‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبدالعليم شداد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبدالعليم شداد. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 8 ديسمبر 2023

الديموقراطية.. نظام الحكم من الباطن

الديموقراطية.. نظام الحكم من الباطن

هل تداول السلطة الذي نراه في الدول الاوروبية الديمقراطية هو تداول طبيعي حقيقي؟ هل من الممكن ان يتخلى اشخاص لهم معتقداتهم وخلفياتهم الفكرية عن السلطة لصالح اشخاص يختلفون عنهم في الافكار والمعتقدات؟ هل ما نراه شيئي طبيعي يتوافق مع طبيعة البشر التي تتصف بالاختلاف والصراع بسبب اختلاف الرؤى والافكار؟ 

ومن المعروف أن الاوربيين كانوا اكثر أهل الارض اختلافا وصراعا فيما بينهم، فلم تكن تنقضي حرب بينهم الا وتقوم بينهم حرب أخرى، فكيف تحولوا الى حملان وديعة تنتظر نتيجة الاقتراع في صناديق الانتخابات؟ 

للأسف نحن لا نبحث عن اجابة لهذه التساؤلات بسبب حالة الانبهار والاستلاب الفكري التي نعيشها وتعيشها معنا شعوب العالم المغلوبة على أمرها، فالحوجة ماسة للنظر في جوهر هذه القضية ومعرفتها ودراستها دراسة فاحصة دون التأثر بآراء السطحيين المنبهرين الذين يعظمون ما لا يستحق التعظيم بدون دراسة ومعرفة لحقيقة الواقع. وقد استثمر الاستعمار كثيرا في تجهيل شعوب العالم واقناعها بان الجهل والعجز أصيل فيها فألغت عقولها وجلست في مقاعد التلقي، فالشعوب أصبحت مكبلة بكم هائل من الاكاذيب والتصورات الخاطئة التي يتم غرسها في عقول الناس منذ طفولتهم في مؤسسات التعليم وبواسطة وسائل الاعلام، ومن أكبر الخدع التي تم تسويقها للناس هي خدعة الديمقراطية باعتبارها الحل الحاسم للقضاء على مشكلة صراع السلطة وأنها وسيلة التقدم والرفاهية.   

ان الصراع بين البشر هو طبيعة بشرية حتمية لا فكاك منها، ويحدث الصراع بسبب اختلاف المفاهيم والافكار والمعتقدات، فمثلما يختلف الناس في اشكالهم والوانهم والسنتهم، فانهم كذلك يختلفون في طريقة تفكيرهم وتصوراتهم الذهنية وفي ردود افعالهم وفي كيفية معالجتهم للأحداث وتعاملهم معها، وذلك نتيجة لاختلاف المعارف والمدارك وعوامل التربية، ويعيش الانسان في الحياة وفقا لمعتقد أو فكرة  يؤمن بصحتها ويتجادل ويتناقش مع الاخرين بغرض اقناعهم بصحة فكرته، وتتنوع مظاهر التعبير عن الاختلاف بين افكار الناس من النقاش الهادي الى الجدال والنقد الكلامي، الى الغضب والعنف اللفظي أو البدني وقد يتطور الأمر الى درجة أن يقتل الناس بعضهم البعض، والناس كثيرا ما يقتلون بعضهم بسبب اختلاف الافكار والمعتقدات، فالفكرة مهما كانت قيمتها هي الطاقة المحركة للإنسان وهي التي تميز الانسان عن الحيوان وقوة الانسان في قوة ايمانه بفكرته، ولذلك لا يتحمل الناس التقليل من قيمة افكارهم ومعتقداتهم التي يؤمنون بصحتها فذلك يمنحهم احساسا بالتشكيك في مقدراتهم العقلية وفي صحة رؤيتهم لقضايا الحياة، وتغيير الفكرة والمعتقد هو ميلاد جديد للإنسان، ومن شدة تأثير الافكار على الانسان انها من الممكن ان تشفيه أو تقتله، فيمكن وضع فكرة ضارة في عقل انسان تسبب موته تلقائيا بسبب اقتناعه بها، ومعروفة تجربة (بورهيف) التي أوهم فيها احد المساجين المحكوم عليه بالإعدام أن اعدامه سيكون بتصفية دمه، وبعد أن غطى عينيه وضع أنابيب يتدفق منها ماء دافئ حرارته بنفس حرارة الدم على جسده ليصب في وعاءين بما يوحي له بأن دمه يسيل بعد قطع شرايين يديه، فمات في نفس الزمن الذي يستغرقه الإنسان ليموت في حالة قطع شرايينه، ومن ذلك ايضا الطريقة التي قتل بها هتلر الجنود الثلاثة الذين اقنعهم بان مواسير السجن بها غاز سام سيقتلهم بعد ستة ساعات، فمات الجنود بدون وجود أي غاز حقيقي، واليوم يوجد فرع من الطب يهتم بالعلاج الوهمي (Placebo) وذلك بإعطاء المريض أي مادة يتم اقناعه بانها الدواء الشافي لمرضه فيشفى المريض نتيجة لذلك، وقد أثبتت الدراسات أن نسبة كبيرة من الأمراض العضوية بالأصل هي أمراض نفسية ناتجة عن تأثير الأفكار على الجسد، وبنفس القدر الذي يعتبر فيه الانسان خطرا على نفسه بما يحمله من افكار خاطئة أو ضارة قد تسبب له المرض والموت، هو كذلك خطر على اخيه الانسان بمقدار ما يحمله من افكار ورؤى يريد فرضها عليه، ولذلك صنع الناس الاسلحة وجيشوا الجيوش وسلحوها ودربوها على قتل الاخرين وتدميرهم خوفا على انفسهم من الافكار المخالفة لأفكارهم ومعتقداتهم، والحروب التي تقوم بين الدول غالبا هي بسبب خلافات فكرية وعقائدية ولكن في عصر العلمانية هذا يتم تسويقها للشعوب على أن سببها مسائل مادية كالخلافات الحدودية أو المهددات الاقتصادية والأمنية.

لا نستطيع الحديث عن الديمقراطية بدون الحديث عن العلمانية، فالديمقراطية الأوروبية هي النظام السياسي للعلمانية وقد ظهرت الديموقراطية مع ظهور العلمانية، وأي نظام ديمقراطي غير علماني هو نظام غير معترف به كنظام ديموقراطي من قبل الانظمة الاوروبية، فالعلمانية فكرة امن بها بعض الناس وفرضوها على غيرهم بعد جهد وصراع مرير قتل فيه ملايين البشر، فبالقوة والخدعة تم فرض العلمانية على الشعوب الاوربية، والأنظمة العلمانية الأوروبية الحاكمة اليوم لم تأتي بالنقاش والاقناع أو بالتطور الطبيعي لأنظمة الحكم بل جاءت بعد صراع عنيف وحروب قتل فيها الملايين خاضتها العلمانية ضد الانظمة المسيحية السابقة لها، ففي فرنسا مثلا بلغ عدد ضحايا الثورة الفرنسية التي حولت فرنسا الى دولة علمانية نحو اثنين مليون قتيل، وبلغ عدد الفارين من ديارهم بسبب الخوف والارهاب نحو 200 الف مواطن فروا الى البلدان المجاورة أغلبهم من الرهبان ورجال الدين الذين كان يتم استهدافهم بصورة خاصة وهو ما تسميه كتب التاريخ اليوم (اجتثاث المسيحية في فرنسا خلال الثورة الفرنسية)، كما حدثت في تلك الحرب العلمانية العنيفة العديد من المذابح الجماعية، مثال ذلك ما حدث في منطقة (فيندي) الفرنسية التي حدثت فيها مذبحة قتل فيها نحو 250 الف شخص (وفي بعض المصادر 600 الف) وهم من ابناء الشعب الذين انتفضوا لحماية كهنتهم وكنائسهم. 

وهكذا فان القتل والدمار كان رفيقا دائما ومهرا مدفوعا لفرض الانظمة العلمانية، ولعل أسوأها ما حدث في (الثورة الروسية) التي قامت في العام 1917 والتي يقدر عدد القتلى فيها ما بين (السبعة والاثني عشرة مليون) قتيل وبلغ عدد الذين تم تهجيرهم من اوطانهم نحو اثنين مليون شخص، ونتج عنها نحو سبعة ملايين طفل مشرد في الشوارع، كل هذا الدمار الفظيع كان من أجل تحويل روسيا من دولة مسيحية الى دولة شيوعية (الشيوعية هي العلمانية السافرة) فالشيوعية والليبرالية هما وجهان مختلفان للعلمانية. وللعلمانية رؤيتها الخاصة بها لكل جوانب الحياة والدين هو أعدى أعداء العلمانية، فالشيوعية مثلا عملت على القضاء على الدين بكل عنف حيث قامت باعتقالات جماعية لرجال الدين المسيحي الذين كانوا يعذبون ويرسلون الى معسكرات العمل الشاق أو مستشفيات الأمراض العقلية وتم قتل الالاف من كبار كهنة الكنيسة الارثوذكسية في روسيا، وتم اغلاق وتدمير الاف الكنائس المسيحية التي نقص عددها من نحو ثلاثين الف كنيسة الى أقل من خمسمائة كنيسة، وكان ذلك متبوعا بدعاية رسمية من الحكومة الشيوعية تروج فيها للإلحاد وتصف المؤمنين بالرب بالمتخلفين. وفيما يتعلق بالمسلمين فقد صادرت شرطة الحكومة الشيوعية جميع نسخ القرآن الكريم وأحرقتها، ومنعت الحكومة الصلاة والصوم والحج وذبح الأضاحي، كما هدمت وأغلقت أكثر من عشرة الاف مسجد، وتم اغلاق أكثر من أربعه عشرة الف مدرسة اسلامية في جمهوريات الاتحاد السوفيتي، اضافة الى قتل واعتقال وتهجير الملايين من المسلمين. 

فهل بعد كل هذا العنف والثمن الكبير يمكن أن يتنازل العلمانيون عن السلطة لحزب غير علماني لأنه جاء بالديموقراطية؟ 

من هنا ندرك ان الديمقراطية ليست نظاما حرا يسمح لأصحاب الرؤى المخالفة بالوصول للحكم بمجرد الفوز في الانتخابات، ومعروفة الحوادث الكثيرة التي حدثت عندنا في العالم الاسلامي التي تؤكد هذا السياق. فالعلمانية هي رؤية أحادية عنيفة تجاه خصومها ولها فلسفتها الخاصة بها لتشكيل المجتمع وادارة الاقتصاد ولحكم الدول، وهي في كل ذلك تنظر الى أين يتجه الدين وتعمل ضده حيث تأخذ الجانب المخالف للدين وتتبناه، ففي جانب المجتمع تبنت الحرية الجنسية التي اكتسحت الغرب حتى اصبحت الممارسات الجنسية بين الرجال والنساء من غير زواج امرا عاديا تماما، ثم تبنت المثلية الجنسية وروجت لها حتى جعلت زواج المثليين مثله مثل الزواج العادي معترفا به ومقننا بالقانون، ومؤخرا اصبح يتم الترويج للشذوذ بكثافة وأصبح من ضمن مناهج التعليم المدرسية في اوروبا وامريكا واليوم يتم تدريسه للتلاميذ في المدارس على انه أمر عادي وطبيعي وأن له جذورا تاريخية عريقة، ولا يحق للاب اقناع ابنه بخلاف ذلك والا فيمكن أن يكون مصيره السجن بتهمة اثارة الكراهية، ويمكن أن يتم انتزاع ابنه منه باعتباره أبا غير صالحا للتربية، وفي جانب الاقتصاد تبنت العلمانية النظام الربوي للبنوك الذي كان محرما في الانظمة المسيحية السابقة للعلمانية، وفي نظام الحكم اخترعت العلمانية النظام الديموقراطي المعروف اليوم، والنظام الديمقراطي في حقيقته لا يمنح الاغلبية حق فرض رؤيتها الفكرية أو العقدية على الاقلية، حيث أن الاغلبية ملزمة باحترام الاقلية عند التفكير في اصدار أي تشريعات عامة بمفهوم ان الاغلبية الحاكمة لا تملك الحق في نكران حق الاقلية بمفهوم أن الاقلية هي جزء من مجتمع يتمتع بالحقوق الدستورية كافة من حقوق سياسية ومدنية وثقافية واجتماعية، بمعنى أن حقوق المواطنة تلغي قيمة الاكثرية عند النظر لحقوق الاقلية. 

وبهذا المفهوم لا تسن القوانين وفق الاغلبية السياسية وحدها وانما ضمن مصالح الاقليات الاجتماعية التي يمكن ان تمثلها الاقلية السياسية. بمعنى أنه لو كانت هناك دولة أغلبية عدد سكانها مسلمين وهناك اقلية لها دين اخر او حتي مذهب اخر لا يحق للأغلبية حسب المفهوم الديمقراطي اختيار تشريعات لا تقبل بها الاقلية، وهذه بلا شك فلسفة خبيثة خلاصتها تمييع الافكار والتشريعات الدينية.

العلمانية فلسفة أتت بها الجمعيات السرية التي اسسها اليهود الاوربيين الذين كانت تضهدهم الانظمة المسيحية،  فقد عانى اليهود في أوربا صنوفا من البطش والاضطهاد والالام بسبب الكراهية الشديدة التي كان يحملها المسيحيين تجاههم في وقت سابق، حيث كانوا يعتبرونهم أمة ملعونة وأن الشعب اليهودي مسؤول للأبد عن قتل المسيح وكان كهنة الكنائس المسيحية يلعنون اليهود في صلواتهم الكنسية بصورة راتبة كواجب ديني، وكانت تلك هي ثقافة الشعوب الاوروبية لذلك كان قتل اليهود وطردهم ومصادرة ممتلكاتهم أمرا شائعا متكرر الحدوث في اوروبا، وقد تم طرد اليهود من انجلترا في عام 1290، ومن المجر عام 1349، وفرنسا 1394، والنمسا 1421 ، ونابولي 1510، وميلانو 1597، وإسبانيا 1492 ،والبرتغال 1497 وحدث ذلك في روسيا واوكرانيا وغيرها.

 

نتيجة لذلك أسس اليهود الجمعيات السرية التي اتخذت العلمانية فلسفة فكرية ونظاما للحكم وتمكنت من ضم ذوي الجذور المسيحية واليهودية لأول مرة في التاريخ تحت تنظيم واحد وفكرة واحدة تقوم على رفض الاديان وشن الحرب عليها، وكان من المستحيل على اليهود ان يكونوا في صدارة المشهد والا ستثور عليهم الشعوب الاوروبية المسيحية التي تكرههم بحكم المعتقد الديني، على نحو ما فعل هتلر الذي قتل اليهود وحظر الجمعيات السرية الماسونية في المانيا، ففي العام 1933 تم حل المنظمات الماسونية في المانيا، ومصادرة ممتلكاتها ومحافلها وتم حظر اعضائها من شغل أي مناصب في الخدمة العامة، كما تم تصنيف الماسونيين المعتقلين في معسكرات الاعتقال كسجناء سياسيين، وبلغ عدد الماسونيين الذين قتلهم هتلر بنحو 200 الف شخص، وهتلر لم يفعل كل ذلك بأفكار خاصة به انما كان فعله تعبيرا عن ثقافة المجتمع الذي هو جزء منه، وبسبب تلك الكراهية كان من المستحيل على اليهود الظهور علنا كحكام حقيقيين للدول التي تحكمها المنظمات السرية التي يمسكون بقيادتها،  فاخترعوا نظام الحكم الديموقراطي وروجوا له بشدة وفيه يظل اصحاب الحكم الاساسيين في الظل وفي العلن يتم تقديم مرشحين مقبولين للشعب يختار الشعب من يختار منهم كرئيس منتخب على نحو ما نراه في العالم اليوم ، وحتى لا يكون هناك مجال لتمرد من يتم انتخابه فقد قاموا بتجزئة السلطة بما يعرف بنظام (فصل السلطات) وهو من المبادئ الاساسية في النظام الديمقراطي وفيه تكون الدولة مقسمة إلى ادارات منفصلة، كل ادارة فيها لها سلطة منفصلة ومستقلة في صلاحياتها عن الأخرى ولا يملك الرئيس المنتخب الحق في التحكم فيها، وعادة ما تكون هي السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، وتكون السيطرة الكاملة على هذه الادارات عند حكومة الظل التي تدير جميع شؤون البلد، ويقول لنا المنبهرون السطحيون انظروا الى دولة المؤسسات في الغرب، وذلك عن جهل وعدم دراية بخفايا الامور.

بالنظر لما سبق ندرك تماما ان العلمانية هي نظام ذو رؤية أحادية ظالمة وقاسية وشديدة البطش، وأن الديمقراطية ليست وسيلة لاستلام سلطة ملقاة على قارعة الطريق، انما هي نظام حكم ديكتاتوري علماني يكون الحكم فيه بيد أشخاص موجودون في الظل وغير بارزين لعامة الشعب يحكمون دولتهم من الباطن، فلا يمكن اقامة (نظام ديمقراطي) بدون جماعة خلفية تدير المشهد السياسي والا سيكون نظاما عشوائيا كثير الصراعات قصير العمر بسبب الصراعات التي ستحدث بين مكوناته المختلفة في أفكارها ومعتقداتها، وسيعمل كل حزب من أجل ان يفشل الحزب الاخر المنافس له. وبالنسبة للعالم الاسلامي فلن تقوم فيه ديمقراطية اطلاقا على نحو ما يروج له من يعيشون على وهم الحرية، فالشعوب المسلمة مازالت تريد ممن يحكمها أن يحكمها وفقا لدينها وثقافتها، فالطريق مازال طويلا لعلمنة الشعوب الاسلامية ومحو المعتقدات الاسلامية من النفوس، وهذا ما عجز عنه الاستعمار بكل مكره وجبروته، وما عجزت عنه الاحزاب (الاسلامية العلمانية) التي لم تتمكن من انجاز التجريف المطلوب لأساسيات العقيدة الاسلامية، وحتى اليوم نجد أن تأثير العلمنة مازال محصورا في فئة المثقفين والمتعلمين المعجبين ببريق الحضارة العلمانية الأوروبية. واليوم يتم ربط واختزال كل احلام وطموحات الشعوب المسلمة في تحقيق الديمقراطية ويتم الترويج لها على انها ستكون سببا لرفاه وحرية الشعوب، فأصبحت شعوبنا المظلومة تستنفد قواها وهي تلهث من سراب الى سراب. ان هدفنا في العالم الاسلامي يجب ان يكون هو الاعلاء من قيمة العدل واقامة نظام الحكم العادل، الذي يقدم من يحكمنا بالعدل ولا يظلمنا، والذي يحكمنا وفقا لثقافتنا وديننا دين العدل والرحمة، الحاكم الذي يوحدنا ولا يستغل اختلافاتنا فيقسمنا أكواما يختار منها ما يريد ليضرب بعضنا ببعض، فهذا أفضل لنا من الجري ورا سراب أنظمة غريبة عنا لا نعرف عنها الا اسمها.   

    الاثنين، 2 نوفمبر 2020

    تحرير العالم من الأوربيين

     تحرير العالم من الأوربيين


    بقلم عبدالعليم شداد
     يناير 10, 2020
    -الأوربيون شعب يتكون من عدد من الإثنيات العرقية المختلفة، ووفقا لدراسة ألمانية نشرت في العام 2002 يبلغ مجموع هذه الإثنيات نحو 87 إثنية أو شعب, منها عدد 33 هي إثنيات كبيرة وتشكل الغالبية في بلدانها ومن أهمها: (الروس, الألمان, الفرنسيين, الإنجليز, الإيطاليين, الأوكرانيين, الأسبان والبرتغال).
    -وجميعهم تجمعهم ثقافة واحدة تقوم على (التراث المسيحي اليهودي).
    -وهذا المصطلح شائع جدا حاليا في العالم الغربي وهو يشير الي الرابطة المشتركة بين اليهود والمسيحيين، وأنهما يكوِّنان شيئا واحداً.
    -فالتراث اليهودي المسيحي من المكونات الرئيسية للحضارة الغربية، فالمسيحيون يقدسون التوراة، والتي يطلقون عليها اسم العهد القديم الذي يشكل القسم الأول من الكتاب المقدس لدى المسيحيين في حين يعتبر العهد الجديد القسم الثاني منه, وفيما مضي اتسمت العلاقة بين اليهود والمسيحيين بالتقلب، ولكنها في القرون الاخيرة تحولت للتحالف بعد نشوء الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم قيام إسرائيل لأسباب دينية، حيث تأثرت البروتستانتية باليهودية كثيرا.

    -وعموما فان ثقافة الأوربيين تقوم على (الديانة المسيحية) والحضارة ( الرومانية – اليونانية).
    -للأوربيين صفة مميزة اتصفوا بها منذ قديم الزمان وتميزوا بها عن بقية شعوب العالم وهي:
    (القسوة الشديدة) لدرجة جعلت التعذيب والقتل عندهم نوعا من التسلية:
    ١-فحلبة الموت الرومانية (الكولسيوم) في وسط روما كانت هي مصدر التسلية والترفيه لكل المجتمع رجالا ونساء وأطفالا، فالأسرة بكاملها كانت تحضر إليها لمشاهدة الأسود المفترسة التي يتم تجويعها ثم إطلاقها على الأسرى الذين يتم إدخالهم إلى الحلبة مع زوجاتهم وأطفالهم فتلتهمهم الأسود الجائعة وتقطعهم إربا وسط ضحكات واستمتاع الحضور.
    ٢-كما كانوا يجبرون أسراهم على أن يتقاتلوا فيما بينهم فيجبر الصديق على قتل صديقه.
    ٣-وكانت مسابقات المبارزة التي تنتهي بالموت هي اللعبة الأكثر شعبية لدى الجماهير الأوروبية الرومانية القديمة.
    ٤-ولهذا نجد أن الحروب التي يقتل فيها الملايين كانت أمرا متكرر الحدوث بينهم.
    ٥-مثال تلك الحروب الأوربية حرب الثلاثين عاما التي قتل فيها ما يزيد عن الأحد عشر مليون شخص ونقص فيها سكان ألمانيا من عشرين مليونا إلى ثلاثة عشر مليون، ونتج عن ذلك نقص كبير في عدد الرجال فجعلوا تعدد الزوجات إجباريا.
    ٦-وفي حروب نابليون قتل أكثر من ستة ملايين إنسان.
    ٧-وفي حرب السنوات السبع بين بريطانيا وفرنسا قتل ما يزيد عن الأربعة عشر مليون إنسان.
    ٨-وفي الحرب الأهلية الروسية قتل ما يزيد عن التسعة ملايين.
    ٩-وفي حروب فرنسا الدينية قتل نحو أربعة ملايين.
    ١٠-وفي الحرب العالمية الأولى التي بدأت بين النمسا وصربيا قتل ما يزيد عن العشرين مليون إنسان.
    ١١-وفي الحرب العالمية الثانية التي بدأت باجتياح ألمانيا لبولندا قتل نحو خمسة وثمانين مليون إنسان.
    والحروب والمجازر الأوربية أكبر من أن تحصى في هذه المقالة، وكلها حروب ومجازر دموية مروعة يتم القتل والتعذيب فيها بوسائل رهيبة لا تخطر على بال، مثال ذلك:
    - التمشيط بأمشاط الحديد, واستخدام النشر بالمنشار, وسحق العظام بآلات ضاغطة، واستخدام الأسياخ المحمية على النار، وتمزيق الأرجل، وفسخ الفك، كما استخدموا مقلاع الثدي لخلع أثداء النساء من جذورها، والتابوت الحديدي، وكرسي محاكم التفتيش الذي يحتوي على مسامير في كل نقطة منه.
    -وعندما خرج الأوربيون بقسوتهم هذه إلى العالم أحدثوا دمارا وخرابا هائلا للبشرية.
    ١-فعندما اتجهوا غربا إلى أمريكا مسحوا سكانها من على وجه الأرض مستخدمين أبشع الوسائل التي لا تخطر على عقل بشر.
    -ومن ذلك أنهم كانوا يقدمون مئات البطاطين الملوثة بجراثيم الجدري والسل والكوليرا كهدايا للسكان الأصليين لتحصدهم دون أدني جهد وقد قتلوا بذلك الملايين من السكان الأصليين خلال عقود قليلة.
    -كما عملوا جوائز مالية لمن يأتي برأس أحد السكان الأصليين من الرجال أو النساء أو الأطفال مما جعل الصيادين ينتشرون في أرجاء القارة الأمريكية يجلبون الرؤوس بأعداد هائلة، ثم اقتصر الأمر على فروة الرأس ليسهل عليهم الحمل.
    - وقد اصبح الكثير من الصيادين يفتخرون بأن أحذيتهم مصنوعة من جلود البشر.
    - وقد تطور الأمر وأصبحت هناك حفلات للسلخ والتمثيل يحضرها كبار المسؤولين الأوربيين.
    - فأبادوا أكثر من مئة مليون من السكان الأصليين في أمريكا, والنتيجة تغيير كامل لسكان أمريكا ليحل محلهم الأوربيون.
    - فكل دول أمريكا الشمالية والجنوبية اليوم يملكها الأوربيون بإثنياتهم المختلفة:
    -فالبرازيليون هم برتغال وأسبان.
    -والأرجنتينيون هم أسبان وإيطاليون.
    - ونجد أن معظم سكان أمريكا الجنوبية هم أسبان إضافة للإثنيات الأوربية الأخرى خاصة في تشيلي, الأورغواي, كولومبيا, فنزويلا، وغيرها.
    ٢-وعندما اتجه الأوربيون نحو أفريقيا حولوا (الرق) إلى تجارة مثل (تجارة الماشية)، فقد كانت الحكومات الأوروبية هي التي تحتكر تجارته، وتضع القواعد المنظمة لهذه التجارة، وكانت أسهم شركات تجارة العبيد هي الأعلى ربحا, وبعد تحرير تلك التجارة والسماح للشركات الخاصة بالعمل في هذا المجال أصبحت تلك الشركات تصدر كميات مهولة من الأفارقة إلى الدول الأوربية ومستعمراتها في كل أنحاء العالم.
    -فالشركات الفرنسية لوحدها كانت ترسل ما لا يقل عن المئة ألف أفريقي سنويا إلى المناطق التابعة لفرنسا في أمريكا.
    - أضف إلى ذلك الشركات الأسبانية والإنجليزية والتجار الإيطاليين والألمان والبرتغال وغيرهم, ويقدر عدد الأفارقة الذين تم إرسالهم إلى الأميركتين بالملايين, وكل ذلك كان عملا مقبولا تصدر له الحكومات الأوربية التصاريح اللازمة ويستثمر فيه الشعب أمواله من خلال شرائه لأسهم هذه الشركات.
    ما سبق هو ما فعله الأوربيون في أمريكا وأفريقيا.

    ٣-أما في آسيا فقد فعلوا شيئا عجيبا فقد كانت الحكومات الأوربية تتاجر في المخدرات !! فقد صدرت بريطانيا أول شحنة من المخدرات إلى الصين في العام 1781 وبعد أن بدأت مشاكل الإدمان تظهر على الشعب الصيني أصدر إمبراطور الصين أول مرسوم بتحريم استيراد المخدرات فأرسلت بريطانيا وفرنسا سفنهما وجنودهما إلى الصين لإجبارها على فتح أبوابها لتجارة المخدرات بالقوة,
    و استطاعوا أن يهزموا الصين ودخلوا بكين ومن ثم أجبروها على توقيع اتفاقية (تيان جين) في عام‏1858‏ بين الصين والأوربيين ممثلين في كل من (بريطانيا وفرنسا‏ والولايات المتحدة وروسيا) وفي هذه الاتفاقية تم تحديد الأفيون بصفة خاصة من بين البضائع المسموح باستيرادها, كما تم إلزامها في هذه الاتفاقية بالسماح بنشر المسيحية في الصين, وكان من ثمار هذه الاتفاقية أن ارتفع عدد المدمنين في الصين من مليوني مدمن عام 1850م ليصل إلى 120 مليوناً سنة 1878م, واستمر العمل بهذه الاتفاقية حتى العام 1911.
    -إن ما سبق ذكره يمثل عرضا موجزا لطبيعة بشرية تأصلت فيها القسوة بأبشع صورها لم تنجح في تغييرها المدنية والتحضر، فالذي يعف أن يفعله الإنسان الجاهل المتخلف يفعله الأوربي المتحضر,
    ٤-ففي التاريخ المعاصر شهدنا مجازر البوسنة التي قتل فيها نحو 300 ألف مسلم واغتصبت فيها نحو 60 ألف امرأة وطفلة مسلمة، وهجّر نحو مليون ونصف مسلم, و استمرت المجازر لنحو 4 سنوات هدم الصرب فيها أكثر من 800 مسجد بعضها يعود بناؤه إلى القرن السادس عشر، وأحرقوا مكتبة سراييفو التاريخية, و وضع الصرب آلاف المسلمين في معسكرات اعتقال، وعذبوهم وجوعوهم حتى أصبحوا هياكل عظمية,
    ولعل أبشع ما حدث كان هو مجزرة (سربرنتيشا) الشهيرة التي حاصرها الصرب لمدة سنتين ولما لم يستطيعوا أن يدخلوها بالرغم من تجويعها طلبوا من أهلها تسليم أسلحتهم مقابل الأمان، وبعد أن سلموا أسلحتهم انقضوا عليهم وعزلوا الذكور عن الإناث، وجمعوا 12,000 من الذكور( صبياناً ورجالاً) فذبحوهم جميعاً طعنا بالسكاكين، ومثلوا بهم أبشع تمثيل، وذلك في مرأى من القوات الهولندية المسؤولة من حماية المدينة.
    ٥-ومن أبشع ما قام به الأوربيون قبل سنوات ما حدث في العراق من تعذيب بشع قامت به القوات الأمريكية (80% من الأمريكان في الأصل هم إنجليز وإيرلنديين وألمان) فقد تفجرت الفضيحة في العام 2004 فقد قاموا بعمليات قتل واغتصاب وانتهاكات رهيبة في سجن أبوغريب، حيث تمت عمليات اغتصاب منظمة للنساء، وهتك لأعراض الرجال، إضافة إلى استخدام الكهرباء والكلاب وكافة وسائل التعذيب، فقد مارس الجنود الأميركيون 13 طريقة في تعذيب السجناء العراقيين تبدأ من الصفع على الوجه والضرب، وتنتهي بالاعتداء الجنسي، واللواط، وترك السجناء والسجينات عرايا لعدة أيام، وإجبار المعتقلين العرايا الرجال على ارتداء ملابس داخلية نسائية، والضغط على السجناء لإجبارهم على ممارسة أفعال جنسية شاذة وتصويرها بالفيديو، كما كانوا يجبرون السجناء العرايا على التكدس فوق بعضهم البعض.
    -لقد كانت ثمرة الحروب الأوربية خارج أوروبا أن أصبحوا (هم العالم), وذلك بامتلاكهم لمعظم الأراضي اليابسة في العالم, فهم اليوم يملكون أمريكا الشمالية والجنوبية بعدما أبادوا سكانها الأصليين, ويملكون أستراليا بعد إبادة سكانها كذلك, ويملكون شمال قارة آسيا بكامله، حيث تمتد روسيا من شرق أوروبا لتلتقي مع أمريكا (ما لا يعرفه الناس أن المسافة بين أمريكا وروسيا أقل من أربع كيلومترات),
    -فالإنجليز الذين يحكمون بريطانيا يملكون 16 دولة أخرى، بالرغم من أنها مسجلة كدول ذات سيادة، ولكنها مع ذلك تقع تحت سيادة التاج البريطاني، وتسمى أقاليم ما وراء البحار البريطانية، أشهرها كندا وأستراليا وجامايكا.
    -كما أن للفرنسيين أراضي شاسعة حول العالم تشكل ١٣ اقليما موزعة في قارات العالم المختلفة، وتسمى أقاليم ما وراء البحار الفرنسية.
    -ولك أن تعلم أن دولة صغيرة، وشعب صغير مثل الدنمارك أصبح يمتلك مناطق خارج أوروبا أكبر من دولته بعشرات المرات، مثل غرينلاند، وجزر الفاو.
    -وبذلك أصبح الأوربيون يملكون مساحات هائلة تفوق حاجتهم بأضعاف كثيرة, معظمها من أغنى المناطق في العالم، وبذلك فهم يمتلكون كميات مهولة من الثروات التي لا تنضب, وحققوا مقدارا من الرفاهية غير مسبوق على مدار التاريخ؛ بسيطرتهم على العالم.
    -وما زالوا يعملون على إكمال سيطرتهم على العالم، من خلال إنشائهم لأكبر حزب سياسي لا ديني في العالم: (منظمة البناؤون الأحرار) التي ينتمي إليها الكثير من قادة دول العالم، وكبار رجال المال والأعمال، والإعلام فيه، ومنهم كثيرون في السودان مندسون في مؤسسات الدولة.
    -كل هذا الانتشار الرهيب نتج عنه استلاب كامل لعقولنا, فعندما ينظر أحدنا للناس في أوروبا أو أمريكا أو آسيا أو أستراليا، ويجدهم يلبسون نفس اللبس، ويأكلون نفس الأكل، ويلعبون نفس اللعبة: يظن أن عليه أن يفعل مثلهم؛ باعتبار أن هذا ما يفعله كل العالم، ولا يعلم أنهم (نفس الناس) الذين يحملون نفس الثقافة في كل هذه القارات.
    -فأصبحت عقولنا أسيرة لهم, نجري خلفهم، ونحتمي بهم من بعضهم, هم يستغلوننا عندما يتنافسون فيما بينهم، أو تختلف وجهات نظرهم في قضايا تخصهم، فيضغطون على بعضهم بدعم هذا أو ذاك.
    -فنحن في أمس الحاجة لأن نحرر عقولنا التي أصبحت لا تسمع ولا تبصر إلا ما يرونه, وهذا هو التحرير الذي نعنيه في هذه المقالة, تحريرا لا يشبه تحريرهم الذي يقوم على الإبادة الجماعية، وسحق الآخر واستئصاله، فنحن نتبع لدين كرم الإنسان ورفع من قدره, دين جعل تحرير العبيد عبادة, وفي الحرب منع قتل النساء والأطفال, وأوجب حسن معاملة الأسير: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا), دين كان رسوله يقول لأصحابه في الحرب: ( انطلقوا باسم الله, لا تقتلوا شيخا فانيا, ولا طفلا صغيرا, ولا امرأة ....), ويقول: (استوصوا بالأسارى خيرا) ,
    *-فهلا حررنا عقولنا وأفكارنا من سيطرة الأوربيين؛ لننشر رسالتنا: رسالة الخير والسلام...