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، ثم الصحابة رضي الله عنهم أحب الناس له وأعلمهم بحقوقه لم يحتفلوا بهذا اليوم، لا الخلفاء الراشدون ولا غيرهم، ثم التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة لم يحتفلوا بهذا اليوم.
أفتظن أن هؤلاء كلهم جهلوا حقه أو قصروا فيه حتى جاء المتأخرون فأبانوا هذا النقص وكملوا هذا الحق؟! لا والله! ولن يقول هذا عاقل يعرف حال الصحابة وأتباعهم بإحسان. وإذا علمت أيها القارئ الكريم أن الاحتفال بيوم المولد النبوي لم يكن موجودا في عهده صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه الكرام ولا في عهد أتباعهم في الصدر الأول، ولا كان معروفا عندهم، علمتَ أنه بدعة محدثة في الدين، لا يجوز فعلها ولا إقرارها ولا الدعوة إليها، بل يجب إنكارها والتحذير منها.

5- ولا نحتفل بهذا اليوم لأنه لم يحتفل بولادته عليه السلام بعد وفاته أحب الخلق من الرجال إليه، وأحب الخلق من النساء إليه؛ ذلكما أبو بكر وابنته عائشة رضي الله عنهما لم يحتفلا بولادة الرسول صلى الله عليه وسلم. كذلك الصحابة جميعًا عمر وعثمان وعلي وفاطمة والحسن والحسين وغيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. كذلك التابعون وأتباعهم لم يحتفلوا به.


6- لأنه مع اختلاف الناس في مولده عليه الصلاة والسلام فإنه لم يفعله الصحابة ولا التابعون ولا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرا محضا أو راجحا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا؛ فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له منا، وهم على الخير أحرص، وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». وكانوا أشد الناس محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وأكثرهم تعظيماً له، ومع هذا الحب وهذا التعظيم ما جعلوا يوم مولده عيداً واحتفالاً، ولو كان ذلك مشروعاً ما تركوه لأنهم علموا أن كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنّته باطناً وظاهراً، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه طريقة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

7- لأن تعظيمه صلى الله عليه وسلم يكون بطاعته وامتثال أمره واجتناب نهيه ولا يكون في مخالفته صلى الله عليه وسلم، والله تعالى حذرنا وطلب من نبيه صلى الله عليه أن يطرح علينا هذا السؤال المهم وأعطانا جوابه: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا . الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103- 104].


8- لأن محبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لا تكون بالبدع والخرافات والمعاصي وإنما تكون بالاقتداء والإتباع:
 

لو كان حبك صادقاً لأطعته *** إن المحبّ لمن يحب مطيع



9- لأنه صلى الله عليه وسلم حذرنا من الاختراع في الدين كما في جاء في الحديث عن عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: «صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْفَجْرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (أحمد: 16694).


10- لأن محبته صلى الله عليه وسلم تقتضي إحياء سنته والعض عليها بالنواجذ، ومجانبة ما خالفها من أي قول أو فعل، ولا شك أن كل ما خالف سنته وهديه فهو بدعة مذمومة ومعصية ظاهرة مشئومة ومن ذلك الاحتفال بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.

11- لأن أهل السنة والجماعة يرونه أنه لا يتم إيمان عبد حتى يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، ومن لوازم ذلك أن يعظمه بما ينبغي أن يعظمه فيه، وبما هو لائق في حقه صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أقول مولده بل بعثته لأنه لم يكن رسولاً إلا حين بُعِث كما قال أهل العلم: "نُبىءَ بإقرأ وأُرسل بالمدثر"، لا ريب أن بعثته عليه الصلاة والسلام خير للإنسانية عامة، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].


12- لأنه ذلك ليس من الأدب معه في شيء فإن من لوازم تعظيمه وتوقيره والتأدب معه واتخاذه إماماً ومتبوعاً ألا نتجاوز ما شرعه لنا من العبادات لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ولم يدع لأمته خيراً إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شراً إلا بينه وحذرهم منه، وعلى هذا فليس من حقنا ونحن نؤمن به إماماً متبوعاً أن نتقدم بين يديه بالاحتفال بمولده أو بمبعثه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]. وبالتالي فإن الاحتفال بالمولد النبوي ينافي الأدب الواجب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعارض مع حفظ حقوقه المشروعة بعد موته عليه الصلاة والسلام.

13- لأنه لا يصحُّ لإنسانٍ يخشى الله، ويقف عند حدود الله، ويتَّعِظَ بقول الله عز وجل: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] أن يحتفل بهذا المولد وغيره من الموالد المبتدعة. فلا يقولنَّ أحد من الناس أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يحتفل به لأن هذا متعلق بشخصه؛ لأن الجواب -كما سبق- لا أحد من أصحابه جميعًا احتفل به عليه الصلاة والسلام فمن الذي أحدث هذا الاحتفال من بعد هؤلاء الرجال الذين هم أفضل الرجال، ولا أفضل من بعدهم أبدًا، ولن تلد النساء أمثالهم إطلاقًا؟


14- ونحن لا نحتفل بهذا المولد لأننا نتمثل وصايا العلماء حيث قالوا: "اصبر نفسك على السنة، وقِف حيث وَقف القوم، وقل بما قالوا، وكُف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم". ووالله إنه يسعنا ما وسعهم.

15- لأن الأعياد والمناسبات التي ترد على أمة الإسلام معدودة معروفة جاء الشرع ببيانها وحث الناس على الاعتناء بها، من ذلك مواسم الخير في رمضان وعيدي الفطر والأضحى وعشر ذي الحجة والمحرم، ونحوها، وليس منها يوم المولد النبوي لما فيه من التشبه بالكفار، ومعلوم أن المسلمين ليس لهم عيد سوى الفطر والأضحى، وعيد الأسبوع الذي هو يوم الجمعة، وأي احتفال بعيد آخر فهو ممنوع، ولا يخرج عن أحد أمرين: البدعة، إن كان الاحتفال به على وجه التقرب إلى الله، كالاحتفال بالمولد النبوي، والتشبه بالكفار: إن كان الاحتفال على وجه العادة لا القربة؛ لأن إحداث الأعياد المبتدعة هو من فعل أهل الكتاب الذين أمرنا بمخالفتهم.


16- لأنه ليس فقط بدعة وتشبه إلا أنه وسيلة للغلو الذي نُهِينا عنه أن الاحتفال بذكرى مولد الرسول مع كونه بدعة وتشبهاُ بالنصارى وكل منهما محرم، فهو كذلك وسيلة إلى الغلو والمبالغة في تعظيمه حتى يفضي إلى دعائه والاستعانة به من دون الله، كما هو الواقع الآن من كثير ممن يحييون بدعة المولد، من دعاء الرسول من دون الله، وطلب المدد منه، وإنشاد القصائد الشركية في مدحه كقصيدة (البُردة) وغيرها، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن الغلو في مدحه فقال: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» (البخاري: 2445).
وَالْإِطْرَاء: الْمَدْح بِالْبَاطِلِ والإفراط في المدح، ومفهوم الحديث أي: لا تغلوا في مدحي وتعظيمي كما غلت النصارى في مدح المسيح وتعظيمه حتى عبدوه من دون الله، وقد نهاهم الله عن ذلك بقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171]. ونهانا نبينا صلى الله عليه وسلم عن الغلو خشية أن يصيبنا ما أصابهم؛ قال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: «قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ: هَاتِ الْقُطْ لِي، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ: بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» (النسائي: 3057 وهو في صحيح سنن النسائي برقم 2863).

17- لأن الرسول صلى الله عليه وسلم غني عن هذا الاحتفال البدعي بما شرعه الله له من تعظيمه وتوقيره كما في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4]، فلا يذكر الله عز وجل في أذان ولا إقامة ولا خطبة وإلا يذكر بعده الرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك تعظيماً ومحبة وتجديداُ لذكراه وحثاً على اتباعه.


18- لأنه ليس في البدع شيء حسن فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (مسلم: 1718)، وقال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (مسلم: 867) فحكم على البدع كلها بأنها ضلالة، وهذا يقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة حسنة.
وهنا سِّر لا يتنبَّهُ له الكثير فالسر في أن كل بدعة كما قال عليه الصلاة والسلام بحق ضلالة هو أنَّه من باب التَّشريع في الشَّرع الذي ليس له حق التَّشريع إلا ربّ العالمين تبارك وتعالى. وإذا انتبهتم لهذه النقطة عرفتم حينذاك لماذا أطلق عليه الصلاة والسلام على كل بدعة أنها في النَّار أي صاحبها ذلك لأنَّ المبتدع حينما يُشرِّع شيئًا من نفسه فكأنَّه جعل نفسه شريكًا مع ربِّه تبارك وتعالى.

19- والله عز وجل يأمرنا أن نوحِّده في عبادته وفي تشريعه؛ فيقول مثلاً في كتابه: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] أندادًا في كل شيء ويدخل في ذلك التَّشريع.


20- لأن مفهوم الحديث أن من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة كما قال العلماء.

21- لأن إحياء بدعة المولد يفتح الباب على مصراعيه للبدع الأخرى والاشتغال بها عن السنن. ولك أن تلاحظ أن هؤلاء القوم ينشطون في إحياء البدع ويكسلون عن أداء السنن ويبغضونها ويعادون أهلها، حتى صار دينهم كله ذكريات بدعية وموالد ولا ينكر ذلك إلا جاحد أو مماري.


22- لأننا كمسلمين نرجو أن نحبه صلى الله عليه وسلم حباً حقيقيا؛ فحب هؤلاء ليس بحب حقيقي. فهل سيشفع للنصارى حبهم لعيسى بن مريم وقولهم أنه ابن الله -تعالى الله عن قولهم-؟ وهل اتبعوه حقيقة عند تحريف دينه وتغيير شريعته؟ حتى جاء الإسلام وأعاد الأمور إلى نصابها بعقيدة واضحة بينة سيحكم بها عيسى بن مريم عليه السلام عند نزوله في آخر الزمان.

23- لأن فيه تشبها بأهل الكتاب في أعيادهم البدعية فلا شك أن في المولد النبوي مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام، وقد أمرنا الله بمخالفتهم قال صلى الله عليه وسلم: «وَخَالِفُوا الْيَهُود» (صحيح أبي داوود: 2113)، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّة وَاشْتُهِرَ أَمْر الْإِسْلَام أَحَبَّ مُخَالَفَةَ أَهْلِ الْكِتَاب صلوات الله وسلامه عليه. والمخالفة في أمر دينهم قد تكون على سبيل الوجوب ومن ذلك اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدا كما اتخذوا يوم مولد عيسى عليه السلام عيداً.
ومن المفارقات أنه لم يثبت عند النصارى يوم محدد لولادة عيسى عليه السلام ولا عند أمة الإسلام تحديد مولد نبينا عليه الصلاة والسلام؛ فالخلاف فيه قوي. وإذا نظرنا في كتب السيرة النبوية: سنجد أن كتَّاب السيرة يختلفون حول ميلاده صلى الله عليه وسلم إلى أقوال هي كما يلي:
1. يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.
2. ثامن ربيع الأول.
3. عاشر ربيع الأول.
4. ثاني عشر ربيع الأول.
5. وقال الزبير بن بكار: ولد في رمضان.

24- لأنه لو كان يترتب على ميلاده صلى الله عليه وسلم شيء لسأله عنه الصحابة رضي الله عنهم، أو لأخبرهم هو به صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك لم يكن.


25- لأنني لا أريد أن احتفل بيوم وفاته صلى الله عليه وسلم. فيوم وفاته صلى الله عليه وسلم لم يُختلف في أنها وقعت في الثاني عشر من ربيع أول من السنة الحادية عشر للهجرة أفلا ننظر بعدها متى يحتفل هؤلاء المبتدعة؟ إنهم يحتفلون في وقت وفاته لا ميلاده!


26- لأن الإقرار بيوم المولد وأمثاله ينافي الوضوح التام الذي هو من مزايا دين الإسلام فلو كان ذلك من الأمور التي ينبني عليها شيء لكانت واضحة؛ فتعساً لمن كان دينه بهذه الضبابية. ومن البدهي لكل ذي لب وبصيرة أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته لم يكن ليحتفل بولادته؛ ذلك لأن الاحتفال بولادة إنسان ما إنما هي طريقة نصرانيَّة لا يعرفها الإسلام مطلقًا.

27- لأنَّ عيسى عليه السلام نفسه الذي يحتفل بميلاده المدَّعون من أتباعه لم يحتفل بولادته مع أنها ولادة خارقة للعادة وإنما كان الاحتفال بولادة عيسى عليه السلام من البدع التي ابتدعها النَّصارى في دينهم، وهي كما قال عز وجل: {ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] كغيرها من بدعهم الكثيرة التي انتهت بهم إلى تغيير دينهم وانحرافهم عنه حتى صاروا من الضالين إلى قيام الساعة والمسلم يدعو في كل صلاة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6-7].


28- لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بالأنبياء بعدم احتفاله بهذا اليوم فعيسى عليه السلام لم يحتفل بميلاده، ومحمد صلى الله عليه وسلم أيضًا لم يحتفل بميلاده، والله عز وجل يقول: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90]. فهذا من جملة اقتداء نبيِّنا بعيسى عليه الصلاة والسلام، وهو نبينا أيضًا ولكن نبوَّته نُسِخَت ورُفِعَت بنبوَّة خاتم الأنبياء والرُّسل صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك فعيسى حينما ينزل في آخر الزمان كما جاء في الأحاديث الصحيحة المتواترة إنما يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

29- وهكذا تتوالى الأسباب الوجيهة المتناسقة كما نجد ثم جاء الضغث على إبالة كما يُقال؛ فصار عندنا أعياد واحتفالات كثيرة؛ كما جاء الاحتفال بسيد البشر تقليدًا للنصارى؛ كذلك جرينا نحن؛ حتى في احتفالنا بمواليد أولادنا أيضًا على طريقة النصارى، وإن تعجب فعجبٌ من بعض هؤلاء المنحرفين عن الجادة؛ يقولون: النصارى يحتفلوا بعيسى بنبيهم، نحن ما نحتفل بميلاد نبينا عليه الصلاة والسلام؟! أقول: هذا يذكِّرُنا بما هو أقل من ذلك، وقد أنكره الرسول عليه الصلاة والسلام؛ حينما كان في طريق في سفر فمرُّوا بشجرةٍ ضخمة للمشركين؛ كانوا يعلِّقون عليها أسلحتهم؛ فقالوا كلمة بريئة جدًّا؛ ولكنها في مشابهة لفظيَّة قالوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ؛ قال عليه السلام: اللَّهُ أَكْبَرُ! هَذِهِ السُّنَنُ، لَقَدْ قُلْتُمْ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً» (صحيح الترمذي: 2180).


30- لذلك فمن الأدلة التي تمنعنا من هذا الاحتفال القصة السابقة والتي استدل بها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: «اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً». وقد يستغرب الإنسان كيف الرسول عليه السلام يقتبس من هذه الآية حجة على هؤلاء الذين ما قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة؛ وإنما قالوا: اجعل لنا شجرة نعلِّق عليها أسلحتنا، كما لهم شجرة؛ فقال: «اللَّهُ أَكْبَرُ! هَذِهِ السُّنَنُ»؛ يعني بدأتم تسلكون سنن من قبلكم كما في الأحاديث الصحيحة، «قلتم كما قال قوم موسى لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة»، فكيف بمن يقول اليوم صراحة النَّصارى يحتفلوا بعيسى نحن ما نحتفل بنبينا عليه السلام؟! الله أكبر! هذه السَنَن، وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حين قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ؛ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ! اليَهُودُ وَالنَّصَارَى هُمْ؟ قَالَ: فَمَنْ» (البخاري: 7320).

31- لأن العبادات الأصل فيها التوقف والاتباع ولا تُبنى على الرأي والابتداع. وما عظمه الشرع من تعظيم زمان أو مكان فإنه يستحق التعظيم بالدليل وعلى سبيل المثال اتخاذ مقام إبراهيم مصلى قد جاء به الشرع أما الاحتفال بالمولد فلم يرد به دليل أو سنة.


32- لأن التقدم بين يديه في سنته كالتقدم بين يديه في حياته والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1]. أي لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تعجلوا بالأمر والنهي دونه في جميع أموركم صغيرها وكبيرها أي في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. وهكذا ينبغي أن يكون المؤمن الحقيقي فيتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مرجعاً له في حياته ولا يتعدى سنته؛ فالتقدم بين يديه في سنته كالتقدم بين يديه في حياته.

33- لأن من أراد أن يعظِّم اليوم الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فعليه بالبديل الشرعي، وهو صوم يوم الاثنين، وليس خاصّاً بيوم المولد فقط بل في كلّ يوم اثنين. فقد روى (مسلم: 1162) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ»، وروى (الترمذي: 747) وحسنه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ».
ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كانت قدماه تتفطر من طول قيام الليل ويقول أفلا أكون عبداً شكوراً لن يختار إلا الأفضل وهديه أكمل الهدي ناهيك عن يوم الاثنين يتكرر في كل أسبوع ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لذلك فحسب؛ بل لأنه يوم تُرفع فيه الأعمال إلى الله ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الثاني عشر من ربيع والاستدلال بهذا فاسد.


34- لأن من أشاعه واحتفل به العبيديون -الذين سُموا زورا (فاطميون) الذين كانوا من الخلفاء أجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة، وأخبثهم سريرة، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات، وكثر أهل الفساد، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد، وكثر بأرض الشام النصرانية والدرزية والحشيشية، كما أخبرنا العلماء في تاريخهم- وهؤلاء أول من أحدثها وحضرها وحث عليها. وأول من أحدث المولد النبوي بمدينة (إربل): الملك المظفر أبو سعيد في القرن السابع، وقد استمر العمل بالمولد إلى يومنا هذا، وتوسع الناس فيها، وابتدعوا كل ما تهواه أنفسهم، وتوحيه شياطين الإنس والجن. وفي جميع الأحوال فإن أصل عمل المولد النبوي لم يُنقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة وإنما أُحدِث بعدهم وفي هذا وحدة كفاية لترك العمل به.

35- لأنك تشاهد الكثير ممن ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها ممن يتخلف عما أوجب الله عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأساً، ولا يرى أنه أتى منكراً عظيماً، ولا شك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي نسأل الله العافية لجميع المسلمين.
36- لأنك تشاهد اليوم أيضاً حال هؤلاء المبتدعة وكيف أنهم انقسموا إلى فرق كل فرقة تحيي ذكرى موالد أئمتها كمولد الجيلاني والبدوي وابن عربي والدسوقي والشاذلي، وهكذا لا يفرغون من مولد إلا يشتغلون بآخر، ونتج عن ذلك الغلو بهؤلاء الموتى وبغيرهم ودعائهم من دون الله، واعتقادهم أنهم ينفعون ويضرون؛ حتى انسلخوا من دين الله وعادوا إلى دين أهل الجاهلية الذين قال الله فيهم: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، وقال تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3].

37- لأننا رأينا أن جُل من يقوم بذلك هم من القبوريين، بل كيف أصبح هذا المولد ذريعة للتشقيق والاحتفال بالموالد التي تنطلق من قبور الأولياء ليستفيد منها السدنة وأرباب الطرق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا» (البخاري: 437)، وعنه صلى الله عليه وسلم: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (البخاري: 437، ومسلم: 530). أليس في هذا تحذير من مشابهتهم وتحذير واضح في عدم الوقوع بمثل أمرهم؟ بلى والله.


38- لأنه ثبت أنها ساقت بعض القوم إلى الشرك الأكبر فإذا تأملت أحوال هؤلاء المولعين بمثل هذه البدع بالإضافة إلى ما ذكرنا من أنك تجد عندهم فتوراً عن كثير من السنن؛ بل في كثير من الواجبات والمفروضات تجد أمراً خطيرا يقع في بعض هذه الاحتفالات من الغلو بالنبي صلى الله عليه وسلم المؤدي إلى الشرك الأكبر المخرج عن الملة الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يحارب الناس عليه، ويستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم، ومن أشهر ذلك أنه يلقى في هذه الاحتفالات من القصائد قول البوصيري:
 

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك *** عند حدوث الحادث العمم
إن لم تكن آخذاً يوم المعاد يدي *** صفحاً وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علمُ اللوح والقلم


وهذا مما يُخرج عن الملة قطعاً فمثل هذه الأوصاف لا تصح إلا لله عز وجل، والعجب العجب لمن يتكلم بهذا الكلام إن كان يعقل معناه كيف يسوغ لنفسه أن يقول مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام: "فإن من جودك الدنيا وضرتها" والقارئ يعرف أن (من) للتبعيض (والدنيا) هي الدنيا (وضرتها) هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من جود الرسول عليه أفضل الصلاة وأتم السلام وليس كل جوده! فما الذي بقي لله عز وجل؟
الجواب: إن هذا لم يبقي لله تعالى شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة تعالى الله عن قوله علواً كبيراً وكذلك في البيت الآخر: "ومن علومك علم اللوح والقلم" (ومن): هذه للتبعيض أيضا وليت شعري ولا ندري ماذا أبقينا لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الخطاب؟! وهذا هو الغلو بعينه وحوله يدندنون، حاشا لرسوله الكريم أن يرضى عن هؤلاء، وتعالى الله عن قولهم سبحانه عز وجل. فلا تقتصر على مجرد كونها بدعة محدثة في الدين بل يضاف إليها شيء من المنكرات مما يؤدي إلى الشرك.

39-لأن هذه الاحتفالات حرام في ذاتها فكيف وقد سمعنا أنه يحصل فيها اختلاط بين الرجال والنساء، ويحصل فيها تصفيق ودف وغير ذلك من المنكرات التي لا يمتري في إنكارها مؤمن، ونحن في غِنَى بما شرعه الله لنا ورسوله ففيه صلاح القلوب والبلاد والعباد.


40- لأنها ليست من قضايا الخلاف السائغ فالعلماء لا يعتبرونها من المسائل الخلافية المعتبرة التي لا ينكر فيها؛ بل يعتبرونها من المسائل البدعية التي يُنكر فيها على المخالف فالمخالفين لهم ليس عندهم سند علمي صحيح سوى العواطف.

41- لأن الدين وعبادات أهل الإسلام لا تؤخذ من المنامات والأحلام بل مصدرها الوحيد هو الوحي. لأنك تجد أن بعض هؤلاء المبتدعة يستدل على مشروعية الاحتفال بناء على الرؤى والمنامات فجعلوا ذلك سنة مؤكدة.
والصحيح أن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال إلا أن تعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية فإن سوغتها عمل بمقتضاها وإلا وجب تركها والإعراض عنها وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة وأما استفادة الأحكام فلا.
 

42- لأن هذا الأمر ينطوي على أمور خطيرة فقد يبدو هذا الأمر صغيراً في أوله ولكنه عظيم في نهايته فالاحتفال بالمولد: أوله بدعة ومعصية وآخره كفر وزندقة والعياذ بالله.


وهذا الجواب رسالة أخ محب لإخوانه المسلمين، ونصيحة من القلب إلى القلب لا أنسبها لنفسي: إن هي إلا كلمات جمعتها من كلام أهل العلم قد رتبتها ورأيت أن تكون بدون إشارة اختصارا وقد نقلتها نصاً مراراً وبتصرف يسير أحياناً، ومقصودي الأول والأخير أن يُعرض الحق بالدليل والكلام الرصين بدون تطويل بعيداً عن التنفير؛ فبعض القوم هداهم الله قد ينفر من الكلام بمجرد سماع اسم قائله لما جرى لهذا القائل من التشويه أو التحقير من مشايخ السوء والضلال أعاذنا الله من شرورهم.

أسأل الله تعالى أن يجزي كل من استفاد منه وجميع علمائنا خير الجزاء، وأن يرشدنا لما فيه الخير والصواب وأن يرزقنا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يوردنا حوضه وأن يسقينا منه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً إنه سميع قريب.


حازم بن أحمد الهاشمي

السبت، 14 مارس 2020

تحرير المقاصد وتحريم تعطيل المساجد


تحرير المقاصد وتحريم تعطيل المساجد
ليس أهلا للفتوى من لا يدرك خطورة مشروع الحملة الصليبية لتغريب العالم العربي وتحجيم دور المساجد في بلدانه وفتح الباب على مصراعيه لبناء الكنائس والمعابد الوثنية حتى وصل الحال لإغلاق المساجد وتعطيلها دون الكنائس في دول آخر ما تفكر فيه حياة الإنسان وحقوقه!
بقلم أ.د. حاكم المطيري
19 رجب 1441هـ
14 مارس 2020م

سؤال/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
شيخنا الكريم
بخصوص تعليقكم على فتوى المنع من الصلوات الخمس في المساجد لمنع انتشار الفايروس؛ أليس في فتواهم نوع مناسبة في درء مفسدة أعظم؟ خصوصا أن الرجل قد يكون حاملا للمرض في بداياته ولا يشعر به فيصلي مع العامة مما قد يكون سببا في انتشاره.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وحياك الله ..
من عرف حقيقة الإسلام والإيمان والتوحيد لم يخفَ عليه بطلان فتوى إغلاق المساجد ومنع الصلوات خشية المرض!
فهذا لا يسوغه من يعرف أصول الإسلام فضلا عن فروعه! وإنما هو أثر من آثار الثقافة الغربية العلمانية المادية الطاغية التي جعلت من الإنسان سلعة منتجة يُخشى عليها من التلف وتكليف الدولة خسارة مادية باسم الاشتراكية! أو جعلته إلها يعبد من دون الله باسم الحرية والليبرالية! حتى غدت الحياة الدنيا وصلاحها بالنسبة لهم أهم من صلاح دينه وإيمانه وآخرته، كما يقرره الإسلام، الذي شرع الجهاد والقتال في سبيل الله، وإتلاف النفوس والأموال لظهور أحكامه‏ ‏﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ﴾ ‏﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾!
وقد أجمع الفقهاء على أن حفظ الدين هو أول الضروريات الخمس، ثم يأتي حفظ النفس، فإقامة أحكام الإسلام ولو بالجهاد في سبيل الله الذي يفضي لتلف النفوس هو أصل الدين!
ومن ذلك إقامة ذكر الله في بيوته ومساجده وإعمارها بالصلوات الخمس والجمعة والجماعة، سواء فروض الأعيان أو فروض الكفاية، وقد قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٣١/ ٢٥٥ (ولا يحل إغلاق المساجد عما شرعت له).
وقال العيني في كتاب "البناية شرح الهداية للمرغيناني في فقه الحنفية" ٢/ ٤٧٠ (...ويكره أن يغلق باب المسجد؛ لأنه يشبه المنع من الصلاة) أي لأن الإغلاق شبه المنع فيكره؛ لقوله تعالى: ‏﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾..).
وقد سئل علماء مصر سنة ١٣١٦ عن حكم منع الحج من مصر لوجود وباء في الحجاز، فأفتوا بالإجماع بعدم جواز المنع من فريضة الحج، حيث جاء في مجلة المنار ٢/ ٣٠ (اجتمع مجلس النظار اجتماعا خصوصيا للمذاكرة في أمر منع الحج الذي يراه مجلس الصحة البحرية ضروريا لمنع انتقال الوباء من بلاد الحجاز إلى مصر، ولما كان المنع من الحج منعا من ركن ديني أساسي لم يكن للنظار أن يبرموا فيه أمرا إلا بعد الاستفتاء من العلماء... ولهذا طلب رئيس مجلس النظار لحضور الاجتماع صاحب السماحة قاضي مصر، وأصحاب الفضيلة شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية، والشيخ عبد الرحمن النواوي مفتي الحقانية، والشيخ عبد القادر الرافعي رئيس المجلس العلمي سابقا، فحضروا وتذاكروا مع النظار، وبعد أن انفضوا من المجلس اجتمعوا، وأجمعوا على كتابة هذه الفتوى وإرسالها إلى مجلس النظار وهي بحروفها:
الحمد لله وحده.. لم يذكر أحد من الأئمة من شرائط وجوب أداء الحج عدم وجود المرض العام في البلاد الحجازية؛ فوجود شيء منها فيها لا يمنع وجوب أدائه على المستطيع. وعلى ذلك لا يجوز المنع لمن أراد الخروج للحج مع وجود هذا المرض متى كان مستطيعا.
وأما النهي عن الإقدام على الأرض الموبوءة الواردة في الحديث، فمحمول على ما إذا لم يعارضه أقوى؛ كأداء الفريضة، كما يستفاد ذلك من كلام علمائنا.
وأيضا فإن النهي عن الدخول أو الخروج تابع لاعتقاد الشخص الذي يريد الدخول أو الخروج، كما يفيده ما في تنوير الأبصار متن الدر المختار؛ حيث قال: "وإذا خرج من بلدة بها الطاعون وهو الوباء العام- فإن علم أن كل شيء بقدر الله تعالى فلا بأس بأن يخرج ويدخل، وإن كان عنده أنه لو خرج نجا ولو دخل ابتلي به كره له ذلك، فلا يدخل ولا يخرج" اهـ. وأيده شارحه السندي. والله أعلم. في ٢ ذي القعدة سنة ١٣١٦).
وقد طغت النظرة الغربية المادية في التعامل مع وباء كورونا بحصر القضية كلها بالطب الطبيعي فقط كالاحتياط والوقاية والعلاج، وقطعت العلاقة بعالم الغيب وبالطب الإيماني الذي يقتضي التوبة إلى الله، والإنابة إليه، ودعاءه وحده، والتوكل عليه، والصبر على بلائه، والرضا بقضائه، واستحضار عظمته، وهو حقيقة الإسلام والإيمان بالله!
والاحتجاج بدرء المفاسد ومنع العدوى لتعطيل المساجد ومنع إقامة الفرائض ضرب من العلمانية المادية التي تتدثر بالفتوى الدينية!
‏ووجود الوباء ليس نازلة تحتاج إلى اجتهاد وفتوى جديدة، فقد كان الوباء والطاعون شائعا في زمن النبي وقد بيّن أحكامه بالتفصيل، ولم يأذن قط بإغلاق المساجد وترك الصلوات فيها، بل نهى عن القدوم على أرض الطاعون، والخروج منها، وألا يختلط مريض بصحيح، ونفى وجود العدوى أصلا نفيا قاطعا معللا ذلك بالدليل الحسي، فقال: (لا عدوى) وقال: (فمن أعدى الأول) وقال: (لا يعدي شيء شيئا، فقال أعرابي: يا رسول الله، البعير أجرب، فتجرب الإبل كلها، فقال رسول الله : فمن أجرب الأول؟ لا عدوى، ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ورزقها ومصائبها)!
وقال ابن عمر -كما في صحيح البخاري- حين اشترى إبلا مريضة يخشى منها العدوى  (رضينا بقضاء رسول الله : لا عدوى).
وقد تواتر حديث: (لا عدوى) عن أكثر من عشرة من الصحابة رضي الله عنهم وهم أبو هريرة، وابن عمر، وجابر، وأنس، في الصحيحين، وابن عباس في صحيح ابن حبان، وسعد بن أبي وقاص في مسند أحمد والصحيحة للضياء المقدسي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن مسعود في الترمذي ومسند أحمد بأسانيد حسنة، والسائب بن يزيد، وأبو أمامة، وعمير بن سعد، في معجم الطبراني، وأبو سعيد الخدري عند الطحاوي.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٠/ ١٦٠: (فحديث (لا عدوى) ثبت من غير طريق أبي هريرة، فصح عن عائشة، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، وغيرهم).
وقد نفى النبي العدوى، وأمر بالوقاية الصحية عند وقوع الطاعون، فمن أفتى بجواز إغلاق المساجد ومنع الأصحاء من الصلوات الخمس فيها والجمعة والجماعة خشية العدوى؛ فقد حاد الله ورسوله، وأثبت ما نفاه النبي واتخذه ذريعة لمناقضة شرعه، وخالف النص والإجماع، وسن في الإسلام سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وفتح الباب للاجتراء على تعطيل المساجد ومنع الفرائض القطعية بشبهة سد الذريعة لكل من أراد إغلاقها، بدعوى الخوف على الناس، مع أن أسباب الخوف كثيرة كالحروب والفتن الداخلية مما يجعل المساجد عرضة لتدخل الدول في إغلاقها متى أرادت السلطة ذلك بدعوى المصلحة، مع أن المقتضي لمثل هذا الإجراء وهو وجود الأوبئة والطاعون كان موجودا في عهد النبي ، وكان في المدينة وباء يصيب كل من دخلها أول مرة فلم يؤثر عن النبي أنه رخص بتعطيل الجمعة والجماعة بسبب ذلك، فعلم يقينا بطلان الاحتجاج بهذه الشبهة، بل قاعدة سد الذريعة تقتضي منع السلطة من الاجتراء على إغلاق المساجد وتعطيل الجمعة والجماعة والصلوات الخمس ومنعها من التدخل في شأنها على هذا النحو؛ لأنه فتح لباب عظيم من أبواب الشر، وبإمكان السلطة بدلا من ذلك منع الناس من الخروج، لا إغلاق المساجد ومنع الصلوات الخمس فيها، فليس هذا من صلاحيتها وولاية الدولة على المساجد ولاية رعاية وتنظيم، لا ولاية منع وإغلاق وتعطيل!
ونفي النبي للعدوى أصلا واستدلاله الحسي المنطقي وهو (فمن أعدى المريض الأول) يؤكد بأن الأوبئة وفيروساتها موجودة فعلا، وقد يتعرض لها الإنسان بقدر الله كما حدث للمريض الأول، فيمرض لعجز جسمه ومناعته عن دفعها، وقد لا يمرض لقوة مناعته، كما هو مشاهد، فليس كل من اختلط بالمرضى يمرض، وليس سبب المرض العدوى نفسها، ومخالطة المريض بحد ذاتها، بل السبب الداء نفسه وضعف مناعة الجسم عن دفعه، فالحجر وقاية منه لا أن العدوى هي العلة والمرض، وقد قال النبي (ما أنزل الله من داء إلا له دواء)!
وقد عمّ الطاعون في عهد عمر الشام، فلم يؤثر أنهم عطلوا الجمعة والجماعة، أو منعوا من أدائها في المساجد، وكذا صلاة الجنازة وهي فرض كفاية، كما في مصنف ابن أبي شيبة عن عمرو بن مهاجر، قال: "صليت مع واثلة بن الأسقع رضي الله عنه على ستين جنازة من الطاعون، رجال ونساء، فكبر أربع تكبيرات، وسلم تسليمة"، ولم يعرف مثل هذا المنع المبتدع في تاريخ المسلمين كله، مع أن الطاعون أشد خطرا من وباء كورونا، فالموت منه متحقق، بخلاف كورونا الذي لا تتجاوز نسبة الوفاة به 2% مما ينفي عنه وصف المرض الخطير الذي يوجب تعطيل المساجد ومنع الجمعة والجماعة على الأصحاء، ولا يمنع ملايين المسلمين من مساجدهم وإقامة فرائض دينهم وشعائرهم، لمجرد وجود مئة أو مئتي مريض، كيف والصلاة عمود الدين في الإسلام!
 فليس مع من أفتى بإغلاق المساجد وتعطيل الجمعة والجمعة نص ولا قياس ولا فتوى إمام معتبر، بل أهواء سياسية جعلت المساجد والصلوات أهون مفقود في حياة المسلمين اليوم حتى تم إغلاقها قبل إغلاق الأسواق التجارية! وكان بالإمكان الاحتراز من المرض بحظر التجول إذا اقتضت الضرورة، ولزوم الناس بيوتهم، دون إغلاق المساجد ودون فتوى مرسلة بلا دليل من كتاب ولا سنة ولا نظر بالمنع من الجمعة والجماعة وهو ما لم يجرؤ عليه أحد من قبل!
وقد استطاعت كثير من الدول مواجهة المرض بوضع أجهزة كشف مبكر لأماكن التجمعات كالمطارات ونحوها، دون إغلاقها، وبالإمكان وضعها على أبواب الجوامع الرئيسية في كل مدينة تصلى بها الجمعة والجماعة، واتخاذ الإجراءات التي تحد من المرض دون إغلاق المساجد وتعطيل الصلوات!
وأما الاحتجاج بحديث: (الصلاة في الرحال) عند البرد الشديد والريح العاصف، فإنه لا يقتضي إغلاق المساجد، ولا منع من أراد الأخذ بالعزيمة، والخوف يسقط وجوب الجمعة والجماعة على الخائف وحده، لا إغلاق المساجد ومنع من لم يخف من إقامتها!
 وما زال المسلمون إذا عمّ الوباء والطاعون يهرعون للمساجد للدعاء والاستغفار، كما هي السنة، ولم يذكر قط أن أحدا من الأئمة أفتى بإغلاق المساجد ومنع المصلين منها للخوف من الوباء!
وقد احتج الحنفية بعموم حديث: (إذا رأيتم شيئا من هذه الأفزاع فافزعوا إلى الصلاة)، قال في حاشية الدر المختار: ((قوله: والفزع) أي الخوف الغالب من العدو (قوله: ومنه الدعاء برفع الطاعون) أي من عموم الأمراض، وأراد بالدعاء الصلاة، لأجل الدعاء قال في النهر: فإذا اجتمعوا صلى كل واحد ركعتين ينوي بهما رفعه..
لقوله - عليه الصلاة والسلام "إذا رأيتم من هذه الأفزاع شيئا فافزعوا إلى الصلاة").
وتحقيق مقاصد الشرع يكون بإقامة أحكامه لا بتعطيلها بذريعة تحقيق مقاصده، فليس أعلم بالله ومراده ومقاصده من رسوله، وقد كانت الأوبئة في عهد النبي فلم يمنع المسلمين من الجمعة والجماعة أو يغلق المسجد خشية العدوى بل قال: (لا عدوى) وقال: (إذا وقع الطاعون في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها)!
‏وفتوى المنع بنيت على قاعدة (سد الذريعة) والمراد منع الوسيلة المباحة إذا أدت إلى مفسدة، كمنع بيع العنب ممن يصنعه خمرا، لا منع بيع العنب مطلقا، أو منع زراعته، لعدم منع الشريعة من ذلك، وهي قاعدة مختلف فيها، ولم يقل أحد ممن يحتج بها بأنها تستعمل في تعطيل فروض الأعيان أو فروض الكفاية!
‏وللجنة الفتوى أن تفتي بعدم وجوب صلاة الجمعة بسبب الخوف من الوباء، وليس لها أن تفتي بالمنع من الجمعة والجماعة، وهو منع من الاستجابة للأمر القرآني: ﴿إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولا يحق للسلطة منع المصلين الأصحاء من إقامتها إذا أخذوا بالعزيمة، فسد الذريعة لا يعطل الفريضة، وللسلطة إذا اقتضت الضرورة حظر التجول على الناس دون التعرض لحرمات الدين وقطعياته بالفتاوى السياسية..
….
موضوعات ذات صلة:

السبت، 21 مارس 2015

الشيخ حامد العلي يرد على فتوى ارتداء الرسول (الثوب الإماراتي): قلة علم وضعف الفقه






الشيخ حامد العلي يرد على فتوى ارتداء الرسول (الثوب الإماراتي): قلة علم وضعف الفقه




فضيلة الشيخ ما قولكم في مفسـر الأحلام الذي قال إن الثوب الإماراتي من السنة و الثوب الكويتي ليس من السنة ، بناء على حديث ورد ( وعليه ثاب قطرية ) وفسرها بأنه التفصيل الإماراتي الذي بدون رقبة للثوب !!

السائل: محمد الإماراتي
التاريخ: 20/03/2015


الحمد لله والصلاة والسلام ، على نبّينا محمّد وعلى آله ، وصحبه ، وبعد :

أولا لنحرّر معنى ما ورد في الحديث ( ثوب قطري ) فقد ذكر الإمام ابن الأثير رحمه الله ، أنه في الأصل نسبة إلى قَطَر نفسها

 قال ابن الأثير رحمه الله : (" بثوب قطري " هو ضرب من البرود فيه حُمْرَة ، ولها أعلام فيها بعض الخشونة ،  
وقيل: هي حُلل جياد تُحمل من قِبَل البحرين _ والبحرين تطلق آنذاك على شرق الجزيرة العربية وليس جزيرة مملكة البحرين الحالية _  
وقال الأزهري: في أعراض البحرين ، قرية يُقال لها: قَطَـر، وأحسب الثياب القطرية نسبت إليها ، فكَسَرُوا القاف للنسبة وخففوا ) أ.هـ

وقال الإمام ابن حجر العسقلاني : " ثياب من غليظ القطن ، ونحوه " كما في جمع الوسائل شرح الشمائل لعلي القاري

وهذا يدل على أن لاعلاقة لما ورد بالحديث ، بتفصيل الثوب الإماراتي على النحو الذي يلبسه أهل الإمارات الكرام ، ولو كان الإستدلال بما ورد عن النبي صلى الله عليه من أفعاله المجردة يصح هكذا ،  لكان القول بأن الثوب القَطَري _ أعني التفصيل الذي يلبسه أهل قطر الكرام _ من السنة ، هـو الأولى بالصواب ، غير أن هذا الإستدلال خطأ ، إذ هو مبنيُّ على قاعدة خاطئة كما سنبينه .

وذلك أنّ جعل كل ما ورد من أفعال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سنّة ، ليس صوابا ،  ونحن نتحدث هنا عن الأفعال المجردة التي لاتقارنها سنّة قولية، فهي لا تدل على الإستحباب بالضرورة . 

كما في " المسودة في أصول الفقه " (ص71): " فعل النبي صلى الله عليه وسلم يفيد الإباحة إذا لم يكن فيه معنى القربة " ا.هـ

وقال الدكتور محمد الأشقر رحمه الله : " الفعل (العاديّ) ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم جرياً على عادة قومه ومألوفهم ، كبعض الأمور التي تتصل بالعناية بالبدن ، أو العوائد الجارية بين الأقوام في المناسبات الحيوية ... ومن أمثلتها أنه صلى الله عليه وسلم لبس المِرْط المُرَحّل ، والمخَطّط "ثياب منقوش عليها صورة رحال الإبل أو يكون به خطوط"" ، والجبّة ، والعمامة ، والقباء ، وأطال شعره ، واستعمل القرب الجلديّة في خزن الماء .... وأيضاً : كانت العروس تزف إليه في بيته ، لا في بيت أبيها كما هي عادة بعض البلاد الإسلامية الآن..

وحكم هذه الأمور العاديّة وأمثالها ، كنظائرها من الأفعال الجبليّة ، والأصل فيها جميعاً ،  أنها تدل على الإباحة لا غير ، إلاّ في حالين:

أولا :  أن يرِدِ قولُ يأمر بها أو يرغّب فيها ، فيظهر أنها حينئذ تكون شرعية

ثانيا :  أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قوليّة ، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة ، فإنّ ارتباط ذلك بالشرع لا خفاء به " انتهى من مؤلفه البديع " أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالتها على الأحكام " 1/237

وقد ذكر العلماء أن اتباع النبيّ صلى الله عليه وسلم ،  لا يكون بموافقته في الصورة فقط ، بل يكون بموافقته في الصورة وفي قصده من الفعل ، فإن قصد بفعله التقرب إلى الله ، صحّ الإتباع ، وإن فعل الفعل موافقة لعادة قومه مثلا ، ولم يقصد به التقرب إلى الله ، فمن فعله بنية التقرب إلى الله فقد خالف اتباعه صلى الله عليه وسلم .

وقد كان علماء الصحابة وفقهاؤهم رضي الله عنهم يفرّقون بين هذين النوعين ،كما روى مسلم (1264) عن أبي الطفيل أنه سأل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا أَسُنَّةٌ هُوَ ، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أنه سُنَّةٌ قَالَ : صَدَقُوا وَكَذَبُوا!
قَالَ : قُلْتُ : وَمَا قَوْلُكَ صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟

قَالَ : إن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ : هَذَا مُحَمَّدٌ ، هَذَا مُحَمَّدٌ ، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْبُيُوتِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ ومَشى ، وَالسَّعْيُ أفضل .

فقول ابن عباس رضي الله عنه عن السعي راكباً : (لَيْسَ بِسُنَّةٍ) مع ثبوت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، يدل على أنهم يفرقون بين ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بقصد القربة إلى الله تعالى  ، وما فعله لمعنى آخر لايريد به التقرب إلى الله والتعبّد به ، فالأول هو السنة المستحبة الفعل ، التي يشرع الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم فيها ، وأما الثاني فليس بسنة إلا إذا أريد معناها الحديثي أي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدخل فيه حتى صفاته الخَـلقيّة. 

ومما يزيده وضوحا ، ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (1/280)

( وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل ، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة شُرع لنا أن نفعله على وجه العبادة ... ، وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده ، مثل أن ينـزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنـزول فيه ، فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه أو النـزول ، لم نكن متَّبعين ، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب رضي الله عنه" انتهى

وقال أيضا في مجموع الفتاوى (17/466:

"وكان ابن عمر رضي الله عنهما رجلا صالحا شديد الاتباع فرأى هذا من الاتباع ، وأما أبوه وسائر الصحابة من الخلفاء الراشدين عثمان وعلي وسائر العشرة وغيرهم مثل ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب فلم يكونوا يفعلون ما فعل ابن عمر ، وقول الجمهور أصح" انتهى

ثم ذكر رحمه الله ما جعل عمر رضي الله عنه ينكر الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الأشياء ، فقال : " رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة ... وهذا هو الأصل ، فإن المتابعة في السنَّة أبلغ من المتابعة في صورة العمل " ا.هـ

ومن الأمثلة على هذا ، جواب سابق لللجنة الدائمة للإفتاء عن كتيب ذكر مؤلفه أنه يسن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في أشياء ، لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم بقصد التقرب والعبادة ، ومنها "فك الأزرار" يعني إزرار القميص

جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" المجموعة الثانية 11/21 : 
"فإن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء استعرضت ما ورد إليها من بعض الناصحين المقيد بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (779) وتاريخ 6/2/1421 هـ ،  مشفوعا به نسخة من كتاب باسم : ( تذكير الطائفة المنصورة ببعض السنن المهجورة ) جمع المدعو : محمود إمام منصور ، طبع دار المآثر بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم عام 1420 هـ.

وبدراسة هذا الكتاب وجد أن كاتبه بناه على قاعدة أسسها من عنده ، وهي : أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة لها حكم التشريع والسنية ، كأفعاله صلى الله عليه وسلم التي يفعلها على سبيل العبادة ، كما في (ص17) ، ومعلوم أن الخلط بين الأفعال العادية الجبلية ، والتشريعية غلط محض ، وتقعيد مغلوط ، كما هو مقرر في محله من كتب الأصول ، وبناء على هذا التقعيد المغلوط الذي بنى عليه المؤلف كتابه وقع في عدد كثير من الأخطاء العلمية والشذوذات الفقهيةأ.هـ

وبناء على هذا التفريق الفقهي البصيـر ، قال المحدث الشيخ الألباني رحمه الله : 

و(كان الرسول صل الله عليه وسلم يحب العسل) ، ومن لم يحب العسل لا يقال : إنه خالف السنة.

و(كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطيل شعر رأسه ، حتى إنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح وقد جعل شعر رأسه أربع ضفائر

ولا يقال لمن لم يجعل شعره ضفائر : إنه خالف السنة!

كذلك إطالة الشعر ، فعل ذلك صلى الله عليه وسلم لأنه عادة العرب ، وكانوا يجعلونه في بعض الأحيان ضفائر

ولا يقول أحد من أهل العلم والفقه : إن جعل الشعر ضفائر من السنة ، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك 

كذلك اليوم نلبس "الصندل" وفيه فتحة واحدة لأصابع الرجل الخمسة ، بينما كان نعل الرسول صلى الله عليه وسلم فيه فتحة للإبهام ، وفتحة أخرى لسائر الأصابع . كما رواه البخاري

فإذا نحن لبسنا النعال التي نلبسها اليوم لا يقال : إننا خالفنا السنة ، لأن هذه الأمور عادية

فإذا عرفت هذه القاعدة : أن السنة سنتان : سنة عبادة ، وسنة عادة ، فيجب على طالب العلم أن ينظر إلى ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ، هل صدر ذلك الفعل منه بقصد العبادة والتقرب إلى الله ؟ أم هو عادة أو جبلة أو ... أو ..... إلخ مما هناك من الحوافز والحوامل 

إذا عرفت هذه القاعدة استرحت في كثير من الأمور ، منها : أزرار القميص " انتهى كلام المحديث الشيخ الألباني مع بعض التلخيص

وبعد هذا كله يتبين أن ما ذكره مفسر الأحلام  _ إن كان حقا مفسرا للأحلام _ من أن الثوب القِطْري من السنة ، ثم فسرها بأنه الثوب الإماراتي ! من السنة ،  والثوب الكويتي ليس من السنة ، ليس سوى خلط ، يدل على قلة العلم ، وضعف الفقه بالدين والله أعلم