‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات صلاح سليمان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات صلاح سليمان. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 14 مارس 2024

فضيحة “التسريبات الألمانية” كشفت مخططات الناتو وموسكو تتوعد!

فضيحة “التسريبات الألمانية” كشفت مخططات الناتو وموسكو تتوعد!

محادثة حساسة استمرت 38 دقيقة، لكنها كشفت عن الكثير من القصور الأمني الألماني، ولا يعرف أحد حتى الآن كيف تسربت المحادثة إلى الروس؟ لذلك دعت الحكومة الألمانية إلى إجراء مراجعة شاملة للتجهيزات الأمنية من أجل حماية أفضل لأمن ألمانيا.

وجه الروس انتقادات حادة إلى ألمانيا على إثر المحادثة، فهي تضع ألمانيا مباشرة في مواجهة مع الروس. لقد قال: أحد الضباط “إن الأمر يحتاج إلى 20 صاروخًا مبرمجًا لقصف الجسر”، ورأى آخر أن تدريب الأوكرانيين على استخدام صواريخ “تاوروس” التي يبلغ مداها 500 كيلومتر سيكون أمرًا ممكنًا في أوكرانيا، كما كشف التسريب عن وجود مستشارين بريطانيين في أوكرانيا لتدريب الجنود عندما قال قائد القوات الجوية الألمانية إن بريطانيا “لديها عدد قليل من الأشخاص على الأرض الأوكرانية يمكن عدهم على أصابع اليد”، وهي إشارة إلى انتشار وحدات من الناتو في عمق أوكرانيا.

وزير الخارجية الروسي ينتقد عداء ألمانيا

التسريبات عرضتها قناة “روسيا اليوم” في الأول من شهر مارس الحالي، ومنذ نشرها وحتى الآن فإن أضرارا أصابت ألمانيا جراء كشف تلك المخططات، فالتسريب يتحدث عن خطط عدائية للدولة الروسية وهو ما علق عليه وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف” بأن الخطط العسكرية الألمانية أصبحت واضحة اليوم أكثر من أي وقت مضى، فهي معادية لروسيا.

استاء الروس كثيرًا، فلديهم دليل لا يقبل الطعن على تورط الناتو في الحرب، هكذا يفسر المسؤولون الروس ما استمعوا إليه في  تلك المحادثة، لهذا عاد الخطاب الروسي يشتعل بالتهديد والوعيد من جديد باستخدام الأسلحة النووية، لكن المتحدث باسم الحكومة الألمانية “فولفجانج بوشنرت” حاول التخفيف من ردّ روسيا وادعائها استعداد ألمانيا للحرب ضدها قائلا إن ذلك “دعاية سخيفة”، أما وزير الدفاع الألماني “بوريس بستوريوس” فوصف الحملة المعادية لألمانيا بأنها حرب معلومات تقودها روسيا، وأنهم يحاولون زرع الانقسام السياسي داخل البلاد.

المستشار الألماني أولاف شولتز من جهته تعهد بسرعة تقديم توضيحات بشأن الواقعة، وأكد تشكيل لجنة للبحث في الأمر، وأن الاستخبارات العسكرية الألمانية شرعت هي الأخرى في اتخاذ كل الإجراءات الضرورية، ثم عاد المستشار ليؤكد ويطمئن الشعب الألماني على أنه لن يسمح بإرسال صواريخ “تاوروس” إلى أوكرانيا، لأن هذا الأمر يتطلب وجودا عسكريا ألمانيا على الأراضي الأوكرانية، وألمانيا لن تفعل ذلك.

يحاول المحللون تفسير رصد هذه المحادثة، وكيف تمت؟ خاصة أن أحد الضباط كان موجودًا في سنغافورة وقتها وتحدث عن المشاهد الرائعة التي يراها من شرفة الفندق، وهذا يعني أن الروس ربما قد تمكنوا من زرع أجهزة تجسس في غرفة الفندق، وقد يؤشر هذا إلى أن هناك اختراقات أخرى كثيرة وتجسس فعّال من قبل الروس على ألمانيا في قطاعات أخرى، فالروس يرون ألمانيا الحلقة الأسهل اختراقا في الناتو، وأن سلوكها المعادي لروسيا هو حماقة وفقًا لصحيفة التليغراف البريطانية.

حتمية المواجهة

بغض النظر عن الجدل الدائر الآن عن استعداد ألمانيا للدخول في الحرب أم لا، فإن التصنيف العملي للجيش الألماني يصنفه بأنه ضعيف رغم الإنتاج العسكري الهائل لألمانيا، ومعروف أن ضعف الجيش كان قرارًا اتُّخذ بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لكن تغير الأحوال وغزو روسيا لأوكرانيا منح ألمانيا الضوء الأخضر أوروبيًّا وأمريكيًّا من أجل تأسيس جيش قوي لحماية أوروبا، وهذا ما كشف عنه المستشار شولتز في بداية حكمه عندما قال: إنه خصص ميزانية 100 مليار يورو لتحديث الجيش لكن الأمر سيستغرق عدة سنوات.

إن تداعيات هذه التسريبات تذهب بنا إلى توقع إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة، وسط كل هذه الأنباء المتواترة عن الحشود العسكرية في أوكرانيا، وكان الرئيس الفرنسي ماكرون قد دعا صراحة إلى إرسال قوات من حلف الناتو إلى أوكرانيا؛ مما دفع الناطق باسم الكرملين إلى التحذير بأن إرسال قوات إلى أوكرانيا “لن يكون في مصلحة” الغرب، لأنه يعني ببساطة أن حتمية المواجهة مع الغرب ستصبح مؤكدة.

لا شك في أن روسيا تسعى إلى تحييد دور ألمانيا في الحرب الأوكرانية، وأن ألمانيا خائفة من انتصار روسيا في الحرب الأوكرانية وفتح شهية بوتين لغزو دول البلطيق وبولندا، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده؛ فالمتحدث باسم الكرملين “ديمتري بيسكوف” يعتقد أن منطقة كالينينغراد الروسية الواقعة بين ليتوانيا وبولندا هي معرضة لخطر الناتو بسبب الوجود المكثف للناتو في دول البلطيق الثلاث ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا.

لهذا لا تريد ألمانيا أن تنتصر روسيا في الحرب الأوكرانية، وهي تترجم ذلك عمليًّا في شكل المساعدات الهائلة التي ترسلها إلى إليها، فألمانيا تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة فيما يتعلق بالدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا منذ بداية الحرب.

السبت، 26 أغسطس 2023

المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري تتحدى الغرب

المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري تتحدى الغرب

هل انتشر الإسلام بالسيف؟!!

المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري

كانت نتيجة سنوات طويلة من دراسة الإسلام وضوح الحقيقة أمام بصيرة المستشرقة الإيطالية لورافيشيا فاغليري (1893 -1989) أستاذة اللغة العربية وتاريخ الحضارة الإسلامية بجامعة نابولي، فقدمت للعالم كتابها “دفاع عن الإسلام” الذي ترجمه إلى العربية منير البعلبكي.

دراسة سيرة هذه المستشرقة توضح أنها تمكنت من بناء مكانتها العلمية في إيطاليا، فمن أهم إنجازاتها كتاب “قواعد اللغة العربية” الذي شكل مرجعا أساسيا لعملية إعداد الكثير من الباحثين والدبلوماسيين الإيطاليين، وتأهيلهم لبناء علاقات مع الدول العربية؛ لذلك فهي تشكل صوتا متميزا في الغرب.

كما أنها امتلكت الشجاعة العلمية لتتحدّى الصورة النمطية المتحيّزة التي شكلها الغرب للإسلام، فدحضت بالبراهين العلمية والعقلية والأدلة التاريخية الخرافات التي نجح الغرب في ترويجها عن الإسلام، والتي تبناها أنصاف الجهلاء في العالم العربي الذين أعمى الانبهار بالغرب أبصارهم، وأفسد عقولهم.

هل انتشر الإسلام بالسيف؟!!

من أهم تلك الخرافات أن الإسلام دين عدواني انتشر بحد السيف، فكيف ردت لورافيشيا فاغليري على ذلك، ودافعت عن الإسلام؟!

إن مشكلة الكثير من الغربيين أن الحيرة قد أصابتهم في تفسير انتشار الإسلام، وانتصاراته على الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، فاندفعوا على نحو يائس في طوفان التخمينات الخاطئة.

وتقدم فاغليري تفسيرا جديدا -ربما يخشى الكثير من المفكرين المسلمين إعلانه- يقوم على أن الذين يروجون الاتهامات للإسلام لم يدركوا أن القوة الإلهية وحدها قدمت الحافز الأول لحركة المسلمين الواسعة.. إنهم لم يريدوا الاعتراف بأن حكمة الله وحدها كانت مسؤولة عن رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء.

وتكمل المستشرقة الإيطالية تفسيرها بأن الإسلام رسالة عالمية لجميع أفراد الجنس البشري بدون تمييز، وعلى اختلاف الجنسيات والأوطان والأعراق؛ لذلك كان لا بد أن ينشأ الصراع بين مادية الوثنيين واليهود غير المتسامحين من ناحية، والمثل الأعلى الذي أراد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أن يحققه، فقاتل أولئك الذين أصروا على تدميره بالقوة، ونهض هو وأنصاره ليمهدوا السبيل لإيصال الحقيقة إلى النفوس؛ لأنه كان مكلفا بأن يهدي الناس سواء السبيل.

عندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مدّ يد الصداقة إلى اليهود، ودعاهم إلى التعاون، لكنه حين أدرك أنهم معادون له عداءً مطلقا، وأنهم مصرون على اتباع سبيل خاطئة، تعيّن عليه أن يقاتلهم ويعاقبهم، وكانت الحرب ضد الأعداء ضرورة.

وهذه الحرب بمخاطرها وانتصاراتها العسكرية ساعدت على أن تكون الجماعة المؤمنة كالبنيان المرصوص، وقدمت وسيلة البقاء الضرورية للجماعة المؤمنة.

حرب عادلة وأخلاقية!

لقد كانت الحرب -كما ترى فاغليري- وسيلة لحماية الدين الجديد، وليست غاية في ذاتها، وكانت دفاعا ضروريا لا عدوانا جائرا.

وتضيف: لقد كان العرب -حتى وهم في أوج قوتهم- مستعدين لأن يقولوا لأعدائهم: ألقوا السلاح، وادفعوا جزية يسيرة نسبغ عليكم حماية كاملة، أو اتخذوا الإسلام دينا، وادخلوا في ديننا تتمتعوا بالحقوق نفسها التي نتمتع بها.

إن تاريخ الإسلام يقدم أمثلة على التسامح الديني، فقد كان المسلمون يعقدون المعاهدات مع الشعوب، ويتركون لها حرية المعتقد.. ولقد امتزجت في نفس محمد صلى الله عليه وسلم العدالة والرحمة، وهما من أنبل الصفات التي يستطيع العقل البشري تصورها.. كما جعل محمد الحرب أخلاقية، فكان يوصي جنوده: “لا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقطعوا نخلا ولا شجرة مثمرة”.

تضيف المستشرقة الإيطالية قاعدة مهمة هي أن هناك أنواعا من الصراع لا يمكن الفوز فيها ما لم يكن ثمة عامل أخلاقي بالغ القوة، وإيمان قوي بعدالة القضية، ولقد كان الإسلام يملك هذا العامل.

فما القوة التي تكمن في هذا الدين؟! وتجيب بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو إلى أصفى عقيدة توحيدية، وإلى التفكير في الكون وسننه، فقد كان واثقا من أن كل عاقل لا بد أن يؤمن بالله الواحد، وكان يخاطب عقل الإنسان وضميره، وبذلك هزم الإسلام الوثنية في مختلف أشكالها، وتم تحرير العقول الإنسانية.

الإسلام أطلق إرادة الإنسان!

جعل الإسلام الإنسان يدرك مكانته الرفيعة في الكون، وأطلق إرادته من القيود، وأعلن المساواة بين البشر، وجعل التفاضل بين المسلمين على أساس الخوف من الله (التقوى)، والأعمال الصالحة، والصفات الخلقية والفكرية.

تقول فاغليري: إن معجزة الإسلام العظمى هي القرآن.. إنه كتاب الله الذي لا سبيل إلى محاكاته، فأسلوبه أصيل فريد، وإلى جانب كماله من حيث الشكل، فإنه يتضمن ذخائر من المعرفة وهذا دليل على أنه كلام الله الذي وسع علمه كل شيء.

ولا يزال لدينا برهان آخر على المصدر الإلهي للقرآن هو أن نصه ظل صافيا عبر القرون، وسيظل على حاله تلك من الصفاء وعدم التحريف ما دام هذا الكون.

لذلك فإن الذي أدى إلى انتشار الإسلام السريع هو هذا الكتاب الذي قدمه المسلمون إلى الشعوب مع تخييرها بين قبوله ورفضه، فكان قادرا على النفاذ إلى قلوبهم وأعماق نفوسهم. ولقد خاطب الإسلام القلب والعقل، فاختارته الشعوب وآمنت به.

الأربعاء، 14 يونيو 2023

في ألمانيا لا يهدمون المقابر القديمة!

في ألمانيا لا يهدمون المقابر القديمة!

لم أكن أعرف شيئا عن التنزه في المقابر التاريخية في ألمانيا قبل أن أزور مقبرة مدينة فوسين التاريخية، موطن رأس الملك لودفيج الثاني، التي بها قصره الأسطوري “نيو شفانشتاين” المبنيّ عام 1869 والذي يزوره أكثر من 12 مليون زائر في السنة، إضافة إلى قصر والده الملك ماكسميليان الثاني.

سياحة المقابر القديمة

تأخذ المدينة سمعتها السياحية من وجود هذين القصرين الكبيرين، لكن أحد معالم السياحة الأخرى في المدينة هو مقبرتها التاريخية، كثيرون لا يعرفون شيئا عن هذه المقبرة، لكن عندما يزورون المدينة سيجدون أنفسهم بداخلها حتما، بالنظر إلى أنها تقع في قلب المدينة النابض، قد لا تبدو مقبرة بالشكل المتعارف عليه لكثرة الأشجار والأزهار التي تغطيها، فهي أقرب إلى الحديقة منها إلى المقبرة.

كل شيء قديم في المقبرة؛ الأشجار، شواهد القبور، آرائك الجلوس، السياج الحديدي المحيط بها، أما السياح فهم يجلسون على العشب الأخضر، ويتجولون بأعينهم بين شواهد القبور القديمة، وباقي الناس يستظلون بالأشجار الوارفة فنحن في فصل الصيف.

قيمة المقبرة ترجع إلى أنها من أقدم المقابر في ألمانيا، لأنها ما زالت تحتفظ بكل تفاصيلها التي بُنيت على أساسها في سنة 1528، في البداية كانت مقبرة صغيرة ثم راحت تتوسع بعد ذلك في سنة 1725 حتى أخذت شكلها الحالي، وهي الآن تُعَد أحد معالم مدينة فوسين البافارية الجميلة. الدفن متوقف فيها منذ مدة طويلة، وهي مفتوحة للسياح الذين يزورون المدينة والمهتمين بالحياة القديمة.

من أجمل ما فيها بعض شواهد القبور القديمة جدّا التي كُتبت بالغة الألمانية القديمة، كثير من أصحاب القبور كانوا من العاملين في البلاط الملكي البافاري القديم، وفي موسم السياحة الصيفية عندما تكتظ المدينة بالسياح، فإنهم يفترشون جوانب المقبرة ويجلسون فيها لينعموا بقسط من الراحة أو الاحتماء من حرارة الشمس.

مقارنة بين مقابر ألمانيا ومقابر مصر التاريخية

كنت أتابع وأعقد مقارنة بين ما أراه هنا وما يحدث للمقابر في مصر، وإن كانت مقابر مصر التاريخية تحكي قصصا وأساطيرعن المدفونين تحت الثرى فيها تفوق ما تحكيه مقابر ألمانيا القديمة، لما تمتلكه مصر من ثراء حضاري كبير.

ما كان يجب هدم المقابر القديمة في مصر بهذا الشكل الدرامي، لقد رأينا كنوزا أثرية من شواهد القبور عثر عليها الناشطون الباحثون عن توثيق تلك الكنوز قبل إزالتها بالجرافات، أشياء نادرة يجب الحفاظ عليها بشتى الطرق والوسائل.

شواهد قبور إسلامية بمتحف الحضارة في ألمانيا

قبل سنوات عدة، رأيت هنا في متحف الحضارة في ميونخ عرضا خاصا للفنون الإسلامية، وكان من بين المعروضات شواهد قبور في باكستان وأفغانستان استعان بها المتحف ليعرض لزواره جانبا من فنون المقابر عند المسلمين، وشاهدت أساتذة يشرحون لطلابهم العلاقة بين رسوم وزخارف بعض القبور في باكستان وحدائق الجنة الغنّاء الموعودة للمسلمين.

في كل الديانات القديمة، شواهد القبور لها أهمية خاصة، وهي ترجع إلى العصور القديمة عندما كان شاهد القبر يُنصب للدلالة على وجود شخص متوف هنا. وفي مقابر أوربا، شاهدت صورا للمتوفين على الشاهد، والبعض قد يكتب تفاصيل شخصية أخرى عن الشخص المتوفى مثل مهنته والأشياء التي كانت تعني له أهمية في حياته.

شواهد القبور في كل الديانات تعكس الحالة الاجتماعية للمتوفى، فكلما كان ثريّا منعَّما يكون الشاهد كبيرا ومميزا، وفي كل الأحوال عند الفقراء والأغنياء هو حالة رمزية تدل على الحب والوفاء من قِبل أهل المتوفى.

مقبرة أسرى الحرب العالمية الأولى

لا أحد يهدم المقابر القديمة في ألمانيا، وقد رأيت مقبرة أخرى موجودة بوسط الكتلة السكانية في محيط مدينة ميونخ، وهي مقبرة خاصة بالجنود الروس الذين قُتلوا أثناء الحرب العالمية الأولى ما بين 1914 و1918، وكانوا رهن الاعتقال وقتها في أحد معسكرات الأسرى في ميونخ، المثير أن من بين هؤلاء العسكريين جنودا مسلمين وفق سجلات المقبرة التي تشير أيضا إلى أن عدد المدفونين فيها 321 جنديا.

تقوم الجالية الروسية كل عام بأداء صلوات في المقبرة بحضور أسقف من روسيا وأخر من ألمانيا، وتجري الصلوات باللغتين الألمانية والروسية وسط غياب أي طقوس إسلامية تختص بالجنود المسلمين الراقدين في المقبرة.

ليست المقابر فقط، بل حتى معتقلات النازي التي شهدت جرائم في تلك الحقبة من تاريخ ألمانيا هي أيضا مفتوحة للسياحة، بغضّ النظر عن المتاحف التي تقوم بالمهام التعليمية لتاريخ الأمم، فإن في المقابر أيضا تاريخا يُذكّر بمن رحلوا وتركوا أثرا لا يمكن محوه. مثلا في مصر، طه حسين والشيخ محمد رفعت اللذان نجت مقبرتاهما من قرار الإزالة بعد جدل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي.

الثلاثاء، 31 يناير 2023

ما أخطار توقف دوران لب الأرض؟

 ما أخطار توقف دوران لب الأرض؟

فوجئ العالم ببحث مهم منشور في مجلة “نيتشر” العلمية الرصينة، لباحثين صينيين من جامعة بيجين، خلصوا فيه إلى أن اللب الداخلي للكرة الأرضية قد توقف عن الدوران في العقد الماضي، وربما يدور الآن في الاتجاه العكسي لدورانه السابق. فماذا يعني هذا؟ وما الأخطار التي يمكن أن تنتج عن ذلك التغير؟

الحقيقة أنها لم تكن المرة الأولى التي تخرج فيها نظرية أو بحث جديد يهتم بالكرة الأرضية، وحركتها الذاتية، ومحاورها، وأقطابها، والقوي المغناطيسية المؤثرة فيها.

لا شك أن علماء الفلك والعاملين في الهيئات الفلكية يتسلمون سنويا أعدادا ضخمة من المؤلفات التي تتعامل مع الخوارق الطبيعية مثل الكوارث المتوقعة، أو الكائنات الفضائية، وغيرها من خوارق الطبيعة، ومعظم هذه الكتب مؤلفوها ليسوا من العلماء المتخصصين بل هم من الهواة الذين يعتمدون بالدرجة الأولى على الخيال، بل أبعد من ذلك أن بعضهم يعاني اضطرابات عقلية!

اختلاف ساعات الليل والنهار

إن جدية مجلة “نيتشر” التي نشرت هذا البحث جعلت الاهتمام به عالميا وعلى نطاق واسع، وحاول العلماء من مختلف أنحاء العالم تفنيد البحث وفهم التأثيرات المرتقبة على الكرة الأرضية من جراء حركة لب الأرض البطيئة أو توقفها. وبما أن اللب يؤدي دورا كبيرا في الحفاظ على المجال المغناطيسي للأرض فإن توقفه أو حركته المختلفة سينتج عنها اختلال كبير في تعاقب الليل والنهار، أما إذا تغيرت حركة الأرض نفسها بشكل عكسي كما حدث الآن في قلبها فإن ذلك سيكون بمثابة كارثة طبيعية كبيرة ستحوّل الصحاري إلى غابات والغابات إلى صحاري.

علماء الجيولوجيا يعرفون أكثر من غيرهم أن الحياة تغيرت بالفعل على ظهر الكوكب مرات عدة منذ نشأته حتى الآن، فقد تعاقبت عليه حقب شديدة البرودة وغيرها شديدة الحرارة، وبفعلها تغيرت الحياة على ظهره مرات عدة. مثلا، ولاية بنسلفانيا التي كانت مغطاة بالغابات الاستوائية قبل غرق الأرض قبل 27 ألف سنة، يحتوي باطنها الآن على الطبقات الفحمية شاهدا على انتشار الغابات فيها من قبل.

نظرية تتنبأ بكارثة تغيّر أقطاب الكرة الأرضية

في سنة 1955، ظهر كتاب في الولايات المتحدة الأمريكية لمؤلفه “جون وايت” تحدّث فيه عن نظرية باحث أمريكي اسمه “أدام باربر” استمر 20 عاما ليتحقق من نظريته في بحث دوّنه في ما لا يزيد على 27 صفحة فقط، قال فيه إن كل 9 آلاف سنة يحدث تطابق بين مدار الأرض الرئيسي والمدار الصغير الذي يتولد عن دوران الأرض حول الشمس، عند ذلك تحدث حركة أرضية مفاجئة وعنيفة جدا ينتج عنها تغيّر في مكان القطبين الشمالي والجنوبي، ويحدث تباعد في ما بين خط الاستواء الجديد والأقطاب الأرضية القديمة، وتتشكل بؤرتان يبلغ قطر كل منهما 500 ميل، واحدة في الصين والأخرى في المحيط الأطلسي، وكلتاهما ستكون المكان الوحيد الآمن فقط.

ووفق البحث، فإن الهزة الأرضية ستستمر 5 دقائق فقط، لكنها ستكون مدة كافية لإحداث دمار هائل للكرة الأرضية، بغرق ألف ميل من اليابسة في غضون ساعة واحدة، كما أن الفيضانات داخل البلاد ستكون عنيفة وقاسية، وسيتم تدمير وجه الحياة بالكامل على السطح قبل أن تأخذ الأقطاب الأرضية مكانها الجديد.

تلك النظرية عارضها كثير من العلماء، أهمهم علماء مرصد غرينتش الملكي، ومونت ويلسون، وبالمور، وهم يقولون إن النظرية لا تستند إلى براهين علمية قوية، ونصحوا الناس بعدم قراءتها.

اختلاف العلماء بشأن دوران لب الأرض

العلماء الصينيون يرون في بحثهم الجديد أن اختلاف سرعة لب الأرض يحدث عادة على فترات زمنية ثابتة كل منها 70 سنة، ويرون أنه في البداية كان قلب الأرض يدور بوتيرة أسرع من بقية الطبقات الخارجية للقشرة الأرضية في أعوام السبعينيات على سبيل المثال، ثم ظل يتباطأ حتى وصل إلى أقل سرعة قبل أن يتوقف. أما علماء بريطانيا فيرون أن التفاوت في سرعة لب الأرض يحدث كل 30-35 عاما، وليس كل 70 عاما.

وبما يعني أن هناك تضاربا علميا بشأن دقة البحث الصيني، فإنه -في أسوأ حالات الخطر- فإن طول اليوم فقط هو الذي سيتأثر بأجزاء من الثانية، أي ليس دقائق ولا ثواني ولا حتى ثانية وإنما أجزاء من الثانية.

كوارث الأرض شغلت الحضارات القديمة

حتى الحضارات القديمة ومنذ بدء الخلق والإنسان مشغول بمصير الأرض التي نعيش عليها، فمثلا في حضارة “المايا” القديمة التي شملت وسط المكسيك وأقطارا مجاورة من دول أمريكا اللاتينية، اكتشف علماء الآثار قبل سنوات نقشا صخريا، أطلقوا عليه تقويم المايا، استمر العلماء سنوات عدة لفك طلاسمه حتى تمت ترجمة كل ما فيه وفك رموز التقويم بالكامل، وعرف العلماء لأول مرة أن كوارث الكرة الأرضية شغلت القدماء.

فتقويم المايا أشار إلى أن الزمن يعيد نفسه من خلال دورات متعاقبة تصل كل واحدة منها إلى خمسة آلاف عام، ووفق وجهة نظرهم، فإن آخر سلالات البشر ظهرت قبل 3114 سنة، ونهايتهم ستكون عام 2012، لكن تلك السنة التي ذُكِرت في التقويم لم يحدث فيها شيء، وهو ما دفع ديفيد ستيوارت مدير مركز أبحاث أمريكا الوسطى بجامعة تكساس والمشارك في دراسة النص الأثري إلى التساؤل عن أمر تلك الكارثة التي تحدث كل خمسة آلاف سنة وفق التقويم، وتساءل: لماذا لم يُذكَر نوعها بالتحديد؟ وهل هي كارثة طبيعية أم حربية أم ماذا بالضبط؟

الأربعاء، 7 ديسمبر 2022

ماذا يريد “مواطنو الرايخ”!


 ماذا يريد “مواطنو الرايخ”!

ما الذي دفع الحركة إلى استعادة نشاطها الآن؟ وما الذي أخاف السلطات الألمانية منها رغم أنها تحت الرصد؟

أجرى 3000 ضابط أمن عمليات تفتيش في منازل ومكاتب أكثر من 50 مشتبهًا لجمع الأدلة ، وصادرت السلطات العديد من الوثائق والأجهزة الإلكترونية

 

 

أرادوا إسقاط الدولة الألمانية، ولا يعترفون، بالمؤسسات الرسمية للدولة، ويجتمعون بشكل سري، ولا يحتفظون بهوياتهم الرسمية أو جوازات سفرهم، ويحملون بدلا عنها “وثائق غير رسمية” يطلقون عليها اسم “هوية مواطني الرايخ”. وكانوا يستعدون لمداهمة البوندستاج والاستيلاء على السلطة وإحياء الإمبراطورية الألمانية من جديد وفق بيان وزارة العدل.

التخطيط لانقلاب مسلح

يقظة السلطات الألمانية وتحركها السريع صباح اليوم، وقيام أكثر من ثلاثة آلاف شرطي بمداهمة مقرات ومنازل قيادة الحركة الإرهابية لمنعهم من تنفيذ مخططهم.

لكن ما الذي دفع الحركة إلى استعادة نشاطها الآن؟ وما الذي أخاف السلطات الألمانية منها رغم أنها تحت الرصد؟

بات واضحا أن الجماعات اليمينية المتطرفة بشكل عام في ألمانيا بدأت تنشط مستغلة أزمة الكورونا، وأزمة الحرب الأوكرانية التي دفعت الناس إلى التذمر بسبب ارتفاع الأسعار، والنقص في مواد الطاقة، إضافة إلى تفاقم أزمة الهجرة غير الشرعية. كلها أسباب أعادت هذه الحركات إلى إعادة نشاطها لعداء الدولة تحت ذريعة أن ألمانيا تتعرض لمؤامرة، مما أصبح يشكل تحديا كبيرا فعلا للحكومة الألمانية، وهو الذي عجل بقرارها التخلص من خطر تلك الحركات في ظل الأزمة الدولية الحالية.

كان واضحا في بيان وزير العدل الألماني “ماركو بوشمان” بما لا يدع مجالا للشك إلى أي مدى كانت هذه الجماعة تشكل خطرا على الحياة الديمقراطية في ألمانيا، فقد تم وصفها في البيان بالجماعة الإرهابية، ومعروف أن ألمانيا حذرة في استخدامات مثل هذه التوصيفات حتى تكون متأكدة تماما. لكن تقريرا عن أعداء الدولة الألمانية كان قد نشره مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية في منتصف مايو 2022 أكد فيه أن حركة “مواطني الرايخ” أصبحت أكثر شعبية لأول مرة، وان خطر الهجوم المسلح على مؤسسات الدولة الدستورية ليس مستبعدا.

الفرق المسلحة مستعدة للصراع الدموي

إن أخطر ما يتميز به “مواطني الرايخ” ليس فقط  عدم اعترافهم بالدولة، ولا قوانينها ، إنما إيمانهم بالصراع المسلح مع الدولة لفرض سيطرتهم، لقد تسبب ذلك في مقتل أحد ضباط القوات الخاصة الألمانية على يد واحد من تلك الجماعة، مما دفع السلطات الألمانية إلى  أخذ الحذر من الزراع المسلح فيها، ووفق الاستخبارات العسكرية الألمانية فإنها رصدت عسكريين من الاحتياط في الجيش الألماني،  واحد الجنود في الجيش النظامي، منضمون إلى الجماعة، تم توقيفهم الآن وهم قيد التحقيق، وكانت صحيفة “فوكوس” قد أشارت إلى تقرير سري بعنوان “مواطني الرايخ المنفصلين” ذكرت فيه أن المحققين الألمان ينسبون حتى الآن إلى هذه الحركة 13 ألف جريمة، من بينها 750 جريمة عنف، وأكثر من 700 جريمة موجهة ضد موظفين حكوميين في الدولة.

لكن هل فعلا هذه الجماعات اليمينية المتطرفة يمكن أن تشكل خطر حقيقي علي الدولة الألمانية؟

مما لا شك فيه أن أحد أهم تنامي هذه الجماعات هو النزعة القومية لدي البعض، والأثر الكبير الذي تركه استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين عند البعض الآخر، ثم إن المبدأ عن الحديث عن فرق مسلحة في تلك الجماعات يمكن أن يتسبب في حرب أهلية بالنظر إلى أعداد المهاجرين الكبيرة في ألمانيا، ومعروف أن حركة أو خلية “تسفيكاو” النازية المتطرفة التي تم ضبطها قبل عدة سنوات كانت قد تورطت في قتل ثمانية أتراك ويوناني وشرطية بدافع الكراهية والعداء لللاجانب.

الدولة تراقب ونشاط الكراهية يتزايد

لكن ليست هذه هي المرة الأولى التي تداهم فيها السلطات الألمانية مقرات “مواطني الرايخ” فقد سبقت ذلك في عام 2017 عندما داهمت مقراتهم أيضا وألقت القبض على عدد كبير منهم، لكن لم يكن بينهم وقتها عسكريون خدموا في الجيش مثل هذه المرة، وهذا ما يطرح بسؤال حول الأزرع العسكرية وما يمكن أن تقوم به من انقلاب مسلح إذا سمحت لهم الظروف بذلك؟! .. إنهم شديدو الإيمان بالنازية الهتلرية التي تقوم على مبدأ عسكرة الحياة المدنية في كل القطاعات، ولا مانع لديهم في سقوط قتلى في حالة قيامهم بالاعتداء المسلح على البرلمان ومؤسسات الدولة كما أفادت تقارير الاستخبارات.

إن تفكيك مثل هذه الجمعيات الخطيرة الآن هو يحسب للدولة لآن تركهم كان يغذي الكراهية والعنصرية في المجتمع، فحركة “بيجيدا “التي تأسست عام 2014 مدينة دريسدن، بولاية سكسونيا شرقي ألمانيا تخصصت في عداء الإسلام والمسلمين وتواجد الأجانب في ألمانيا. وراحت تحتج بشكل منتظم أسبوعيا، وقد بلغت هذه الاحتجاجات ذروتها مع تدفق سيل اللاجئين السوريين إلى ألمانيا في عام 2015 وقد تسببت في مخاوف كبيرة للجالية الإسلامية التي لم تجد أي مبرر لرفع وتيرة العداء معها بسبب العقيدة، بل ساهمت ” بيجيدا ” كذلك في تدعيم ظاهرة الإسلاموفوبيا لدى قطاع كبير من الألمان، وكان ذلك أحد دوافع حركة “مواطني الرايخ” إلى حمل السلاح.

حلم عودة الامبراطورية الألمانية

بشكل عام المتطرفون اليمنيون في ألمانيا هم منظمون، وظهورهم قديم في نفس العام الذي سقطت فيه ألمانيا 1945 تأسست منظمات سرية عديدة كانت تأمل في عودة الرايخ الألماني، بل وفي زمن الديمقراطية التي تأسست في ألمانيا بعد انتهاء الحرب، تأسست أيضا أحزاب مثل حزب حزب الرايخ الاشتراكي في 1949 حتى تم حظره، في عام 1952 تأسس حزب NPD وأعقبه تأسست منظمات مثل “مواطني الرايخ” وغيرها، وكلها كانت تهدف الي استعادة قدرة الرايخ الألماني على العمل في الأحزاب والمنظمات التي أسسوها ، ومن ثم المطالبة بعودة الامبراطورية الألمانية من جديد.

الأربعاء، 30 نوفمبر 2022

رسالة من مدينة ألمانية.. هل يزعج الأذان سياح القاهرة؟!

 رسالة من مدينة ألمانية.. 

هل يزعج الأذان سياح القاهرة؟!

في مدينة كولونيا الألمانية، قررت البلدية هذا العام رفع الأذان في أكبر مساجدها كل يوم جمعة عبر مكبرات الصوت، وجاء القرار بعد اتفاق بين المدينة والجالية المسلمة على تخفيف القيود المفروضة عليهم بموجب مبادرة مدتها عامان ستسمح لكل المساجد في كولونيا -وعددها 35 مسجدا- برفع الأذان لمدة تصل إلى خمس دقائق أيام الجمعة، وهي مبادرة قابلها الألمان بدون انفعال، ورآها البعض الآخر أمرا منطقيا لجالية مسلمة كبيرة تعيش في المدينة،  لم يحتجّ أحد على رفع الأذان بحجة الإزعاج، فالأمر تم تنظيمه في هدوء، وكما قالت رئيسة بلدية المدينة هنرييت ريكر “القرار هو إحدى علامات الاحترام لأهل هذه الديانة”.

لا شك أن احترام الثقافة والديانة هو مؤشر على قبول الآخر وعدم التحيز ضده، وكما ترى رئيسة بلدية كولونيا أن التعددية الحقيقة يجب أن تكتمل بقبول الآخر، وأن انطلاق صوت الأذان عبر مكبرات الصوت مؤشر على القبول المتبادل للأديان، والالتزام بالحرية الدينية التي يحث عليها الدستور الألماني، كما أن كثيرين يعتقدون أن المسلمين في هذا البلد جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي، وأن كل من يشكك في ذلك، إنما يشكك في هوية البلاد وروح التعايش السلمي فيها.

الكاتب والوزير يهاجمان صوت الأذان

لقد أعاد ذلك إلى الأذهان ما ذكره وزير الآثار المصري الأسبق الدكتور زاهي حواس، في حوار له مع قناة صدى البلد، أن صوت الأذان في مساجد القاهرة يزعج السياح، ولا يشجع على السياحة، وقال “إنها شكوى عامة وظاهرة لا توجد في العالم غير مصر”!!

مبرر الدكتور حواس في ذلك أن الدول السياحية مثل مصر، يجب الاهتمام فيها براحة السائح وعدم إزعاجه، لكن الغريب في هذا الأمر أن يتم التغاضي فعلا عن الأسباب الحقيقية التي تزعج السياح في بلد مثل مصر ويتم إلصاقها بصوت الأذان!!

كان الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى أيضا قد سبق حواس في هذا الطرح، وشن هجوما على رفع الأذان في المساجد القريبة من أماكن إقامة السياح في فنادق القاهرة وقال “الأذان والميكروفونات الصاخبة من أهم الأسباب التي تؤثر على السياحة في مصر”!!

الحقيقة أن هذا ليس صحيحا، فكل من رافق سياحا أجانب إلى مصر يعرف أن أحدا لم يشتك من صوت الأذان قط، بل أيضا بإلقاء نظرة على كتيبات دليل السياحة إلى مصر، التي تهتم بالتفاصيل، وتنبه السياح إلى ما يجب توخي الحذر منه، لا نجد أثرا إلى صوت الأذان كعامل إزعاج.

السياح يزورون المساجد التاريخية

السياح والضيوف الأجانب أكثر ذكاء وثقافة مما يعتقد إبراهيم عيسى والدكتور حواس، فهم يعرفون أن السياحة في البلاد الإسلامية لها خصوصيتها بسبب المعتقد والثقافة المختلفة، كذلك رغبة السائح بشكل عام في معايشة أجواء وثقافة ذلك البلد بكل تفاصيلها حتى يستمتع فعلا بالزيارة. على سبيل المثال، يهتم بزيارة المساجد الأثرية والأحياء الشعبية، ويختار الأكلات المشهورة كالفلافل والكشري، ويحتسي أكواب الشاي في مقهى الفيشاوي، ويتجول في أحياء القاهرة القديمة العامرة بالمساجد، ولا يعزل نفسه في فنادق وسط البلد ذات الطابع الغربي وسط الأجواء التي جاء منها، بل ينطلق يخالط الناس ويتعرف على ثقافة الشارع، لأن هذا هو المعنى الحقيقي المرادف للرحلة السياحية الثقافية!

صحفيو مونديال قطر يثنون على صوت الأذان

في قطر وقبل ساعات من انطلاق المونديال، حصلت تغريدة على تويتر للصحفي الرياضي الشهير “هنري وينتر” -مصحوبة بفيديو لصوت الأذان الذي انطلق من مساجد قريبة من استاد الوكرة- على الكثير من الثناء، إذ كتب الصحفي الإنجليزي أنه تأثر كثيرا بسماع صوت الأذان، وتساءل أحد المعلقين عما إذا كان يجب التوقف عن التدريب احتراما لصوت الأذان.

أما الصحفي البرازيلي كارتر باتيستا، فقد أعرب أيضا عن تأثره بسماع صوت الأذان، ووصفه بأنه أحد أجمل الأشياء التي رآها في دولة قطر.

تلك هي الأشياء المختلفة عادة التي تسعد السائح في زيارته للخارج، أن يرى كل مختلف، حتى ضجيج القاهرة، وصخب شوارعها، والبؤر الفقيرة فيها، كلها أشياء لا تزعج السياح، ولا تضر بسمعة مصر، فالسلبيات في كل دول العالم، وتسجيل أي شيء بالكاميرا سواء كان سلبيا أو إيجابيا إنما هو شعور وليد للحظة اندهاش، وليس له علاقة بثقافة البلد، ولا ينبغي أن يزعج أحدا.

الأسباب الحقيقية لإزعاج السياح

السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لم ينتقد إبراهيم عيسى والدكتور حواس تلك البدع ومعتقدات بعض الطوائف من السياح؟ التي تأتي لممارسة طقوس غريبة في أرض مصر، مثل “طائفة عبدة الأهرامات” التي تأتي سنويا لممارسة نوع من الهرطقة الدينية الخاصة بها داخل الهرم الأكبر، وهم يدفعون أموالا مقابل ممارسة شعائرهم دون أن يمنعهم أحد!

إذا كان هناك من يتقبل هذا الأمر بين المصريين أو المسؤولين بهدف عدم التحكم في رغبات السائح ومعتقداته، فمن المهم أيضا عدم جلد الذات ورفض شعائرنا وعقائدنا وفنوننا بحجة أن ذلك يزعج السائح.

في النهاية، لا خوف على السائح، فهو يعرف إلى أين يذهب، لكن الخوف كل الخوف من الأسباب الحقيقية التي تتسبب في “تطفيش” السياح، مثل النصب والتحرش والمضايقات الأمنية وتفتيش الكاميرات وحذف الصور، واعتبار أن السائح كنز دولارات يجب تفريغه منها قبل عودته إلى بلاده.

الخميس، 17 نوفمبر 2022

لماذا تزايدت أعداد المهاجرين غير الشرعيين من مصر؟

 لماذا تزايدت أعداد المهاجرين غير الشرعيين من مصر؟

مجموعة من المهاجرين أمام لوحة للفنان براغا لاست وان في فرنسا

حسب بيان لوزارة الداخلية الإيطالية، فإن المصريين أصبحوا هم ثاني أكبر مجموعة بعد التونسيين الذين يصلون إلى إيطاليا في قوارب التهريب عبر المتوسط، وفي أحدث البيانات التي نشرتها قوات “فرونتكس”  التابعة للاتحاد الآوربي والمنوط بها القيام بدوريات في بحر إيجه والمتوسط لحماية السواحل الآوربية من تدفق المهاجرين غير الشرعيين، كان المصريون هم الجنسية الأكثر عدداً التي تحاول الوصول إلى أوربا عبر منافذ ووسط البحر الأبيض المتوسط خلال الفترة الزمنية ما بين يناير وأبريل 2022.

هجرات جماعية لشباب القرى

منذ العام الماضي والأخبار تتوالى بقصص الموت الجماعي لشباب حديث السن من القرى المصرية النائية غرقا في عرض البحر، في محاولاتهم اليائسة  للهجرة عير المتوسط،  ففي أغسطس من العام الماضي غرق 11 شابا من قرية تلبانة من المنصورة قبالة السواحل الليبية، وفي الرابع من هذا الشهر اتشحت قرية “كوم الزمراني “التابعة لمركز الدلنجات، محافظة البحيرة، بالسواد بعد غرق 17 شاباً من أبنائها في مركب للهجرة غير الشرعية قبالة سواحل اليونان.

لا شك أن مصر تمر بظروف اقتصادية سيئة، وحالة من التردي الاجتماعي بسبب تلك الظروف، وهذا في حد ذاته يشكل سببا رئيسيا في لجوء الكثير من الشباب المصري العاطل عن العمل إلى ترك البلاد والبحث عن فرصة عمل في مكان آخر، ليس هذا فقط بل أيضا وللحاصلين على شهادات عليا كالأطباء والمهندسين والعاملين في مجالات التكنولوجيا والحاسبات الآلية، فبينهم سباق كبير الآن على السفر في ظل احتياجات السوق الأوربية إلى تلك الكوادر، خاصة الأطباء المصريين الذين يتجهون بكثافة الآن إلى السوق الألمانية المفتوحة لهم منذ سنوات.

اتفاقيات أوربية مصرية لعرقلة الهجرة غير الشرعية

الحكومة المصرية لا تسمح للمهاجرين غير الشرعيين باستخدام قوارب التهريب من شواطئها، والبحرية المصرية تراقب الشواطئ بشكل كامل، وهي ملتزمة باتفاقيات موقعة مع الاتحاد الأوربي تحصل بمقتضاها على 50 مليون دولار سنويا منذ سنة 2016، كما أن هناك اتفاقيات فردية موقعة مع اليونان وإيطاليا ومالطة ودول من وسط أوربا مثل التشيك، يتم بمقتضاها إعادة المهاجرين الهاربين من الشواطئ المصرية إلى مصر، لهذا يتحايل الهاربون علي هذه الاتفاقيات ويلجؤون إلى السفر عبر الشواطئ الليبية وهي أحد أهم مسارات الهجرة المنظمة إلى أوربا خاصة إيطاليا في الوقت الحالي، وعند وصولهم إلى هذا البلد لا يذكرون أبدأ أنهم قدموا من مصر خوفاً من إعادة ترحيلهم بسبب توقيع تلك الاتفاقيات، ولذلك يؤكد الكثيرون منهم أنهم قدموا من السواحل الليبية، حتى أن بعضهم يؤكد أنه من جنسية أخرى غير المصرية.

إذن، وفي ظل هذه المخاوف الأوربية من نشاط الهجرة المصرية الكثيفة في الآونة الأخيرة، فإن الاتحاد الأوربي أبرم اتفاقا جديدا قبل أيام مع الحكومة المصرية لتعزيز مراقبة الحدود المصرية، ومساعدة حرس الحدود على الحد من الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر بقيمة 80 مليون يورو، كما تضمن الاتفاق تمويلاً لشراء معدات مراقبة مثل سفن البحث والإنقاذ والكاميرات الحرارية وأنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية.

الهروب عبر منافذ ليبيا البحرية

الشواطئ الليبية هي الأقرب لهجرة المصريين، والأراضي الليبية بشكل عام هي المفضلة والمعروفة للعمالة المصرية منذ سنوات، أيضا الوصول إلى ليبيا من مصر عبر الطريق البري سهل وغير معقد، ثم إن ليبيا كانت من قبل سنوات الحرب هي من أكبر الأسواق التي استوعبت العمالة المصرية بشتى مستوياتها، لهذا لا يسافر المصريون مباشرة إلى أوربا بعد دخولهم ليبيا، وأفاد استطلاع للمنظمة الدولية للهجرة بأن 46٪ من المهاجرين المصريين الذين شملهم الاستطلاع بقوا في ليبيا لأكثر من عامين حاولوا فيها البحث عن فرصة عمل قبل مخاطرة عبور المتوسط.

وفقا للمفوضية الأوربية لشؤون اللاجئين فإنه في سنة 2021 تم توقيف أكثر من 26 ألف مهاجر مصري على الحدود الليبية… وتشير وثيقة المفوضية إلى أنه من المرجح أن تشهد مصر “تدفقات كثيفة” من المهاجرين على المدى المتوسط إلى الطويل بسبب عدم الاستقرار الإقليمي وتغير المناخ والتحولات الديموغرافية وتراجع الفرص الاقتصادية وتقليص مناخ الحريات المسموح به.

ضبط الشواطئ مقابل المال

مصر لا تستخدم ملف الهجرة الذي يزعج الأوربيين مجانا،  ففي أكثر من مرة لوحت الحكومة المصرية، ولوح إعلاميون مصريون بأن انفلات الأمور في مصر سيغرق أوربا بالمهاجرين غير الشرعيين، ردا علي ضغوط أوربية بشأن ملف الحريات في مصر، وفي أكتوبر من عام 2021 كرر الرئيس المصري حديثه عن منع مصر موجات الهجرة غير المنظمة التي كانت تخرج من بلاده سابقا باتجاه أوربا في سياق مطالبته الدول اﻷوربية بمزيد من الدعم لمصر، بل وللدول التي تعاني من أوضاع غير مستقرة تؤدي لهجرة مواطنيها.

رغم ذلك لم تتوقف أوربا عن  العمل على عدة مسارات لوقف الهجرة المتدفقة عليها من شواطئ الشمال الأفريقي، وفي نوفمبر سنة 2015 تم إطلاق صندوق التنمية التابع للاتحاد الأوربي لأفريقيا بهدف تعزيز الاستقرار ومكافحة الأسباب الجذرية للهجرة غير الشرعية والنازحين في أفريقيا، وتمت الموافقة على خمسة مليارات يورو موزعة على 250 مشروعا في 26 دولة أفريقية، وحصلت مصر على 60 مليون يورو في عام 2017 في إطار هذا المشروع.

لكن الهجرة لم تتوقف ولن تتوقف، وبالإضافة إلى كل ما ذكر من أسباب فإن الفساد المستشري، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية التي خلفتها الكورونا، ثم الحرب الأوكرانية وآثارها السيئة على سلة الغذاء العالمية هي أسباب كافية لاستمرار هجرة قوارب المتوسط على الأقل في المنظور القريب.