‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فراس أبو هلال. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات فراس أبو هلال. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 20 يوليو 2025

ما هي دلالات تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على سوريا؟

ما هي دلالات تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على سوريا؟

فراس أبو هلال

لم يكن تصعيد العدوان "الإسرائيلي" على سوريا من خلال قصف رئاسة الأركان، وتوجيه قصف "تحذيري" لقصر الشعب الرئاسي مفاجئا. بل إن هذا التصعيد كان متوقعا، إذا أدركنا طبيعة العلاقة بين الاحتلال والمنطقة العربية، وكيفية رؤية هذا الاحتلال لنفسه ولمحيطه العربي وحتى غير العربي (تركيا وإيران).

إن دلالات هذا العدوان الجديد ليست إلا تأكيدا للحقائق الجيوسياسية في المنطقة، والتي يحاول البعض نسيانها أحيانا، أو التذاكي عليها أحيانا أخرى، ولكن طبائع السياسة ترفض هذا النسيان أو التذاكي، فهي تفرض نفسها عليك وعلى محيطك، ما كان منه صديقا أو معاديا، ولذلك فإن الحكمة هي التعاطي مع هذه الحقائق بدلا من محاولة الالتفاف عليها، والخطوة الأولى لذلك هي الاعتراف بها، وتعريف نفسك، وتعريف عدوك، وتعريف أصدقائك، قبل أن تبدأ بوضع الاستراتيجيات للتعامل معهم.

لم يلتفت الاحتلال إذن لسلوك الدولة السورية الجديدة، ولا إلى لغتها الدبلوماسية الناعمة، ولكنه نظر إلى حقيقته وحقيقتها كما يفهمها استراتيجيا، فهو دولة غريبة مقحمة في المحيط، ولا بد له من أجل الاستمرار أن يبقي على تفوقه الأمني والعسكري، وهذا لا يتم إلا بإضعاف الأطراف الأخرى

إن الدلالة الأولى التي يؤكدها العدوان "الإسرائيلي" على دمشق هي أنه عدو لكل دول المنطقة، بغض النظر عن سلوك هذه الدول. لم تنتهج سوريا الجديدة أي سياسة "تستفز" دولة الاحتلال، بل إنها تعرضت للنقد -المحق- بسبب رسائل التطمينات المجانية للاحتلال، ومع ذلك فإن الكيان قصفها مئات المرات منذ سقط الأسد -وقبل سقوطه بالطبع- مرة لمنع وجود تهديد عسكري منها، وأخرى بحجة حماية الأكراد، والآن بحجة حماية الدروز.

لم يلتفت الاحتلال إذن لسلوك الدولة السورية الجديدة، ولا إلى لغتها الدبلوماسية الناعمة، ولكنه نظر إلى حقيقته وحقيقتها كما يفهمها استراتيجيا، فهو دولة غريبة مقحمة في المحيط، ولا بد له من أجل الاستمرار أن يبقي على تفوقه الأمني والعسكري، وهذا لا يتم إلا بإضعاف الأطراف الأخرى، ولذلك فإن سوريا يجب أن تبقى ضعيفة، مهددة بالتقسيم.

يضاف إلى هذه الطبيعة التأسيسية للاحتلال، وفهم دوره وعلاقته مع محيطه، أن الحكومة الحالية -والغالبية العظمى للساحة السياسية "الإسرائيلية- الآن هي من أتباع مدرسة "الصهيونية التصحيحية" التي أسسها زئيف جابوتنسكي، وهي الأب الشرعي لحزب الليكود وما تفرع عنه. هذه الطبعة من الصهيونية التي تتبنى سياسة "الجدار الحديدي" ترى أن القوة هي الشيء الوحيد الذي سيفرض جدارا حديديا يمنع العرب من السعي لمواجهة "إسرائيل"، وقد تعزز هذا التيار بعد عملية 7 أكتوبر، ومع اطمئنان الاحتلال أنه يستطيع أن يضرب أي عاصمة في المنطقة دون رد حقيقي/ جذري، وبدعم أمريكي وغربي كامل.

مع وجود هذه "النخبة السياسية" في دولة الاحتلال، وبالنظر لتطورات الأحداث منذ 7 أكتوبر، فإن تل أبيب لم تعد تقبل أي دولة عربية أو محيطة لمجرد أنها مسالمة ولا تمثل تهديدا، أو أنها تصدر لغة مهادنة، ولكنها تسعى أولا للسيطرة التامة على المنطقة، والتحكم بدولها بما في ذلك بعض سياساتها الداخلية، وإضعافها قدر الإمكان. بعدها فقط يمكن أن يسمح لها العيش بسلام.

الدلالة الثانية التي يؤكدها العدوان على سوريا هي الحقيقة التي أنكرها الانعزاليون العرب كثيرا وروجوا لسقوطها خلال العقدين الأخيرين، وهي أن "إسرائيل" موجودة تقريبا في كل صراع عربي، سواء كان داخليا أو بين دولة عربية وأخرى، ولذلك فإن الاحتلال ليس مشكلة فلسطينية، وإن كانت فلسطين هي التمظهر الأكثر فداحة ومأساوية له، بل هو مشكلة عربية. في الحالة السورية تبرز مشكلة الأقليات، وهي نفسها التي استخدمت من قبل الاحتلال بخصوص ملفات الأكراد، والمسيحيين في جنوب السودان، وغيرهم من الأقليات. ولكن مشكلات مختلفة قد تكون هي المدخل للاحتلال في الدول العربية الأخرى مثل: الطاقة، التسليح، اللاجئين.. الخ. دائما ثمة مشكلة يمكن للاحتلال أن ينفذ منها ليصبح جزءا من الصراع مع هذه الدولة العربية أو تلك، ولذلك فلن تهدأ الدول العربية وتستقر إلا بزوال هذا الاحتلال. وهذا يقودونا إلى الدلالة الثالثة!

كل ما سبق من دلالات للعدوان "الإسرائيلي" على سوريا يعني أن مصير المنطقة لا يزال غير واضح، ويشبه البحر المائج. ما بدأ في 2011 هو بداية نهاية أو إعلان فشل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، كل ما جرى ويجري بعد هذا التاريخ هو صراع على شكل الترتيبات الجديدة للمنطقة

يقول بعض العرب إن اللغة الناعمة والتطمينات من هذه الدولة العربية أو تلك لدولة الاحتلال ضرورية للهدوء، وهذا الهدوء ضروري للتنمية وتقدم الدول العربية، التي يعتبر تقدمها ضرورة لمصلحة فلسطين لاحقا. ولكن العدوان "الإسرائيلي" على سوريا يؤكد سقوط هذه النظرية. لن يسمح الاحتلال بتطور أو تنمية أي دولة عربية مجاورة لأن هذا بالفعل ليس في مصلحته. قد يسكت عن بعض القشور من الرفاهية في بعض الدول العربية، ولكنه يتحول إلى وحش حتى عندما تريد دولة بعيدة عنه تطوير قدراتها الحقيقية بعيدا عن اقتصاد النفط مثلا، كما حصل في موقفه الرافض من الطلب السعودي للولايات المتحدة لإقامة مفاعل نووي سلمي، أو دوره في تعطيل صفقة بيع طائرات إف 35 الأمريكية للإمارات.

الدلالة الرابعة للعدوان الغاشم ضد سوريا اليوم هي سقوط النظرية -المبنية غالبا على موقف مسبق من كل ما جرى في سوريا منذ بداية الثورة السلمية عام 2011- والتي تقول إن الحكم الجديد في سوريا هو مشروع صهيوني. صحيح أن هناك ملاحظات ونقد على سلوكه تجاه الاحتلال، ولكن من التسطيح والخطأ الاستنتاج أنه مشروع صهيوني وينفذ أجندة صهيونية. وصحيح أن دولة الاحتلال أبدت سعادتها في البداية لسقوط الأسد، ولكنها أعلنت أكثر من مرة أن النظام الجديد في سوريا هو نظام "متطرف ومعاد".

كل ما سبق من دلالات للعدوان "الإسرائيلي" على سوريا يعني أن مصير المنطقة لا يزال غير واضح، ويشبه البحر المائج. ما بدأ في 2011 هو بداية نهاية أو إعلان فشل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، كل ما جرى ويجري بعد هذا التاريخ هو صراع على شكل الترتيبات الجديدة للمنطقة. للأسف فإن دخول أي طرف عربي وحيدا لهذا الصراع هو محتوم بالفشل، ولكن هذا الفشل ليس نتيجة مؤبدة على أية حال، فلا يزال الصراع محتدما، ومن المبكر الحكم على شكل المنطقة القادم.

x.com/ferasabuhelal

الخميس، 17 يوليو 2025

ما هي دلالات تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على سوريا؟

ما هي دلالات تصاعد العدوان "الإسرائيلي" على سوريا؟

فراس أبو هلال


 لم يكن تصعيد العدوان "الإسرائيلي" على سوريا من خلال قصف رئاسة الأركان، وتوجيه قصف "تحذيري" لقصر الشعب الرئاسي مفاجئا. بل إن هذا التصعيد كان متوقعا، إذا أدركنا طبيعة العلاقة بين الاحتلال والمنطقة العربية، وكيفية رؤية هذا الاحتلال لنفسه ولمحيطه العربي وحتى غير العربي (تركيا وإيران).


إن دلالات هذا العدوان الجديد ليست إلا تأكيدا للحقائق الجيوسياسية في المنطقة، والتي يحاول البعض نسيانها أحيانا، أو التذاكي عليها أحيانا أخرى، ولكن طبائع السياسة ترفض هذا النسيان أو التذاكي، فهي تفرض نفسها عليك وعلى محيطك، ما كان منه صديقا أو معاديا، ولذلك فإن الحكمة هي التعاطي مع هذه الحقائق بدلا من محاولة الالتفاف عليها، والخطوة الأولى لذلك هي الاعتراف بها، وتعريف نفسك، وتعريف عدوك، وتعريف أصدقائك، قبل أن تبدأ بوضع الاستراتيجيات للتعامل معهم.

لم يلتفت الاحتلال إذن لسلوك الدولة السورية الجديدة، ولا إلى لغتها الدبلوماسية الناعمة، ولكنه نظر إلى حقيقته وحقيقتها كما يفهمها استراتيجيا، فهو دولة غريبة مقحمة في المحيط، ولا بد له من أجل الاستمرار أن يبقي على تفوقه الأمني والعسكري، وهذا لا يتم إلا بإضعاف الأطراف الأخرى

إن الدلالة الأولى التي يؤكدها العدوان "الإسرائيلي" على دمشق هي أنه عدو لكل دول المنطقة، بغض النظر عن سلوك هذه الدول. لم تنتهج سوريا الجديدة أي سياسة "تستفز" دولة الاحتلال، بل إنها تعرضت للنقد -المحق- بسبب رسائل التطمينات المجانية للاحتلال، ومع ذلك فإن الكيان قصفها مئات المرات منذ سقط الأسد -وقبل سقوطه بالطبع- مرة لمنع وجود تهديد عسكري منها، وأخرى بحجة حماية الأكراد، والآن بحجة حماية الدروز.

لم يلتفت الاحتلال إذن لسلوك الدولة السورية الجديدة، ولا إلى لغتها الدبلوماسية الناعمة، ولكنه نظر إلى حقيقته وحقيقتها كما يفهمها استراتيجيا، فهو دولة غريبة مقحمة في المحيط، ولا بد له من أجل الاستمرار أن يبقي على تفوقه الأمني والعسكري، وهذا لا يتم إلا بإضعاف الأطراف الأخرى، ولذلك فإن سوريا يجب أن تبقى ضعيفة، مهددة بالتقسيم.

يضاف إلى هذه الطبيعة التأسيسية للاحتلال، وفهم دوره وعلاقته مع محيطه، أن الحكومة الحالية -والغالبية العظمى للساحة السياسية "الإسرائيلية- الآن هي من أتباع مدرسة "الصهيونية التصحيحية" التي أسسها زئيف جابوتنسكي، وهي الأب الشرعي لحزب الليكود وما تفرع عنه. هذه الطبعة من الصهيونية التي تتبنى سياسة "الجدار الحديدي" ترى أن القوة هي الشيء الوحيد الذي سيفرض جدارا حديديا يمنع العرب من السعي لمواجهة "إسرائيل"، وقد تعزز هذا التيار بعد عملية 7 أكتوبر، ومع اطمئنان الاحتلال أنه يستطيع أن يضرب أي عاصمة في المنطقة دون رد حقيقي/ جذري، وبدعم أمريكي وغربي كامل.

مع وجود هذه "النخبة السياسية" في دولة الاحتلال، وبالنظر لتطورات الأحداث منذ 7 أكتوبر، فإن تل أبيب لم تعد تقبل أي دولة عربية أو محيطة لمجرد أنها مسالمة ولا تمثل تهديدا، أو أنها تصدر لغة مهادنة، ولكنها تسعى أولا للسيطرة التامة على المنطقة، والتحكم بدولها بما في ذلك بعض سياساتها الداخلية، وإضعافها قدر الإمكان. بعدها فقط يمكن أن يسمح لها العيش بسلام.

الدلالة الثانية التي يؤكدها العدوان على سوريا هي الحقيقة التي أنكرها الانعزاليون العرب كثيرا وروجوا لسقوطها خلال العقدين الأخيرين، وهي أن "إسرائيل" موجودة تقريبا في كل صراع عربي، سواء كان داخليا أو بين دولة عربية وأخرى، ولذلك فإن الاحتلال ليس مشكلة فلسطينية، وإن كانت فلسطين هي التمظهر الأكثر فداحة ومأساوية له، بل هو مشكلة عربية. في الحالة السورية تبرز مشكلة الأقليات، وهي نفسها التي استخدمت من قبل الاحتلال بخصوص ملفات الأكراد، والمسيحيين في جنوب السودان، وغيرهم من الأقليات. ولكن مشكلات مختلفة قد تكون هي المدخل للاحتلال في الدول العربية الأخرى مثل: الطاقة، التسليح، اللاجئين.. الخ. دائما ثمة مشكلة يمكن للاحتلال أن ينفذ منها ليصبح جزءا من الصراع مع هذه الدولة العربية أو تلك، ولذلك فلن تهدأ الدول العربية وتستقر إلا بزوال هذا الاحتلال. وهذا يقودونا إلى الدلالة الثالثة!

كل ما سبق من دلالات للعدوان "الإسرائيلي" على سوريا يعني أن مصير المنطقة لا يزال غير واضح، ويشبه البحر المائج. ما بدأ في 2011 هو بداية نهاية أو إعلان فشل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، كل ما جرى ويجري بعد هذا التاريخ هو صراع على شكل الترتيبات الجديدة للمنطقة

يقول بعض العرب إن اللغة الناعمة والتطمينات من هذه الدولة العربية أو تلك لدولة الاحتلال ضرورية للهدوء، وهذا الهدوء ضروري للتنمية وتقدم الدول العربية، التي يعتبر تقدمها ضرورة لمصلحة فلسطين لاحقا. ولكن العدوان "الإسرائيلي" على سوريا يؤكد سقوط هذه النظرية. لن يسمح الاحتلال بتطور أو تنمية أي دولة عربية مجاورة لأن هذا بالفعل ليس في مصلحته. قد يسكت عن بعض القشور من الرفاهية في بعض الدول العربية، ولكنه يتحول إلى وحش حتى عندما تريد دولة بعيدة عنه تطوير قدراتها الحقيقية بعيدا عن اقتصاد النفط مثلا، كما حصل في موقفه الرافض من الطلب السعودي للولايات المتحدة لإقامة مفاعل نووي سلمي، أو دوره في تعطيل صفقة بيع طائرات إف 35 الأمريكية للإمارات.

الدلالة الرابعة للعدوان الغاشم ضد سوريا اليوم هي سقوط النظرية -المبنية غالبا على موقف مسبق من كل ما جرى في سوريا منذ بداية الثورة السلمية عام 2011- والتي تقول إن الحكم الجديد في سوريا هو مشروع صهيوني. صحيح أن هناك ملاحظات ونقد على سلوكه تجاه الاحتلال، ولكن من التسطيح والخطأ الاستنتاج أنه مشروع صهيوني وينفذ أجندة صهيونية. وصحيح أن دولة الاحتلال أبدت سعادتها في البداية لسقوط الأسد، ولكنها أعلنت أكثر من مرة أن النظام الجديد في سوريا هو نظام "متطرف ومعاد".

كل ما سبق من دلالات للعدوان "الإسرائيلي" على سوريا يعني أن مصير المنطقة لا يزال غير واضح، ويشبه البحر المائج. ما بدأ في 2011 هو بداية نهاية أو إعلان فشل ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، كل ما جرى ويجري بعد هذا التاريخ هو صراع على شكل الترتيبات الجديدة للمنطقة. للأسف فإن دخول أي طرف عربي وحيدا لهذا الصراع هو محتوم بالفشل، ولكن هذا الفشل ليس نتيجة مؤبدة على أية حال، فلا يزال الصراع محتدما، ومن المبكر الحكم على شكل المنطقة القادم.

x.com/ferasabuhelal

الجمعة، 4 يوليو 2025

 هل ستؤدي الحرب إلى تغييرات استراتيجية في "عقيدة" إيران؟

فراس أبو هلال

مع نهاية العدوان الإسرائيلي على إيران، وتراجع غبار زوبعة النقاشات -غير المجدية- حول النصر والهزيمة، يمكن البحث في الأسئلة الاستراتيجية حول هذه الحرب، وكيف يمكن أن تغير "عقيدة" الطرفين المتصارعين السياسية والاستراتيجية والعسكرية.

سيتناول هذا المقال عقيدة إيران السياسية، التي بدأت بالتشكل بعد الثورة الإسلامية ونضجت خلال العقود التي تلتها، خصوصا بعد منتصف التسعينات، وكيف يمكن أن تتأثر بمسار ونتيجة الحرب الأخيرة.

مواجهة إسرائيل عبر الوكلاء/ الحلفاء

أظهرت إيران عداءها لدولة الاحتلال والولايات المتحدة مباشرة بعد انتصار الثورة الإسلامية، وعبرت عن ذلك عبر الشعارات من جهة، وعبر السياسات، وعبر الدبلوماسية من خلال إحلال منظمة التحرير بديلا للاحتلال في سفارته في طهران.

ولكن الجمهورية الوليدة، كانت تدرك أنها غير قادرة على قتال دولة الاحتلال مباشرة، رغم الشعارات الكبيرة التي كانت ترفعها، ولذلك اعتمدت استراتيجية تقوم على مواجهة "إسرائيل" عبر تشكيل تحالفات وأحيانا وكلاء.

هذه المعادلة مربحة لإيران، فهي تمتلك لاعبين غير دولتيين لمناوشة "إسرائيل" والتأثير في الدول العربية، دون أن تدخل مواجهة مباشرة لا مع الدول العربية ولا مع "إسرائيل". ظلت هذه المعادة هي التي تحكم سلوك إيران، حتى عندما ظهر للجميع بعد عملية 7 أكتوبر أن "دولة الاحتلال" لم تعد هي نفسها قبل 7 أكتوبر، وبالتالي فإن المقاربة الإيرانية التقليدية في التعامل معها هي أيضا لم تعد تصلح


أقامت إيران علاقات استراتيجية مع نظام حافظ الأسد منذ انتصار الثورة الإسلامية، وتابعت واستثمرت في هذه العلاقة مع نظام بشار الأسد. أسست حزب الله ودعمته، ليصبح المعبِّر الأقوى عن الطائفة الشيعية في لبنان بعد انتصاره في صراعه مع أمل في الثمانينات، كما أصبح الطرف اللبناني الوحيد الذي يمتلك السلاح تقريبا بعد اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان. بعد ظهور حركات المقاومة الفلسطينية ذات الخلفية الإسلامية (حماس والجهاد) وتصاعد قوتها، أقامت إيران علاقات جيدة معها، ودعمتها بالمال والسلاح حسب ما تقره هذه الحركات علنا. وبعد احتلال العراق، أصبح لدى إيران عدة أذرع مسلحة في هذا البلد الذي أصبح ساحة شبه فارغة للنشاط الإيراني. وأخيرا، دعمت طهران جماعة الحوثيين التي استطاعت السيطرة على الجزء الشمالي من اليمن، منذ سنوات.

استطاعت إيران من خلال هذه التحالفات أن تصنع نفوذا عابرا لحدود الدول العربية، ولكنها استخدمت أيضا هذه التحالفات كعنصر قوة يناوش أو يهدد "إسرائيل" ويعطيها في نفس الوقت ورقة ضغط في مفاوضاتها وصراعاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية.

كانت هذه المعادلة مربحة لإيران، فهي تمتلك لاعبين غير دولتيين لمناوشة "إسرائيل" والتأثير في الدول العربية، دون أن تدخل مواجهة مباشرة لا مع الدول العربية ولا مع "إسرائيل". ظلت هذه المعادة هي التي تحكم سلوك إيران، حتى عندما ظهر للجميع بعد عملية 7 أكتوبر أن "دولة الاحتلال" لم تعد هي نفسها قبل 7 أكتوبر، وبالتالي فإن المقاربة الإيرانية التقليدية في التعامل معها هي أيضا لم تعد تصلح. وقد ظهر هذا جليا في العدوان الذي شنته "إسرائيل" على إيران بمشاركة الولايات المتحدة، وهو ما نقل الحرب الفعلية للأراضي الإيرانية بعد أن ظل بعيدا عنها لعقود طويلة (باستثناء بعض الضربات الجراحية).

مع انتهاء الجولة الأخيرة من العدوان الإسرائيلي على إيران، فإن الاستنتاج الاستراتيجي الأول الذي يمكن أن تتوصل له إيران هو أن مواجهة إسرائيل لا يمكن أن تتم فقط عبر الحلفاء أو الوكلاء، وأنها بالتالي يجب أن تكون مستعدة للحرب بنفسها، بما يتطلبه ذلك من أدوات سياسية وعسكرية.

ترتيب البيت الداخلي.. والتوسع المحسوب

أظهرت الحرب الأخيرة حجم الاختراق الهائل لإيران من قبل دولة الاحتلال. من المتوقع أن تبدأ طهران بدراسة أسباب هذا الاختراق، وأن تبدأ بالعمل على تجاوز هذه الأسباب.

ثمة عوامل كثيرة يمكن أن تفسر الاختراق الإسرائيلي بمقابل نجاحات استخبارية محدودة لإيران ضد الاحتلال. أهم هذه العوامل هو ما ذكرناه سابقا من استبعاد إيران للحرب المباشرة مع "إسرائيل"، وهو ما أدى كما يبدو إلى نوع من التراخي، قاد إلى النجاح الاستخباري الكبير لدولة الاحتلال في إيران.

أما العامل الثاني فهو الأوضاع الداخلية في إيران، حيث يشكل وجود عداء لدى بعض فئات أي شعب للدولة أرضية خصبة للاختراق، كما يشكل الفقر والبؤس الاقتصادي والاجتماعي سببا مهما في قدرة العدو على اختراق بعض الفئات.

ومن المحتمل أن توسع إيران في المنطقة بطريقة تفوق قدرتها وإمكانياتها، وخصوصا في الساحة السورية خلال 13 عاما من الصراع هناك، يمكن أن يكون سببا رئيسيا آخر في نجاح دولة الاحتلال في اختراقها، بسبب الانكشاف الكبير الذي يسببه مثل هذا التوسع.

إيران يمكن أن تلجأ لتغيير سياساتها في الداخل، بحيث تصبح الدولة أكثر تمثيلا لجميع فئات الشعب، كما أنها يفترض أن تجعل حل أزماتها الاقتصادية هي الهدف الاستراتيجي الأهم خلال السنوات القادمة، لتقليل نسبة الفقر ورفع سوية التعليم، ومنع تشكل أرضية مناسبة للعمل الاستخباري من قبل أعدائها. وعلى الصعيد الخارجي، فإن التجربة السورية وتجربة الحرب الأخيرة يفترض أن تكون جرس إنذار لطهران


إذا صح هذا التحليل، فإن إيران يمكن أن تلجأ لتغيير سياساتها في الداخل، بحيث تصبح الدولة أكثر تمثيلا لجميع فئات الشعب، كما أنها يفترض أن تجعل حل أزماتها الاقتصادية هي الهدف الاستراتيجي الأهم خلال السنوات القادمة، لتقليل نسبة الفقر ورفع سوية التعليم، ومنع تشكل أرضية مناسبة للعمل الاستخباري من قبل أعدائها. وعلى الصعيد الخارجي، فإن التجربة السورية وتجربة الحرب الأخيرة يفترض أن تكون جرس إنذار لطهران، للتوقف عن التوسع غير المحسوب في المنطقة العربية، والذي كلفها الكثير من علاقاتها وصورتها لدى الشعوب العربية واقتصادها ومقدراتها العسكرية، وزاد من انكشاف قدراتها أمام العمل الاستخباري لدولة الاحتلال.

"عقيدة" التحالفات والدفاع

أظهرت الحرب الأخيرة أن إيران تمتلك برنامجا صاروخيا متقدما نسبيا ومنظومة من الطائرات المسيرة المؤثرة، ولكنها في نفس الوقت تفتقر للدفاعات الجوية المناسبة لمواجهة عدوان "إسرائيل" فضلا عن الولايات المتحدة، كما أنها كما يبدو تفتقر للطائرات الحربية المقاتلة التي يمكن أن تصنع توازنا استراتيجيا مقابل قوة دولة الاحتلال الجوية.

ترتبط عقيدة الدفاع والسلاح الجوي لإيران ارتباطا عضويا بالتحالف الخارجي الرئيسي لها، والمقصود به مع روسيا. وإذا أرادت إيران أن تغير المعادلة الجوية المختلة أمام "إسرائيل"، فليس أمامها سوى تعديل عقيدة التحالفات والدفاع من خلال توثيق العلاقات السياسية والدفاعية مع الصين، التي باتت تنافس الغرب في مجال التصنيع العسكري والأمني وقطاع الحرب السيبرانية. كما أنها يمكن أن تتخلى عن تحفظاتها السياسية وتعمل على تمتين العلاقة مع تركيا والباكستان، اللتين تمتلكان برنامجا دفاعيا يمكن أن يساهم في توسيع منظومة الدفاع الإيرانية.

لا يمكن لدولة في صراع مستمر مع الغرب أن تعتمد فقط على حليف واحد، لأن هذه المعادلة هي وصفة حتمية للفشل.

الخلاصة، إذا أرادت إيران أن تستمر بعقيدتها الحالية للسياسة الخارجية والتي تقوم على الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفه الولايات المتحدة، فإنها يجب أن تغير من استراتيجيتها تجاه الاعتماد فقط على الحلفاء غير الدولتيين في الحرب والاستعداد للمواجهة المباشرة، وأن تعيد ترتيب بيتها الداخلي وتحسن علاقاتها مع الجوار العربي وتتوقف عن التوسع غير المحسوب في هذا الجوار، وأن تعيد النظر في عقيدة الدفاع وخارطة التحالفات.

x.com/ferasabuhelal

الجمعة، 21 فبراير 2025

حسام أبو صفية.. غزة إذ تنتظر أحد جبالها الراسخات!

 حسام أبو صفية.. غزة إذ تنتظر أحد جبالها الراسخات!

فراس أبو هلال

تقول الجغرافيا إن غزة لا جبال فيها، فهي قطاع ساحلي منبسط وسهل تماما، ولكن الحقائق التاريخية تقول إن الجغرافيا كاذبة. فغزة العظيمة، امتلكت عددا لا نهائيا من الجبال، من رجالها ونسائها، "السهلين" على أحبائهم، صعبي المراس على عدوهم، أولئك الذين سطروا تاريخا من الصمود والأساطير، وكانوا وكنّ أشد رسوخا من الجبال الطبيعية. فهل نصدق التاريخ أم الجغرافيا؟

هل نصدق الكتب العلمية "الباردة" أم حكمة التاريخ الساخنة كمياه المتوسط في تموز؟ هل نصدق "حسّاسات" الجيولوجيا المعدنية أم "مجسّات" القلب التي لا تخطئ أبدا؟ هل نصدق بلدوزرات كيان الإبادة الجماعية أم سمّاعات طبيب الأطفال "حسام أبو صفية"؟ 

لم يكن حسام أبو صفية وحيدا في مركز هذه الحرب، بل كان جنبا إلى جنب مع الطبيب العظيم مروان البرش الذي اغتاله الاحتلال تحت التعذيب في السجون، ومع محمد أبو سلمية الذي ناله نصيب من الاعتقال، ومئات الأطباء والممرضين والمساعدين وعاملي النظافة في المستشفيات الذين تصدوا للموت والقتل ولمهمتهم العظيمة في علاج المصابين والجرحى والمرضى حتى آخر رمق.

هذه الحرب العدوانية على غزة منذ بدايتها وحتى توقف السلاح، مؤقتا، هي حرب الصورة. حاولت ماكينة الإبادة الجماعية أن تنشر صورا لتحقيق أهدافها في كسر الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، ولكنها كانت دائما تفشل، وكانت الصورة تفعل العكس تماما. يحصل هذا لأن هذا المحتل لا يفهمنا.

يملك الاحتلال تاريخا طويلا من "العلاقة" مع الفلسطيني -علاقة الاحتلال بالشعب المحتل-، ويملك مئات الخبراء "بالشؤون الفلسطينية" والمستشرقين ومراكز التفكير والدراسات، ولكنه يفشل بعد أكثر من ستة وسبعين عاما من الاحتلال في فهم الشعب الفلسطيني، ولهذا فإن كل محاولاته في ربح معركة الصورة تخسر دائما.

قد يستطيع الاحتلال تسجيل نقاط في هذه الحرب عند جمهوره المتعطش للدماء والقتل والمذبحة، وقد يكسب من يحكم هذا الكيان قليلا في معاركه السياسية ضد خصومه الداخليين من خلال هذه الصور، لكنه لا يربح أبدا في معركة الصورة مع الشعب الفلسطيني، لأنه باختصار لا يفهمه، ولا يدرك أنه يقدس "الصمود" حتى لو تبعه سجن أو موت، وأنه يتبتل في حضرة الشهداء والمعتقلين الذين "يمضون إلى حتفهم باسمين"، وأنه يقتات عزة وأنفة من رجاله ونسائه الذين يثبتون كالجبال ولا يمنحون عدوهم، رغم الحزن والألم، "نشوة" الانتصار. 

في هذه الحرب، حفظ الفلسطينيون وأحرار العالم صورا كثيرة خسر فيها كيان الإبادة الجماعية أمام الفلسطيني الأعزل إلا من كرامته وأسطورته. بعض هذه الصور سيستمر لأجيال طويلة بدون شك، وسيكتب عنها صحفيون وشعراء وناثرون مجدّون سيأتون بعد عشرين أو مئة أو ألف عام، وكأن قدرك أيها الفلسطيني أن تكون صانعا للمجد، وصانعا للتاريخ، وصانعا للمادة التي سيعتاش عليها صنّاع الأدب والثقافة والصحافة إلى أبد الآبدين!.

ماذا سيكتب الشعراء عن صورة "حسام أبو صفية" وهو يمشي بمريوله الأبيض نحو دبابات القتلة الذين سيعتقلونه؟ كان يمشي رافعا رأسه للسماء، كأنه يستمد القوة والعزيمة من قوة إلهية أكبر من كل القتلة، ظهره لم ينحن تماما رغم أنه يمشي بين الركام الذي خلفه القصف. يمشي تاركا وراءه مستشفى "كمال عدوان" التي ظل فيها حتى آخر نفس ولكن قلبه ظل معلقا فيها رغم مغادرته للمكان.

ماذا سيكتب الشعراء عن "جبل" مشى نحو حتفه دون أن يهتز، وعن أمة تملأ أعدادها عين الشمس ولكنها لم تستطع أن تملأ عين كيان الإبادة الجماعية لتمنعه من اعتقال هذا الجبل؟ وكيف سيفسر علماء "الواقعية السياسية" و"تقدير الموقف" المبني على موازين القوى هذا المشهد؟ وأي قوة جعلت هذا الرداء الأبيض يواجه الموت الأسود الذي يمارسه القتلة لأسابيع ضد المستشفى، قبل أن تأتي لحظة الاعتقال؟ 

لم يكن اعتقال "حسام أبو صفية" في الثامن والعشرين من كانون أول/ ديسمبر الماضي هو الأول خلال هذه الحرب. ولم يكن هذا الاعتقال هو صورة الصمود الوحيدة للطبيب الغزاوي في مواجهة تنكيل الاحتلال. اعتقل أبو صفية لفترة قصيرة في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2024. وبعد أن أفرج عنه، لجأ الاحتلال للانتقام منه عبر اغتيال أحد أبنائه، وهذه كانت إحدى "صور" أبو صفية التي خسر فيها الاحتلال، حين ظهر صامدا -وإن كان حزينا كما يليق بأب شهيد- أثناء إمامته لصلاة الجنازة على ابنه الصغير. في تلك الصورة، لم يجهش أبو صفية، "وكم صعب أن لا يجهش (أب) شهيد" كما قال مظفر النواب مرّة عن أمهات الشهداء.  

في هذه الحرب، حفظ الفلسطينيون وأحرار العالم صورا كثيرة خسر فيها كيان الإبادة الجماعية أمام الفلسطيني الأعزل إلا من كرامته وأسطورته. بعض هذه الصور سيستمر لأجيال طويلة بدون شك، وسيكتب عنها صحفيون وشعراء وناثرون مجدّون سيأتون بعد عشرين أو مئة أو ألف عام، وكأن قدرك أيها الفلسطيني أن تكون صانعا للمجد، وصانعا للتاريخ، وصانعا للمادة التي سيعتاش عليها صنّاع الأدب والثقافة والصحافة إلى أبد الآبدين!.

لم يكتف القتلة السفلة -وكل احتلال هو بالضرورة قاتل سافل- بقتل ابن "حسام أبو صفية"، بل وجهوا له طائرة "كواد كابتر" غادرة مثلهم في المستشفى، حيث قصفته وأصابته عدة إصابات في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. في هذا القصف، خسر الاحتلال "حرب الصورة" مرة أخرى، فقد أرادت أن تضعف معنوية الفلسطيني وخصوصا من أبناء القطاع الطبي من خلال هذا الاستهداف، ولكن "الجبل" أبو صفية كان له رأي آخر عندما قال بعد الإصابة وجسده مكلل "بالشاش" الأبيض: إصابتي شرف لي. فأي جبل أنت يا حسام؟ وأي نوع من البشر أنت؟! 

لا يكل الاحتلال ولا يمل من معركة الصور مع الفلسطيني رغم خسارته الدائمة فيها.

حوّل ما يسمى بالقضاء -وهو شريك أساسي بالإبادة والجريمة- أبو صفية للمحاكمة بصفة "مقاتل غير شرعي"! فأي مقاتل أنت يا صاحب الرداء الأبيض وأنت لا تملك سلاحا سوى "سماعة" الأذن و"قسم أبوقراط" وعزيمة لا تلين؟ 

أثناء المحاكمة- المهزلة، نشر الاحتلال مقاطع فيديو مجتزأة للدكتور أبو صفية أرادوا فيها هز صورته، كان يمشي بيدين ورجلين مكبلتين، يبدو عليه التعب، ولكن والله ما بدت عليه إلا علامات الكبرياء والشموخ والصمود. أرادوا إهانته بهذه المقاطع المصورة، ولكن الفلسطيني وغيره من أحرار العالم يعلمون أن جبلا مثل أبو صفية لا يهان، وأنه -حتى عندما يفقد حريته- يبقى حرا، وأنه هو من يقود سجانيه الجبناء -حتى إن كان مثقلا بالقيود-!  

هذه الحرب ـ في أحد وجوهها المهمة ـ كانت حربا إجرامية ضد المستشفيات والقطاع الطبي. بدأت باستهداف المستشفى الأهلي/ المعمداني، ثم باقتحام وإحراق درة مستشفيات غزة "مستشفى الشفاء" مرتين، قبل أن يتم قصف واستهداف كل المستشفيات والمراكز الصحية. 

لم يكن حسام أبو صفية وحيدا في مركز هذه الحرب، بل كان جنبا إلى جنب مع الطبيب العظيم مروان البرش الذي اغتاله الاحتلال تحت التعذيب في السجون، ومع محمد أبو سلمية الذي ناله نصيب من الاعتقال، ومئات الأطباء والممرضين والمساعدين وعاملي النظافة في المستشفيات الذين تصدوا للموت والقتل ولمهمتهم العظيمة في علاج المصابين والجرحى والمرضى حتى آخر رمق. 

تقول بعض المصادر إن "أبو صفية" سيفرج عنه يوم السبت المقبل ضمن دفعة التبادل الأخيرة في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. غزة وأحرار العالم كلهم يرجون أن يكون هذا الخبر صحيحا، فالجبل أبو صفية يليق بالحرية وهي تليق به، والإفراج عنه هو تكريم لكل شهداء وجرحى وأبطال القطاع الطبي في غزة، وهذا القطاع المنبسط الذي وهبته الجغرافيا سهولة رائقة، ينتظر على أحر من الجمر أحد جباله ورجاله الذين لا يتكررون، إلا مرة كل ألف عام!

السبت، 21 ديسمبر 2024

ما علاقة سوريا الجديدة مع "إسرائيل"؟ ملاحظات أولية

 ما علاقة سوريا الجديدة مع "إسرائيل"؟ ملاحظات أولية

فراس أبو هلال


(1) تحرك بقيادة نتنياهو؟

جاء التحرك العسكري للمعارضة السورية "سابقا" بعد أيام من تصريحات لرئيس وزراء الاحتلال نتنياهو يحذر فيها نظام الأسد من "اللعب بالنار". استخدم هذا التصريح للترويج لفكرة أن التحرك تم بالتنسيق مع حكومة الاحتلال الفاشي، للاستفادة من حالة التراجع التي يمر بها "محور المقاومة"، بعد توقيع حزب الله اتفاق وقف إطلاق النار مع الاحتلال.

كثير ممن طرحوا هذه الفكرة لا يستحقون النقاش، لأنهم ينطلقون في هذا الطرح من عدائهم للثورة السورية منذ يومها الأول، ولكن البعض ممن أيدوا الثورة في بداياتها السلمية، ثم بدأت المخاوف تطغى على تأييدهم بعد عسكرة الثورة، يطرحون هذا التزامن من باب القلق على مستقبل سوريا، وهؤلاء بالطبع يستحقون النقاش بهدوء.

إن الرد الأساسي على هذا التزامن "المفتعل" هو أن السياسة لا تعمل بشكل "خطيّ"، ولذلك فإن تزامن حدث سياسي أو عسكري مع تصريح لسياسي هنا أو هناك لا يعني بالضرورة أن الحدث والتصريح مترابطان.

يضاف إلى ذلك أن الاحتلال الإسرائيلي يعلن عداءه وهجومه على نظام الأسد منذ عقود، ولم تتوقف التصريحات المناوئة له خصوصا بعد دخول القوى العسكرية التابعة لإيران إلى سوريا، وبالتالي إذا كان تحرك "المعارضة" السورية هو "تنفيذ" لتصريحات نتنياهو، فلماذا لم تتحرك سابقا؟

بات مؤكدا أن انتصار "المعارضة" السورية وهروب الأسد بعد سقوط نظامه تحقق في جزء منه بسبب خسارة ما كان يعرف بـ"محور المقاومة".

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن "المعارضة" لو أرادت أن تكون جزءا من حرب "إسرائيل" على "محور المقاومة" لتحركت أثناء العدوان "الإسرائيلي" على لبنان، ولكنها التزمت بالصمت رغم استعدادها للهجوم منذ أكثر من سنتين إلى حين انتهاء العدوان.

ولكن هذا لا يعني أن المعارضة لم تستفد من نتائج التغييرات التي حصلت في المنطقة منذ "طوفان الأقصى".

(2) هزيمة لمحور المقاومة؟

بات مؤكدا أن انتصار "المعارضة" السورية وهروب الأسد بعد سقوط نظامه تحقق في جزء منه بسبب خسارة ما كان يعرف بـ"محور المقاومة". لم تتمكن إيران من تقديم المساعدة العسكرية اللازمة للنظام كما فعلت خلال السنوات الثلاث عشرة الماضية بسبب تراجع اقتصادها، وتضرر قوتها بعد الضربات التي وجهها الاحتلال لأهدافها العسكرية خلال الشهور الماضية. ولم يتمكن حزب الله أيضا من القتال في مواجهة المعارضة السورية كما فعل سابقا، بسبب تعرضه لضربة كبيرة خلال العدوان الإسرائيلي الذي بلغ ذروته بعد عملية تفجير البيجر الإرهابية وما تبعها من اغتيالات لكبار قادته وعلى رأسهم السيد حسن نصر الله وشن حرب عدوانية على لبنان برا وجوا.

هذا يعني أن اختيار توقيت عملية "ردع العدوان" أخذ بعين الاعتبار هذه العوامل، ولكن هل يعني هذا أن العملية تسببت في هزيمة "لمحور المقاومة"؟

الحقيقة أن هزيمة النظام السوري لم تكن سوى إسدال للستار على نهاية "محور المقاومة" كما كنا نعرفه سابقا، ولم يكن السبب لهذه النهاية. لقد بات ثابتا الآن حسب مصادر إعلامية دولية وعربية وحتى مقربة من حزب الله أن نظام الأسد كان ينفذ خطوات متسارعة للابتعاد عن المحور بوساطة إماراتية منذ أكثر من سنتين، وقد بدا هذا واضحا في خطوات اتخذها النظام ضد النفوذ الإيراني في سوريا، ومنع حزب الله -حسب مصادر إعلامية ـ من تنشيط قواعده العسكرية أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان، إضافة إلى السكوت المطبق حتى عن البيانات المساندة لقوى "المحور" التي كانت تشن حرب إسناد لقطاع غزة بعد "طوفان الأقصى".

هذا يعني أن سوريا أصبحت خارج "المحور" قبل هزيمة النظام وهروب الأسد، كما أن المحور أضعف بسبب ما تعرض له من عدوان شرس من الاحتلال، بعد عملية السابع من أكتوبر 2023 وليس بسبب سقوط نظام الأسد. ولذلك فإن التباكي على المقاومة باعتبارها قد تلقت ضربة بهروب الأسد، هو قراءة في غير محلها.

(3) الأهداف "الإسرائيلية"

يمكن معرفة الأهداف "الإسرائيلية" في سوريا من خلال ما تنفذه من اعتداءات يومية على الأراضي السورية، وما تطلقه القيادات السياسية والعسكرية من تصريحات تجاه مستقبل هذا البلد العربي المهم.

خلال أيام قليلة، قصف الاحتلال سوريا بوتيرة عالية جدا، تفوق ما كان ينفذه من قصف منذ عام 2011 بنسبة كبيرة، واحتل جيش العدوان أراضي سورية جديدة أهمها القنيطرة، إضافة إلى مناطق في الجنوب السوري تصل إلى درعا على حدود الأردن.

لقد بات ثابتا الآن حسب مصادر إعلامية دولية وعربية وحتى مقربة من حزب الله أن نظام الأسد كان ينفذ خطوات متسارعة للابتعاد عن المحور بوساطة إماراتية منذ أكثر من سنتين، وقد بدا هذا واضحا في خطوات اتخذها النظام ضد النفوذ الإيراني في سوريا

وبالتزامن مع القصف الجوي والعدوان البري، فإن الاحتلال لم يخف أهدافه السياسية والعسكرية في سوريا، إذ أكد أنه يريد إضعاف ما تبقى من مقدرات للجيش السوري، والاستمرار باحتلال القنيطرة كمنطقة عازلة لمدة عام على الأقل، وربما يطمح لإقامة منطقة عازلة في الجنوب، كما أنه يريد منع أي فرصة لمهاجمة "إسرائيل" من قبل القيادة السورية الجديدة التي أعلن بشكل واضح أنها قيادة معادية متطرفة غير جديرة بالثقة.

أما الهدف الأبعد للاحتلال فهو تقسيم سوريا من خلال دعم الأقليات "الدروز والعلويين والأكراد"، وقد ورد هذا بوضوح عبر تحليلات تنشر في الصحف العبرية على لسان خبراء استراتيجيين وجنرالات سابقين، وبشكل غير مباشر في تصريحات وزير الخارجية جدعون ساعر الذي أكد أنه "من المهم ضمان حماية الأقليات في سوريا، من الأكراد والدروز والمسيحيين، إضافة للعلويين وهي الأقلية التي كانت حجر الأساس لنظام الأسد"، حسب قوله.


(4) ما هو المطلوب سوريا؟

إزاء هذا المشهد الإقليمي، والأهداف "الإسرائيلية" العدوانية المعلنة، فإن المطلوب سوريا هو تكوين موقف وطني سوري موحد ضد العدوان. يتطلب هذا ابتداء خطابا سياسيا واضحا يدين العدوان ويرفض الاحتلال الإسرائيلي سواء للجولان أو للأراضي التي احتلت في الأيام الأخيرة، والابتعاد عن الخطاب "الناعم" الذي يعلن الضعف عن مواجهة الاحتلال، وهو الخطاب الذي ساد في اللقاءات الإعلامية لقائد العمليات العسكرية أحمد الشرع بعد سقوط الأسد.

وحتى تتمكن سوريا من مواجهة العدوان "الإسرائيلي" السافر، فمن الضروري أن تضع القيادة السورية الجديدة مسألة وحدة البلاد على رأس أولوياتها، لأن مواجهة العدوان ووحدة سوريا قضيتان لا تقلان أهمية عن حل المشكلات الداخلية التي تستحق هي الأخرى اهتماما كبيرا بدون شك.

لا يعني هذا دعوة قيادة سوريا الجديدة لشن حرب على الاحتلال، لأن موازين القوى المختل بين الطرفين يحول دون مثل هذه الحرب، ولكن المطلوب على الأقل تهديد الاحتلال بمقاومة شعبية لعدوانه، وإدانته بلغة واضحة، والكف عن تقديم الوعود والنوايا "الحسنة" المجانية للاحتلال، ووضع الاحتلال غير القانوني للجولان والقنيطرة وغيرها من الأراضي السورية على طاولة البحث مع الوفود الأجنبية.

وحتى تتمكن سوريا من مواجهة العدوان "الإسرائيلي" السافر، فمن الضروري أن تضع القيادة السورية الجديدة مسألة وحدة البلاد على رأس أولوياتها، لأن مواجهة العدوان ووحدة سوريا قضيتان لا تقلان أهمية عن حل المشكلات الداخلية التي تستحق هي الأخرى اهتماما كبيرا بدون شك.

إن السياسة الغربية تقوم على الضغط على دول منطقتنا بالتدريج، وكلما تنازلت قيادات هذه الدول أمام الضغوط، فإنها ستتعرض لضغوط إضافية من الغرب للحصول على المزيد من التنازلات، ولذلك فإن القيادة السورية الجديدة يفترض أن تعرف متى تقبل ومتى ترفض، وتعرف أيضا كيف تناور أمام الضغوط، بدون خسارة العلاقات مع دول العالم الضرورية لبناء سوريا وحل مشكلاتها المستعصية.

لقد بنى نظام الأسد جزءا من شرعيته على دعم المقاومة وفلسطين، ولكن سوريا الجديدة التي قامت بعد ثورة وصراع طويل، سوريا الحرة وشعبها الذي بدأ يتنفس حريته وكرامته بعد سوط هذا النظام، هي الأولى بهذه الشرعية، التي ستظل منقوصة، ما دام الاحتلال الإسرائيلي يسرح ويمرح في الأراضي السورية دون خطاب قوي وموقف واضح واستعداد لمقاومة احتلال أراض سورية وفق الإمكانيات المتاحة.

الثلاثاء، 24 سبتمبر 2024

ماذا يعني ضرب لبنان ضمن الاستراتيجية الصهيونية الشاملة؟

 ماذا يعني ضرب لبنان ضمن الاستراتيجية الصهيونية الشاملة؟

فراس أبو هلال


لا يمكن وضع العدوان الإسرائيلي على لبنان في إطار الرد على هجمات حزب الله منذ السابع من أكتوبر الماضي فقط، ولكن فهم هذا العدوان يتطلب قراءته ضمن الاستراتيجية الصهيونية الشاملة في المنطقة.

إن فهم العدوان ضمن الاستراتيجية الصهيونية الشاملة أمر ضروري لاستيعاب طبيعة الصراع في المنطقة، كما أنه يعفينا من الجدل في التفصيلات الصغيرة التي تملأ سطح النقاشات في الساحة العربية، كما تملأ الفقاعات سطح المياه الراكدة، مثل النقاش حول مسؤولية حزب الله عن جر لبنان إلى الحرب، أو حول الاحتفاء بجرائم الاحتلال في لبنان والشماتة بضحاياها، وغيرها من المعارك "غير الثقافية" التي تهرب من العمق وتطفو على "سطح" مسألة العدوان وأسبابه الحقيقية.

الجدار الحديدي الصهيوني

وضع مؤسس "الصهيونية التعديلية" (Revisionist Zionism) اليمينية المتطرفة زئيف جابوتنسكي، نظرية "الجدار الحديدي" للتعامل مع الفلسطينيين والعرب عموما أثناء فترة الاستيطان التي سبقت النكبة وإنشاء دولة الاحتلال. تقوم هذه النظرية على أن الفلسطينيين والعرب لا يمكن أن يقبلوا الاستيطان الصهيوني في فلسطين طواعية، ولذلك فإن من النفاق محاولة التوصل معهم إلى تسوية بهذا الخصوص، وأن ما يجب فعله بدلا من ذلك إقامة "جدار حديدي" بين اليهود والعرب، والمقصود بهذا الجدار هو "القوة العسكرية" الذي سترتطم به رؤوس العرب ويضطرون بعد ذلك لقبول أي تسوية مع الصهاينة بسبب عدم قدرتهم على مواجهة "الجدار الحديدي".

طبيعة وحجم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تؤكد أن الهدف الحقيقي له يتجاوز الأهداف التكتيكية المعلنة مثل القضاء على حماس والإفراج عن الأسرى في غزة، وإنما هو هدف استراتيجي وامتداد لهدف الحركة الصهيونية التعديلية سابقا والليكود لاحقا بإعادة فرض "الجدار الحديدي" على الفلسطينيين، بعد أن كسر -إذا لم نقل انهدم- في السابع من أكتوبر


كان رموز "الصهيونية التعديلية" وراء تأسيس حزب الليكود الذي وصل إلى الحكم في دولة الاحتلال عام 1977، وقاد منذ ذلك الوقت معظم حكومات الاحتلال، ويرأسه منذ منتصف التسعينيات بنيامين نتنياهو الذي كان والده مستشارا لدى "جابوتنسكي".

وبحسب المؤرخ اليهودي العراقي "آفي شاليم"، فإن السياسيين الإسرائيليين وقعوا في "غرام" الجزء الأول من النظرية، وهو "بناء الجدار الحديدي" ولكنهم تنازلوا عن الجزء الثاني وهو عقد تسويات مع العرب. نلاحظ هذا النهج في سياسات نتنياهو المعلنة منذ سنوات، حيث بنى سمعته السياسية على أنه قادر على تحقيق التطبيع مع الدول العربية والتعاون معها دون تسوية مع الفلسطينيين "بفضل" القوة الإسرائيلية الخشنة و"الناعمة".

7 أكتوبر.. خرق الجدار الحديدي

في عز قدرة الاحتلال على فرض "جداره الحديدي" على الدول العربية، وبعد سنوات قليلة من تسارع الهرولة العربية الرسمية نحو التطبيع المجاني مع نتنياهو عبر اتفاقيات "أبراهام"، جاءت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر الماضي، لتهدم الجدار الحديدي. لقد رأى صانع القرار الإسرائيلي أن هذه العملية هي كسر للمعادلة التي استطاع أن يفرضها منذ عقود، والتي قامت على عدة عناصر: أولها هو اكتفاء فصائل المقاومة في غزة بتحسين الأوضاع المعيشية في القطاع والامتناع عن استخدام أسلحتها ضد الاحتلال خوفا من جدار ردعه الحديدي، وثانيها هو استمرار السلطة الفلسطينية بالاستجداء لأي تسوية مع استمرارها بالتنسيق مع الاحتلال وإعلانها المسبق رفضها للمقاومة، وثالثها هو رضوخ حزب الله وتمسكه باللعب ضمن قواعد اشتباك فرضها الاحتلال عبر "جداره الحديدي" منذ حرب تموز/ يوليو 2006، ورابعها هو اضطرار عدد أكبر من الدول العربية للتطبيع مع هذا الغول الذي استطاع فرض قوته وردعه على الجميع.

إن طبيعة وحجم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة تؤكد أن الهدف الحقيقي له يتجاوز الأهداف التكتيكية المعلنة مثل القضاء على حماس والإفراج عن الأسرى في غزة، وإنما هو هدف استراتيجي وامتداد لهدف الحركة الصهيونية التعديلية سابقا والليكود لاحقا بإعادة فرض "الجدار الحديدي" على الفلسطينيين، بعد أن كسر -إذا لم نقل انهدم- في السابع من أكتوبر. إن المطلوب إسرائيليا من العدوان على غزة هو إجبار الفلسطيني -أي فلسطيني وليس حركة حماس- على الخضوع التام للسياسة الصهيونية، وعدم الجرأة على مجرد التفكير بمقاومة هذه السياسات، والقبول بما يقدمه الاحتلال من فتات يحقق أهدافه بالهدوء واستمرار الاستيطان والسيادة على الأرض والإنسان الفلسطيني.

لبنان ضمن الاستراتيجية الصهيونية الشاملة

منذ بداية العدوان على غزة في السابع من أكتوبر الماضي، أصدر قادة وسياسيو وإعلاميو الاحتلال تهديدات ضد حزب الله. كانت التهديدات في البداية تتركز على ضرورة امتناع الحزب عن المشاركة في الحرب لإسناد غزة، ثم تحولت تدريجيا لوضع مطلب جديد على الطاولة وهو منع قوات الحزب من التواجد شمال نهر الليطاني، قبل أن يبدأ التلويح بتحويل لبنان إلى "غزة ثانية".

توقيت توسيع العدوان الإسرائيلي على لبنان يرتبط فقط بتقدير جيش الاحتلال أنه قد أنهى أو أوشك على إنهاء المهمة في غزة، ولذلك فإن لديه القدرة العسكرية للتوجه إلى لبنان والتفرغ له كما استفرد في غزة لمدة عام تقريبا، ولذلك فإن الهجوم على لبنان بهذا المعنى كان حتميا، بغض النظر عن طبيعة سلوك الحزب


إن تصاعد التهديدات الإسرائيلية ضد لبنان وتغيير مضامينها مع الوقت، يؤكد أن الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي هو تأكيد فرض "الجدار الحديدي" على لبنان باعتباره البلد الوحيد في المنطقة العربية الذي لا يزال يحاول خرق هذا الجدار. من هنا يمكن فهم سر توقيت توسيع العدوان الإسرائيلي على لبنان ابتداء من جريمة "البيجر" الإرهابية وما تلاها من عمليات في الضاحية الجنوبية وكافة الأراضي اللبنانية، بالرغم من أن حزب الله لم يوسع ضرباته والتزم تقريبا "بقواعد الاشتباك" حتى بعد اغتيال إسماعيل هنية وفؤاد شكر في شهر تموز/ يوليو الماضي.

إن توقيت توسيع العدوان الإسرائيلي على لبنان يرتبط فقط بتقدير جيش الاحتلال أنه قد أنهى أو أوشك على إنهاء المهمة في غزة، ولذلك فإن لديه القدرة العسكرية للتوجه إلى لبنان والتفرغ له كما استفرد في غزة لمدة عام تقريبا، ولذلك فإن الهجوم على لبنان بهذا المعنى كان حتميا، بغض النظر عن طبيعة سلوك الحزب تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، لأن المقصود هو إنهاء قوة الحزب وقدرته "الكامنة" على مواجهة جدار الصهيونية الحديدي، وليس الرد على مساهمته في دعم المقاومة في غزة.

إذا أدركنا معنى العدوان على لبنان ضمن هذه الاستراتيجية الصهيونية الشاملة، فإن هذا يجب أن يعفينا من النقاشات السطحية التي ذكرناها في مقدمة المقال، لأن الاحتلال إذا استطاع أن يفرض جداره الحديدي على لبنان وغزة، فسيكون كل عربي مهددا، ولن يختلف في ذلك من كان معاديا للاحتلال أو ساعيا للتطبيع معه، ومن كان غاضبا من العدوان على لبنان وحزب الله أو مبتهجا به.

إذا حقق الاحتلال أهدافه الاستراتيجية في غزة ولبنان، عليك أن تتلفت حولك أيها العربي، فقد تجد "إسرائيل" في غرفة نومك!

x.com/ferasabuhelal

الأربعاء، 26 يونيو 2024

لماذا ستفشل الخطة الأمريكية لإدخال قوات عربية إلى غزة؟

 لماذا ستفشل الخطة الأمريكية لإدخال قوات عربية إلى غزة؟

فراس أبو هلال 



التقى رئيس هيئة الأركان "الإسرائيلي" قبل حوالي أسبوع مع خمسة من قادة الجيوش العربية، في البحرين، بحضور رئيس القوات الأمريكية المشتركة في الشرق الأوسط، بحسب تقرير لموقع آكسيوس الأمريكي. وكان هدف اللقاء هو بحث خيارات إدارة الوضع في غزة بعد انتهاء الحرب، والتي ترى واشنطن أن أحدها هو دخول قوات عربية للقطاع.

إن هذا الخيار، محكوم بالفشل، لعدة أسباب، كما أنه ليس سوى مثال جديد على تخبط الولايات المتحدة وأوهامها عن المنطقة.

بين الشعوب العربية وحكوماتها

عقد هذا اللقاء بشكل سري، بحسب الموقع الأمريكي، وشارك فيه قادة من خمس دول عربية هي مصر، السعودية، الإمارات، الأردن والبحرين. ولعل عدم الإعلان عن هذا اللقاء ينطلق من كون مثل هذا التعاون المنشود بين جيوش عربية ودولة الاحتلال، هو سياسة لا تحظى بشعبية في جميع العالم العربي. فقد أظهرت استطلاعات رأي جديدة في عدد من الدول العربية أن الغالبية العظمى (حوالي 89٪) يرفضون الاعتراف بدولة الاحتلال أو التطبيع معها. كما أن 92٪ من العرب يعتقدون، حسب هذه الاستطلاعات، أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية وليست فلسطينية فحسب. وفي استطلاعات أخرى، رأت الغالبية العظمى من الشعوب العربية أن الولايات المتحدة منحازة لدولة الاحتلال في عدوانها على الشعب الفلسطيني، وأن هذا الانحياز سيكون له تأثير سلبي على مصالحها في المنطقة.

إن هذه الاستطلاعات لا تظهر فقط الهوة الكبيرة بين الشعوب العربية وأنظمتها تجاه القضية الفلسطينية، ولكنها تظهر أيضا فشل السياسة الأمريكية في المنطقة، لأنها لا تدرك أو تراعي هذه الهوة. لقد كان إهمال الولايات المتحدة لمواقف وتطلعات الشعوب العربية وتركيزها على مصالحها مع الأنظمة سببا في فشل سياساتها في المنطقة العربية، كما أنه كان دافعا رئيسيا في مشاعر العداء تجاهها لدى غالبية الشعوب العربية، وسيكون أيضا سببا في فشل خططها الحالية للتعامل مع قطاع غزة.

ستفشل محاولات أمريكا إدارة قطاع غزة بعد الحرب عبر قوات عربية، لأن الفصائل        الفلسطينية سترفض أي وجود لقوات غير   فلسطينية.                                        
دعمت واشنطن منذ عقود طويلة أنظمة حكم غير ديمقراطية في المنطقة العربية، وظنت بأنها تحقق مصالحها من خلال هذا الدعم، باعتبار أن الأنظمة تستطيع تسيير علاقاتها مع واشنطن وفق مصالح الأخيرة دون الالتفات للاحتجاجات الشعبية ضد هذه السياسة، ولكن التاريخ أثبت أن هذا لم يحقق مصالح الولايات المتحدة، ولا ساعد في استقرار المنطقة. إن محاولاتها الجديدة لإقناع دول عربية بإدخال قواتها لقطاع غزة سيصل إلى نفس النتيجة التي حصلت عليها خلال العقود الماضية، حيث سيزيد من العداء تجاهها في المنطقة، وسيضعف الاستقرار، لأنه سيعمل الفجوة بين الشعوب العربية وبين أنظمتها إذا استجابت للمساعي الأمريكية.

تجاهل الشعب الفلسطيني

ستفشل محاولات أمريكا إدارة قطاع غزة بعد الحرب عبر قوات عربية، لأن الفصائل الفلسطينية سترفض أي وجود لقوات غير فلسطينية دون اتفاق معها، وقد أصدرت حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى بيانات قالت فيها إنها ستعتبر أي وجود عسكري في غزة بمثابة قوة احتلال.

لقد تجاهلت واشنطن لعقود طويلة حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني، وتعاملت سياستها الخارجية المتمركزة حول مصالح الاحتلال الإسرائيلي مع الشعب الفلسطيني وكأنه غير موجود أصلا. ولكن هذه السياسية المبنية على تجاهل الشعب الفلسطيني لم تحقق أهداف الولايات المتحدة، فلا هي ضمنت أمن "إسرائيل"، ولا أنهت الصراع، ولا أوقفت الشعب الفلسطيني عن النضال لأجل حريته وحقوقه.

وإذا ضغطت واشنطن على الدول العربية لإدخال قواتها لحكم غزة فإنها ستحصد نفس الفشل الذي حصلت عليه خلال العقود الماضية، لأن مثل هذا الخيار سيؤدي إلى إشعال الصراع بصورة أكبر، ولن يمنح الاحتلال أو المنطقة ككل فرصة للهدوء والاستقرار.

إنهاء حماس

تدرك الدول العربية أن إرسال قواتها إلى غزة دون اتفاق مع الفلسطينيين سيكون خطأ قاتلا، ولهذا فقد رفضته علنا وبشكل واضح كل من مصر والأردن والإمارات، بل إن الأخيرة أصدرت بيانا شديد اللهجة هاجمت فيه نتنياهو الذي قال في تصريحات صحفية إن أبو ظبي مستعدة للتعاون مع تل أبيب في إدارة غزة بعد الحرب.


على الولايات المتحدة أن تدرك أنها لن         تستطيع تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط،   ولا خططها فيما يتعلق بالعدوان الجاري على غزة.                                              

وقالت دول عربية معنية بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في أكثر من مناسبة إنها لن تتعاون في إدارة غزة بعد الحرب، إلا إذا كان هذا ضمن حل سياسي شامل، مبني على حل الدولتين. 
وبحسب محللين غربيين و"إسرائيليين"، فإن السلطة الفلسطينية أو الدول العربية لا يمكن أن تلعب دورا في حكم غزة إذا لم يتم القضاء على حركة حماس. وبعد أكثر من ثمانية أشهر على العدوان الإسرائيلي على غزة، فإن مسؤولين أمريكيين وصهاينة وخبراء من كافة أنحاء العالم أعلنوا بشكل واضح أن من المستحيل تحقيق هدف "القضاء على حماس" الذي رفعه نتنياهو منذ بداية الحرب.

ومن جهة أخرى، فقد بات واضحا أيضا أن واشنطن لا تريد ولا تستطيع فرض حل سياسي على نتنياهو وفق "حل الدولتين".

إن فشل جيش الاحتلال بالقضاء على حماس، وفشل واشنطن في تحقيق حل سياسي شامل للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يجعلان من شبه المستحيل دخول قوات عربية لإدارة الحكم في غزة بعد انتهاء الحرب.

على الولايات المتحدة أن تدرك أنها لن تستطيع تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط، ولا خططها في ما يتعلق بالعدوان الجاري على غزة، دون الأخذ بعين الاعتبار حقوق الشعب الفلسطيني، ودون مراعاة تطلعات الشعوب العربية ومواقفهم تجاه فلسطين. إذا لم تنته واشنطن من أوهامها حول التحكم بالمنطقة دون مراعاة مصالح شعوبها، فسيكون حليفها الفشل، بدون شك!

الثلاثاء، 28 مايو 2024

هذه أسباب ورسائل عصابة نتنياهو من مجزرة رفح الجديدة

 هذه أسباب ورسائل عصابة نتنياهو من مجزرة رفح الجديدة



فراس أبو هلال

"هذا السلوك قد يبدو علامة قوة لدولة الاحتلال في الوقت الراهن إلا أنه يكتب نهايات هذا المشروع الاستيطاني على المدى المتوسط والبعيد"- إكس


كانت مجزرة رفح الجديدة التي أحرق وقتل فيها العشرات من بيوت وسكان رفح متوقعة، لأن سلوك عصابة نتنياهو بات متوقعا ومفهوما. فبعد إعلان الناطق باسم كتائب القسام "أبو عبيدة" يوم السبت عن "كمين محكم" أدى إلى أسر جنود جدد من جيش الاحتلال، لم يكن رد هذا الجيش "مستغربا"، لأن قيادة المستعمرة الصهيونية في فلسطين تتصرف كما يليق بها: كعصابة مارقة، وليس كدولة لها أهداف سياسية وعسكرية تريد تحقيقها من الحرب.

مثل أي عصابة، يتحرك جيش المستعمرة بردات فعل "بدائية" انتقامية، وليس كجيش نظامي يسعى "للنصر"، وكلما نفذت المقاومة عملية نوعية، كلما ارتكب جريمة انتقامية جديدة.

وإضافة لغريزة الانتقام، فإن جيش الاحتلال أراد توجيه رسائل متعددة من هذه المجزرة الجديدة، هذه أهمها:

التفاوض بالدم

الرسالة الأولى هي للمفاوض الفلسطيني الذي أظهر وجها مختلفا عن ما اعتاد عليه مفاوضو الاحتلال من ممثلي السلطة الفلسطينية. ثمة مفاوض صلب هنا يتحدى ويناور ويجرؤ أن يقول لا، ويعرف أوراق قوة الاحتلال وأوراق قوته، ويفاوض بناء عليها، ولذلك فإن الاحتلال يستخدم المجازر ليفاوضه بدم المدنيين الفلسطينيين.

يأتي توقيت هذه الرسالة مع الحديث عن قرب انطلاق جولة جديدة من المفاوضات، بعد اجتماع عقد في باريس لهذا الغرض، وبعد أن أفشل التعنت "الإسرائيلي" ورقة المفاوضات السابقة التي وافقت عليها حركة حماس، ثم رفضها نتنياهو


يعلم جيش الاحتلال أن المفاوض الفلسطيني هو ابن مجتمعه، وأنه ليس قاطع طريق، ولذلك يضغط عليه من خلال إيلام حاضنته الاجتماعية. استخدم الاحتلال هذه الاستراتيجية الدموية خلال كل الحروب العدوانية منذ عام 2008 حتى الآن، ولكنه يستخدمها ببشاعة أكبر هذه المرة. بالمقابل فإن المفاوض الفلسطيني يعلم أن عدم وقف الحرب بشكل كامل في إطار صفقة تبادل الأسرى يعني بأن الاحتلال سيأخذ استراحة قصيرة، ويستعيد أسراه -وهي الورقة الأهم بيد المفاوض الفلسطيني- ثم يعود للقتل مجددا. ولذلك، فإن هذه الاستراتيجية القذرة لم تنجح حتى الآن بتحقيق أهدافها، رغم ثمنها الباهظ إنسانيا.

ويأتي توقيت هذه الرسالة مع الحديث عن قرب انطلاق جولة جديدة من المفاوضات، بعد اجتماع عقد في باريس لهذا الغرض، وبعد أن أفشل التعنت "الإسرائيلي" ورقة المفاوضات السابقة التي وافقت عليها حركة حماس، ثم رفضها نتنياهو.

عصابة مارقة فوق القانون

أما الرسالة الثانية من مجزرة رفح فهي موجهة للأمم المتحدة، ومحكمتها "محكمة العدل الدولية"، و"الجنائية الدولية"، وكل منظومة العمل والقانون الدوليين. هذه الرسالة مفادها أن "إسرائيل" ليست دولة تعمل وفق القانون الدولي، بل هي عصابة مارقة ترى نفسها فوق القانون وفوق منظمة الأمم المتحدة التي كانت هي من أسس هذه الدولة/ العصابة.

بدأت هذه الرسالة بالظهور بعد دقائق من إصدار قضاة محكمة العدل الدولية قرارا يطالب الاحتلال بوقف العدوان على رفح، في إطار الإجراءات لمنع "الإبادة الجماعية" للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، حيث نفذت طائرات الاحتلال هجوما كبيرا في رفح، ثم ألحقته بالمجزرة الرهيبة بحق خيام النازحين التي نفذت بعد أقل يوم من قرار المحكمة.

تريد حكومة نتنياهو أن تثبت من هذا السلوك أنها قوية ولا تكترث لمؤسسات الأمم المتحدة، بل إنها قالت على لسان رئيس إنها مستعدة لاستكمال الحرب حتى بدون دعم الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن هذا السلوك قد يبدو علامة قوة لدولة الاحتلال في الوقت الراهن، إلا أنها تكتب نهايات هذا المشروع الاستيطاني على المدى المتوسط والبعيد


ولنلاحظ المفارقة الكبيرة هنا، حيث تمتنع محكمة العدل الدولية بسبب حساباتها السياسية ومراعاتها لدولة الاحتلال وحلفائها؛ عن إصدار قرار بوقف الحرب تماما كما طالبت المدعية دولة جنوب أفريقيا، فيما تبالغ هذه "الدولة" بضرب قرارات المحكمة عرض الحائط، دون أي مراعاة أو حسابات سياسية.

تريد حكومة نتنياهو أن تثبت من هذا السلوك أنها قوية ولا تكترث لمؤسسات الأمم المتحدة، بل إنها قالت على لسان رئيس وزرائها  إنها مستعدة لاستكمال الحرب حتى بدون دعم الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن هذا السلوك قد يبدو علامة قوة لدولة الاحتلال في الوقت الراهن، إلا أنه يكتب نهايات هذا المشروع الاستيطاني على المدى المتوسط والبعيد، لأنه يساهم بعزله أكثر وأكثر، حتى يصبح عبئا على الدول الغربية الداعمة له. لا نتحدث هنا عن سنوات قليلة لنهاية المشروع الصهيوني، بل عن مسار طويل قد يستمر لعقود، يساهم الصمود الفلسطيني والتأييد الشعبي الدولي بصناعته، وسيؤدي في نهاية المطاف لعزل مشروع الاحتلال وإنهائه.

تصاعد الصراعات داخل المستعمرة

الرسالة الثالثة من مجزرة رفح موجهة من حكومة نتنياهو للمعارضة السياسية "الإسرائيلية"، وللأصوات الصحفية والأكاديمية وعائلات أسرى الاحتلال في غزة، والتي تطالب بعقد صفقة تبادل فورية مع فصائل المقاومة. لقد ارتفعت الأصوات المطالبة بوقف الحرب داخل مجتمع الاحتلال، وتصاعدت المقالات والتحليلات التي تصف ما يحصل في غزة بأنه "مستنقع" للجيش، 

المتوقع أن يستمر العدوان على رفح لعدة أسابيع، لأن مجلس الحرب يحتاج ذلك، للقول لجمهوره إنه قضى على ما تبقى من "كتائب حماس" وحقق النصر العسكري الكامل، قبل أن يبدأ بالتفاوض الحقيقي للإفراج عن أسراه في غزة، وصياغة مستقبل القطاع

وتتحدث عن عدم جدوى غزو رفح، وهي أصوات ستتصاعد أكثر عندما يعترف جيش الاحتلال بأسر جنود جدد منه في عملية جباليا التي أعلن عنها أبو عبيدة يوم السبت.

أراد مجلس الحرب، من خلال المجزرة الأخيرة، أن يقول لهذه الأصوات المعارضة إنه مستمر بالعدوان، وإنه لن يتراجع عن خوض معركة رفح.

لا يوجد خلاف داخل "مجلس الحرب" الصهيوني حول استكمال الحرب في رفح، ولذلك فإن المتوقع أن يستمر العدوان على رفح لعدة أسابيع، لأن مجلس الحرب يحتاج ذلك، للقول لجمهوره إنه قضى على ما تبقى من "كتائب حماس" وحقق النصر العسكري الكامل، قبل أن يبدأ بالتفاوض الحقيقي للإفراج عن أسراه في غزة، وصياغة مستقبل القطاع.

يبقى القول إن هناك فرقا بين ما يريده الاحتلال وبين ما يستطيع تحقيقه. إن ما يجري الآن هو حرب فُرضت على الفلسطينيين من احتلال غاشم، يريد أن ينهي من خلالها ظاهرة المقاومة بكل أشكالها، ولكن إرادته غير حتمية التحقق، فهذا صراع طويل، لن ينتهي إلا بإنهاء الاحتلال الأخير في القرن الحادي العشرين، رغم كل التضحيات التي لا تقدر بثمن.

x.com/ferasabuhelal