‏إظهار الرسائل ذات التسميات بريطانيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بريطانيا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 5 يوليو 2025

تقرير تاريخي يكشف ارتكاب بريطانيين إبادة جماعية بحق السكان الأصليين في أستراليا

 تقرير تاريخي يكشف ارتكاب بريطانيين إبادة جماعية بحق السكان الأصليين في أستراليا

   تحقيق رسمي يكشف جرائم بريطانيا في أستراليا.. مئات الآلاف 
من السكان الأصليين قُتلوا أو نُزعوا من أراضيهم

في كشف تاريخي غير مسبوق، خلصت لجنة "يورّوك للعدالة" في أستراليا إلى أن المستوطنين البريطانيين ارتكبوا إبادة جماعية بحق السكان الأصليين في ولاية فيكتوريا، بعد عقود من الإنكار الرسمي والإهمال التاريخي.

التقرير الذي أصدرته اللجنة هذا الأسبوع يُعد الأول من نوعه في البلاد، حيث وُصف بأنه "محطة مفصلية" في مسار الاعتراف بالجرائم المرتكبة ضد الشعوب الأصلية، والمضي نحو عملية مصالحة وطنية شاملة.

تدمير ممنهج للسكان والثقافة
بحسب ما ورد في التقرير، فإن ما بين عامي 1834 و1851، انخفض عدد السكان الأصليين في فيكتوريا من نحو 60 ألفاً إلى 15 ألفاً فقط، نتيجة لموجة واسعة من العنف والقتل الجماعي، وانتشار الأمراض، والاعتداءات الجنسية، وعمليات الإقصاء، ومحو اللغة والثقافة، وتخريب البيئة، وسحب الأطفال من عائلاتهم، ومحاولات "الاستيعاب القسري".

وخلص التقرير إلى نتيجة حاسمة جاء فيها: "لقد كانت هذه إبادة جماعية بكل المقاييس."

أكثر من 100 توصية للتعويض
استند التقرير إلى أكثر من شهرين من جلسات الاستماع العلنية، و1300 شهادة وطلب مكتوب، وشمل أكثر من 100 توصية وُصفت بأنها تهدف إلى "جبر الضرر" الناتج عن الغزو والاحتلال.

وقد دعت اللجنة إلى الاعتراف الرسمي بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تعرّض لها السكان الأصليون، بما في ذلك النظر في تقديم تعويضات مادية ومعنوية.

ومن أبرز التوصيات:

- إصلاح شامل للنظام التعليمي ليتضمن رواية السكان الأصليين عن تاريخ البلاد وتقاليدهم.

- الأعتذار الرسمي من الحكومة لجنود السكان الأصليين الذين قاتلوا في الحربين العالميتين، وحُرموا بعد عودتهم من الامتيازات التي مُنحت للجنود الآخرين، مثل منح الأراضي.

- زيادة تمويل قطاع الصحة الخاص بالشعوب الأصلية، ومكافحة العنصرية "المتفشية" في النظام الصحي الرسمي.

- سياسات واضحة لتوظيف المزيد من الكوادر الطبية والإدارية من السكان الأصليين في المؤسسات الصحية.

رغم الطابع التوافقي العام للتقرير، أفادت اللجنة أن ثلاثة من أعضائها الخمسة وهم “سو-آن هانتر، وماجي والتر، وأنطوني نورث” لم يوافقوا على إدراج بعض "النتائج الرئيسية" في النسخة النهائية، دون أن يتم توضيح النقاط محل الخلاف بشكل علني. ويعكس هذا الخلاف تعقيد الملف وتعدد الروايات والقراءات المتعلقة بماضي أستراليا الاستعماري.

الحكومة تتعهد بدراسة النتائج
وفي أول تعليق رسمي، تعهدت حكومة ولاية فيكتوريا التي يقودها حزب العمال بدراسة التقرير "بعناية"، حيث قالت رئيسة الحكومة جاسينتا ألان إن "النتائج تُسلّط الضوء على حقائق مؤلمة يجب مواجهتها بشجاعة ومسؤولية".

من جانبها، وصفت جيل غالاغر، وهي مديرة أكبر هيئة تمثيلية لشؤون صحة ورفاه السكان الأصليين في فيكتوريا، ما توصل إليه التقرير بأنه "حقيقة لا يمكن إنكارها"، قائلة: "نحن لا نحمّل أحداً من الأحياء اليوم مسؤولية هذه الفظائع، لكن من واجبنا جميعاً أن نتحمل مسؤولية الاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على التصالح معها".

وتُعد لجنة يوروك أول هيئة رسمية على مستوى الولايات الأسترالية تتبنى نهج "قول الحقيقة" حول ما ارتُكب من انتهاكات بحق الشعوب الأصلية، لكن النقاش بشأن إجراء تحقيقات مماثلة لا يزال متعثرًا في ولايات ومقاطعات أخرى.

ففي كوينزلاند، ألغت الحكومة الجديدة من حزب "التحالف الليبرالي الوطني" مشروع تحقيق مشابه بعد فوزها بالانتخابات، ما يعكس هشاشة الالتزام السياسي بقضية المصالحة الوطنية، وتباين المواقف الحزبية تجاه ماضي البلاد الاستعماري.

جدل متجدد بعد فشل الاستفتاء
كما يأتي التقرير بعد أشهر قليلة من فشل الاستفتاء الدستوري الذي جرى في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والذي كان يهدف إلى إنشاء هيئة وطنية تُعرف باسم "الصوت"، تتيح للسكان الأصليين تقديم المشورة للبرلمان بشأن التشريعات والسياسات التي تخصهم.

وقد صوت غالبية الأستراليين ضد التعديل، في انتكاسة كبيرة لحراك الاعتراف السياسي بالشعوب الأصلية.
ويفتح تقرير لجنة يورّوك الباب أمام مرحلة جديدة في النقاش الوطني حول كيفية التعاطي مع إرث الاستعمار، وتعويض الضرر التاريخي الممنهج.

الأحد، 20 أغسطس 2023

سجن اللاجئين العائم في بريطانيا.. كراهية لا يمكن تبريرها ضد “الآخر”

سجن اللاجئين العائم في بريطانيا.. كراهية لا يمكن تبريرها ضد “الآخر”


ميدل إيست آي

الأحد، 11 سبتمبر 2022

كيف استفاد النظام الملكي من الاستعمار والعبودية؟

 كيف استفاد النظام الملكي من الاستعمار والعبودية؟


لورا كلانسي

ترجمة وتحرير: نون بوست


تعرضت جولة دوق ودوقة كامبريدج في منطقة البحر الكاريبي بمناسبة اليوبيل البلاتيني للملكة لانتقادات نظرًا لارتباط العائلة المالكة بماضي الاستعمار والعبودية.

ورد في رسالة مفتوحة من قبل شخصيات عامة جامايكية: "لا نرى أي سبب للاحتفال بمرور 70 سنة على اعتلاء جدتك للعرش البريطاني لأن قيادتها وقيادة أسلافها أرست أكبر مأساة لحقوق الإنسان في تاريخ البشرية". لكن ما علاقة المَلكية بالعبودية والاستعمار؟ وكيف استفادت من أنظمة الاستغلال والنهب؟

1.تمويل رحلات جلب الرقيق

كان للنظام الملكي البريطاني دور أساسي في تأسيس وتوسيع والحفاظ على الإمبراطورية وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. تم إعلان الإمبراطورية الإنجليزية لأول مرة من قبل هنري الثامن سنة 1532. ومنحت إليزابيث الأولى ميثاقًا ملكيًا (وهو أداة تأسيس) للسير جون هوكينز الذي يُعتبر على نطاق واسع من أوائل التجار الإنجليز الذين استفادوا من تجارة الرقيق. كما منحت ميثاقًا لشركة الهند الشرقية البريطانية سنة 1600.

بعد وفاة إليزابيث، أسس تشارلز الثاني شركة رويال أفريكان سنة 1660 بقيادة دوق يورك (جيمس الثاني لاحقًا)، التي استخرجت سلعًا مثل الذهب والعاج من غولد كوست ونقلت أكثر من 3000 أفريقي إلى بربادوس. وطُبعت الأحرف الأولى من اسم "دي واي" بالنار على جلود كثير من هؤلاء الناس للدلالة على انتمائهم إلى دوق يورك. وقد استثمر كلا الرجلان أموالاً خاصة في الشركة.

نالت الملكة فيكتوريا لقب إمبراطورة الهند سنة 1877، وبحلول سنة 1920 أصبحت الإمبراطورية تمتد على مساحة 13.71 مليون ميل مربع. وتنبع الأهمية العالمية للحاكم البريطاني وقوته مباشرة من استعباد الناس غير البيض.

2.الكومنولث

الكومنولث هو منظمة تتكون من 52 دولة "مستقلة ومتساوية". ورغم ادعاء "الاستقلالية"، فإن الكومنولث له جذور إمبراطورية ذلك أن العديد من الدول الأعضاء هي مستعمرات سابقة للإمبراطورية البريطانية. ويصف خبير الكومنولث فيليب مورفي الطريقة التي تحولت فيها الإمبراطورية إلى الكومنولث بأنها "عشوائية".

برز الكومنولث مع نهاية الحقبة الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية كوسيلة لطمأنة الشعب البريطاني بأن سقوط الإمبراطورية لن يقلل من مكانة بريطانيا على الصعيد العالمي. تترأس الملكة الكومنولث، وتم تعيين الأمير تشارلز خلفًا لها سنة 2018. لكن هذا المنصب لا يُورّث، ولا يوجد سبب دستوري أو قانوني لتولي تشارلز هذا الدور. ومن الواضح أن دور رئيس الكومنولث يسمح للحاكم بمواصلة التمتع بالمكانة التي تضمن له الامتياز والنفوذ الدولي الذي ينبع من التاريخ الاستعماري.

صورة
الملكة في زيارة ملكية لجامايكا سنة 2002.

3.الملكة رئيسة للدولة

وضع إعلان لندن لسنة 1949، الذي تناول موقف الهند في الكومنولث كجمهورية، سابقةً بالنسبة لدول الكومنولث لتبني النظام الجمهوري. ولكن اليوم، لا تزال إليزابيث الثانية ترأس 15 ملكية دستورية، بما في ذلك جزر الكاريبي مثل جامايكا، ودول أمريكا الجنوبية مثل بليز، والدول الأفريقية مثل غانا، بالإضافة لكندا وأستراليا.

منذ سنة 1842، عينت كل دولة حاكمًا عامًا محليًا كممثل للمَلكة، مع صلاحية اقتراح التشريعات ورفض أو الموافقة على مشاريع القوانين وحل البرلمان. وعلى الرغم من أن الملكة ليس لديها سيطرة سياسية "مباشرة" في هذه المجالات، يمكن تفسير الحكام العامين على أنهم سلطة إدارية ملكية مستمرة.

لا يزال العديد من هذه البلدان، بما في ذلك أستراليا وجامايكا وغرينادا وسانت لوسيا وتوفالو، تستخدم عبارة "حفظ الله الملكة/ الملك" كنشيد وطني أو ملكي. كما يقول عالم الاجتماع تاي سالاندي، تم استخدام مثل هذه النصوص الثقافية خلال الإمبراطورية لغرس القيم البريطانية والخضوع للسلطة الاستعمارية، ويشير استخدامها المستمر إلى نظام مماثل من القيم.

وفي سنة 2021، أزالت بربادوس الملكة من منصب رئاسة الدولة وأصبحت رسميًا جمهورية لكنها بقيت جزءًا من الكومنولث. وهناك تقارير تفيد بأن جامايكا تخطط للقيام بنفس الشيء بعد الزيارة الملكية.

4.الممتلكات والأرض والبضائع

بعد التقرير الذي نشرته منظمة "ناشيونال تراست" حول تاريخ العبودية والاستعمار في ممتلكاتها، أعلنت الأمينة الرئيسية للقصور الملكية التاريخية، لوسي ورسلي، عن تحقيق مماثل حول القصور الملكية سنة 2020.

قالت ورسلي إن جميع الممتلكات التي استخدمتها سلالة ستيوارت في القرن السابع عشر "لها عنصر من المال مشتق من العبودية" ويشمل ذلك قصر كنسينغتون وقصر هامبتون كورت، اللذان لهما صلات بالملك ويليام الثالث، وهو شريك جزئي آخر لشركة رويال أفريكان.

كما أن البضائع التي يملكها النظام الملكي الآن سُرقت أثناء فترة الاستعمار، مثل ألماس كوهينور من الهند المستخدم في جواهر التاج الذي طلبت باكستان والهند مرارًا إعادته. والافتقار للشفافية فيما يتعلق بما يمتلكه التاج مقابل المتعلقات الشخصية للملكة يجعل من الصعب تتبع هذه التواريخ.

صورة
كان تاج الملكة ألكسندرا مرصّعا بماسة كوهينور.

5."عائلتنا الإمبراطورية العظيمة"

في خطاب ألقته في جنوب إفريقيا سنة 1947، أعلنت الأميرة إليزابيث آنذاك أنها ستكرّس حياتها "لخدمة عائلتنا الإمبراطورية العظيمة التي ننتمي إليها جميعًا". ويعكس مفهوم "العائلة الإمبراطورية" فكرة النظام الملكي البريطاني بصفته رأس الإمبراطورية والمنوط به أيديولوجيات تفوّق العرق الأبيض والاستعمار.

تلعب هذه الفكرة أيضًا دورًا في الزيارات الدولية الملكية. تاريخيًا، كان للزيارات الملكية آثار استعمارية من خلال تصوير الملك على أنه المنقذ الأبيض. وتناقش الباحثة في مجال الإعلام راكا شومي كيف أصبحت ديانا رمزًا لذلك في صورها وهي تلعب مع الأطفال السود وتعتني بهم في إفريقيا. وهذا تكرر مرة أخرى في صور دوق ودوقة كامبريدج وهما يتصافحان مع سكان جامايكا من خلال سياج سلكي.

تحاول مثل هذه الزيارات إعادة كتابة التاريخ الاستعماري والإمبريالي من خلال خطابات العمل الخيري والمجتمع العالمي، مع اعتبار أفراد العائلة المالكة أنهم "رأس" الأسرة العالمية. وهي في جوهرها علاقات عامة جيدة.

هل يمكن الحديث عن فصل جديد في التاريخ؟

لا يكشف هذا سوى جزء من روابط الملكية مع الاستعمار والإمبريالية. وكما كتبت الحركة النسائية في حزب "بي إن بي"، وهي حركة جامايكية تدافع عن النساء والفتيات، في صحيفة "جامايكا أوبزرفر": "لقد تعرضنا للضرب والاعتداء للاعتقاد بأن هدفنا كأمة هو تلبية احتياجاتكم". وهذا لا يقل شأنا عن حقيقة إعادة تعبيد الطرق وتنظيف المستشفيات استعدادًا للزيارة الملكية بينما كانت المجتمعات السوداء الفقيرة تستخدمها على هذه الحالة منذ سنوات.

في خطاب ألقاه في جامايكا، أعرب الأمير ويليام عن "حزنه العميق" على العبودية التي "لطخت تاريخنا إلى الأبد". لكنه توقف عن الاعتراف بدور الملكية في ذلك التاريخ، وهي مؤسسة يستمر في الاستفادة منها. وفي أعقاب الحركات العالمية ضد العنصرية والاستعمار، ربما حان الوقت أخيرًا للنظام الملكي ليراجع تاريخه.

المصدر: كونفرسيشن



الأربعاء، 7 أبريل 2021

مَن يتلاعبُ بمَن؟

 مَن يتلاعبُ بمَن؟



أحمد مولانا

يظن بعض القادة والزعماء أن بإمكانهم خداع الدول الكبرى وتوظيف مقدراتها لخدمة مشاريعهم وطموحاتهم الشخصية، بينما تثبت مجريات التاريخ أن الدول الكبرى هي التي تمسك بخيوط اللعبة، وبالتالي تتمكن من توظيف هؤلاء الزعماء لخدمة أهدافها وتنفيذ مخططاتها الإستراتيجية.

 

تتناول وثائق الأرشيف البريطاني محاولات شريف مكة الحسين بن علي التلاعبَ ببريطانيا وفرنسا كي تعترفا به ملكا على بلاد العرب إثر تدشينه، برعاية بريطانية، ثورته ضد الأتراك المعروفة باسم "الثورة العربية الكبرى" في يونيو 1916.

 

خدعة هزلية

في مطلع السنة الهجرية الجديدة الموافقة للثلاثين من أكتوبر 1916 أرسل الشريف حسين رسولا إلى الضباط المسلمين العاملين ضمن البعثة الفرنسية الموجودة في الحجاز يدعوهم فيها إلى المجيء إلى قصره، فلما ذهبوا إلى القصر وجدوا وزراء حكومة الشريف ووجهاء الحجاز مجتمعين.

يحكي القنصل البريطاني في جدة، ويلسون، في رسالة بعثها إلى المندوب السامي في مصر، مكماهون،  في 5 نوفمبر 1916 تفاصيل هذا الاجتماع الحاشد قائلا "قرأ شيخ الإسلام خطابا طويلا باللغة العربية الفصحى بلهجة سورية فلم يفهم الضباط الفرنسيون أي كلمة منه.. وبعد ذلك، صفق الجميع وهنأوا الشريف. وغادر الضباط الفرنسيون القصر ظنا منهم أنهم هنّأوا الشريف بالعام الهجري الجديد، دون أن يعلموا شيئا عما حدث إلا بعد ساعات قليلة حين وجدوا أن البلدة تتحدث عن أنهم هنأوا الشريف باسم الجمهورية الفرنسية على ملوكيته"!


رغم شدة احتياج بريطانيا لعلى اشريف حسين آنذاك فإنها لم تعترف به ملكا للعرب وحرصت على استمرار تمنيته بالوعود المستقبلية إلى أن استنفدت أغراضها منه

 

فقد تبين أن الاجتماع الحاشد عُقد لمبايعة الشريف ملكا على العرب، وقال خلاله الحاضرون "إننا نعترف بجلالة سيدنا ومولانا الحسين بن علي ملكا علينا نحن العرب، وهو يحكم بيننا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام".

 

وفور انتهاء الاجتماع أرسل نجل الشريف ووزير خارجيته عبد الله بن الحسين رسالة إلى السير مكماهون قائلا "ببالغ السرور، أُعلم سعادتكم أن الوجهاء والعلماء وجميع طبقات الشعب في اجتماع عُقد اليوم قد اعترفوا بالإجماع بالشريف الأكبر حسين بن علي ملكا للأمة العربية. ويصبح جلالته بموجب هذا القرار ملكا للبلاد العربية التي أُعجبت بكفاءته الدبلوماسية وإخلاصه التام لبلاده ورغبته الصادقة في نشر منافع التعليم والعدل في جميع أنحاء المناطق العربية، التي تحررت من ربقة عصابة الاتحاد والترقي"…

 

كما بادر عبد الله إلى نشر إشاعات في الحجاز بأن والده تسلّمَ برقيات تهنئة من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا تتضمن الاعتراف به ملكا للعرب. وأجبر كبار تجار جدة ووجهائها على إرسال برقيات تهنئة بصيغة موحدة إلى والده، وأصدر أوامره إلى دائرة البرق بعدم قبول أي برقيات تهنئة لم ترسل وفقا للصيغة المقررة.

 

الرفض البريطاني لسياسة فرض الأمر الواقع

رغم شدة احتياج بريطانيا للشريف حسين آنذاك فإنها لم تعترف به ملكا للعرب وحرصت على استمرار تمنيته بالوعود المستقبلية إلى أن استنفدت أغراضها منه، ومن ثم تعاملت معه لاحقا وفقا لمعطيات الواقع الجديدة.

 

وقد عبّر المندوب السامي مكماهون عن موقفه من تصرف الشريف في رسالة إلى وزارة الخارجية البريطانية قائلا "نظرا إلى مدى ما يدين به الشريف بوضعه الحاضر وحتى بوجوده لمساعدتنا وتأييدنا، فإننا نكون محقين في وقف أي اعتراف بعمله الحاضر الذي اتخذه بدون مشاورتنا، لكنْ من غير المرغوب أن تتسم علاقتنا معه بالتوتر الشديد في ظل الظروف الحالية.. ونظرا إلى محدودية بلاده واستنادا إلى معاهداتنا المعترفة باستقلال الزعماء العرب كابن سعود وغيره،  فإن أقصى ما يمكننا عمله في الأحوال الحاضرة هو الاعتراف بالشريف حسين ملكا للحجاز".

كما أوصى مكتب الاستخبارات البريطاني في القاهرة، المشهور باسم "المكتب العربي"، والذي تولى الإشراف على التخطيط والإعداد للثورة العربية الكبرى، بضرورة تقديم نوع من الاعتراف بمكانة الشريف، مع تأكيد أن خطوته بإعلان نفسه ملكا للعرب سابقة لأوانها.

لم يتمكن الشريف حسين من توظيف بريطانيا وفرنسا لتحقيق أهدافه في تكوين دولة عربية كبرى يتولى زعامتها، بل وظفته بريطانيا لمحاربة الدولة العثمانية وتفكيك وحدتها

ومن ثم سلمت بريطانيا وفرنسا وروسيا ردها الموحد والمكتوب عبر القنصل البريطاني في جدة في 10 ديسمبر 1916 إلى الشريف، وتضمن التالي "إن حكومة صاحب الجلالة وحكومتي فرنسا وروسيا، ولو أنها تعتبر عظمتكم وسوف تظل تعتبر عظمتكم رئيسا اسميا للشعوب العربية في ثورتها على سوء الحكم التركي.. لا تستطيع أن تعترف في الوقت الحاضر بتقلد عظمتكم لأي لقب سيادي يثير التفرقة بين العرب الآن ويخلّ بالتسوية السياسية النهائية لجزيرة العرب على أساس مرض… ولكي تكون تلك التسوية دائمة، يجب أن تقرر بموافقة عامة من الحكام العرب الآخرين.. ويجب أن تعقب النجاح العسكري ولا تسبقه".

 

في النهاية، لم يتمكن الشريف حسين من توظيف بريطانيا وفرنسا لتحقيق أهدافه في تكوين دولة عربية كبرى يقبع على زعامتها، بل وظفته بريطانيا لمحاربة الدولة العثمانية وتفكيك وحدتها. وبعد أن أدى الدور المطلوب تخلصت منه بريطانيا ليعيش في المنفى..

 

وقد عبر عن هذه الحقيقة بدقة شديدة مدير الاستخبارات العسكرية البريطانية في القاهرة في فترة مبكرة من 1916 بقوله "إن هدف الشريف هو تأسيس خلافة لنفسه.. نشاطه يبدو مفيدا لنا لأنه يتماشى مع أهدافنا الآنية، وهي تفتيت الكتلة الإسلامية ودحر الإمبراطورية العثمانية وتمزيقها.. إن العرب هم أقل استقرارا من الأتراك، وإذا عولج أمرهم بصورة صحيحة فإنهم يبقون في حالة من الفسيفساء السياسية، مجموعة دويلات صغيرة يغار بعضها من بعض، غير قادرة على التماسك. وإذا تمكنّا فقط من أن ندبر جعل هذا التغيير السياسي عنيفا فسنكون قد ألغينا خطر الإسلام بجعله منقسما على نفسه".

 أقرأ 

أهم تقرير استخباري للاتحاد الأوروبي عن العالم العربي



الثلاثاء، 17 مارس 2020

"مناعة القطيع".. تعرف على اللقاح البريطاني لمواجهة كورونا


"مناعة القطيع".. تعرف على اللقاح البريطاني لمواجهة كورونا

أيوب الريمي
"سأكون صريحا كثيرون سيفقدون أحبابهم"

هذه العبارة لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون هزت البريطانيين والعالم، البعض اعتبرها صراحة قاسية، والبعض الآخر عدها مبالغة فجة، ستزيد من حالة الهلع في صفوف الناس، لكنها ربما مع الأسف واقع لا مفر منه، كثيرون سيودعون كبارهم في هذه المحنة ولا أحد مستثنى.

لكن كالعادة بريطانيا تعتبر نفسها الاستثناء في كل شيء، وتصر على التشبث بفرادة نموذجها، كل الدول توقف الدراسة، تغلق الحدود، تفرض الحجر الصحي، إلا بريطانيا لحد الآن الحياة فيها كما ألفها الناس على إيقاعها الرتيب، فقط توقيف الدوري، ومطالبة ملحة بالوقاية، والحجر الصحي في حال الشعور بأي أعراض للفيروس، ويبدو أن الأولوية حاليا هي لعزل كبار السن، ما فوق سن السبعين، وحتى هذا القرار لن يدخل حيز التنفيذ إلا بعد أسابيع، وسيفرض على كبار السن، عزل ربما يصل لأربعة أسابيع، رغبة في تقليص عدد الوفيات بين هذه الفئة التي تعد الضحية الأولى التي يفتك بها فيروس كورونا.
  
في الندوة الصحفية التي ألقى فيها جونسون تصريحه الصادم في وجه البريطانيين دون تردد، كان معه شخصان، كثيرون لم ينتبهوا لهم وهما، الطبيب العام (هو المراقب العام لكل قطاع الصحة)، والثاني هو كبير المستشارين العلميين السير باتريك فالانس، وهو واحد من أساطير الطب في العالم، وحاصل على ست جوائز رفيعة في مجال الطب والأدوية، يفسر كبير المستشارين، عدم رغبتهم في إغلاق المدارس، بعدم فعالية الأمر (نفس الموقف تتبناه السويد وفنلندا) لأن منح الأطفال عطلة والإبقاء على آباءهم في العمال، معناه أنهم سيبقون لوقت أطول من الجد أو الجدة، وهؤلاء هم الأكثر عرضة للخطر.

يقول أيضا إن منحى حالات الإصابات سيرتفع في الأيام القادمة، وهدفهم ليس التقليص منه بشكل حاد كما فعلت الصين بإجراءات قاسية (ربما غير مقبولة في دولة غربية)، وهدفهم حاليا هو تقزيم المنحى التصاعدي، لأن الفيروس قادم لا محالة ولهذا فهم يتوقعون إصابة أكثر من ستين بالمائة من البريطانيين به، تحاول بريطانيا الآن تأخير الوضع الذي وصلت إليه إيطاليا، إلى نهاية شهر ماي، حيث يخف الضغط على المستشفيات ويكون الاستعداد أكبر (تم وضع خطة لاستدعاء كل المتقاعدين حديثا في قطاع الصحة).



أين الدراما؟
الإثارة بدأت عندما خرج كبير المستشارين العلميين للدولة، بنظرية مرعبة وهي "مناعة القطيع"، مفادها أنهم بحاجة إلى أن يصاب أكثر من ستين بالمائة من البريطانيين بالفيروس ليطورا مناعة ذاتية ضده، لأن الفيروس سيعود لا محالة مع فصل البرد القادم، وهذا ما سيجعلهم تركيزهم ينصب فقط على كبار السن، طبعا هذا الرأي المبني على تقديرات اللجنة العلمية التي تضم عمالقة الطب ومنهم حاصلون على نوبل في الطب، لكن منظمة الصحة خرجت اليوم تحذر منه، لأنه تم تسجيل حالات تعافت من الفيروس وعاد لها من جديد.
ولكن يظهر أن بريطانيا تتعامل مع كورونا بمنطق الإحصاء والواقعية الصعبة، ولا أبالغ عندما أقول إن الجميع يضع يده على قلبه، وهو يتابع التعامل البريطاني مع هذه الأزمة، ويخشى أن يتحول الملايين لفئران تجارب، في رهان قد يخسر وقد يفلح، فكل متجول في الشوارع لن يشعر أبدا بأن هذه البلاد معنية الفيروس، باستثناء المتاجر التي شهدت إقبالا جنونيا من الناس بغرض التخزين ما قد يلزمهم في الأيام القاسية المقبلة.

قلت إن المملكة تتعامل مع الوضع بمنطق الإحصاء، ولهذا قدرت اللجنة العلمية المختصة بمتابعة المرض أن أعداد المصابين المحتملين هو تقريبا 10 آلاف علما أن الحالات المكتشفة حينها كانت في حدود 500 تقول هذه اللجنة العلمية إن كل مريض قد يحتك مع عشرين شخص على الأقل خلال خمسة أيام وهي مدة حضانة الفيروس، وهكذا فهي تضع احتمال إصابة عشرين ضعف الرقم المعلن عنه.

وأنا أتابع ما تقوم به الحكومة البريطانية، قطعا أضع يدي على قلبي من فداحة خسائرها إن هي أخفقت، وخصوصا مع تعالي الأصوات المعارضة، لسياسة "مناعة القطيع" التي عبر عنها أكثر من 200 عالم في الأوبئة من بريطانيا وخارجها، وقد تزيد دهشتك، عندما تعلم أن حكومة جونسون تتوقع الأسوء وتضعه في الحسبان، فحسب وثيقة سرية لوزارة الصحية اطلعت عليها صحيفة "غارديان" فإن "سيناريو الرعب" التي تضعه وزارة الصحة، يتوقع أن يصيب الفيروس 80 في المائة من البريطانيين، وأن عدد الموتى قد يصل إلى نصف مليون شخص.


هل هي مقامرة من جونسون؟
في الوضع الحالي جونسون لا يتحرك لوحده بل بناء على توصية لجنة عملية لها كامل الصلاحيات لاتخاذ ما تراه مناسبا، حتى أن المعارضة عندما شككت في مخطط جونسون، تم عقد اجتماع بينها وبين الحكومة واللجنة العلمية، وخرجت المعارضة دون إبداء مواقف رافضة، وتعول هذه اللجنة على أن الناس في بريطانيا لو فرض عليهم الحجر العام وهم في بداية انتشار الفيروس، فقطعا سوف يتعبون بعد شهرين عندما يكون الفيروس قد وصل لأوج انتشاره في البلاد، ويراهنون على أن البريطانيين ينصاعون للقانون يعني متى قررت الحكومة فرض الحجر سيلتزم الجميع عكس ما حدث في إيطاليا في البداية.

حاليا تتجه الحكومة لمنع التجمعات والتظاهرات وحفلات الغناء، والهدف هو تخفيف الضغط على سيارات الشرطة والإسعاف، لتظل متأهبة لمواجهة انتشار الفيروس، ثقة البريطانيين، وربما يراه البعض غرور، يكمن في رهانهم على مختبراتهم العلمية، وحاليا يصنعون جهازا صغيرا للكشف عن الفيروس في مدة قصيرة، (ربما يتطلب تصنيعه أسابيع).

وطبعا إمكانيات المختبرات ليست من فراغ، وإنما من الإمكانيات المالية، حيث خرج وزير الخزانة وأعلن أنه يمنح للسلطات الصحية شيكا مفتوحا لإنفاق ما يريدون لمواجهة الفيروس، وتم تخصيص حوالي 40 مليار دولار لمواجهة هذه الأزمة ما يقل بـ10 مليار فقط عن أمريكا، رغم أن سكان الولايات المتحدة حوالي خمسة أضعاف سكان بريطانيا، يعلم بوريس جونسون أن مستقبله السياسي، رهين بخطته في مواجهة الفيروس، ولو فشل ستكون نهايته لا محالة، خصوصا إن تواترت معطيات ووقائع تظهر نقائص الخطة البريطانية وأصر جونسون على المضي فيها قدما.