‏إظهار الرسائل ذات التسميات يحيى بستان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يحيى بستان. إظهار كافة الرسائل

السبت، 27 ديسمبر 2025

حرب الأعصاب بين تركيا وإسرائيل.. والكاميرا المفقودة في الحطام

حرب الأعصاب بين تركيا وإسرائيل.. والكاميرا المفقودة في الحطام

   يحيى بستان     


 يعد حادث تحطم الطائرة الذي أودى بحياة رئيس الأركان الليبي محمد الحداد، فاجعة مؤلمة. فالذين عرفوه في أنقرة يصفونه بأنه "وطني ليبي مخلص وصديق وفيّ لتركيا"، وكان دائم الزيارة إليها؛ وموته يمثل خسارة فادحة لليبيا.

وتأتي هذه الحادثة في وقت تشهد فيه المنطقة توترات حادة؛ إذ إن التحالف الذي بنته تركيا مع ليبيا أدى إلى إرباك توازنات التحالف المناهض لتركيا في شرق المتوسط.و لهذا، أثار الحادث حساسية من نوع خاص، وتعالت التساؤلات فوراً: "هل كان عملاً تخريبياً؟". ورغم أن سقوط الطائرة عمودياً (على مقدمتها)، وإرسالها بلاغاً بالحالة الطارئة، وتسجيلات المحادثات بين الطيار والبرج، كلها عوامل تقلل من فرضية التخريب وتستبعد وقوع انفجار في الجو، إلا أن "العدو الجديد في المنطقة" يتسم بخبث شديد، وهو ما يدفع إلى التحقيقي في القضية من كافة جوانبها.

من يخسرون مواقعهم يلجؤون إلى الاستفزاز

إن الأطراف التي تؤجج الصراعات في المنطقة، وعلى رأسها إسرائيل، بدأت تفقد مواقعها (انظر مقال: "تطورات العملية وآلية المؤامرات وزوال سحر إسرائيل"، 31 أكتوبر). ومن أجل الحفاظ على مكاسبهم، يلجأ هؤلاء إلى الاستفزازات. فعلى سبيل المثال، نشهد في أوكرانيا محاولات لفتح طاولة المفاوضات من جهة، وتعميق الصراعات من جهة أخرى. وبينما يحقق ترامب وبوتين المكاسب، تتكبد بعض الدول الأوروبية الخسائر. وفي هذا السياق، نتابع مساراً تُستهدف فيه السفن بزوارق بحرية مسيرة، ويمتد فيه الصراع إلى البحر الأسود، بل ويتجاوزه ليصل إلى المتوسط (كما حدث في استهداف مسيرة انتحارية انطلقت من أوكرانيا لسفينة روسية قبالة السواحل الليبية).

من أين تأتي تلك الطائرات المُسيرة؟

تندرج المسيرات مجهولة الهوية التي اخترقت الأجواء التركية ضمن هذا الإطار. فقد أسقطت طائرات «إف-16» الأولى منها، وعُثر على الثانية في "إزميت"، والثالثة في "باليكسير". والسؤال المطروح: كيف تصل هذه المسيرات؟ يُقال إن البحر الأسود يشهد حرباً إلكترونية ضروساً واستخداماً لأجهزة تشويش فائقة القوة؛ وهذا مفهوم إلى حدّ ما، لكن ثمة تفاصيل أخرى تثير الحيرة. فقد نقل لي أحد المصادر أن المسيرة التي سقطت في "مانياس" كانت كاميراتها قد أُزيلت، فكيف وصلت تلك المسيرة إلى "باليكسير" دون رؤية؟ أم أنها نُقلت إلى هناك؟ وهل أُطلقت هذه المسيرات من أوكرانيا أم من روسيا؟ أم من سفينة في عرض البحر الأسود؟ الروس من جانبهم يقولون: "ما يحدث قد يكون محاولة استفزازية". لذا، يتوجب علينا قراءة المشهد مع وضع كافة الاحتمالات في الحسبان.

تل أبيب تصعد حدة التوتر

تشهد العلاقات التركية الإسرائيلية حالة من "حرب الأعصاب"، حيث تسعى تل أبيب جاهدة لرفع سقف التوتر. وتعد خسارة إسرائيل لمواقعها الإقليمية والتحولات المرتقبة في الساحة السورية من الأسباب الجلية لهذا السلوك. لكن ثمة بُعد آخر، فقد أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية أن ترامب سيطرح على نتنياهو، في 29 ديسمبر/كانون الأول، مطالب واضحة بشأن غزة وسوريا. كما أن مشاركة تركيا في "قوة الاستقرار الدولية" المزمع نشرها في غزة ستكون الحدث الأبرز على الأجندة. ووفقاً للإعلام العبري، فإن نتنياهو – الذي لا يرغب في قول "لا" لترامب – سيضع شروطاً مقابلة، منها مطالبة تركيا بـ "تخفيف حدة خطابها" تجاه إسرائيل. غير أن نتنياهو، عبر استهدافه الدوري لأنقرة، يدفعها عمليًا إلى تشديد لهجتها. ويبدو أن رسالة الرئيس أردوغان: «لن ننجرّ إلى اللعبة ولن نستسلم للاستفزازات» تستند إلى هذا التقدير.

عرض أردوغان للبنان

سبق أن جرت محاولات تشكيل تحالف مناهض لتركيا في شرق المتوسط. فقد اجتمعت دول الخليج ومصر وإسرائيل وقبرص الرومية واليونان وفرنسا. وتمكّنت تركيا آنذاك من كسر هذا التحالف عبر إظهار حضور عسكري ميداني، وإصلاح علاقاتها مع بعض الأطراف. واليوم، تواجه أنقرة تحالفا يضم إسرائيل واليونان وقبرص الرومية، وهو محور أضعف من سابقه. وتعيش إسرائيل أكثر مراحلها عزلةً في تاريخها، فيما تُعدّ قبرص الرومية واليونان بمثابة بيادق في هذا المحور. وهم يقولون: "لا تختبروا عزمنا". والجدير بالذكر أن الرئيس أردوغان، في هذا التوقيت تحديدًا، التقى بالرئيس اللبناني وأبلغه استعداده "للمشاركة في الآليات الدولية التي تدعم استقرار لبنان". وينبغي قراءة هذه الخطوة في سياق غزة وشرق المتوسط.

زيارة الشيباني الحاسمة إلى موسكو

عقب اندلاع أحداث السويداء واستهداف إسرائيل لدمشق، زار وزير الخارجية السوري الشيباني، أنقرة أولاً ثم موسكو. وبعد هاتين الزيارتين أشرنا إلى احتمال عودة الدوريات العسكرية الروسية إلى جنوب سوريا، فوجود روسيا في جنوب سوريا هو مطلب إسرائيلي؛ إذ يقولون: "ليأتِ الروس بدلًا من تركيا"، وتشير المعلومات المسربة إلى مباركة أمريكية لهذا التوجه. وتكتسب عودة الشيباني لزيارة موسكو مجدداً، فور مغادرة الوفد التركي لدمشق هذا الأسبوع، دلالة بالغة الأهمية.

يبدو أن المعادلة السورية الإسرائيلية تتجه نحو مسار جديد، لكن "قسد" ما زالت تصر على مطلب "الفيدرالية". والتطور الحاسم هنا هو ما أعلنه الوزير هاكان فيدان ونظيره السوري الشيباني في دمشق حول "عدم جدية قسد" واتباعها "سياسة المماطلة الدورية"، وجاء هذا التصريح بعد الاطلاع على المسودة التي تتضمن الموقف النهائي لقسد. ومع مغادرة الوفد التركي لدمشق، جاء هجوم التنظيم الإرهابي على حلب ليؤكد صحة تلك التصريحات.

والسؤال المطروح الآن: ماذا سيحدث الآن؟ مصادرُي تلتزم الصمت للمرة الأولى بشأن هذا الملف. فهل وصلنا إلى مرحلة نهاية الحوار؟

سنواصل المتابعة.

السبت، 25 أكتوبر 2025

من يعارض الوجود التركي في غزة ولماذا؟

 من يعارض الوجود التركي في غزة ولماذا؟

يحيى بستان

نحن اليوم عند مفترق حاسم يتعلق بمستقبل غزة وفلسطين، وبالتالي بالتوازن الإقليمي للقوى في منطقة الأوسع. هل ستنتشر القوات التركية في غزة لضمان استدامة وقف إطلاق النار؟ هذا هو السؤال المطروح. تركيا تملك أوراقاً قوية، لكن نتنياهو لا يقف مكتوف الأيدي أيضاً. فما الذي سيحدث؟ 

سأستعرض أولاً التطورات الجارية، ثم "الخطة" التي تتبلور في إسرائيل، والحملة المعادية لتركيا، وأخيراً الصورة النهائية التي يُرجح أن تتضح مطلع الأسبوع.


تركيا.. ضامن ومرشح

عندما وقع أربعة قادة، بمن فيهم الرئيس أردوغان، على بيان نوايا السلام في الشرق الأوسط في مصر في 13 أكتوبر، كانت هناك العديد من إشارات الاستفهام. فالسجل الإسرائيلي القذر، وإمكانية خرقها لوقف إطلاق النار، والثغرات في الاتفاق المقترح، كلها تساؤلات مهمة. البعض قرأ هذا التطور على أنه استسلام لإسرائيل. أما أنا، فقد رأيته "موقعاً مكتسباً" (لمزيد من التفاصيل، انظر مقال: سوريا على أعتاب مرحلة حاسمة، 14 أكتوبر). وقد تبين لاحقاً من خلال المناقشات أن إسرائيل قرأت المسألة بنفس الطريقة.

إن توقيع تركيا على بيان النوايا ذاك جعلها في موقع الدولة الضامنة. وهذا بدوره أثار التوقعات بـ احتمال انتشار جنود أتراك في غزة. وقد حدد نائب الرئيس الأمريكي فانس، الذي زار تل أبيب لمنع إسرائيل من محاولة خرق وقف إطلاق النار، الجدول الزمني على النحو التالي: تسليم حماس لسلاحها، ونشر القوات الدولية لتحقيق الاستقرار في غزة، وتشكيل إدارة بديلة.

ملاحظة مهمة: رغم أن التوازنات في الأمم المتحدة تجعل اتخاذ القرار صعبًا، فمن المحتمل أن يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا لدعم لنشر الدولية. وتركيا تدعم هذا الخيار، وهذا القرار سيجعل وقف إطلاق النار والمسار السياسي قابلين للتنبؤ إلى حد ما. ولكن حتى إذا صدر القرار، فلن تكون هذه قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة بالمعنى التقليدي.

معلومة خلفية: هناك مجموعتان من الدول التي أعطت إسرائيل الضوء الأخضر. 

الأولى: الدول التي استطاع نتنياهو الحفاظ على علاقاته بها منذ 7 أكتوبر: وهي الإمارات العربية المتحدة ومصر. 

الثانية: دول تشترط أن تكون غالبية الجنود هناك من المسلمين. لكن إسرائيل تريد دولًا من خارج المنطقة، وفي هذا الإطار تبرز إندونيسيا وباكستان وأذربيجان. أما تركيا تندرج ضمن أي من هاتين الفئتين.

الأسباب الخمسة للموقف الإسرائيلي

يمر المتطرفون الصهاينة، الذين يشكلون جزءاً كبيراً من الحكومة الإسرائيلية، بحالة من الاستنفار ويضغطون على نتنياهو. وفي الآونة الأخيرة، وجهت أحزاب المعارضة في إسرائيل اتهامين لرئيس الوزراء: لقد وقعت تحت رعاية الولايات المتحدة، وأنت تدفع بدخول تركيا وقطر إلى غزة.

هناك عدة أسباب تجعلهم يعارضون الوجود التركي في غزة ويعتبرونه «خطًا أحمر»:

أولًا: الهدف الأهم لإسرائيل هو إخلاء فلسطين من سكانها عرب، والوجود التركي يعيق ذلك.

ثانيًا: بقاء الوجود الفلسطيني يبقي احتمال حل الدولتين قائماً.

ثالثًا: الوجود التركي في غزة يعني وجودًا عسكريًا ودبلوماسيًا يحمي حقوق الفلسطينيين ميدانيًا وعلى طاولة المفاوضات.

رابعًا: إذا حاولت إسرائيل الاقتراب من الحدود التركية عبر قسد، فستجد الجيش التركي بجوارها.

خامسًا: سيفشل سعي إسرائيل للهيمنة الإقليمية.

إبعاد تركيا واستقدام 100 ألف صهيوني

لذلك تسعى تل أبيب لمنع مشاركة تركيا في القوة الدولية. وإذا قمنا بتحليل ما تكتبه وسائل الإعلام الإسرائيلية، فيمكن تلخيص أهداف الصهاينة المتطرفين على النحو التالي: 

أولًا: إبعاد تركيا عن الميدان وطاولة التفاوض. 

ثانيًا: زيادة الوجود اليهودي في الضفة الغربية على المدى المتوسط، لعرقلة قيام دولة فلسطينية (وهناك حديث عن نقل مئة ألف زوج شاب إلى الضفة خلال عامين — ومصادقة الكنيست على مشروع قانون ضم الضفة في هذا التوقيت تحديداً يأتي في هذا الإطار). 

ثالثًا: خرق وقف إطلاق النار، إن أمكن.

كما شنّوا حملة إعلامية ضخمة لإبعاد تركيا عن غزة. هدفهم هو خلق تصور سلبي عن تركيا، وفي الوقت نفسه تضخيم "مخاوف" دول الخليج. 

ونرى في هذا الصدد نصوصاً موثقة إسرائيلياً يتم تداولها في الصحافة العالمية، تتحدث بإصرار عن رغبة تركيا في «أن تكون قوة مهيمنة»، وعن «ماضيها العثماني»، وعن أن «الكتلة السنية بقيادة تركيا بدأت تحل محل محور الشيعة في المنطقة». 

من الواضح أن هذه الرسائل لا تهدف إلى إخافة الغرب فحسب، بل إلى دول الخليج أيضا.

ماذا ستفعل دول الخليج؟

تشير التصريحات إلى أن دول الخليج، وخاصة السعودية (باستثناء قطر والكويت وسلطنة عمان التي زارها الرئيس أردوغان)، تعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وبشكل متوازٍ جزئياً مع إسرائيل. ومن اللافت قول الرئيس الأمريكي ترامب: "أبلغني بعض حلفائنا في الشرق الأوسط أنهم سيكونون سعداء بأنهم سيرحبون بفرصة الدخول إلى غزة بقوة ضاربة إذا استمرت حماس في انتهاك الاتفاق المبرم معنا". والأكثر إثارة للاهتمام هو تصريح نائب الرئيس الأمريكي فانس حين قال: «إسرائيل وبعض دول الخليج تظهر نفاد صبرها عندما يتعلق الأمر بحماس، ويجب أن يكونوا أكثر مرونة».

هل ستذهب القوات التركية إلى غزة؟

صرّح نائب الرئيس الأمريكي فانس بأن الولايات المتحدة لن تضغط على إسرائيل بشأن مشاركة القوات الأجنبية وأضاف: "لكل طرف دور يجب أن يلعبه، ونرى أن الأتراك لعبوا دورًا بناءً حتى الآن." هذه رسالة يمكن تفسيرها بطريقتين

إذاً، كيف تبدو المسألة من منظور أنقرة؟ 

أولًا: الأهم ليس إرسال القوات التركية، بل ضمان استمرار وقف إطلاق النار وتحقيق الاستقرار في المنطقة. فتركيا، بصفتها إحدى الدول الضامنة الأربعة في مصر، لعبت دورًا حاسمًا.

ثانيًا: بالطبع، تركيا ترغب في التواجد في غزة. والأطراف على علم بنية أنقرة. وهناك إصرار على هذا التوجه.

ثالثاً: إسرائيل تحاول تحاول. وهذا أمر طبيعي، لكن من المرجح ألا تنجح في ذلك

رابعًا: سيتضح بحلول بداية الأسبوع ما إذا كانت القوات التركية ستتوجه إلى غزة أم لا.

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

هل يعقل أن يسلم الجميع أسلحته وتحتفظ بها "قسد"؟

 هل يعقل أن يسلم الجميع أسلحته وتحتفظ بها "قسد"؟

يحيى بستان

تشهد الساحة الدولية حراكا دبلوماسيا مكثفا لإنهاء الإبادة الجماعية في غزة وكانت نقطة التحول هي اجتماع غزة الذي عُقد في نيويورك بتاريخ 23 سبتمبر، بمشاركة الرئيس أردوغان والرئيس الأمريكي ترامب على طاولة واحدة. 

وقد أولت الخارجية التركية أهمية قصوى لهذا اللقاء الذي كانت المهندس الرئيسي له 

(سبق أن أشرتُ إلى أن "ترامب سيخضع لمراقبةٍ دقيقة"، انظر:"استعدادات لحدث ثلاثي مفاجئ في ​​نيويورك"، 5 سبتمبر).

وخلال ذلك الاجتماع، تم بحث خطة لوقف إطلاق النار تتكون من 21 بنداً. 

وشملت الخطة عناوين عريضة مثل: 

وقف إطلاق النار، والإفراج عن الأسرى، وإنهاء الاحتلال، ورفض التهجير، ونزع سلاح "حماس"، وتسليم الإدارة لهيئة تكنوقراط فلسطينية، ونشر قوة حفظ سلام دولية. 

وقد ذكرنا سابقاً أن أنقرة اعترضت على بند في الخطة قائلة: "يجب إنشاء دولة فلسطينية لتقوم "حماس" بتسليم أسلحتها لها" (راجع: "خطة ترامب.. البند الذي اعترضت عليه أنقرة"، 30 سبتمبر).

وتبع ذلك لقاء بين ترامب ونتنياهو، تلاه إعلان خطة من 20 بنداً أثارت قلقًا كبيرًا، إذ أضحى مسار انسحاب إسرائيل غير واضح، واقتُرح تشكيل مجلس دولي لإدارة غزة دون إشراك الفلسطينيين، وهو ما اعترضت عليه حماس بشدة، مؤكدة رفضها لأي قوة دولية تتدخل في قطاع غزة. 

وصرّح زعيم حماس، أبو مرزوق قائلاً: 

"سنسلم الأسلحة للدولة الفلسطينية التي ستُقام". 

     المناورة الدبلوماسية التي أبقت المفاوضات قائمة

كانت توقعات إسرائيل قائمة على رفض حماس للاتفاق، فيما علق الرئيس الأمريكي ترامب قائلاً: "إذا لم تقبل حماس بهذا الاتفاق، فسيكون الوضع سيئًا" وهنا برز دور دبلوماسية الاستخبارات التركية، حيث توجه رئيس المخابرات كالن إلى قطر بعد اتصال ترامب بأردوغان. 

ونتيجة للمباحثات، تصرفت حماس بشكل بنّاء، ووافقت على الاتفاق بطريقة دبلوماسية ذكية حافظت على استمرار المفاوضات، وأبقت ترامب مشاركا بالعملية، وفي الوقت نفسه صانت الحساسيات المتعلقة بغزة.

فقد أعلنت حماس استعدادها لإطلاق سراح الأسرى، وتسليم إدارة غزة إلى "اللجنة الإدارية الفلسطينية" المكونة من التكنوقراط، ومواصلة التفاوض بشأن القضايا المتبقية. كانت علامة الاستفهام الكبرى تدور حول ما إذا كانت حماس ستوافق على تسليم سلاحها. وتشير المعلومات الواردة إلى أن حماس ستسلم أسلحتها ل هيئة مشتركة بين فلسطين ومصر تحت إشراف دولي. وسنرى جميعاً إلى أي اتجاه ستتطور المحادثات التي بدأت في مصر.

إسرائيل تُفسد الهندسة الإقليمية الجديدة

وتستند الهندسة الجديدة التي يتم بناؤها في المنطقة إلى أساس يعزز السلطة المركزية. ومن الواضح أن هذه الهندسة لا تمنح مكاناً للقوى الوكيلة أو الجهات الفاعلة من غير الدول. إن حماس هي حركة تحرير وصلت إلى السلطة بالانتخاب وتقاوم الاحتلال الإسرائيلي. ورغم شرعية موقفها، أظهرت استعدادها للتخلي عن السلاح (في حال تعزيز البنية المؤسسية للدولة الفلسطينية) لفتح الطريق أمام الدولة الفلسطينية وإنهاء الإبادة الجماعية. وحزب الله ليس على نفس النهج ولكن الحكومة اللبنانية تتخذ خطوات في هذا الصدد تحت ضغط من الولايات المتحدة. وهناك نقاش مماثل يدور حول الدمج المؤسسي لقوات الحشد الشعبي الموالية لإيران في الجيش العراقي.

إن إسرائيل هي الطرف الذي يُعرقل هذا التوجه الإقليمي. حيث تتمسك بموقف يقول "على الجميع إلقاء السلاح ما عدا وكلائي". ولذلك، تواصل تسليح الدروز في السويداء رغم خارطة الطريق الأمريكية الأردنية السورية. ومن جهة أخرى، تسعى جاهدة للحفاظ على وجود "قسد".

ويبدو أن دمشق قررت الانتظار حتى نهاية العام للتعامل مع قضية (قسد). 

وتكتسب تصريحات المتحدثة باسم الوفد المفاوض لقسد، مريم إبراهيم، بأن "مفاوضات دمشق وقسد توقفت، وليس واضحاً سبب التوقف" أهمية بالغة. ويشهد محور سد تشرين توترًا منخفض الحدة بين الجيش السوري وقسد. 

ولأن قسد لم تجد ما كانت تأمله من وساطة الولايات المتحدة وفرنسا في المفاوضات مع دمشق، فإنها تدعو الآن دول الخليج إلى الانضمام إلى طاولة المفاوضات.

ما رأيته وسمعته في أربيل..

إن مصير قضية "قسد" سيؤثر بشكل مباشر على عملية "تركيا خالية من الإرهاب". لقد قضيت عطلة نهاية الأسبوع في أربيل مع مجموعة من الباحثين والأكاديميين، حيث أجرينا لقاءات مثمرة وقيّمة. 

وفيما يلي أبرز ملاحظاتي:

أولاً: تأثير تركيا في المنطقة لا يزال قويًا وحيويًا. والشارع في أربيل يتجه نحو تركيا، ومن تتحدث معهم سيخبرونك بذلك صراحةً.

ثانياً: هناك تطلعات كبيرة بشأن "تركيا خالية من الإرهاب". وتُتابع تصريحات الرئيس أردوغان وزعيم حزب الحركة القومية بهجلي عن كثب. لقد أحدثت هذه العملية تأثيراً كبيراً لدرجة أن... "إيران أيضاً تساءلت في شمال العراق: 'كيف وصل الأمر إلى هذه المرحلة' وتسعى لتطبيق تجربة مماثلة على أكرادها.

ثالثاً: رئيس الإدارة الإقليمية نيجيرفان بارزاني يلعب دورًا مهمًا في المسار العراقي من العملية. هذا الدعم يعزز ثقة تركيا بالإدارة الإقليمية. في المقابل، يُشكل التنظيم تهديدًا للإدارة الإقليمية. كما أن نجاح العملية سيزيد من قوة الإدارة. لذلك هناك توقع بأن: “لا تقتصر العملية على قنديل، بل يشمل مخمور وسنجار أيضًا.”

رابعًا: ثمة نقطتان يختلفون فيها مع تركيا:

عند تحليلهم للوضع التركي، يستندون إلى خبراتهم وإطار شمال العراق الضيق. إن الأخوّة التركية الكردية وتطورها التاريخي في تركيا لا مثيل له في المنطقة (كالعلاقات الكردية والعربية وما إلى ذلك). إنها فريدة من نوعه. ويجب أن تؤخذ هذه الحقيقة كمرجعية عند اقتراح الحلول.

رغم دعم الإدارة لمسار تركيا خالية من الإرهاب، إلا أن إشاراتها بشأن "منطقة خالية من الإرهاب" متضاربة أحيانًا. فرغم ادعائهم توجيه رسالة لقسد بأن "يتوجّهوا نحو دمشق"، إلا أن المجموعات السورية المقربة من الإدارة الإقليمية تتحرك بالتعاون مع "قسد"، وهو ما يشكل تناقضاً ويولد أزمة ثقة محتملة.

الخميس، 18 سبتمبر 2025

صورة مُقلقة خلف كواليس قمة الدوحة

 صورة مُقلقة خلف كواليس قمة الدوحة

يحيى بستان

كان الجميع يترقب نتائج القمة الطارئة لمنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، التي انعقدت بعد استهداف إسرائيل لوفد مفاوضات حماس في الدوحة، إذ كانت هذه النتائج مؤشرًا على مستقبل المنطقة.

هل كانت دول المنطقة سترفع الراية ضد إسرائيل، التي تسعى إلى فرض هيمنتها مدعومة بقوة عسكرية؟ وكيف سيكون موقف الولايات المتحدة التي تدعم الهجمات الإسرائيلية؟ هل ستتحول مبادرة مصر التي أُطلق عليها "الناتو العربي" إلى واقع ملموس في هذه القمة؟ وما موقع تركيا في هذه المعادلة؟

عندما ننظر خلف الكواليس، نرى صورةً مُقلقة بعض الشيء، لكنها تُبشر بتغييرات مستقبلية. دعوني أعرض لكم أولاً المعلومات التي حصلت عليها من كواليس القمة، ثم أشرح ما تعنيه بالتفصيل.


أبرز ثلاث نقاط في القمة

لقد قرأت بيان القمة بالكامل ودوّنت ملاحظاتي. وكان اهتمامي الأساسي منصبًا على معرفة ما إذا كانت الدول الإسلامية والعربية ستتخذ خطوات ملموسة ضد إسرائيل. وقد سجلت ثلاث نقاط ملموسة في البيان:

ـ المادة 15: دعوة إلى فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على إسرائيل.

ـ المادة 16: دعوة إلى تعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة.

ـ المادة 24: توجيه تعليمات لاتخاذ إجراءات لتطبيق أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين الإسرائيليين.

كما تطرّق البيان إلى "الرؤية الأمنية الإقليمية المشتركة" التي سبق أن شدّد عليها مجلس جامعة الدول العربية ودعمها، وسلطنا عليها الضوء في الأسبوع الماضي، (انظر: الخريطة التي أشعلت الخليج قبل القصف الإسرائيلي، ١٢ سبتمبر)، وتكمن أهمية هذه البنود الثلاثة في أنها تدعو إلى خطوات عملية ملموسة.

ولكن لم تُتخذ أي خطوة عملية بشأن ما طرحته مصر من مبادرة «الناتو العربي» المتعلقة بآلية الأمن المشترك، رغم أن وسائل الإعلام الإقليمية ذكرت أنه كان مقرّرًا عقد اجتماع بهذا الشأن خلال القمة. وحتى الآن، لم يصدر أي خبر يؤكد انعقاد هذا الاجتماع.

تدخل أنقرة في صياغة البيان

بعد اطلاعي على هذا البيان ومحاولتي فهم كيفية سير القمة، وقبل أن أبدأ في تحليل نص البيان سمعت عبارات قمت بتسجيلها في دفتر ملاحظاتي، مفادها: «لقد بذلت تركيا جهودًا كبيرة لضمان صدور نص فعّال في البيان الختامي للقمة. ودافعت تركيا وبعض الدول أخرى عن ضرورة اتخاذ مواقف عملية وحاسمة. فهناك زخم متزايد في الغرب أيضًا، ونحن في مرحلة سيدعم فيها الرأي العام الغربي جميع القرارات. كما أن هناك أزمة ثقة بين دول المنطقة والولايات المتحدة. وقد أضافت تركيا بعض المواد إلى ذلك النص."

بعد ذلك، بحثت عن المواد التي أضيفت، ووجدت أنها المواد 15 و16 و24. أي المواد التي دوّنتها أنا بنفسي تحت عنوان "خطوات ملموسة". بل علمت أيضًا أن المادة 15 التي اقترحتها أنقرة كانت أكثر صرامة، ولكنهم قاموا بتخفيفها.

هل ستُتخذ الخطوات رغم الولايات المتحدة؟

تشير هذه المعلومات إلى ما يلي:

أولًا: إن عدد الدول التي تقترح اتخاذ خطوات ملموسة لمواجهة العدوان الإسرائيلي، والتي تدعم ذلك أو تتحرك لتولي زمام المبادرة، ما يزال قليلًا. ورغم الإبادة الجماعية المستمرة، واتساع دائرة الصراع، واستهداف إحدى دول الخليج، يظل الوضع على ما هو عليه.. وهذا ما يجعل الأمر "مقلقًا".

ثانيًا: تسعى الدبلوماسية التركية جاهدةً في كل فرصة للحد من نفوذ إسرائيل وتُظهر تصريحات نتنياهو التي استهدف فيها الرئيس أردوغان أن تل أبيب تُدرك ذلك.

ثالثًا: رغم ذلك، فإن دول الخليج والعالم العربي يبحثان عن حل. إن موقف إسرائيل العدواني يعزز هذا البحث. والسؤال هو: هل سيتم هذا البحث دون موافقة الولايات المتحدة (وبالتالي إسرائيل)؟ إن القضايا التي نوقشت والتي لم تناقش في القمة، واللغة التي اختارها البيان، تشير إلى أن هذا البحث لن يتحقق دون موافقة أمريكية.

رابعًا: بناءً على ما سبق، ستواصل دول الخليج والعالم العربي إبقاء الصراع في فلسطين ضمن معادلة "حماس وإسرائيل". في حين أن هذه الأزمة كانت قابلة للتحول إلى صراع عربي إسرائيلي بعد استهداف قطر، وهو سيناريو يصعب على إسرائيل إدارته. لكن الدول المعنية لم ترغب في تحمل هذه المسؤولية.

نحو بنية أمنية جديدة

خامسًا: هناك جانب إيجابي أيضًا. إن زيارة الإمارات العربية المتحدة لقطر مباشرة بعد الهجوم، والتصريحات الحادة التي صدرت، تشير إلى بداية تغييرات ملموسة. وفي مقال سابق، أشرنا إلى أن دول الخليج والعالم العربي ستسعى لتعميق علاقاتها مع دول مثل تركيا وباكستان، وليس مع الصين أو روسيا، لتجنب إثارة قلق الولايات المتحدة. وقد اتُخذت الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، حيث أعلن الرئيس أردوغان أن قدرات تركيا في الصناعات الدفاعية متاحة لهذه الدول. كما وقعت السعودية وباكستان اتفاقية أمنية مشتركة، أكدت أن أي اعتداء على أحد الطرفين يُعتبر اعتداءً على كلا البلدين.

سادسًا: الوقت بالنسبة للدول يسير ببطء مقارنة بالأفراد. فبعض التطورات لا تحدث بسرعة، بل تحتاج إلى وقت. وينطبق هذا على بحث دول الخليج والعالم العربي عن مسار جديد؛ فلا يمكن توقع خطوات سريعة وملموسة على الفور. فالأمر أشبه بمأساة سفينة تيتانيك، فحين تغيّر الدفة درجة واحدة، فإن الأمر يحتاج وقتًا للانحراف عن المسار. ورغم ذلك، أعتقد أن الدفة قد تم تحريكها بالفعل، ومن المتوقع أن نشهد خلال السنوات القادمة هندسة أمنية مثيرة للاهتمام في المنطقة.

المصدر: يني شفق