الجمعة، 12 يونيو 2026

الهجرة النبوية .. دروس وأحكام ومقاصد

 الهجرة النبوية .. دروس وأحكام ومقاصد


د. عطية عدلان 

مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول- أستاذ الفقه الإسلامي



بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

تُعَدُّ الهجرةُ النبويةُ الحدثَ الأبرزَ، والأكثرَ أثرًا في مسيرة الأمّة الإسلامية في صدرها الأول؛ حيث كانت الجسرَ الذي عبر عليه الجيل الأول من حال الذل والاقتهار إلى حال العزِّ والاقتدار، ولا يزال الحدث إلى اليوم والغد ملهما وباعثا؛ فكيف يمكن أن نوظف هذا الإلهام من أجل إحياء الأمة وبعثها من جديد؟ لتنتقل في زماننا هذا من حال التبعية والاستبداد إلى حال الاستقلال والرشاد؟ 

هذا هو السؤال الأجدى من بين الأسئلة التي تطرح نفسها على بساط الذكرى السنوية التي نحييها في رأس السنة الهجرية.

المقاصد والنيّات والبواعث والغايات

هل كان السبب في هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وصحابته هو الفرار من الظلم والفتن؟ سؤال يستدعي وعياً قبل الإجابة عليه؛ لأنّ هاهنا منطقة غامضة وخطرة، فمن حيث المبدأ: 

لا إنكار على من هاجر من بلد إلى آخر فرارا بدينه من الفتن أو بنفسه وعرضه من الظلم والطغيان؛ فالعيش الآمن والحياة السالمة من البطش والإرهاب حقّ من حقوق الآدميين؛ لذلك جاءت الآية الكريمة من سورة النساء على نحو يؤكد أنّ الأرض ميدان لتنقل الإنسان تتسع له ولا تضيق عليه: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء 97)، كما جاءت الآية من سورة التوبة على نحو يجعل من حق المستجير السالم من التورط في المحاربة أن يبلغ من الأرض مأمنه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة 6)؛ ومن ثمّ فلا تثريب على من كان هدفه من الهجرة البحث عن مأمن؛ إذ لا مؤاخذة على من يمارس حقّه الشرعيّ، لكن التثريب والتأنيب والعتب والمؤاخذة يكون على تفريط سنأتي للحديث عنه بعد جولة قصيرة.

     لكن الذي لا ريب فيه أيضا هو أنّ هذه الغايات كانت تالية للغاية الأمّ وتابعة لها، وأنّ الغاية الأمّ من الهجرة هي التمكين لدين الله عزّ وجل؛ بالدعوة والبيان ثم بالدولة والسنان، تلك هي الغاية الحقيقية والمحورية، وقد كان كل واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قادرا على الاعتصام بسيفة والالتزام بأرضه ووطنه، كان كل واحد منهم يحمل من النخوة والأنفة ما يحمله على أن يجرد سيفه فلا يضعه حتى يقضي الله بينه وبين من رام إخراجه من بلده، فلم يدفعهم إلى الهجرة إلى الحبشة أولا ثم إلى يثرب ثانيًا ضعفٌ عن المقاومة، ولا زهدٌ في الوطن والدار، وإنّما كانوا أصحاب قضية كبيرة ورسالة عظيمة؛ هي التي دفعتهم لأن يتجشموا عناء الهجرة وآلام مفارقة الأوطان، ومما يؤكد هذا المعنى أنّ الذين هاجروا إلى الحبشة لم يكونوا جميعاً من الضعفاء المغلوبين، وإنّما كان فيهم أشراف نبلاء ممن لهم في بلادهم منزلة وجاه ولهم بقومهم مَنَعَةٌ وعزة، من أمثال جعفر بن أبي طالب وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وغيرهما ممن لا يجرؤ أحد على أن يمد لهم يدا أو ينالهم بأذى؛ ومن الأدلة على ذلك أيضاً إنّ الهجرة إلى المدينة كانت واجبة، إلى حدّ أنّه لم يكن يُقبل من أحدٍ لم يهاجر وهو قادر على الهجرة عهدٌ ولا ميثاق: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (الأنفال 72).

    إنّ الهجرة في سبيل الله التي يُنال بها أجر وفضل الهجرة، هي التي تكون أداءً لواجب لا مجرد ممارسة لحق، هي التي تكون للتمكين لدين الله وليس للتنزه والتوسع في الحياة، هذه هي الهجرة التي تكون مراغما وسعة ويقع أجر المهاجر فيها على الله:(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء 100)، فهل يكون مُفَرِّطاً من خرج من بلده مهاجراً بسبب الظلم الواقع عليه، حتى ولو كان سبب الظلم أنّه متمسك بدينه ملتزم بتعاليمه غير موال لأعداء دينه؟ وهذا سؤال يدخلنا إلى الجوهر.

    إنّ المسلم المهاجر بسبب ما يقع عليه من ظلم مأجورٌ، وإن لم ينو بهجرته إلا النجاة بنفسه والفرار بحريته؛ مأجور إذا احتسب، مأجور على المصاب الذي حل به، لكنه لا ينال أجر المهاجر في سبيل الله ولا فضيلة الهجرة حتى يجدد نيته، وحتى يتبنى من المواقف والأقوال والأفعال ما يعلي من شأن الدين ويصب في النفع العام للمسلمين، فإنّ الله تعالى رؤوف رحيم ودود كريم، لا يحرم عبداً استفزه سوط الطغيان ففر بنفسه، فلما استقر به المقام استدعى قضيته واستحضر نيته وبدأ يتحرك ويعمل.

    فموسى عليه السلام عندما خرج كانت غايته النجاة من الظالمين: (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص 21) فلما تحققت نجاته تحركت حاجته للهداية في تيه الصحراء الموحشة: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص 22) فلما بلغ المأمن تحركت حاجته للرزق في غربته: (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص 24) فأفاض الله عليه من النعم حتى صار له بيت وزوجة وأنعام، لكنّه لم ينس قضيته، فما إن قضى الأجل الذي عليه حتى تحركت في نفسه الرغبة في الرجوع إلى مصر؛ حيث قومه من بني إسرائيل يعانون الخسف والهوان، فامتطى ناصية الطريق النافذ عبر سيناء؛ قاصدا مصر، وهنا استحق شرف الرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته، فجاءه الوحي في الوادي المقدس طوى.

موجز الأحكام

اختلف العلماء قديما في مسألة الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، فذهب المالكية والظاهرية والشوكاني والإباضية إلى القول بأن على من أسلم ببلد من بلاد الكفر أن يخرج منها مهاجراً إلى دار الإسلام، وأنه يحرم عليه المقام بدار الكفر مادام يستطيع إلى الهجرة سبيلا، واستدلوا بعموم الآيات المرغبة في الهجرة الآمرة بها، كما استدلوا بجملة من الأحاديث منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»، وقوله: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية وغيرهم إلى جواز المقام في بلاد الكفر إذا تمكن المسلم من إظهار شعائر دينه وتعلم ما يلزمه من الأحكام وأمن على نفسه وأهله الفتنة ولم يطلبه الإمام؛ انطلاقاً من أن الأصل في ذلك هو الحل، وأن الحظر لا يكون إلا لعارض من اضطهاد أوفتنة أو غير ذلك، وإن قالوا باستحباب الهجرة لتكثير سواد المسلمين، واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ما رواه أبو سعيد رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: « وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ لَشَدِيدٌ فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: « فَهَلْ تُؤْتِي صَدَقَتَهَا ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا »، ومنها ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»، وما روه الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبِلَادُ بِلَادُ اللَّهِ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ، فَحَيْثُمَا أَصَبْتَ خَيْرًا فَأَقِمْ ».

    وبغض النظر عن الراجح من الرأيين فإن الناظر فيهما يبدو له لأول وهلة أن هوة الخلاف بينهما سحيقة، والواقع أن الأمر بخلاف ذلك؛ لأن هناك نقاط اتفاق كثيرة تسهل الاستفادة بهذه المسألة في بحث النوازل المبنية عليها، النقطة الأولى: لا يجوز للمسلم أن يقيم ببلد الكفر إذا كان لا يأمن على نفسه وأهله ولده الفتنة في الدين، الثانية: لا يجوز للمسلم أن يقيم مع الكافرين وهو محب لهم راض بمنكراتهم موال لأهل الكفر والفجور، الثالثة: إذا أقام المسلم في دار الكفر وهو مستضعف ولم يقدر على الخروج فهو ممن عذر الله، الرابعة: يجوز للمسلم - وربما يجب في بعض الأحيان - أن يهاجر من بلد إسلامي إلى بلد آخر إسلامي إذا كانت الأولى بلد جور والثانية بلد عدل، كما يجوز له أن يفر بدينه من بلد الإسلام إلى بلد الكفر إذا انعدم في حقه الأمن من الفتنة في الأولى ووجد في الثانية؛ وبذلك ينحصر الخلاف في جزئية محددة وهي: أن يقيم المسلم في بلاد الكفر، آمنا على نفسه وأهله وولده من الفتنة في الدين، قادرا على إظهار شعائر دينه، مبتعدا عن مولاة الكافرين، متمكنا من تحصيل ما يصح به دينه من العلم، فهل يجوز له المقام أم تجب عليه الهجرة إلى بلاد المسلمين؟ وقد رجح أكثر المعاصرين ما ذهب إليه الجمهور، وهو الذي أميل إليه في الجملة، وإن كان للمسألة تفصيل يخضع لمعطيات الواقع، فقد يأتي زمان يتمايز فيه أهل الإسلام وأهل الكفران، وتتمايز دار الإسلام وتقوم دولة الإسلام، وتكون في مهدها بحاجة إلى هجرة المؤمنين، مع كون البقاء في دار الكفر حال احتدام الصراع مظنة الفتنة والاضطهاد؛ فعندئذ يمكن القول بوجوبها.

الهجرة بين الواقع والمعنى

لم تكن هجرةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وصحابتِهِ هجرةً حسيّةً محضة، برغم انتقالهم بأشخاصهم وتحولهم بأجسادهم من مكة إلى المدينة، وإنّما كانت قبل ذلك هجرة بالمعنى، الذي يعطي الهجرة صفة الدوام وينفي عنها وصم الانقطاع؛ لذلك جاءت العبارة الثانية في الحديث الذي أقرَّ الانقطاع على هذا النحو "ولكن جهاد ونية" فأشار بذلك إلى أنّ الجانب المعنويّ منها لا ينقطع، أمّا الحديث الذي نفى الانقطاع فقد قرنت الهجرة فيه بالتوبة، والتوبة هجرة معنوية من حال إلى حال، هجرةٌ بِهَجْرِ المعاصي واللياذ بالطاعات والقربات.

    فإذا تقرر هذا واستقر صارت الهجرة الحسية مجرد وسيلة؛ ومن ثَمَّ لم يكن حكمها من الثوابت التي لا تتغير أو المحكمات التي لا تتحول، وإنّما صار خاضعا للتغير - شأنه في ذلك شأن سائر الوسائل - ودار مع المصلحة الشرعية حيث دارت، فإن لم يكن المرء مضطرا للهجرة من بلده، ولم يكن له ولا لأمته مصلحة راجحة في الهجرة، وغلب على ظنّه الوقوع في الفتن؛ كان الواجب هو بقاؤه في بلده يُنْتِجُ ويُعَمِّرُ ويتعاون مع المسلمين في إحيائها وإنمائها ورفع شأنها، وقام المذهب الأول للفقهاء بأدلته شاهدًا على هذا الواجب، أمّا إن كان مضطرا لذلك لتعرضه للاضطهاد، وكانت هجرتُه مصلحةً راجحة له ولأمته، ولم يخش الفتنة؛ ساغ له أن يهاجر، وقام المذهب الثاني للفقهاء بأدلته شاهدا على الجواز والإباحة.

    أمّا الهجرة المعنوية - وهي بلا شك مستلهمة من حادث الهجرة - فهي الأكثر دوامًا ومقاما واستقرارا واستمرارا، إنّها الهجرة إلى الله ورسوله، الهجرة إلى الله بالتوبة، وإلى رسول الله بالاقتداء والاهتداء، إنّها الهجرة المطّردة بهجر مواطن السوء ومظانّ الرذيلة ومواضع الفتنة ومجامع التقصير والتفريط والتضييع، إنّها الهجرة الدائمةُ الدائبةُ من الضعف والهوان إلى القوة والعزّ والتمكين، ومن التبعية المهينة إلى الاستقلال العزيز، ومن العبودية العقيمة إلى الحرية الكريمة، ومن الخنوع والانبطاح إلى النضال والكفاح، ومن أغوار الجهل إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن العَيِّ والقعود إلى الطموح والموَاثَبة والمغالبة، ومن الفُرقة والاختلاف إلى الوحدة والائتلاف، ومن اتباع كل نَاعِقٍ إلى اتباع الهدى بوسطيته وربانيته وحنيفيته السمحة، هذه هي الهجرة التي ننتظرها ونستدعيها ونسعى إليها، وإنْ كنّا لا نفرط في الأخرى إذا جاء وقتها وحلّ زمانها، فمن هاجر الهجرة المعنوية هذه سهل عليه بعد ذلك أن يهاجر الهجرة الحسية إذا وجبت عليه ويتحمل مغارمها.

الهجرة ومشروع الأمة

بين المشاريع الكبرى المتدافعة تقوم الحرب ويقوم السلم، وتعرف الطائرات والصواريخ متى تنطلق وتحلق ومتى تزوي في مرابضها وتأرز إلى أنفاقها، بين المشاريع التي تتزاحم بأكتافها وتتهارش بأطرافها فوق كل فريسة ممزقة يتمدد جسد الأمة وتتمطى جثتها التي لا يُدْرَى أهي لا تزال حية أم إنّها قد فارقت الحياة منذ زمن، بين المشاريع الضالة تبقى أمّةَ الهدى بلا رؤية ولا مشروع؛ أليس هذا عجيبًا وغريبًا ومريبًا؟ ألا يشير هذا إلى أنّه يراد لنا أن نبقى هكذا بلا رؤية ولا مشروع؟ أم إنّ أمتنا تصورت - وهي مسترخية في الحِمَى الوثير للنظام العالميّ الكبير - أنّ دعوة الإسلام سرت في الأنام بلا خطة ولا مسار؟ ولا استراتيجية طرحت في وقت مبكر بوادٍ جدب بين أخشبَيْن؟ 

ذلكم هو السؤال الكبير الذي يأبى إلا أن ينفرد بالتحرك فوق خشبة المسرح، بعد أن ذهب اللاعبون دون أن يسدلوا الستار؛ فهل نجد لهذا السؤال جوابًا مع حلول موعد احتفالنا بالهجرة النبوية؟ 

أجل .. وبكلّ تأكيد؛ فلقد كانت الهجرة أعظم دليل على وضوح الرؤية.

    يجب في البداية أن ندرك أنّ التعرّض الدائم للاضطهاد والتنكيل لم يكن هو الحامل على الهجرة إلى الحبشة ولا على الهجرة إلى يثرب؛ آيةُ ذلك - كما أسلفنا - أنّ الذين هاجروا إلى الحبشة كان أغلبهم من أشراف قريش الرافلين في عزّ ومنعة من عشائرهم، كأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وجعفر بن أبي طالب، بل إنّ الضعفاء الذين كانوا يسامون سوء العذاب في شعاب مكة لم يكونوا مهزومين نفسيًّا، ولقد كان كل واحد منهم - كما بيّنا من قبل - قادرًا على أن يحمل سيفه على عاتقه فيقاتل كلّ من تسول له نفسه انتهاك حرمته ووطء أنَفَتِهِ حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، لكنّهم التزموا بالأمر الإلهي: (كفّوا أيديكم)؛ وذلك لهدف واضح، وهو أن تولد الحقيقة أول مرة في مناخ لا يشوشه دخان الاحتراب الأهليّ، فلربما كان من الوجاهة في الرأي أن نقول إنّ صمت الصحابة الأوائل كان لونًا من ألوان التضحية المبكرة.

    ولم يفكر رسول الله في الهجرة إلى بلد تكون منصةً للانطلاق إلا بعد أن حقّق عَبْرَ مرحلتين أو ثلاثة أهدافًا رئيسية، الأول: بناء النواة الصلبة التي حملت بعد ذلك بنيان الإسلام، الثاني: إتمام البلاغ والبيان بالقضايا الكلية الكبرى لدين الإسلام، الثالث: تقويض النظرية الوثنية من أصولها؛ لتخرَّ خاوية على عروشها، فلم يبق منها سوى تلك الشخوص الحجرية التي لم يعد لها أدنى احترام حتى في أنفس الذين يقاتلون باسمها، والتي ظلّت تنتظر ريثما يعود إليها المسلمون ليحطموها صائحين: (جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطل كان زهوقًا)، وبعد أن تحققت هذه الأهداف كان التفكير في الانتقال والتحول الاستراتيجي، ومن لحظتها كان ما يُطرح على الوفود في مواسم الحج مختلفًا عمّا مضى؛ إذْ لم يكتف النبيّ صلى الله عليه وسلم بدعوة تلك الوفود للإسلام، وإنّما أدغم بها - بكل وضوح وشفافية - طلبًا صريحًا: من يؤويني حتى أبلغ دعوة ربّي؟ ولم يكن زعماء تلك الوفود غافلين عمّا يُراد، بل لم تكن قريشٌ نفسُها غافلةً عن ذلك ولا عن أهداف الهجرة من قبل إلى الحبشة؛ وإلا لتركتهم يهاجرون بلا إزعاج. 

    فإذا أقلعنا من منصة المقصد والدافع والسبب وشرعنا في النظر إلى الواقع العمليّ للهجرة؛ برز لنا هذا السؤال: ألم يكن رسول الله على يقين بنصر الله؟ والجواب المبدئي القاطع: بلى، لقد كان على يقين بأنّ الله سيتولّاه ويحرسه بعنايته حتى يتمّ أمر ربّه، وإذن؛ فلماذا كلّ هذا؟ لماذا يضع الخطة بهذا الإحكام؟ حتى إنّه ليتعمد الميل نحو الجنوب بعيدًا عن طريق القوافل الصاعد شمالا صوب الشام؟ وينزل غار ثور ويمكث فيه ثلاثة أيام، وإلى حدّ أنّه كان قد اتفق مع رجل أمين - رغم شركه - (عبد الله بن أريقط) ليأتي بالنوق الثلاثة بعد أيام هي التي مكثها في الغار، وأنّه كان قد كلّف أسماء بنت أبي بكر وأخاها عبد الله بأن يأتياه كلّ يوم خُفية، هي بالزاد وهو بالأخبار، وكلّف عامر بن فهيرة أن يعفّي على آثارهما بالغنم التي يرعاها، وكلّف عليّ بن طالب لينام في فراشه للتمويه، وليردّ من بعده الأمانات التي إن ردها قبل خروجه سيكون ذلك علامة على اعتزامه الخروج، ثمّ بعد ذلك كلّه كادت الخطة كلها تنهار في اللحظة التي التفّ فيها الكفّار حول الغار؛ إنّما وقع ذلك كلّه على هذا النحو لتتعلم الأمة أن لا سبيل إلى بلوغ الغايات بالارتجال، وأنّه لا غنى لها عن التخطيط الدقيق، ولتتعلم إلى جانب ذلك أنّ قيامها بهذا الواجب - واجب التفكير والتدبير والتخطيط - لا يغنيها عن التوكل على الله؛ فهو وحده ناصر المؤمنين ولو أحاطت بهم قوى الشرّ إحاطة الأسوار العالية بالأسارى المقيدين: (إِلَاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ‌إِذْ ‌أَخْرَجَهُ ‌الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فما أعظمه من درس!

    ومادام أهل الحقّ قد وضعوا أقدامهم على الطريق الصحيح، ومضوا فيه لا يهملون الأسباب التي لا يصح إهمالها، ولا يهدرون القيم والأحكام التي لا يصح إهدارها، وأخلصوا لله نيّاتهم وصحّحوا على منهاج الوحي أعمالهم؛ فلن يتركهم الله للقوى المتصارعة والمشاريع المتدافعة تطحنهم تحت رحاها، فها هو ربّ العزّة يشغل القوتين العظميين آنذاك فارس والروم بحربين كبيرتين في بضع سنين؛ استنزفت طاقاتهما، وأنهكت قواهما؛ وقد بشرهم الله قبيل الهجرة: (‌وَيَوْمَئِذٍ ‌يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ)، وفرح المؤمنون بنصر الله الذي وقع لهم في بدر، في اليوم ذاته الذي انتهت في حرب الكبار بنصر الروم، وانطلقت مسيرة الصدام مع القوة المجاورة حتى استقرّ بالفتح، بعدها بدأ الرسول خطة الانطلاقة الكبرى التي أكملها من بعده الخلفاء الراشدون، بدأها بتبوك وبالرسل إلى الرؤساء والملوك.

    إنّ قيمة المشروع الإسلاميّ تكمن في حقيقة لا يراها الكثيرون، وهي أنّ أمتنا لا ينقصها سوى المشروع؛ فإنّها أغنى أمّة بالشباب الذي إن نال حرّيته وشيئًا من كرامته سيكون قادرًا على صنع المعجزات، وإنّها إلى جانب ذلك لغنيّةٌ بمواردها من الثروات والطاقة؛ فلو قام بين دولها تحالفات اقتصادية وسياسية وعسكرية، وبين شعوبها أخوة إيمانية عامّة، لبلغت حدّ الكفاية والكفاءة؛ فهلّا توجهنا إلى هذه الغاية؟

    هكذا تكون الهجرة النبوية منصة للانطلاق إلى أقصى الآفاق، إلى آفاق المجد والعزّ والتمكين، وإلى استعادة دور الأمة الإسلامية، في عالم صار قفرًا من كلّ ما تهفوا إليه الإنسانية، ومن المبشرات الكبرى أنّ كلّ ما تهفوا إليه الإنسانية يمتلكه الإسلام على وجه الحصر؛ فغذُّوا السير إلى الغاية، مستعينين بالله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق