‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الصادق الفقيه. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الصادق الفقيه. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 أبريل 2024

تجريف المكان: اقتلاع المعنى من جوهر السياسة السودانية

 

تجريف المكان: اقتلاع المعنى من جوهر السياسة السودانية

غربة الروح

ثبت أن قوى السياسة "المؤدلجة" في السودان لا تقرأ التاريخ جيدًا، ولا تجتهد في استجلاء قيمة "المكان"، أو تراب الوطن، أو الأرض المكافئة للعرض في حِساباتها. لذلك، فإن عادة التخلص من الأفكار المدروسة جيدًا لمجرد أنها مختلفة أمر يُمارسُ بِخِفَّة عقلٍ وقِلَّة اتزانٍ، رغم أنه محفوفٌ بالمخاطر. ويظهر ذلك في "غربة الروح الوطنية"، وفي أي مسعى لا يساوي فيه "المكان" شرف الإنسان، ولا يُنظَرُ فيه للأرض بأنها مساوية للعرض، وتستوجب الضرورة وكل القيم الدفاع عنهما.

فالأرض هي العرض، ولا مغالاة في هذا المثال، لأننا لا نُشير فيه إلى قياس أحلامنا بسرعة الضوء في الفراغ، ولا نحاول إثبات إنجاز واحد مُشَرِّفٍ لحكومة انتخبناها، أو انتفضنا من أجلها لأننا لا نُريد حكم العسكر، وإنما خُضُوعًا لمنطق الدين والعقل والمنطق والعرف، الذي يحتم ذلك. غير أنه اتضح أن القوى السياسية "المؤدلجة"، التي لا تستصحب قيم الدين، ولا معاني المنطق، ولا أشراط العقل، ولا تستمسك بثوابت العرف، تتناحر عندما يقع الخلاف بين قياداتها على "المصالح"، ويحتدم الاقتتال بينهم حول "المطامع"، وغالبًا لا يستمعون لمواعظ التاريخ، ولا يستذكرون عبره.

يقول الأديب الأمريكي المعروف مارك توين "قد لا يعيد التاريخ نفسه، لكنه يغفو"، ونحن نريد له أن يصحو من غفوته هذه من دون إثقال كاهله بالرواية البديلة المقترحة لدولة 56، التي تُشير باستسهال الفاعلين السياسيين لتاريخ انعتاق المجتمع في السودان من ربقة الاستعمار البريطاني.

إذن، ما هي الآثار المترتبة على ما يمكن تسميته، مع ذلك، بوجهة نظر الحالمين لتخيل "المكان" و"الإنسان"؟ إذا كان "التخيل" لا يُشير في عُرف "الناشطين" إلى نوع معين من النشاط السياسي، يختلف بشكل قاطع عن أشكال التفكير الإيجابي؛ مثل الإيمان بالقيمة الأولى في الوجود، التي هي "الحياة"، والتي يزهقها المتمردون في الدولة والمجتمع بلا رحمة. ولذلك، فإن الحديث " الشاطح" عن "ديمقراطية" يجلبها قاتل ونَهَّاب ومغتصب، باعتباره القوة المسؤولة عن حمل دعاة "التغيير" إلى دست الحكم، هو مُكرٌ مُضَلِّلٌ، أو هو بالتأكيد خِداعٌ لا يحتاج إثبات الكذب فيه إلى دليل.

ولأننا نعيش الآن خارج دائرة "المكان"، الذي هو السودان في هذه الحالة، إلى جانب غياب العديد من العلامات "الزمنية" المعتادة لدينا على مدار العام؛ الإجازات، ومواسم الحصاد، وأعياد الميلاد، واحتفالات المولد النبوي الشريف، وغيرها من الفواصل، فإن الغياب يبدو وكأنه لا ينتهي أبدًا.

غير أنه يُظْهِرُ أيضًا أن الأشهر القليلة الماضية قد مرت في ضبابية التحولات الخطرة في حياة البلاد والعباد، حيث جرى تجريف المكان، وتخريب الوجدان. فصام الناس عن التعبير عن وجعهم، وكان 15 أبريل هو نفسه رمضان، الذي حال عليه الحول، وكان هو نفسه شهر الثورة الثانية والثالثة؛ بعد أكتوبر الأولى. وكان حصاد الثلاث ثورات هشيمًا ذرته رياح العجز وضغائن الخلاف، ليكمل التمرد على الدولة والمجتمع حصاد "الفجيعة" باعتداء على كل الحرمات.

ومثلما أوضحت روث أوغدن، أستاذة علم النفس في جامعة ليفربول البريطانية، بقولها: "لقد دخلنا في روتين من الرتابة ولم نفعل أيًا من الأشياء، التي نفعلها عادة لمساعدتنا في تحديد الفترة الزمنية لدينا"؛ أهي عسكرية تسقط، أو انتقالية تفشل، أم ديمقراطية طائفية تتأبط كل عناصر الضعف والتخلف؟ وليس هناك إجابة أبلغ من وقع الحال الراهن، الذي يقتتل لإعادة إنتاج نفسه.

لذلك، فإن محاولة الحصول على أكبر عدد ممكن من التجارب الجديدة؛ حتى الصغيرة منها، هي إحدى الطرق، التي يمكننا من خلالها استعادة بعض السيطرة على واقعنا، وإيقاف الشعور بالوقت وكأنه يمر بسرعة كبيرة. لذلك، علينا الاحتفاظ بـ"مذكرات" خاصة كوسيلة لتعزيز "الذكريات" في أذهاننا، مما سيساعد أيضًا على منع هذا الشعور بعدمية الوقت، وكأنه فترة ضائعة لا محالة.

أمنيات مُجْهضة

لقد رغبنا في أن ينتهي عام 2023 وأحداثه الكارثية في أقرب وقت ممكن، ولكن سيكون من الجيد أيضًا أن ننظر إلى الوراء؛ إلى ما وقع فيه من مآسٍ، ونتذكرها لشيء آخر غير دورة الأخبار القاتمة، التي ظلت ترهق أعصابنا بلا هوادة. ويعد تبني مبدأ التجديد، الذي يحمله كل انتصار على إرادة الشر، أحد الطرق لتحقيق ذلك؛ وإذا لم يكن هناك شيء آخر نُفاخر به، فسيكون لدينا شيء مختلف للحديث عنه في مكالمة الانتصار التالية. ولكن، قبل ذلك وبعده، سيظل يطاردنا السؤال الحارق: لماذا حدثت الحرب في السودان؟

قد يبدو ذلك سؤالًا صعبًا بقدر ما هو مُحرج، لأنه مما لا شك فيه، أن العديد من العوامل متورطة في صناعتها. فحصاد ألسنة السياسيين، الذين هددوا بها كرافعة لهم إلى مقاعد سلطة لا تؤهلهم إليها غيرها، مبذولة بأكثف من زعيق الشعارات، التي تقف هي الأخرى شاهدة عليهم.

ومن المؤكد أن أحد الحجج المهمة، التي تبارز بها المتصارعون، هي أن القوى السياسية المتنافرة كانت ضد الاستقرار، لأنها ركنت إلى "مشروعية الثورة" بدلًا من "مشروعية الانتخاب" لشعارات الإقصاء بدلًا من أن تضع أسسًا للإجماع الوطني، وألَّبَت الشارع على الدولة بمؤسساتها وأنظمتها وقواتها النظامية، وأغفلت تمامًا "مشروعية الإنجاز"، وهي في الواقع قد استنت بذلك سنة سيئة، أعادت إلى الأذهان كل تجارب الانتقال المُضطربة.

وهناك تفسير آخر هو أن نظرية المؤامرة كانت منهجًا للجميع في تقدير العلاقة مع بعضهم البعض، وكانت للأوصاف، كما هو مطبق على الأسماء دلالات على التردد في توقيت البداية، وكامل الجهل بمقادير النهاية. وبذلك، تكون الحرب الآن هي نفسها الوثيقة، التي تصنع التاريخ، الذي إذا لم تحسم خروقاته بالمحاسبة الصارمة؛ بمقاربة ما قاد إليها، فلن يكون للسودان مستقبل مستقر وآمن.

وذلك لأن الذين لا يعرفون أنساق التاريخ محكوم عليهم بتكرار هذا المسار حتى يمروا بقسوة تجاربه، أو شيئًا من هذا القبيل، إذ يكون التلاوم لديهم، وعض الأصابع، مجرد وسم على أعراض النهايات. ويبدو هذا وكأنه حالة أخرى افترضنا فيها النزول عند غطرسة "الوقت"، عندما نعجز عن التحكم فيه، ونفشل في أن نبتدع طريقة معينة لعرض مشكلة ما "قديمة"، أو لا علاقة لها بمظالمنا "الحديثة"، فنرتكب الخطأ مرتين، أو ببساطة نقع في خطأ عدم أخذ العبرة من التاريخ؟

ولكن هناك، في اعتقادي، ما هو أكثر من ذلك في هذه المسألة المُؤرِّقَة لكل صاحب عقل يفكر، تتعلق بأصل هذا التفكير، وكيف تهيأت لجمهرة النشطاء أن يقفزوا على الحقيقة، ويمتطوا صهوة جواد هو أقرب للجن من إنسٍ هَذَّبَهُ انضباط منطق الوعي والبصيرة والنظام.

لكن يبدو أن ما نواجهه من عمى القلوب، التي هي في الصدور، أكثر خطرًا على الحاضر والمستقبل، لأن ما يحدث الآن يتعمد تجريف "المكان" و"الوجدان" ويسترخص قيمة الإنسان. فلعمري كيف يتبارى القتلة والنهابون والمغتصبون على تصوير أفعالهم والاحتفاء بها وكأنها انتصارات على ما تبقى لهم من إنسانية. إنها بلا أدنى شك، جاذبية "الفتنة" في حرب بلا أخلاق، التي تدفع الحشود السائمة بـ"عقلية القطيع" إلى ارتكاب الشائن من الأفعال باعتباره "غاية"، ويلعب ذلك دورًا في عدم الانضباط، الذي يؤذي صورة وجودنا المشترك؛ في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، أكثر مما نود أن نعترف به.

الأحوال والأهوال

إننا نُدْرِكُ أنه في كثير من الأحيان، لا يتم دحض وجهات النظر السياسية القديمة بمنطق جديد، لأن الناس ببساطة يشعرون بالملل معها، ويريدون الخروج باتجاهات جديدة من المعرفة بأحوالهم، لا أهوالهم، أو ما تضطرب به ضمانات عقدهم الاجتماعي. لكن ما نشهده الآن يحتاج تفسيره إلى استعادة أسئلة البدايات؛ من نحن حقًا؟ وما قيمة الحياة، إذا كان القضاء عليها استراحة للاحتفال؟

وعلى العكس من ذلك، يمكن أن تعود وجهة النظر المهملة في مسرح العبث هذا للانبثاق من جديد، لأنها عندئذٍ قد تقرر وجهتنا، إذا بقي للناس طاقة عقل وقلب للتعاهد على أهداف جديدة. وشرط التأسيس، في هذه الأهداف الجديدة، أن تكون أكثر انسجامًا مع وجهة النظر المستجدة لدى غالب عقلاء السودانيين، المتواثقين على العيش معًا في "الزمان" و"المكان"، ولا يمكن إنكار أن التطورات، التي يفرزها منطق الواقع الحديث قد ساعدت في إحياء أحوال وأهوال سبقت، وتَرَسَّخَت "سوداوية" معالمها، في وعينا الجمعي. مِنْهَا ما ارتبط بـ"الجهادية" و"المراحيل" والجنجويد" وإرث حركات التمرد المسلحة في الجنوب والغرب والشرق، وغير ذلك من "مطبات" التحليق في أفق البناء الوطني.

ولسوء الحظ، لم نكن نعرف ما يكفي لنكون قادرين على أن نكون "على حق" بانتظام كافٍ، لنكون قادرين على الحكم على قصصنا الخاصة المُعَبِّرَة عن أفكارنا وأنفسنا، وكوننا أمَّة كُتِبَ عليها أن تعيش معًا. وكان على القوى السياسية والاجتماعية أن تتعامل مع هذه الحقيقة كنقطة البدء في تحديد الأهداف، والتأكيد عليها من خلال وصف وسائل تحقيقها كمحركات لتفعيل كيفية عمل "الأشياء" كممسكات للوحدة الوطنية، لا كمسلمات لاستمرار الحال كما هو عليه.

ولكن، ونظرًا لما ران على اجتماعنا من إحن الماضي والحاضر، علينا ألا ننسى ذلك كثيرًا ونحن نتجه إلى المستقبل، بل أن نُصِرُّ على حَفْرِه في وعينا، لأنه بينما يختطف الآخرون ما يظنونه الكلمة الفصل ليقولوا "أنتم تقومون فقط بالتخمينات والتطمينات"، كما لو أن الممارسة السياسية، التي لم تصمد أمام الفحص الوطني الدقيق، هي نفسها، والتي علينا التذكير مُجددًا بضرورة تجاوز نقائصها. ولذلك، فإن الأسئلة، التي طرحناها لأول مرة في فجر الاستقلال، ما تزال تنتظر الإجابة لتفسير لماذا تبدأ الحرب في السودان دائمًا قبل أن تستنفد الأطراف سبل الحل الأخرى.

في الختام

قد يبدو هذا الحديث مُقلقًا لأصحاب "ربطات العنق" من الناشطين، الذين يجوبون العواصم مُبشرين ومنذرين؛ حتى بعد أن ثبت أنهم لم يحفظوا للبشرى عهدًا، ولم يخيبوا ظن من أنذروهم بعظائم الأمور. لكنهم، مع كل ذلك، يلهجون بالشعارات والتصريحات بما يشئ بأنها مجرد مقدمات لتفسير الوضع الإشكالي، الذي يكتم أنفاس السياسة السودانية الآن. ذلكم الوضع، الذي ظلت بعض متلازماته مصاحبة لأداء الطائفية السياسية، و"الجوالة" من الناشطين، وكل القوى السياسية "المؤدلجة"، طوال تاريخ الحقب الوطنية.

فمنذ العام 1956، وصاعدًا، قليلًا ما تم استدعاء الفكر، أو "الخيال" السياسي، لوصف وشرح أنواع معينة من التجارب الديمقراطية، أو الظواهر غير العادية للانقلابات العسكرية، أو تلك السلوكيات المحيرة للثورات الشعبية، التي تنتفض ضد حكم العسكر، ثم تستدعيهم لمساعدتها ومشاركتها. وقد حدث ذلك في أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وفي أبريل 2020، فكانت ثورات نصفها شعبي ونصفها الآخر انقلاب.

فقد ثبت أنه من الصعب للغاية تحديد ماهية "الخيال" السياسي للناشطين في هذه المعادلات المختلة، التي تحتفي بتكرار الأخطاء وكأنها انتصارات. وإذا كانت "ممارسة السياسة" و"الشعارات الثورية"، على طريقة الغوغاء، لا يشيران إلى نوع معين من النشاط العقلي، فليس من المستغرب أن نجد أنه كان من الصعب تحديد ما هو بالضبط المُراد في كل تجاربنا الانتقالية، وحتى أنظمتنا الديمقراطية، التي استُخْدِمَت في اختيار أعضائها آليات الانتخاب. وإذا كان خضوعنا لآليات "الانتخابات" يعبر جزئيًا عن تقييم من جانبنا للنشاط السياسي، فليس من المستغرب أن يتم التذرع به في محاولة تفسير هذه التجارب، أو الظواهر، حين نكون غير متأكدين من مسائل الحقيقة السياسية، أو الوجود المشترك في "الزمان" و"المكان"، فنقتلع المعنى من جوهر السياسة.

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

أحلام الغرب المتوحش


أحلام الغرب المتوحش


الصادق الفقيه 
كاتب وأكاديمي سوداني



تَمر علينا هذه الأيام الكثير من الأحداث المثيرة والخطيرة التي تشتت التركيز وتبعثر الاهتمام، وتجعل العقل مغتربا مضطربا غير قادر على متابعة ما يستحق منها القراءة المتأنية الواعية لتأثيراتها، والدراسة المتقصدة والمستشرفة لمآلاتها.

فيسرب مع الفيض المتدفق من الأخبار المتوترة والمتواترة ما قد يكون له انتقاص جائر لحقوقنا، وتأثير مباشر وآني على وجودنا، أو أبعاد عميقة الغور في بنية معارفنا، التي تتشكل بها مفاهيمنا الحاضرة، وتتأطر بها سلوكياتنا المستقبلية.

وتجارب الأمم التاريخية تشي بالكثير مما يمكن أن يؤخذ كأمثلة ناضحة ناصحة، وتبذل أدلة معينة على استقراء وقائع ماثلة، تحدث بلسان الراهن، وتثقل الأسماع بضجيج الخلاف المتصاعد في عالمنا، وتَطرح للنظر الدروس والعبر.

مملكة شمال السودان

لقد مر بنا، دون انتباه يذكر، ما تناقلته الأخبار مؤخرا من قصة رجل أميركي محِب لبناته الثلاث، يعلن على الملأ تأسيس "مملكة" بمكان ما بأفريقيا لكي تصبح واحدة منهن أميرة عليها، وما أفريقيا هنا إلا قطعة أرض بشمال السودان وقع عليها هذا الاختيار المثير للدهشة.

"مر بنا، دون انتباه يذكر، ما تناقلته الأخبار من قصة رجل أميركي محِب لبناته الثلاث، يعلن على الملأ تأسيس "مملكة" بقطعة ما من شمال السودان وقع عليها الاختيار المثير للدهشة لكي تصبح واحدة منهن أميرة عليها"
إنه السيد جيرمي هيتون، المفتون بتاريخ الكشوف الجغرافية والفتوحات الجديدة، والمجدد للحلم الأميركي، وحكايات التوسع الفردي، ووضع اليد على أراضي الغير باعتبارها فضاء لا يملكه إلا من يجده. رغم أن المكتشف، هذه المرة، لا يركب "حنطورا" يسابق الريح، ولا ينتهر خيولا تنهب سهول البراري الممتدة في الغرب المتوحش (Wild West)، ولا يناوشه رعاة بقر فتوات، ولا هنود حمر أشقياء يصرعهم الشر الأبيض داخل حدود الحلم الجديد.

وقد لا نعيب على السيد هيتون سعيه لتحقيق رغبة ابنته الصغيرة، التي راودتها أحلام الإمارة في مملكة جديدة خضراء سعيدة، حتى لو بدت هذه المملكة لحظة وجودها صحراء قاحلة في شمال السودان، ولا يمكن إخضاع جرأته لمحاسبة الضمير الإنساني والأخلاقي، أو تجريمه بالحكم القانوني.
فالتجربة التاريخية الأميركية لا تجرم قضم البراري المقفرة والسيطرة عليها. وهذا وعد الحب، الذي إن صدق لا يعرف الحدود والقيود، ولا يأبه للمواضعات القانونية والترتيبات السيادية. ويبدو فعلا أن هيتون رجل محِب لابنته إيميلي، وحريص على تحقيق أحلامها الغضة في أن تصبح أميرة، ويصبح هو بالضرورة ملكا متوجا على مملكة مجهولة النسب. فقد توفر له العِلْم، والعَلَم، والرغبة، والعزيمة، والجرأة على ارتياد المجهول.

لهذا، لم يأل هيتون جهدا إلا بذله، طلبا واستشارة ومناورة، ولم يدخر سبيلا يبلغه هذا المقصد إلا استوفاه، سفرا ومغامرة ومخاطرة، متسلحا بِعِلْمٍ من ذخيرة التاريخ وحضور أسطورة الجغرافيا، ومتشحا بِعَلَمٍ من نسج خيال الأميرة الحالمة، حتى يرى حلمها النور.

وبهذا، تكون هذه المملكة الجديدة أول تجربة إنسانية، تخترع فيها الأميرة الملك والمملكة، وترسم العلم قبل الحدود، ويَنْشَط السعي للاعتراف بها قبل التمكن منها وترتيب سكْناها. إن كل ما قام به والد إيميلي أنه سافر من فيرجينيا إلى الشرق هذه المرة، إلى شمال السودان، مصطحبا علما أزرق بنجيمات متلألئة حول قرص دائرة كبيرة، ممنيا نفسه بالإعلان عن تأسيس دولة جديدة، هي "مملكة شمال السودان"، كما أسماها، التي تعرف عند أهلها باسم "بئر طويلة"، وذلك بهدف تحقيق حلم طفلة تحتفل بعيد ميلادها السابع.

الاعتراف المستحيل

وتشهد الوقائع أن الرجل جاد في طلبه، متفان في مسعاه، وله بَعض عِلمٍ عن تداخل الحقائق السيادية والإدارية بين الدولتين الشقيقتين: مصر والسودان، وأن ما هو قائم من نزاع حول منطقة حلايب يخلق هذا التأرجح والتبادل في تبعية هذه القطعة من الأرض بالذات.

فالمنطقة هي جزء أصيل من السودان، وتقدر مساحتها بـ800 ميل مربع أو ما يعادل 1287.5 كيلومترا مربعا. وهذا ما دفع هيتون إلى أن يتقدم بطلبات رسمية لكلا الدولتين، مع تأكيده أنه لم يتلق ردا حتى الآن، ولا يعقل أن يحصل عليه. إذ لا اعتراف يمكن أن ينعقد لهذه المملكة الحلم دون مباركة الخرطوم، على افتراض أنها قطعة أرض ضمن حدود دولة ذات سيادة، هي السودان.

وتماثل جدية هيتون صرامة ابنته، التي ذكر في تصريح له يوم الأربعاء 16 يوليو/تموز 2014 لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، أنها سألته بـ"لهجة جادة عما إذا كان من الممكن أن تصبح أميرة يوما ما". وقال إنه مصمم على أن تعرف هي وبقية أطفاله أنه "مستعد للذهاب إلى آخر العالم من أجلهم.. باعتباري أبا، أدركت أنها كانت جادة في طلبها، وبحثت في المناطق التي لا يدعي أحد ملكيته لها، وكان من حسن حظي أن اكتشفت هذه المنطقة".

وكان قد زار هذه المنطقة قبل شهر من تصريحه هذا، أي في السادس عشر من يونيو/حزيران الماضي، وقام بغرس العلم، الذي صممته ابنته، مصرا على أن ادعاءه ملكيتها أمر شرعي، وسيسعى لكسب تأييد الاتحاد الأفريقي له في هذا الشأن، حتى تتهيأ الظروف الملائمة لزيارة الأميرة الصغيرة، التي ما برحت ترتدي تاجها الملكي، وتقول إنه "من الرائع جدا" أن تكون أميرة على أحدث دولة في العالم.

الأساطير المؤسِسَة للاحتلال
"ليست قصة السكان الأصليين من هنود حمر وإسكيمو في أميركا الشمالية والجنوبية، وما يماثلها من قصة الأبورجينز في أستراليا، التي جاؤوها من جنوب شرقي آسيا وسبقوا البيض عليها بأكثر من خمسين ألف عام، إلا نماذج شاخصة لحالات الاغتصاب والإلغاء والإقصاء والتهميش"

إن هيتون يدرك الحقائق الماثلة، ولا يتصرف على ضوئها، ويعلم مواضعات الجغرافية الجديدة للعالم، ويتغافل عن فروضها، غير أنه يدافع عن تصرفه هذا بحكم التاريخ وأن العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، تمت المطالبة بها عن طريق عمل بسيط مثل غرس العلم. بل كانت هناك حروب وإبادة وَسَمَتْ كل التجربة الأميركية.

ورغم ذلك، فمن غير المرجح أن يصبح ملكا على أرض غيره، حتى ولو كان اختلاف حالته يتمثل في قرار مَبْنِي على مبدأ الحب، وأن خطط تنمية المملكة جاهزة بعد أن أصدرت الأميرة أوامرها السامية بأن يصبح مكان حلمها مركزا للزراعة، غير عابئة بأن "بئر طويلة" أرض يباب قفرة جرداء، وبعيدة جدا عن نيل الحياة.

إن هذه القصة فريدة من نوعها، ولكنها قابلة للتصديق إذا قرِئت على نحو يستصحب الأساطير المؤسِسَة للولايات المتحدة الأميركية، وكيف استولى المطرودون من أوروبا على البراري الغربية، التي كان يظن أن الكشوف الجغرافية أوجدتها، واغتصبوها وسيطروا عليها باسم التنوير والتحديث، في تجاهل تام لوجود القاطنين الأصليين، فأبادوا منهم من أبادوا، وقتلوا من قتلوا، وهمشوا من بقي على قيد الحياة.

وما قصة السكان الأصليين من هنود حمر وإسكيمو في أميركا الشمالية والجنوبية، وما يماثلها من قصة الأبورجينز في أستراليا، التي جاؤوها من جنوب شرقي آسيا وسبقوا البيض عليها بأكثر من خمسين ألف عام، إلا نماذج شاخصة لحالات الاغتصاب والإلغاء والإقصاء والتهميش.

ومثلهم، ادعى هيتون ملكيته قطعة أرض جديدة في شمال السودان، لا لِحَقٍ إلا لأن ابنته ترغب في أن تصبح أميرة، وتحلم بما حلمت به كريمات المهاجرين الأوائل للأراضي الجديدة في الغرب المتوحش، أو البراري الممتدة على مدى الاستطاعة والقهر والصولجان، زحفا في سهول الميسيسبي والميسوري وأكلاهوما وكلورادو، إلى غراندكانيان وكاليفورنيا، وقفزا إلى ألاسكا، وإبحارا إلى جزر هاواي.

تلك الرحلة الجامحة التي تتبعها "آرون بويد ووكر"، من جامعة ماساتشوستس، فيما أسماه بتطور الخيال في العلاقة بين الغرب الأميركي والحدود الغربية خلال القرن الماضي، الذي بدأ مع فريدريك جاكسون تيرنر، وانتهت مع ما يسمى بتاريخ الغرب الجديد، وعزاه إلى دخول "الحدود" في صناعة الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، والتي شجع عليها التحضر المتزايد للغرب الأميركي، ونشوء الضواحي الفسيحة، والميل الواضح في العديد من المدن الشرقية في الثمانينيات من القرن الماضي لمحاولة إعادة إدراج المساحات الحضرية كفضاء يماثل البراري القديمة.

في البدء كانت فيرجينيا

لقد أدخل الغرب الأميركي الحدود الغربية في المخيال الثقافي العالمي، وفي سياق إنتاج الفضاء العام، والتعرف عليهما كمنتجات لخطاب المكان والممارسة الاجتماعية، وذلك بدعم من عدد كبير من وسائل الإعلام.

ويبدو جليا أن فكرة الحدود استمرت في التصورات الفنية الأميركية كفضاء "خيالي"، يتألف من الأوهام والتوقعات، والقصص والأساطير، والتمثيل البصري، وجعلت علاقتها بالغرب الأميركي عاطفية، ليست مصطنعة ولا تعسفية، كما نعتقد نحن.

لذا، فإن التمييز بين الغرب والحدود ليس مطابقا تماما لذلك الذي بين التاريخ والأسطورة، أو مماثلا للفارق بين الواقع والخيال، ولكنه بعض من كليهما، أو هو حفنة من الأحلام والتراب.

ومثلما بدأت الحدود الأميركية من عند مدينة جيمستاون بفرجينيا في عام 1607، أثناء الهجمة الأولى للاستيطان الأوروبي الذي اتجه منها إلى الغرب، يجيء السيد جيرمي هيتون من فيرجينيا ذاتها باتجاه الشرق. ولكن لا ندري من سيأتي معه إلى المملكة المزعومة، فقد كانت للمجموعات الفرنسية والإسبانية والهولندية والألمانية أنماط مختلفة من التوسع والاستيطان في أميركا، تشكلت على ضوئها طبائع المجتمعات الجديدة، التي ظلت مستقرة لفترات طويلة، إلا أن الإنجليز تميزوا عن الآخرين بسرعة القفز إلى البراري الغربية.

"نحن اليوم أمام مشهد آخر من سلوك قديم يتجدد ويعيدنا إلى حقبة القفز على خرائط الواقع، وإلغاء قسمة وستفاليا، وحدود لوزان، أو نحن أمام مشهد آخر يعبد الطريق أمام "أحلام الحدود الوردية"، والمناطق الجغرافية الوهمية"
وقد كانوا في السودان، وربما نحن اليوم أمام مشهد آخر من سلوك قديم يتجدد ويعيدنا إلى حقبة القفز على خرائط الواقع، وإلغاء قسمة وستفاليا، وحدود لوزان، أو نحن أمام مشهد آخر يعبد الطريق أمام "أحلام الحدود الوردية"، والمناطق الجغرافية الوهمية، استعادة لقصة براري الغرب الأميركي المتوحش.
الخطر والإثارة
إن الذين يعشقون أفلام رعاة البقر "الكابوي" يعرفون أن "جون واين"، يريد منا أن نصدق أن الغرب الأميركي في النصف الأخير من القرن التاسع عشر كان في زمن الخطر الكبير والإثارة الماتعة.
فقد مثل البطل الشرير في سرقة البنوك مع "بيلي كيد"، وكان المحارب الصارم في تبادل إطلاق النار مع الهنود الحمر المجرمين، ولكنه شريف طيب القلب مع الضعفاء، الذين يتنازلون عن حقوقهم طوعا، ويعطون عن يدٍ وهم صاغرون.
وبطبيعة الحال، كان الهنود الحمر، الذين هم بلا روح، كما تصفهم الرواية الشعبية الأميركية، التي عززها مثال "جون واين"، في معركة دائمة ضد البيض الأخيار، ويبذلون قصارى جهدهم لكبح المد القاسي للاستيطان الأوربي والتوسع الأنجلوساكسوني، الذي طمس الحقائق الأساسية للأرض، وغطى على ما أرتكِبَ من فظائع لفرض السيطرة وتثبيت الاحتلال.
ورغم أن جون واين الحقيقي موجود فقط في أذهان منتجي الأفلام، والروائيين في هوليود، فإن الخط الفاصل بين الذي كان بطلا والذي كان شريرا يعَد من أكبر المفاهيم الخاطئة عن الغرب القديم، وعن قصة الهنود الحمر، الذين يستند رأي معظم الناس عنهم على أساطير نشأت في المسلسلات والأفلام المنْتَجَة في خمسينيات القرن الماضي. ومع مرور الوقت، غيرت هذه الأفلام الذاكرة الجماعية الشعبية عن هذه الحقبة الفريدة من التاريخ في الولايات المتحدة الأميركية.
وهكذا، جرى ترويض العقل، كما جرى ترويض البر الغربي في العالم القديم، أو كما يقول الكاتب المعروف "غريغ لانغلي" في كتابه "حفنة الأحلام"، الصادر عام 1996، إن جميع الصور الأسطورية التي تم إنشاؤها في أميركا، من العصابات المفرغة، وتجار وول ستريت الذين لا رحمة في قلوبهم، وصفارات الإنذار المزعجة في هوليود، والمحققين الصحفيين المشاغبين، هي امتداد لأسطورة الغرب الأميركي التي أَسَرَتْ الخيال في جميع أنحاء العالم.. ويراد لها أن تأسِر الآن قطعة عزيزة من أرض السودان.
المصدر : الجزيرة