‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد البلتاجي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات محمد البلتاجي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 يناير 2018

٢٥ يناير.. ثورة أم احتلال أجنبي مسلح؟!

٢٥ يناير.. ثورة أم احتلال أجنبي مسلح؟!


الأربعاء 1439/5/1 هـ - الموافق 17/1/2018 م 
محمد البلتاجي
نزلتُ ظهرَ الثلاثاء 25 يناير/كانون الثاني 2011 -ومعي زوجتي وأولادي جميعا- إلى دار القضاء العالي، ثم إلى ميدان التحرير بقلب القاهرة، وانطلقنا في قلب المسيرات الحاشدة عقب صلاة الجمعة (28 يناير/كانون الثاني) من أمام مسجد رابعة العدوية بمدينة نصر متجهين إلى ميدان التحرير، فحاصرتنا الشرطة وأطلقت علينا الرصاص والقنابل بين رمسيس والتحرير فسقط منا شهداء.
حينها كانت ابنتي أسماء (14 سنة يومئذ) وأخوها حسام (9 سنوات يومئذ) يدركان -كغيرهما من آلاف الشباب والفتيات المشاركين في المسيرة- أنهما يسطّران صفحة من أروع صفحات تاريخ مصر الحديث، وأنهما قد يدفعان أرواحهما ثمنا للسطر الذي يكتبانه في تلك الصفحة المجيدة.
جرت الأحداث بعد ذلك تحمل الكثير من الآمال والآلام والنجاحات والإخفاقات، حتى لقيت أسماءُ ربَّها برصاص قناصة العسكر في مجزرة رابعة يوم 14 أغسطس/آب 2013، واضطر حسام لمغادرة البلاد مع أمه وإخوته جميعا بعد أن قُتلت أخته وحُبس أبوه، وصار -وهو تلميذ في الصف الثالث الإعدادي- مطلوبا للقبض عليه مثل أبيه وأخيه (أنس).
لكنّ أحدا لم يكن يتصور أن يأتي يوم يقدَّم فيه المشاركون في ثورة 25 يناير إلى حبل المشنقة، بتهمة مساعدة القوات المسلحة الأجنبية التي احتلت أراضي الدولة وأسقطت النظام، وأجبرته بالقوة على تسليم السلطة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين!! (الجماعة السياسية التي أسست حزب الحرية والعدالة الحاصل على الأغلبية البرلمانية، والتي قدمت مرشحها للانتخابات الرئاسية فانتخبه الشعب).
هذا ليس تهويلا لجذب التعاطف الإنساني مع قضيتنا ومظلوميتنا، وليس نزيفا من أثر السجن الانفرادي والتعذيب والحرمان من كل الحقوق لأكثر من أربع سنوات؛ ولكنه وصف لإحدى أبشع جرائم الانقلاب العسكري الدموي الذي جرى في مصر يوم 3 يوليو/تموز 2013، وهي لا تقل بشاعة عن الانقلاب ذاته (انقلاب وزير الدفاع على أول رئيس منتخب في أعقاب ثورة عظيمة)، وما صحبه وتبعه من مجازر وجرائم وكوارث لا يزال الشعب يذوق مراراتها كل حين.
لم يكن أحد يتصور أن يأتي يوم يقدَّم فيه المشاركون في ثورة 25 يناير إلى حبل المشنقة، بتهمة مساعدة القوات المسلحة الأجنبية التي احتلت أراضي الدولة وأسقطت النظام، وأجبرته بالقوة على تسليم السلطة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين!! (الجماعة السياسية التي أسست حزب الحرية والعدالة الحاصل على الأغلبية البرلمانية، والتي قدمت مرشحها للانتخابات الرئاسية فانتخبه الشعب

إنها جريمة تزوير التاريخ في محاولة لتغييب وعي المصريين بشأن واحدة من أنصع صفحات التاريخ الحديث، وهي ثورة 25 يناير التي تابعها العالم لحظة بلحظة، ورآها نموذجا حضاريا إنسانيا فريدا في الثورات، ونجح فيها الشعب المصري العظيم في إرغام حسني مبارك على التنحي عن الحكم.
اليوم يعتبر الانقلابُ ونظامُه الحاكمُ في مصر -بشكل رسمي- ثورةَ 25 يناير "احتلالا أجنبيا"، لا أعني ما كان مبارك وعمر سليمان ينعتون به الثورة من أنها مؤامرة أجنبية، بل أعني احتلالا أجنبيا مسلحا لأراضي الدولة المصرية، يقول النظام ومؤسساته الرسمية إنه جرى في 28 يناير/كانون الثاني 2011 بالفعل، واستهدف إسقاط الدولة المصرية وتسليمها للإخوان.
إنه احتلال للعديد من المحافظات المصرية لم يَدرِ به العالم، ولم تغطّهِ شبكاتُ المراسلين الذين واكبوا أحداث الثورة ووقائعها كاملة، بل لم يشعر به المصريون ولم يكتشفوه على مدار سنوات عديدة!!
في حكمها الصادر يوم 16 يونيو/حزيران 2015؛ أعلنت محكمة جنايات القاهرة حكمها بإجماع آراء قضاتها وبعد موافقة مفتي الديار المصرية، وجاء في نص مسودة الحكم ما يلي: "إن المتهمين وآخرين يزيد عددهم عن 800 شخص ينتمون لحركة حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، في أواخر يناير 2011 وأوائل فبراير، وفي محافظات شمال سيناء والقاهرة والقليوبية والبحيرة؛ ارتكبوا أفعالا تمس استقلال الدولة وسلامة أراضيها.
إذ دخلوا إلى البلاد من حدودها الشرقية مستقلين عربات دفع رباعي مدججة بالأسلحة الثقيلة (آر بي جي وجرينوف)، وتمكنوا من السيطرة على الشريط الحدودي، ودمروا المنشآت الحكومية والأمنية في رفح والعريش، ثم واصلوا زحفهم إلى القاهرة والقليوبية والبحيرة فاقتحموا (160) قسم شرطة، كما اقتحموا سجون أبو زعبل والمرج ووادي النطرون، فحطموا أسوارها وخربوا مبانيها، ونهبوا ما فيها من مخازن وأسلحة وأثاث وسيارات ومعدات.
ومكّنوا أكثر من 20.000 سجين من الهرب، ونشروا الفوضى في البلاد، وعمدوا لضرب وشلّ جهاز الشرطة المصرية لإسقاط الدولة ومؤسساتها، بأن قام قسم من المتهمين بالدخول على مواقع التواصل الاجتماعي وتحريض الجماهير على اقتحام أقسام الشرطة وحرقها، وخلق حالة من الفوضى سمحت للعناصر المسلحة بالدخول للبلاد وإتمام حلقات المشروع الإجرامي بنجاح.
وقام قسم آخر بتوفير احتياجات العناصر المسلحة الأجنبية من سيارات وأسلحة وذخيرة، وتدبير وسائل الإعاشة لهم والدخول والخروج من البلاد بعد قيامهم بالدور المطلوب. وأن هذا تم بناءً على اتفاق جرى سرا بسوريا في نوفمبر 2010 بين ممثلين لحركة حماس والحرس الثوري الإيراني وقيادات الإخوان المسلمين".
هذا نص مذكرة الحكم الذي قضى حضوريا بإعدام كل من: د. محمد مرسي (رئيس الجمهورية المنتخب)، ومحمد سعد الكتاتني (رئيس مجلس الشعب المنتخب)، ود. عصام العريان ود. محمد البلتاجي (عضوا مجلس الشعب المنتخبان)، ود.محمد بديع وم. خيرت الشاطر ود. رشاد بيومي ود. محيي حامد (أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين)، ود. أحمد عبد العاطي (مدير مكتب الرئيس مرسي).
وقضى الحكم غيابيا بإعدام 87 آخرين -على رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي- بتهمة مساعدة القوات الأجنبية المسلحة التي دخلت إلى البلاد في 28 يناير/كانون الثاني 2011، وارتكبت كل تلك الجرائم وخرجت من البلاد بكامل أفرادها وسياراتها وأسلحتها، دون أن يراها أحد من المصريين أو غيرهم أو يسمع عنهم.
حين بدأت هذه المحاكمات في يناير/كانون الثاني 2014 -بعد عدة أشهر من الانقلاب- تعاملنا مع هذه الرواية الهابطة باعتبارها مسرحية هزلية، تهدف لاستمرار حبسنا أطول وقت يمكن ثم تنتهي إلى لا شيء، ولكننا في نهاية المطاف وجدنا أن المحكمة تعلن في نص حكمها: "أن المحكمة تطمئن تمام الاطمئنان إلى تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة التي أكدت صحة هذه الوقائع".
حين بدأت هذه المحاكمات في يناير/كانون الثاني 2014 -بعد عدة أشهر من الانقلاب- تعاملنا مع هذه الرواية الهابطة باعتبارها مسرحية هزلية، تهدف لاستمرار حبسنا أطول وقت يمكن ثم تنتهي إلى لا شيء، ولكننا في نهاية المطاف وجدنا أن المحكمة تعلن في نص حكمها: "أن المحكمة تطمئن تمام الاطمئنان إلى تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة التي أكدت صحة هذه الوقائع"

لقد ظللنا طوال المحاكمات نطلق النكات ونحن نسمع ونناقش الشهود من رجال الشرطة والمخابرات ونطرح عليهم الأسئلة:
1- كيف دخل هذا العدد الكبير من المسلحين الأجانب (أكثر من 800) بعرباتهم وأسلحتهم الثقيلة إلى عمق أكثر من 300 كم من الحدود الشرقية، ثم عادوا مرة ثانية بعد ارتكابهم كل هذه الجرائم المسلحة، وخرجوا دون أن يراهم أحد أو دون أن تصورهم قنوات الإعلام، ودون أن يتعرض واحد منهم للقتل أو الإصابة أو القبض عليه، أو إحراز مخلفات سلاح أو سيارة أو غيرها من آثارهم؟!
وهل القوات المسلحة وقيادتها لم تكن على علم بدخول هذه القوات الأجنبية حتى خروجها، أم إنها علمت وعجزت عن مواجهتها وصدها، أم إنها تواطأت مع المسلحين الأجانب ضد سلامة أراضي ومنشآت الدولة؟!
2- كيف مرت 200 سيارة عليها أكثر من 800 أجنبي مسلح مدججين بالأسلحة فوق جسر السلام وقناة السويس، دون أن يتعرض لهم الطيران المصري بالقصف أو قوات الجيش الثاني الميداني بالاشتباك المتبادل؟!
3- كيف لم يتم توثيق فضائي أو عسكري أو سياسي أو حتى صحفي لهذه الوقائع الخطيرة منذ 28 يناير/كانون الثاني 2011 وحتى 3 يوليو/تموز 2013، ثم ظهرت هذه الاتهامات فجأة بعد الانقلاب العسكري؟!
4- هل قامت الخارجية المصرية بإبلاغ المؤسسات الدولية بوقوع هذا العدوان من منظمات رسمية تنتمي لدول شقيقة قريبة، بل وتشارك في سلطاتها (حزب الله والحرس الثوري وحماس)، وهل طالبت الخارجية المصرية بتسليم متهمين في تلك الأحداث؟!
5- هل اعتبرت القيادة السياسية والعسكرية هذا الذي جرى في البلاد على أيدي تلك القوات الأجنبية المسلحة (من تدمير وحرق وإتلاف وتخريب وقتل وسيطرة) احتلالا أجنبيا وعدوانا يتحتم الرد عليه، أم اعتبرته مجرد رحلة سياحية في أراضي الدولة وعلى السلطات المصرية حمايتها وتأمينها وتيسير مهمة أصحابها؟!
6- لماذا إذن اعتبرت القيادة السياسية ما جرى في البلاد يوم 25 يناير/كانون الثاني ثورةً تحتفل بها رسميا، بينما تلك الأحداث (المزعومة) تقطع بأنه كان نكبة تستوجب تنكيس الأعلام بمناسبتها؟
عشرات بل مئات الأسئلة الساخرة ألقيت في وجه الشهود من ضباط الشرطة والأمن الوطني والمخابرات العامة، الذين ظلوا -في حماية هيئة المحكمة وغياب الإعلام الجاد الحر- يعيدون تفاصيل تلك الرواية الهابطة ويتهربون من الأسئلة، وهيئة المحكمة تؤكد حقهم في رفض الإجابات متى شاؤوا.
بل إن هيئة المحكمة كثيرا ما كانت تبادر برفض توجيه السؤال لأسباب رأتها، كما رفضت المحكمة الاستجابة لطلبات دفاع المتهمين باستدعاء أي من القيادات السياسية والعسكرية للبلاد (حسني مبارك، محمد حسين طنطاوي، سامي عنان، عبد الفتاح السيسي)، لسؤالهم عن تلك الأحداث الجسيمة ومدى علمهم بها ومقدرتهم على مواجهتها.
الوحيد الذي استجابت المحكمة لطلب حضوره كان قائد الجيش الثاني الميداني اللواء محمد فريد حجازي، الذي وجه إليه المتهمون سؤالا محددا: هل نمى إلى علمك -بأي طريق- دخولُ قوات أجنبية مسلحة البلادَ في 28 يناير/كانون الثاني 2011، وارتكابُها داخل البلد وفي أعماق أرضه ما من شأنه المساسُ من سيادة الدولة وسلامة أراضيها؟!
فأجاب باقتضاب وصرامة: لم أعلم ولم أبلغ بذلك. لكن المحكمة لم تلتفت إلى شهادة المسؤول العسكري الأول في ميدان الأحداث المزعومة، وأكدت اطمئنانها التام للتحريات المكتبية للأمن الوطني والمخابرات العامة.
جري فصول المسرحية هذه المرة بعد أن جرى تعديل قانون محكمة النقض، وتم تشكيل عشرات من الدوائر الجديدة من خارج هذه المحكمة، وستكون الأحكام هذه المرة تهيئة باتة ننتظر تنفيذها، ليهددونا بحبل المشنقة يقترب من رقابنا. لكننا لسنا قلقين من هذه المحاكمات ولا من أحكامها الجائرة المعلومة مسبقا، ولسنا قلقين من التنكيل الذي يتعرض له الأحرار الآن داخل السجون

ومن ثم أصدرت حكمها -بإجماع آراء أعضائها وبموافقة مفتي البلاد- بالإعدام شنقا (حضوريا) على تسعة، من بينهم رئيس الجمهورية المنتخب في الانتخابات الحرة الوحيدة التي جرت في البلاد في أعقاب ثورة شعبية عظيمة، وهي انتخابات تنافس فيها تنافسا حرا عشرةُ مرشحين، وفاز فيها الرئيس بـ52% وليس بـ99% كسائر الانتخابات المزورة.
وحين عُرض هذا الحكم على محكمة النقض؛ قررت -في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2015- نقضَه ووصفته بالمعيب، لما شابه من قصور في التثبت وفساد في الاستدلال. وأكدت محكمة النقض أن تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة لا تصلح أن تكون دليلا كافيا بذاته، ولا تعتبر قرينة مستقلة على ثبوت الاتهامات، ومن ثم قضت هذه المحكمة بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى.
الآن نعيش مرة ثانية فصول هذه المسرحية الهزلية الهابطة أمام دائرة أخرى تحاكم بعضَنا للمرة الرابعة، قاضٍ مخصوص لمتهمين مخصوصين، وهو القاضي الذي قضى باستمرار حبس الأستاذ مهدي عاكف (المريض بالسرطان ذي التسعين عاما) حبسا احتياطيا، في مخالفة لكل الأعراف الإنسانية والقانونية والحقوقية، حتى مات موتا غير رحيم، بل هو أقرب إلى القتل العمد.
وتجري فصول المسرحية الجديدة وسط صمت إعلامي، إذ كثيرا ما يستدعي الأمنُ الإعلاميين الحاضرين لبعض الجلسات الهامة عِياناً أمامنا، ليعطيهم التعليمات بشأن ما ينشر وما لا ينشر.
تجري فصول مسرحية جديدة مرة ثانية باستدعاء عشرات من ضباط الداخلية، الذين يشهدون -في صفاقة- بأن قوات أجنبية مسلحة دخلت إلى البلاد يوم 25 يناير/كانون الثاني 2015، وقامت في كل محافظات مصر بفتح السجون وحرق أقسام الشرطة، وإخراج الجنائيين وإشاعة الفوضى في البلاد، حتى سقط النظام السابق.
ويرفض القاضي -بإصرار شديد- استدعاء أي من القيادات السياسية والعسكرية -وهي المسؤولة حصريا عن قرار التصدي لأي عدوان أجنبي على البلاد- لسؤالهم عن حقيقة أو كذب هذا الادعاء الفاضح، بل إن القاضي يرفض أي سؤال يوجهه الدفاع ويتعلق بدور القوات المسلحة وواجبها في مواجهة تلك الاعتداءات المزعومة.
تجري فصول المسرحية هذه المرة بعد أن جرى تعديل قانون محكمة النقض، وتم تشكيل عشرات من الدوائر الجديدة من خارج هذه المحكمة، وستكون الأحكام هذه المرة تهيئة باتة ننتظر تنفيذها، ليهددونا بحبل المشنقة يقترب من رقابنا. لكننا لسنا قلقين من هذه المحاكمات ولا من أحكامها الجائرة المعلومة مسبقا، ولسنا قلقين من التنكيل الذي يتعرض له الأحرار الآن داخل السجون، بعد أن تحولت مصر كلها إلى سجن كبير.
وليعلم نظامُ الانقلاب ومساندوه أننا لن نتراجع عن موقفنا من اعتبار ما جرى في 3 يوليو/تموز 2013 انقلابا عسكريا دمويا مجرما، جرّ البلاد إلى هوة سحيقة من الخراب والدمار والأحقاد والثارات، ومن الانهيار الشامل في حياة المصريين حاضرا ومستقبلا.
فقط أردت بهذه الحقائق أن يعلم الشعبُ المصري -الذي لا أشك في وعيه وفطنته أبداً- حقيقةَ موقف النظام الانقلابي من ثورة 25 يناير، وحقيقةَ ما وصل إليه حال القضاء المصري في ظل الانقلاب.
لقد أردت أن يدرك ثوارُ 25 يناير -الذين جمعتهم الثورة العظيمة بكل طيفهم السياسي والوطني ثم فرقتهم الأحداث بعد ذلك- حجمَ التآمر، ليس فقط على نتائج الثورة بل وعلى تاريخها وصفحاتها الوضاءة، لعلنا نستدرك ما فات ونعيد الاصطفاف الوطني على قاعدة أكثر صلابة، مستفيدين من دروس وأخطاء الماضي التي وقعنا فيها جميعا.
أردت أن يعلم الجميع أننا سدّدنا -وما زلنا نسدّد- من أرواحنا ودمائنا وحرياتنا وأولادنا فاتورةَ ثورة 25 يناير المجيدة. لا نقول هذا منة منا على الوطن وعلى الثورة، وإنما نعدّه فداءً للحرية والكرامة التي حلمنا بها وجاهدنا في سبيلها، وحفاظاً على مستقبل وطن حلمنا لكل من فيه بالحياة الكريمة العزيزة لترفرف عليهم رايات الحق والعدل والحرية، وصوناً لحقوق 25 يناير. وكلنا أملٌ في مستقبل عظيم لأمة ووطن عظيم نفتديه بأرواحنا ودمائنا.. "ويقولون: متى هو؟ قل: عسى أن يكون قريبا".
أردت أن أضع جميع الأحرار في العالم -من سياسيين وحقوقيين وإعلاميين وأكاديميين وغيرهم- أمام مسؤولية أخلاقية تاريخية، تمنعهم من الوقوف موقف المتفرج أمام محاكمات وأحكام إعدام ظالمة تستهدف زمرة سياسية، بناءً على رواية ملفقة هابطة لأحداث ثورة 25 يناير 2011 التي يعلم العالم حقيقتها.

الثلاثاء، 16 يناير 2018

إعدام الرئيس

إعدام الرئيس

 محمد البلتاجي 16 يناير 2018

حين نزلت، ظهر الثلاثاء 25 يناير/ كانون الثاني 2011، ومعي زوجتي وأولادي جميعا إلى دار القضاء العالي، ثم إلى ميدان التحرير في قلب القاهرة، ثم حين انطلقنا في قلب المسيرات الحاشدة عقب صلاة الجمعة، 28 يناير، من أمام مسجد رابعة العدوية في مدينة نصر، متجهين إلى ميدان التحرير، فحاصرتنا الشرطة، وأطلقت علينا الرصاص والقنابل بين رمسيس والتحرير وسقط شهداء، كانت أسماء (14 سنة وقتذاك) كما أخيها حسام (9 سنوات وقتذاك) يدركان، كغيرهما من آلاف الشباب والفتيات المشاركين، أنهم يسطرون صفحة من أروع صفحات تاريخ مصر الحديث، وأنهم قد يدفعون أرواحهم ثمنا لهذا السطر الذي يكتبونه في تلك الصفحة المجيدة.
جرت الأحداث بعد ذلك، تحمل الكثير من الآمال والآلام والنجاحات والإخفاقات، حتى لقت أسماء ربها برصاص قناصة العسكر في مجزرة 14 /8 /2013، واضطر حسام لمغادرة البلاد، مع أمه وأخوته جميعاً، بعد أن قتلت أخته وحبس أبوه، وصار (وهو تلميذ في الصف الثالث الإعدادي) مطلوبا للقبض عليه مثل أبيه وأخيه. لكن أحدا لم يكن يتصوّر أن يأتي يوم يقدم فيه المشاركون في ثورة 25 يناير إلى حبل المشنقة، بتهمة مساعدة القوات المسلحة الأجنبية التي احتلت أراضي الدولة، وأسقطت النظام في 25 يناير 2011، وأجبرته بالقوة على تسليم السلطة لأعضاء جماعة الأخوان المسلمين!(الجماعة السياسية التي أسست حزب الحرية والعدالة الحاصل على الأغلبية البرلمانية، والتي قدمت الرئيس للانتخابات الرئاسية).
ليست هذه الكلمات تهويلاً لجذب التعاطف الإنساني مع قضيتنا ومظلوميتنا، وليست نزيفا من أثر السجن الانفرادي والتعذيب والحرمان من كل الحقوق أكثر من أربع سنوات، لكنها واحدة من أبشع جرائم الإنقلاب العسكري الدموي. ما جرى في مصر في 3 /7 /2013 لا يقل بشاعة عن الانقلاب ذاته (انقلاب وزير الدفاع على أول رئيس منتخب في أعقاب ثورة عظيمة) وما صحبه وتبعه من مجازر وجرائم وكوارث لا يزال الشعب يذوق مراراتها كل حين، ألا وهي جريمة تزوير التاريخ في محاولةٍ لتغييب وعي المصريين بشأن واحدةٍ من أنصع صفحات التاريخ الحديث، وهي ثورة 25 يناير التي تابعها العالم لحظة بلحظة، ورآها نموذجا حضارياً إنسانياً فريداً في الثورات، ونجح فيه الشعب المصري العظيم في إرغام الطاغية على التنحي.
اليوم يعتبر الانقلاب ونظامه الحاكم في مصر بشكل رسمي ثورة 25 يناير "إحتلالا أجنبيا"، لا أعني ما كان حسني مبارك وعمر سليمان ينعتان به الثورة أنها مؤامرة أجنبية، بل أعني احتلالاً أجنبياً مسلحاً لأراضي الدولة المصرية، يقول النظام ومؤسساته الرسمية أنه جرى في 28 يناير/ كانون الثاني 2011 بالفعل، واستهدف إسقاط الدولة المصرية وتسليمها للإخوان المسلمين، احتلال لعديد من المحافظات المصرية، لم يدر به العالم، ولم تغطه شبكات المراسلين الذين واكبوا أحداث الثورة ووقائعها كاملة، بل لم يشعر به المصريون ولم يكتشفوا على مدار سنوات عديدة.
في حكمها الصادر 16 /6 /2015 قضت محكمة جنايات القاهرة بإجماع آراء القضاة وبعد موافقة مفتي الديار المصرية.
وجاء في نص مسودة الحكم ما يلي "إن المتهمين وآخرين يزيد عددهم عن 800 شخص، ينتمون لحركة حماس وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، في أواخر يناير 2011 وأوائل فبراير وفي محافظات شمال سيناء والقاهرة والقليوبية والبحيرة ارتكبوا أفعالا تمس استقلال الدولة وسلامة أراضيها، إذ دخلوا إلى البلاد من حدودها الشرقية، مستقلين عربات دفع رباعي مدججة بالأسلحة الثقيلة (أر بي جي وجرنوف)، وتمكنوا من السيطرة على الشريط الحدودي ودمروا المنشآت الحكومية والأمنية في رفح والعريش، ثم واصلوا زحفهم إلى القاهرة والقليوبية والبحيرة، فاقتحموا 160 قسم شرطة، كما اقتحموا سجون أبو زعبل والمرج ووادي النطرون فحطموا أسوارها وخربوا مبانيها ونهبوا ما فيها من مخازن وأسلحة وأثاث وسيارات ومعدات. ومكنوا أكثر من 20.000 سجين من الهرب، ونشروا الفوضى في البلاد.
وعمدوا لضرب وشل جهاز الشرطة المصرية لإسقاط الدولة ومؤسساتها، إذ قام قسم من المتهمين بالدخول على مواقع التواصل الاجتماعي وتحريض الجماهير على اقتحام أقسام الشرطة وحرقها وخلق حالة من الفوضى سمحت للعناصر المسلحة بدخول البلاد، وإتمام حلقات المشروع الإجرامي بنجاح، وقام قسم آخر بتوفير احتياجات العناصر المسلحة الأجنبية من سيارات وأسلحة وذخيرة وتدبير وسائل الإعاشة لهم، والدخول والخروج من البلاد بعد قيامهم بالدور المطلوب. وأن هذا تم بناء على اتفاق جرى سراً بسورية في نوفمبر 2010 بين ممثلين لحركة حماس والحرس الثوري الإيراني وقيادات الإخوان المسلمين".
هذا نص مذكرة الحكم الذي قضى حضوريا بإعدام كل من:
د. محمد مرسي –رئيس الجمهورية المنتخب- ومحمد سعد الكتاتني – رئيس مجلس الشعب المنتخب- ود. عصام العريان ود. محمد البلتاجي –أعضاء مجلس الشعب المنتخبين- ، ود.محمد بديع وم. خيرت الشاطر ود. رشاد بيومي ود. محي حامد –أعضاء مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين- ود. أحمد عبد العاطي –مدير مكتب الرئيس- ، وغيابيا بإعدام 87 آخرين على رأسهم الشيخ يوسف القرضاوي، بتهمة مساعدة القوات الأجنبية المسلحة التي دخلت إلى البلاد في 28 /01 /2011 وارتكبت كل تلك الجرائم وخرجت من البلاد بكامل أفرادها وسياراتها وأسلحتها دون أن يراها أحد من المصريين أو غيرهم أو يسمع عنهم.
حين بدأت هذه المحاكمات في يناير 2014، بعد عدة أشهر من الانقلاب، تعاملنا مع هذه الرواية الهابطة باعتبارها مسرحية هزلية، تهدف إلى استمرار حبسنا أطول وقتٍ، يمكن ثم تنتهي إلى لا شيء، ولكننا في نهاية المطاف وجدنا أن المحكمة تعلن في نص حكمها "أن المحكمة تطمئن تمام الاطمئنان إلى تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة التي أكدت صحة هذه الوقائع".
ظللنا طوال المحاكمات نطلق النكات، ونحن نسمع ونناقش الشهود من رجال الشرطة والمخابرات ونطرح عليهم الأسئلة:
كيف دخل هذا العدد الكبير من المسلحين الأجانب أكثر من 800 بعرباتهم وأسلحتهم الثقيلة إلى عمق أكثر من 300 كم من الحدود الشرقية، ثم عادوا مرة ثانية، بعد ارتكابهم كل هذه الجرائم المسلحة، وخرجوا من دون أن يراهم أحد، أو من دون أن تصورهم قنوات الإعلام، ومن دون أن يتعرض واحد منهم للقتل أو الإصابة أو القبض عليه أو إحراز مخلفات سلاح أو سيارة أو غيرها من آثارهم؟! هل القوات المسلحة وقيادتها لم تكن على علم بدخول هذه القوات الأجنبية حتى خروجها، أم انها علمت وعجزت عن مواجهتها وصدها أم أنها تواطأت مع المسلحين الأجانب ضد سلامة أراضي ومنشآت الدولة ؟!

كيف مرت 200 سيارة عليها أكثر من 800 أجنبي مسلح مدججين بالأسلحة فوق كوبري السلام وقناة السويس، من دون أن يتعرّض لهم الطيران المصري بالقصف أو قوات الجيش الثاني الميداني بالاشتباك المتبادل؟!
كيف لم يتم توثيق فضائي، أو عسكري، أو سياسي، أو حتى تحقيق صحفي في هذه الوقائع الخطيرة منذ 28 يناير 2011 حتى 3 /1 /2013. ثم ظهرت هذه الاتهامات فجأة بعد الانقلاب العسكري؟ّ!
هل أبلغت الخارجية المصرية المؤسسات الدولية بوقوع هذا العدوان، من منظمات رسمية تنتمي لدول شقيقة قريبة (تشارك في السلطة فيها حزب الله، الحرس الثوري، حماس)، وهل طالبت الخارجية المصرية بتسليم متهمين في تلك الأحداث؟! هل اعتبرت القيادة السياسية والعسكرية هذا الذي جرى في البلاد على يد تلك القوات الأجنبية المسلحة (من تدمير وحرق وإتلاف وتخريب وقتل وسيطرة) احتلالا أجنبيا، وعدوانا يحتم الرد عليه، أم اعتبرته مجرد رحلة سياحية في أراضي الدولة على السلطات المصرية حمايتها وتأمينها وتيسير مهمتها! لماذا إذا اعتبرت القيادة السياسية ما جرى في البلاد في 25 يناير ثورةً تحتفل بها رسميا، بينما تلك الأحداث (المزعومة) تقطع بنكبةٍ تستوجب تنكيس الأعلام بمناسبتها؟
عشرات بل مئات الأسئلة الساخرة ألقيت في وجه الشهود من ضباط الشرطة والأمن الوطني والمخابرات العامة، والذين ظلوا في حماية هيئة المحكمة وغياب الإعلام الجاد الحر يعيدون في تفاصيل تلك الرواية الهابطة، ويتهرّبون من الأسئلة، وهيئة المحكمة تؤكد حقهم في رفض الإجابات متى شاؤوا. بل كثيرا ما كانت هيئة المحكمة تبادرهم برفض توجيه السؤال لأسباب رأتها. رفضت المحكمة كذلك الاستجابة لطلبات دفاع المتهمين، باستدعاء أي من القيادات السياسية والعسكرية للبلاد لسؤالهم عن تلك الأحداث الجسيمة ومدى علمهم بها ومقدرتهم في مواجهتها (مبارك، حسين طنطاوي، سامي عنان، عبد الفتاح السيسي).
الوحيد الذي استجابت المحكمة لطلب حضوره كان قائد الجيش الثاني الميداني، اللواء محمد فريد حجازي، والذي وجه إليه المتهمون سؤالا محدّدا (هل نمى إلى علمك بأي طريق دخول قوات أجنبية مسلحة البلاد في 28 /1 /2011 وارتكابها داخل البلد وفي أعماق أرضه ما من شأنه المساس من سيادة الدولة وسلامة أراضيها؟!) فأجاب باقتضاب وصرامة: لم أعلم ولم أبلغ بذلك، لكن المحكمة لم تلتفت لشهادة المسئول الميداني العسكري الأول في ميدان الأحداث المزعومة، وأكدت اطمئنانها التام للتحرّيات المكتبية للأمن الوطني والمخابرات العامة.
ومن ثم أصدرت حكمها بإجماع الآراء وموافقة مفتي البلاد على الحكم بالإعدام شنقا (حضوريا) على 9، من بينهم رئيس الجمهورية المنتخب في الانتخابات الحرة الوحيدة التي جرت في البلاد، في أعقاب ثورة شعبية عظيمة (انتخابات تنافس عليها تنافسا حرا عشرة مرشحين، وفاز فيها الرئيس بـ52% وليس 99% كسائر الانتخابات المزوّرة)، حين عرضت هذه الأحكام على محكمة النقض، قرّرت في 15 /11 /2015 نقض الحكم الذي وصفته بالمعيب، لما شابه من قصور في التثبت وفساد في الاستدلال. وأكدت محكمة النقض أن تحريات الأمن الوطني والمخابرات العامة لا تصلح أن تكون دليلا كافيا بذاته، ولا
تعتبر قرينةً مستقلة على ثبوت الاتهامات، ومن ثم قضت المحكمة بإعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى.
الآن نعيش مرة ثانية فصول هذه المسرحية الهزلية الهابطة أمام دائرة أخرى تحاكم بعضنا للمرة الرابعة، قاضٍ مخصوص لمتهمين مخصوصين، وهو القاضي الذي قضى باستمرار حبس الأستاذ مهدي عاكف، مريض السرطان ذي التسعين عاما، حبسا احتياطيا مستمرا بالمخالفة لكل الأعراف الإنسانية والقانونية والحقوقية، حتى مات موتا غير رحيم، هو أقرب إلى القتل العمد. وتجري فصول المسرحية الجديدة وسط صمت إعلامي، إذ كثيرا ما يستدعي الأمن الإعلاميين الحاضرين بعض الجلسات الهامة عيانا أمامنا، ليعطي التعليمات حول ما ينشر وما لا ينشر.
تجري فصول مسرحية جديدة مرة ثانية على استدعاء عشرات من ضباط الداخلية الذين يشهدون، في صفاقة، أن قوات أجنبية مسلحة دخلت إلى البلاد في 25 /1 /2015، وهي من فتحت، في كل محافظات مصر، السجون، وحرقت أقسام الشرطة، وأخرجت الجنائيين، وأشاعت الفوضى في البلاد، حتى سقط النظام السابق. ويرفض القاضي، بإصرار شديد، استدعاء أي من القيادات السياسية والعسكرية (المسؤولة حصريا عن قرار التصدي لأي عدوان أجنبي على البلاد) لسؤالهم عن حقيقة هذا الادعاء الفاضح أو كذبه، بل يرفض القاضي أي سؤال يوجهه الدفاع، يتعلق بدور القوات المسلحة وواجبها في مواجهة تلك الاعتداءات الأخيرة المزعومة.
تجري فصول المسرحية، هذه المرة، بعد أن جرى تعديل قانون محكمة النقض، وتم تشكيل عشرات من الدوائر الجديدة من خارج محكمة النقض، وستكون الأحكام، هذه المرة، نهائية باتة، ننتظر تنفيذها، ليهددونا بحبل المشنقة يقترب من رقابنا.
لسنا قلقين من هذه المحاكمات، ولا من أحكامها الجائرة المعلومة مسبقاً، ولسنا قلقين من التنكيل الذي يتعرّض له الأحرار الآن داخل السجون، بعد أن تحولت مصر كلها إلى سجن كبير. وليعلم نظام الانقلاب، ومساندوه، أننا لن نتراجع عن موقفنا من اعتبار ما جرى في 3 /7 /2013 انقلاباً عسكرياً دموياً مجرماً، جرّ البلاد إلى هوة سحيقة من الخراب والدمار والأحقاد والثارات والانهيار الشامل في حياة المصريين حاضراً ومستقبلاً.
فقط أردت، بهذه الحقائق، أن يعلم الشعب المصري الذي لا أشك في وعيه وفطنته أبدا، حقيقة موقف النظام الإنقلابي من ثورة 25 يناير، وحقيقة ما وصل إليه حال القضاء المصري في ظل الانقلاب.
أردت أن يدرك ثوار يناير الذين جمعتهم الثورة العظيمة، بكل طيفهم السياسي والوطني، ثم فرقتهم الأحداث بعد ذلك حجم التآمر، ليس فقط على نتائج الثورة، بل حتى على تاريخها وصفحاتها الوضّاءة، لعلنا نستدرك ما فات، ونعيد الاصطفاف الوطني، على قاعدة أكثر صلابة، مستفيدين من دروس الماضي وأخطائه التي وقعنا فيها جميعاً.
أردت أن يعلم الجميع أننا سدّدنا، وما زلنا نسدد، من أرواحنا ودمائنا وحرياتنا وأولادنا فاتورة ثورة يناير المجيدة. نقول هذا ليس منّةً منا على الوطن وعلى الثورة، وإنما فداءً للحرية والكرامة التي حلمنا بها وجاهدنا في سبيلها، وحفاظا على مستقبل وطن، حلمنا لكل من فيه بالحياة الكريمة العزيزة، ترفرف عليهم رايات الحق والعدل والحرية، وصونا لحقوق 25 يناير، وكلنا أمل في مستقبل عظيم لأمة ووطن عظيم نفتديه بأرواحنا ودمائنا "قل عسى أن يكون قريبا".

(وصل المقال من كاتبه المحتجز في سجن العقرب، محمد البلتاجي، إلى "العربي الجديد") 

الخميس، 28 يناير 2016

التهمة: بلتاجي!





يقولون إنه لم تتعرض أسرة معارض مصري للتنكيل مثلما حدث مع البرلماني والسياسي الدكتور محمد البلتاجي، فالابنة أسماء قتلت، والأب محكوم بعدة إعدامات ومئات سنوات السجن، والإبن أنس في السجن، والثلاثة الآخرون عمار (والطفلان) خالد وحسام بين مطلوب ومحكوم عليه وهو نفس ما حدث مع الأم السيدة سناء عبد الجواد.


في هذا الحوار الذي أجرته الزوجة مع وكالة أنباء الأناضول تروي كيف أصبح اسم "البلتاجي" تهمة في حد ذاته، يهدد بسببها كل أفراد الأسرة، وتوجه الاتهامات إلى الأبناء في أوراق التحقيق ليس باعتبارهم أشخاصا مستقلين بل "أبناء البلتاجي"، وتحكي كيف اضطرت للخروج من مصر حماية للطفلين الملاحقين والمحكوم على أحدهما بالسجن بالفعل ولا سيما أن زياراتهم للأب أو الأخ المسجونين صارت مستحيلة في ظل الملاحقة.

والبلتاجي، وهو برلماني وقيادي إخواني، هو أحد أشهر من شاركوا في ثورة 25 يناير وكان يحظى بقبول واسع من مختلف التيارات، وينسب إليه دور كبير في انتصار الثوار في معركة الجمل التي كانت حاسمة عام 2011 في ترجيح كفة الثورة ضد النظام المصري وعملائه، كما كان أول من اتهم قبل سنوات الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بلعب دور رئيسي -كمدير للمخابرات الحربية في ذلك الوقت- في محاولة تفريغ الميدان وفي عمليات تعذيب أو قتل بعض الثوار.

وفي حوارها مع "الأناضول" قالت سناء عبد الجواد، زوجة الدكتور محمد البلتاجي، إنها ستواصل مناهضة "نظام الانقلاب بعد أن ازداد التضييق.. وسأرفع قضية ابنتي الشهيدة أسماء إلى المحافل الدولية".

وفي حديث لـ"الأناضول"، قالت: "اضطررت للسفر حفاظاً على ابني خالد، الذي صدر حكم بحقه بعد أيام من سفري، وحسام الدين (14 عاما) الذي لفقت له قضايا".

وأوضحت أنه كان من الصعب الخروج وترك زوجها وابنها أنس معتقلين، ولا تتمكن من زيارتهما، ولا زيارة قبر ابنتها أسماء، وهو ما دفعها للخروج، ولولا ذلك لما خرجت؛ لأن مكانها بين الثوار، ويعز عليها الخروج وتركهم.

وحول لقائها مع زوجها المعتقل الدكتور البلتاجي، أفادت بأنه "اعتقل منذ عامين ونصف، ومنذ ذلك الوقت وهو في سجن انفرادي، وأوقات طويلة لا أتمكن من زيارته، وتكون الزيارات في 5 أو 6 أشهر مغلقة؛ لأنه موجود في سجن العقرب، شديد الحراسة، ومصمم على أن من يدخله لا يخرج منه، بمعنى أنه يموت".

ولفتت إلى أن "زوجها يتعرض لتعذيب شديد، وقال في زيارات سابقة، إن أحد مساعدي وزير الداخلية يشرف بنفسه على تعذيبه، ويدخل عليه في الليل صحبة كلاب بوليسية من أجل تعذيبه، وآخر كلمه قالها إن مساعد وزير الداخلية يستدعيه، خاصة قبل الذكرى السنوية، وكأنه يقود ثورة من داخل المعتقل، على الرغم من أنه ليست هناك زيارات، ليوصل رسالة للثوار في الخارج".

وكشفت أن "مساعد وزير الداخلية قال له: (لو كنت بدل الضابط الذي اعتقلك، لكنت صفيتك (قتلتك) من وقتها، وجئت بك محمولاً للسجن)، وهو بنفسه يشرف على حملة تجريد للمعتقل، وذلك بأخذ كل حاجياته، وتصبح الزنزانة خالية، وهو يمارس على الكل عامة، وعلى البلتاجي بشكل خاص".

وأشارت إلى أن "كل الانتقام يمارس بحق البلتاجي؛ لأنه رمز من رموز 25 يناير، وعضو مجلس الشعب، ويحارب الفساد والدولة العميقة، ووضع هيكلة لتطهير وزارة الداخلية، وكان يقول إن المخابرات تسعى لتفشيل الثورة، فكل هذا الانتقام يمارس بحقه انتقاماً منه، ومن أدواره التي كان يقوم بها".

وفي نفس الإطار، قالت إن "آخر لقاء مع زوجي كان قبل 9 شهور في زيارة، وذلك لأنه كان عليَّ قضية حكم فيها 6 شهور، لم أتمكن من الذهاب لذلك، وندخل في جلسات المحكمة العسكرية، ونراه كل شهر مرة، ولكن في القفص، وحتى ابني أنس في القفص لا نتمكن من رؤيته".

وتابعت: "كل أفراد أسرة البلتاجي عانت، ابني عمار اعتقل ثم سافر، واعتقل أنس وظروف اعتقاله صعبة في حبس انفرادي، وهو محروم من كل شيء، ومن دراسته، رغم أن زملاءه مستمرون، وتهمته أنه ابن البلتاجي، والتهمة الملفقة له هي حيازة سلاح، وقيادة مظاهرات، وانضمام لجماعات، وتهم معروفة، وفي محضر التحريات ليس اسمه أنس، بل نجل البلتاجي، وهو انتقام سياسي من والده".

كما بيّنت أن "ابنها خالد اعتقل مرتين: الأولى لمدة شهر، والثانية اعتقل على ذمة قضايا تعطيل الدستور، وترويج الأفكار، وعمره 17 سنة، اعتقل وتم إخفاؤه، وبعد 5 أيام عرفنا أنه في قسم أول مدينة نصر، تعرض فيه للتعذيب، ولذلك اعترف بالتهم المنسوبة له، ثم اعتقل في سجن جنائي وليس سياسياً لمدة شهرين، في زنزانة ضيقة ويتناول فيها المعتقلون الحشيش والمخدرات".

وأضافت: "حصل (خالد) على إخلاء سبيل مرتين، ولكن كانت تحاك له تهم مرة أخرى، وحوكم بقضية أمن دولة، فحصل على إخلاء، وفي أول اعتقاله وآخره، تعرض لتعذيب شديد، وبعد 3 أسابيع صدر حكم غيابي بحقه بالحبس عامين، وغرامة بقيمة 50 ألف جنيه".

وأردفت أن ابنها الصغير "حسام الدين كان مختفٍ خوفاً عليه، فلو عرفوا به لاعتقلوه، وبالفعل حصلوا على تهديدات، والبحث عنه والمطاردة في البيوت التي اختفى بها، ووضعوا له 3 قضايا، وعمره 13 سنة"، مبينة أنه "في كل مرة كانوا يأتون للتفتيش والاعتقال، كانوا يُقسِمون على ملاحقة كل أفراد العائلة بالانتقام، وتلفيق القضايا".

وعن رسالة الدكتور محمد البلتاجي، قالت: "هو دائماً في حالة ثبات وصمود، ومستبشر بنصر قريب، ومعنوياته مرتفعة، ورغم الانتهاكات دائماً يقول إنه سعيد وراضٍ؛ لأنه أدى ما عليه، وسيتحمل قدر ربه حتى النهاية، ودائماً يذكر أن الانقلاب أسوأ من الاحتلال الخارجي؛ لأن الانقلاب وصل بطريقة تقسيم البلاد، وحوله مؤيدون، ويمكنه الاستمرار، فيجب مقاومته".
وشددت على أن زوجها "يدعو دوماً لتوحيد الصفوف، وأن يكونوا على قلب رجل واحد، وأنه لن ينكسر الانقلاب إلا بالوحدة"، على حد وصفه.

أما فيما يتعلق بوضع السجون، فقالت: "وضع السجون في غاية السوء، وهي تحت الأرض، وخاصة سجن العقرب، لا يدخله هواء أو ضوء، ولا يرى الشمس، ولا منفذ للتهوية، وفيه حالات كثيرة من القتل والممارسات ضد المعتقلين من الانتهاكات، وعدم وجود رعاية طبية".

وأضافت: "يعاني المسجونون معاناة شديدة، لا طعام ولا دواء ولا شراب، وليس هناك ماء ولا توقيت، ولا يعرفون الليل من النهار، ولا وقت الأذان".


وأوضحت أيضاً أن "الناس تذهب للسجن للحجز من الساعة الواحدة ليلاً، ليبدأ الدخول في الثامنة صباحاً، وهناك تنقلات في الداخل ومشي، وطوابير في الداخل، وصولاً إلى بعد الظهر، فهم يقضون ساعات طويلة للوصول للزيارة، وتكون عبر حائط زجاجي، لمدة 3 دقائق إذا كانت مسموحة، وفقط يكون الاطمئنان على الحال، وعقبها يتم إطفاء الكهرباء فتنقطع السماعة والضوء".

وعن وضع مصر مع حلول الذكرى السنوية لثورة 25 يناير/تشرين الثاني 2011، أفادت بأن "الوضع في مصر حالياً صعب جداً، فهناك 50 ألف معتقل أو يزيد، وكل الانتهاكات تحدث ما بين قتل وتصفية وإخفاء قسري، فالوضع صعب فعلاً، وأحوال المعتقلين في كل يوم في حالة سيئة، وكل الانتهاكات تحدث لهم".

ولفتت إلى أن "هناك حالات تعذيب في المعتقلات، وهناك الموت البطيء الممارس بحق المعتقلين، فضلاً عن ممارسات قمع وبطش كل يوم تزيد من قبل النظام، واعتقال النساء، فهناك أكثر من 60 معتقلة، وأكثر من 300 طفل، وهي سابقة خطيرة في مصر أن يتم اعتقال النساء والأطفال".

وأكدت أنه "يتم انتهاك حرمات النساء داخل المعتقلات، وكذلك ترويع الآمنين، والناس لا يمكنها أن تجلس في بيوتها آمنة، السلطات تلاحق كل من تشعر بأنه مناهض للانقلاب، والناس تغيب عن بيوتها وعن عملها؛ لأنها معرضة للقتل والاعتقال".

الأحد، 29 مارس 2015

ستة أشهر حبسا لزوجة البلتاجي ونجله

ستة أشهر حبسا لزوجة البلتاجي ونجله

البلتاجي صدرت بحقه حتى الآن أحكام بالسجن لأكثر من مائة عام (رويترز)
قضت محكمة جنح المعادي المصرية بحبس سناء عبد الجواد زوجة القيادي البارز في جماعة الإخوان المسلمين محمد البلتاجي، ونجله أنس، ستة أشهر لكل منهما، واشترطت كفالة بقيمة 660 دولارا لوقف التنفيذ.
وقال مصدر قضائي إن المحكمة المنعقدة في معهد أمناء الشرطة بطرة (جنوبي القاهرة) أدانت سناء وابنها بـ"التعدي على حرس سجن طرة" (جنوبي القاهرة) أواخر العام الماضي، خلال زيارتهما للبلتاجي.
كما أمرت المحكمة -بحسب المصدر- المتهمين بسداد خمسة آلاف جنيه (نحو 660 دولارا أميركيا) كفالة لكل منهما لوقف تنفيذ الحكم الصادر. وبحسب المصدر فإن الحكم أولي وقابل للطعن أمام درجات التقاضي الأعلى.
ووجّهت النيابة إلى المتهمين "اتهامات بالسب والقذف والتعدي اللفظي على موظف عام أثناء تأدية واجبه"، على نحو يخالف القانون.
من جانبها، قالت سناء عبد الجواد لوكالة الأناضول إن "الحكم يأتي استمرارا لمسلسل الانتقام من البلتاجي".
وأضافت "في سبيل أوطاننا وبلادنا ضحينا وسنضحي وسنكمل ما بدأه الشباب والشهداء ومنهم ابنتي أسماء (التي قتلت خلال فض اعتصام رابعة العدوية، منتصف أغسطس/آب 2013)، ولن نتنازل حتى نحرر أوطاننا ونقتص لدماء الشهداء، فمثل هذه الأحداث تزيدنا صلابة وتقوي من عزيمتنا للوقوف في وجههم حتى دحر الانقلاب وإعادة حقوق الشهداء".
وقالت إن القضية كلها "ملفقة" بعد أن "اعتدت حارسة بسجن (طرة) عليّ وطرحتني أرضًا ونزعت عني حجابي"، وذلك عقب منعها من زيارة لزوجها في 25 ديسمبر/كانون الأول 2013، وفي حضرة قيادات أمنية كبيرة كما قالت.
وألقت الأجهزة الأمنية القبض على البلتاجي في 29 أغسطس/آب 2013، وهو يحاكم في عدد من القضايا بتهم تتعلق بالتحريض على العنف في عدة أحداث منذ عزل الرئيس محمد مرسي، وقد صدرت بحقه أحكام بالسجن لأكثر من مائة عام.
المصدر : وكالة الأناضول

الأربعاء، 23 أكتوبر 2013

الدكتور محمد البلتاجي من داخل محبسه بسجن ليمان طره، في ذكرى مرور مائة يوم على الإنقلاب العسكري

 في ذكرى مرور مائة يوم على الإنقلاب العسكري


الدكتور محمد البلتاجي من داخل محبسه بسجن ليمان طره، في ذكرى مرور مائة يوم على الإنقلاب العسكري
مائة يوم ما أشرقت فيها على الوطن شمس حرية ،ولا طلع فيها نهار ديمقراطية ،ولا شم الناس فيها رائحة مواطنة ،بل هوت فيها حقوق الإنسان إلى مكان سحيق !! ..
مائة يوم ما رأى فيها الوطن استقراراً مزعوماً ولا رخاءً موعوداً ولا وحدةً مكذوبة في الداخل ،كما لم يعد لوطننا إحتراماً بين شعوب العالم ،ولا قامت في بلادنا معالم دولة تعترف بها دول العالم في الخارج ..
مائة يوم جعل فيها الفرعون أهل مصر شيعاً فدفعهم إلى الإنقسام دفعاً أغرى طائفة منهم بالإنحياز إليه واستضعف طائفة أخرى يذبح أبنائهم ويستحي نسائهم ويسجن رجالهم ويصادر أموالهم ويفصلهم من وظائفهم ..
مائة يوم قَتل فيها الفرعون وأصاب من خيرة الشباب من أبناء الشعب-ربما- أكثر عددا مما حصدته الحرب المصرية الإسرائيلية من جنود العدو في ثلاث حروب متتالية (1956-1967-1973) ،وأسر من أبناء الشعب أكثر مما أسر من العدو الصهيوني طيلة ستين سنة !! ..
مائة يوم لم يرَ فيها الفرعون وملأه الآيات البينات والنذر من حوله والأزمات والكوارث واحدة وراء الأخرى (تَعَطُل سياسي - إنهيار اقتصادي - ثورة اجتماعية - مقاطعة دولية) ..
مائة يوم لم ير فيها الفرعون وملأه إصرار الشعب على رفض الإنقلاب وخروجهم ضده كل يوم رغم استمرار المجازر ورغم تتابع قوافل الشهداء (آحاد وعشرات ومئات وآلاف) ..

أخيراً مائة يوم "والله" ما زادتنا إلا يقيناً أننا على الحق وأن فرعون وملأه -بعد كل هذه الجرائم- هم الباطل بعينه ، وما زادتنا إلا ثقةً واطمئناناً أن الله يمهل الظالم ويملي له ويستدرجه لكنه حتماً لن يهمله ولن يفلته ..
وما زادتنا إلا إصراراً على الوقوف في وجه هذا الطغيان والفساد والإستبداد والقتل والقهر حتى يزول ويحل محله الحق والعدل والحرية والكرامة وقبله وبعده حق الشعب في اختيار حكامه بصناديق الإقتراع وليس بالدبابات والمجنزرات والرصاص الحي والمعتقلات.
(الدكتور محمد البلتاجي من داخل محبسه بسجن ليمان طره / أُرسلت في ذكرى مرور مائة يوم على الإنقلاب العسكري)
save image