‏إظهار الرسائل ذات التسميات تونس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تونس. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 27 أبريل 2025

رسالة من سجن المرناقية

رسالة من سجن المرناقية
طه كلينتش


قبل عامين كاملين، وتحديدًا في مساء السابع عشر من أبريل 2023، طوقت مئات من عناصر الشرطة والقوات الخاصة منزل زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي في العاصمة التونسية. 
وفي تلك الليلة، التي صادفت ليلة السابع والعشرين من رمضان – والمتعارف عليها عند جمهور المسلمين بأنها "ليلة القدر" – كان أفراد عائلة الغنوشي مجتمعين حول مائدة الإفطار، فاقتحم رجال الأمن المنزل دون أي احترام لقدسية الزمان أو حرمة المكان، وفتشوه تفتيشًا دقيقًا، ثم اقتادوا معهم الغنوشي، البالغ من العمر حينها 82 عامًا. 
وفي لائحة اتهام صورية أُعدت له، اتُهم الغنوشي بالعديد من "الجرائم" التي تراوحت بين "التحريض على العنف" و"التجسس لصالح دول أجنبية"، وقد أُودع السجن بعد أول جلسة محاكمة له.

تشهد منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي تسارعًا مذهلًا في الأحداث، إلى درجة أنني لم أدرك مرور عامين كاملين على اعتقال راشد الغنوشي إلا بعد قراءتي للرسالة الطويلة التي بعث بها من سجنه في المرناقية القريب من العاصمة. 
وقد نُشرت الرسالة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكانت بمثابة "بيان عدالة"، تكشف عن الجانب الفكري في شخصية الغنوشي.

وقد استهل الغنوشي رسالته برفض جميع التهم الموجهة إليه مجددًا، مشيرا إلى أن حركة النهضة التي يتزعمها تتبنى أيديولوجية "الديمقراطية الإسلامية". 
وقد برزت التأكيدات على الديمقراطية والتوجه الديمقراطي باستمرار طوال النص.

وأما النقطة الثانية البارزة، فتمثلت في إشارته إلى أن معتقل المرناقية يضم بين جدرانه معتقلين من مختلف التوجهات والأيديولوجيات، حيث ذكر عدة أسماء مؤكداً أن نظام الحكم "الدكتاتوري" الحالي قد جمع في السجن أناسًا من جميع الأطياف في المجتمع التونسي تحت سقف واحد.

ولم يغفل الغنوشي عن ذكر غزة في رسالته، مشيرا إلى أن صمود أهلها ومقاومتهم وصبرهم وعزيمتهم وإصرارهم يُعد مثالًا يُحتذى به للأمة الإسلامية جمعاء، وربط بين نضال الفلسطينيين وكفاح التونسيين من أجل الحرية والديمقراطية، معتبراً أن كلا النضالين يعزز الآخر. واختتم رسالته بتوجيه تحية لـ "جميع الأبطال الذين يكافحون من أجل الحرية".

ورغم طغيان نبرة التفاؤل العميق على سطور الرسالة، إلا أن قراءة متأنية تكشف بوضوح عن ثلاث ملاحظات بارزة تستوجب التأكيد عليها:



ــ بعد حياة المنفى، ما إن عاد راشد الغنوشي إلى وطنه الذي يوصف بـ"مهد الربيع العربي"، حتى عاد ليعتلي صدارة المشهد السياسي. وقد تابع الغنوشي باهتمام بالغ التطورات التي شهدتها مصر منذ عام 2013، مؤكدًا في كل مناسبة أن الحركة التي يقودها لا ينبغي أن تُوسم بـ"الإسلام السياسي"، بل شدد على أنها "ديمقراطية إسلامية". وفي العالم الإسلامي حيث لا يزال الجمع فيه بين الإسلام والديمقراطية، من المحرمات الفكرية، تعرض الغنوشي لانتقادات حادة. واليوم رغم ما أبداه من مرونة كبيرة في خطابه، ورغم الخطوات العديدة التي اتخذها للتصالح مع القوى "الفاعلة" في تونس، فإن استمرار اعتقاله يكشف أن مصطلحات من قبيل "الديمقراطية الإسلامية" أو "الديمقراطي المسلم" لم تفلح في إرضاء أركان النظام المسيطر.

ــ إن الطريقة التي جرى بها اقتحام منزل الغنوشي واعتقاله كما لو كان "إرهابيًا خطيرًا"، ومن ثم الزج به في السجن رغم تقدمه في السن، ما هي إلا نتيجة للتوترات داخل العالم العربي. إذ لم يعد خافيًا أن بعض العواصم العربية تعتبر حركة النهضة "تهديدًا خطيرًا". والحملة الهادفة إلى وصم جميع الحركات الإسلامية بالإرهاب، أو تقديمها للرأي العام بهذا الشكل، تعكس في جوهرها قبولا ضمنيا بأن الإسلام لا ينبغي أن يكون له أي ادعاءات أو مطالب في ميادين الحياة المختلفة. فلا تفسير آخر لمثل هذه العداوة الشرسة تجاه شخصية معتدلة - بل أقرب إلى الليبرالية - مثل راشد الغنوشي.

ــ يسود في العالم الإسلامي مشروع رائج منذ فترة طويلة: بما أن الإسلام لا يمكن القضاء عليه، ينبغي إذًا تشكيل نسخة "مقبولة" منه. نسخة تتجاهل كل ما لدى الإسلام من مقترحات وأوامر ونواهٍ في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، لتُبنى عقيدة "صوفية" و"وجدانية" لا تتدخل في تفاصيل الحياة العملية. 
ويبدو أن الحركات الإسلامية والإسلاميين هم أول ضحايا هذا المسار بطبيعة الحال. 
غير أن هذا الطريق مسدود؛ فالإسلام -بما يحمله من أطروحات ومشاريع للحياة- قد تمكن عبر التاريخ من التغلب على معارضيه وخصومه .

الجمعة، 5 مايو 2023

ديكتاتور تونس الفاشل صاحب الدكتاتورية السوداء وحكومة السمع والطاعة

ديكتاتور تونس الفاشل صاحب الدكتاتورية السوداء وحكومة السمع والطاعة


تحليل إعداد 

فريق التحرير

الرئيس التونسي يطلق الأعيرة النارية والرصاصات المطاطية هنا وهناك، فما زالت تصريحاته تحمل الخصومة والمكايدة بل التخوين والاتهام، حتى اتهم البرلمان المنتخب بأنه خطر على الدولة. تصريحات بعيدة عن حكمة الرئاسة وقواعد السياسة
قيس سعيّد ديكتاتور، لكنه ديكتاتور فاشل. هو ديكتاتور لأنه يحتكر كل السلطات بين يديه.

لقد بدا الدكتاتور عاريا وظهرت سوأته على الملأ، عندما بدأ يلعب بورقة الإسلام ملوحا بدستور جديد يحذف منه أن الإسلام هو دين الدولة، لعله ينجح في تفتيت القوى السياسية بين علماني وإسلامي، ومحاولا أيضا مداعبة فرنسا كي يحصل على الدعم الغربي اللازم لبقاء نظامه الدكتاتوري. وكان على نخبنا السياسية وشعوبنا أن تدرك أن معركتها لا ينبغي أن تكون حول نصوص شكلية توضع في دساتيرنا منذ زمن، لكنها تظل ديكورًا تختفي وراءه أنظمة دكتاتورية بشعة. إن معركتنا الحقيقة هي التخلص من الاستبداد أولًا وإقامة أنظمة سياسية حرة تكون الكلمة فيها للشعب، ويُحترم فيها رأى غالبية المجتمع بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويحافظ فيها أيضا على حقوق الأقليات والمخالفين في الرأي في أن يتمتعوا بكافة حقوقهم وحرياتهم.

حلّ الحكومة المنتخبة وعيّن مكانها موظفين يقبلون لأنفسهم أن يجلسوا أمامه كل أسبوع في مكتبه يٌقرّعهم، على الهواء مباشرة، مثل تلاميذ خائبين من دون أن ينبس أيٌّ منهم ببنت شفة.

وحلّ البرلمان المنتخب بطريقة ديمقراطية، ونصّب مكانه برلمانا جاء من انتخابات ناقصة، قاطعتها الأحزاب السياسية وعزفت أغلبية الشعب التونسي عن المشاركة فيها، وحوّله إلى غرفة تسجيلٍ لخطاباته الرديئة التي تفيض بالرطانة من كثرة التصنّع في النطق والإلقاء.

وحلّ المجلس الأعلى للقضاء، وعزل عشرات القضاة الذين لا ينفذون أوامره، ونصب لهم محاكمات صورية، بتهم الفساد للنيْل من سمعتهم، بل واعتقل اثنين منهم، وزجّهما في السجن لتخويف زملائهما. وألغى الدستور السابق الذي كان يعتبر نموذجا للدساتير المتقدّمة في المنطقة العربية، جاء نتيجة توافق كبير بين جميع أطياف الشعب التونسي الذي صنع واحدةً من أكثر الثورات إلهاما في بداية الألفية الحالية.

وكتب دستورا فاشيا أعاد تونس إلى سنوات أسوأ من التي كانت عليها تحت حكم الديكتاتور الراحل زين العابدين بن علي.

وعندما لا تُسعفه الحيلة لمواصلة تدبير انقلاباته الإعلامية، يُرسل زوّار الليل لاعتقال معارضيه، ويخترع لهم التهم بدون أدلّة أو حجج، هاجسه الوحيد هو الانتقام منهم، لأنهم لم يصمتوا وهم يرونه يقود البلاد نحو المجهول، ليعلّق فشله الذريع عليهم، فهو منذ أكثر من سنتين يَعِدُ الشعب بمحاربة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة. والواقع أن البلاد تخسر كل يوم أكثر مما كانت تخسره في “زمن الفساد” الذي يدّعي محاربته.

أما الأنظمة العربية (أنظمة الاستبداد والفساد والتبعية والثورة المضادة) فلا تملك مشروع نهضة لشعوبها بل أخذت على عاتقها القيام بدور وظيفي خدمة لأسيادها في تل أبيب والبيت الأبيض والغرب. وهذه الأنظمة قد أخذت على عاتقها إسقاط أول ديمقراطية عربية وأطولها عمرًا.
وبما أن الديكتاتور مثل غراب القوم لا يحبّ أن يسمع في المدينة صوتا آخر غير صوته، رغم تعثّره وتلعثمه في الكلام، التفت سعيّد إلى قبيلة الصحافيين، ليغمد فيها سيف حقده وانتقامه من آخر الأصوات التي تجرّأت على انتقاده. وجديد ما تفتقت عنه ذهنيته الانقلابية حلّ المجالس البلدية، وتعويضها بنيابات خصوصية، في انتظار كتابة قانون انتخابي جديد خاصّ بها، يلبّي تطلعاته الساعية إلى بناء “جماهيرية جديدة”، على غرار غير المأسوف عليها التي فرضها الديكتاتور الليبي الراحل معمّر القذافي على شعبه أربعين حولا، والنتيجة ما نراه اليوم من تشرذم وتقاتل يمزّق ليبيا منذ أكثر عقد ونيف!
وعلى مستوى سياساته الخارجية، وفي كل مراحل تقلبه، منذ أعلن انقلابه الدستوري قبل عامين ونيف، وهو يخبط خبط عشواء، هو مع فلسطين القضية، لكنه يخاف من التنديد بجرائم إسرائيل البشعة ضد الفلسطينيين، ويدّعي حمل إرث ثورة الياسمين في تونس التي أطلقت شرارة ثورات الربيع العربي ضد الأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية، ولكنه يمدّ يده إلى نظام بشار الأسد الديكتاتوري في سورية الذي قتل ربع مليون من شعبه، وهجّر ستة ملايين آخرين، ومزّق بلاده إلى محميّات متفرقة، من أجل أن يظلّ في منصبه حاكما بأمره على ما تبقى في بلاده من خراب!
فشل سعيّد في كل شيء منذ وصوله إلى السلطة، فشل في محاربة الفساد، وفشل في إصلاح الاقتصاد، وفشل في تهدئة الشارع، وفشل في الحفاظ على صورة تونس الثورة التي كانت تحظى بالاحترام في الخارج، وبالمصداقية لدى المؤسّسات النقدية الدولية، وفشل في صياغة دستور جديد، وفي تنظيم استفتاء شعبي يستحقّ أن يسمى شعبيا، وفي تنظيم انتخاباتٍ تحظى بالمصداقية، وفشل حتى في اختيار موظفين يتولّون المناصب الحكومية التي يُسندها لهم، وفشل في أن يكون رئيسا محترما، وفي أن يكون رئيسا تنفيذيا ناجحا، وفي أن يكون رئيسا شعبويا وشعبيا، وفشل حتى في أن يكون ديكتاتورا!
وللتغطية على كل هذا الكم الهائل من الفشل المتراكم، لم يعُد أمامه سوى الانتقام. والديكتاتور عندما يفشل يكون مهووسا بالانتقام، لأنه مقتنع تماما بأن ثمّة من يتآمر ضدّه ويريد قتله، وسعيّد منذ وصوله إلى السلطة وهو يتحدّث عن مؤامراتٍ تحوم حول مشروعه، وتهديدات تطاول حياته، وهذه حجّة من لا حجّة له، فهو بعد أن استولى على جميع السلطات، واسْتَوَى على عرش الحكم، لم يحقق أي نجاح يُذكر في كل الوعود الشعبوية التي أطلقها، عندما كان مرشّحا، بل ظل التوتر يتصاعد في تونس منذ مجيئه إلى السلطة، حتى وصل إلى ذروته عندما سقطت البلاد في أزمةٍ اقتصادية.

وأثبت الطاغية الاستبدادي أنه غير قادر على تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيه بشكل فعّال، فهو لم يكن قط مهتمًا بوضع رؤيةٍ للحكم الناجح لبلاده، وإنما كان همٌه، وما زال، زيادة توطيد جميع السلطات بين يديه.
لم يكن سعيّد قط مهتماً بوضع رؤيةٍ للحكم الناجح لبلاده، وإنما كان همٌه، وما زال، زيادة توطيد جميع السلطات بين يديه
يتحوّل سعيّد تدريجيا من تمثيل الصوت الشعبي إلى قمع ذلك الصوت الذي انتخبه، والتاريخ مليء بأمثلةٍ من الديكتاتوريين مثله، يختبئون تحت غطاء الشرعية الديمقراطية، لكنهم سرعان ما يتحوّلون إلى طغاة، بعد أن تٌسْكِرهم نشوة السلطة، وينسوا مصدرها الحقيقي، أي الشعب. ومصيره لن يختلف عن مصير الديكتاتوريين الذين سبقوه في التاريخ، فكل من سبقوه مرّوا بالدورة الرهيبة نفسها التي يعبُرها كل الطغاة، وهي الصعود إلى السلطة، ليتجبّروا ثم يسقطوا منها مباشرة إلى مزبلة التاريخ. يأتون إلى السلطة محرّرين أو منقذين أو مخلصين، وينتهون ديكتاتوريين فاشيين.
في رائعته “خريف البطريرك”، يقدم غابرييل غارسيا ماركيز وصفا، هو لحن فريد لديكتاتور مصاب بجنون العظمة، ينتهي نهاية مأساوية، بعد أن عزله هوسُه غير العادي بالسلطة المتجبّرة عن أقرب الناس إليه، ليموت منبوذا ومكروها من شعبه. وفي روايته “مائة عام من العزلة” يدور هذا الحوار العبثي بين الديكتاتور الجديد والديكتاتور الذي انقلب عليه، حيث يوجّه الجنرال مونكادو، لحظات قبيل وقوفه أمام فصيلة الإعدام، كلامه إلى الكولونيل أورليانو: “ما يقلقني ليس إعدامك لي، لأن هذا بالنسبة لأناسٍ مثلنا أمر طبيعي، ما يقلقني أنك، بعد كل أحقادك علينا ومحاربتنا بكل هذا العنف، قد انتهيت إلى حالٍ أسوأ منا .. ولا شيء في الحياة يوازي وضاعة كهذه!”.

يعيش شعب تونس اليوم خدعة كبرى، فقد نَفّذت أنظمة الثورة المضادة قرارها فألغت البرلمان وحاصرت القضاء، وسجنت الأحرار، بل تم تجريم أول رئيس ديمقراطي لتونس وحكم عليه بالسجن غيابيًّا أربع سنوات.

أما الإدارة الأمريكية فما زالت تشكّ في إمكانية قيام ديمقراطية في أي بلد عربي، وهي في النهاية تفرش السجاد الأحمر لاستقبال الطغاة أمثال سعيد وحفتر وغيرهم، في حين تتيح غرفا جانبية واسعة تسع دعاة حقوق الإنسان، وبهذا تمكن دمية تونس من تمرير انقلابه والقضاء على الديمقراطية، ويبقى الحقوقي يتسلى بوجود هامش يغرد فيه، هامش لا يغير واقعا ولا يحدث تغييرا ولا يصنع تاريخا، هامش التخدير والإيهام، حيث النضال الوهمي عبر أبراج زجاجية ومواقع افتراضية، ثم يشعر بأنه أدى ما عليه، كحال المعارضة المصرية التي مارست أسلوب التخدير والإيهام بقرب التغيير، من منصات العالم الافتراضي وتركت العمل الميداني.

الخميس، 1 سبتمبر 2022

وثيقة: لقاء باريس :الدروس والتحديات والآفاق

وثيقة: لقاء باريس :الدروس والتحديات والآفاق

30 سبتمبر، 2018

 

بقلم : راشد الغنوشي
رئيس حركة النهضة

نشر راشد الغنوشي، رئيس حركة “النهضة”، في 15 ماي الفارط، وبمناسبة الذكرى الخامسة للقاء باريس، الذي جمعه بالرئيس الحالي الباجي قايد السبسي، نصا على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، شدد فيه على أهمية “التوافق” الذي بمقتضاه تم حكم تونس خلال الأربعة السنوات الفارطة. 
لكن، اللافت للانتباه أن النص كتب و “التوافق” يمر بأسوأ مراحله، وهو ما تأكد بالفعل بعد أقل من شهرين، اذ أعلن الرئيس السبسي في حوار متلفز (24 سبتمبر 2018)، عن نهاية التوافق بينه وبين راشد الغنوشي.
“تحل اليوم 15 أوت 2018 الذكرى الخامسة للقاء باريس الذي جمعني بفخامة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي زعيم جبهة الإنقاذ وقتها، والذي كان منطلقا لمسار حمى البلاد بفضل الله سبحانه وتعالى من الفتنة والانقسام، وهيأ للثورة التونسية سبل النجاح لتواصل شق طريقها لطي صفحة الاستبداد والدكتاتورية بعد انهيار اغلب تجارب الربيع العربي.
كانت الأمور تسير نحو الفوضى التي لم يكن يفصلنا عنها سوى سلك رفيع يحول بين جمهور المعارضة المحتشد في ساحة البرلمان المعطل {اعتصام الرحيل}واعتصام {الشرعية} في نفس الساحة. وكان التحريض على أشده حتى تلحق تونس بركب الثورات المجهضة، وكانت التوقعات ان تحاول النهضةـ العمودي الفقري للترويكاـ استغلال الدولة لمصادمة معارضيها، وان يندفع النداء ـالقوة الاساسية في جبهة الإنقاذـ الى تأجيج الشارع لاستنساخ السيناريو المصري.
رغم ان كل أطياف المعارضة يميناً ويسارا قد تداعت على التسليم بسي الباجي زعيما لجبهة الإنقاذ رغم اختلافاتها الراديكالية معه، إلا أن سي الباجي أطل من شاشات التلفزة في مثل هذا الشهر من سنة 2013 مادا يده للحوار،فلم تتأخر استجابتي، وحتى من لامني وقتها على الذهاب الى باريس للقائه ، اجبته لو كان الذهاب الى قواتيمالا مفيدا لتونس في درء الفتنة المخيم شبحها على البلاد ما ترددت ، المهم المضمون لا الشكل، ان مصلحة الوطن مقدمة عندنا على كل مصلحة اخرى.
لم تكن المهمة سهلة بالنسبة للطرفين ، رغم أني كنت قبل اقل من أسبوعين قد خطبت في ساحة القصبة يوم 3 أوت 2013 في تلك الجموع الهادرة {قدرت بأكثر من ربع مليونا}كان المنتظر ربما من رئيس حركة النهضة خطابا حماسيا يرد على خطاب الكراهية والتحريض من الطرف الاخر ، وليس الدعوة الى الوحدة الوطنية والمصالحة بين التونسيين.
كان موقفي نابعا من من ان تلك الجماهير الهادرة في القصبة أو المتواجدة في ساحة باردو تنتظر من قادتها وزعمائها شيئا اخر غير لغة الحقد والتحريض، غير الاستسلام للأمر الواقع وقتها وهو الانجرار وراء الفتنة والانقسام وفض الخلاف بالقوة لا بالعقل والحوار.
جماهيرنا كانت تحتاج دعوة الى العيش المشترك ونكران الذات وتقديم مصلحة الوطن على الأحزاب والكيانات والافراد والتأسيس لقيم التصالح والسماحة والتوافق والوحدة الوطنية والقبول بالاخر وملاحقة فكر الاستئصال والاقصاء والتطرف الخطر الأعظم على الثورة بالامس واليوم وغدا
لقاء باريس الذي هيأ الظروف لمسار كامل من التوافق السياسي والمجتمعي فتح الأبواب امام الاستجابة الشاملة لدعوة منظمات المجتمع المدني الى الحوار الوطني وهيأ لحزبي النهضة والنداء سبل النجاح في قيادة الحياة السياسية نحو التهدئة بوجود حزبين كبيرين لهما قدرة على تأطير الشارع وإحلال التوازن الذي اختل بعد انتخابات أكتوبر 2011.
خرجنا والحمد لله من الأزمة بعد توافق، لم يكن صفقة انتهازية أو خيارا تكتيكيا أو مناورة ظرفية. النهضة خرجت من الحكم ولكنها لم تخرج من السياسة، لم تنقذ نفسها وحسب من محرقة كانت تعد بل انقذت بانسحابها من السلطة الثورة من الارتداد ، انقذت ما غدا يعرف بالنموذج التونسي والاستثناء التونسي : واحة للحرية والديمقراطية وسط فضاء عربي ضربه إعصار مدمر . لم يعد يسيرا بعدها ترداد: ان كانت كل الشعارات المرفوعة وقتها بأن الديمقراطية هي بالنسبة النهضويين مجرد سلم للوصول الى السلطة واحتكارها الى ما لا نهاية له.
اما النداء فقد أعطى بتلك الخطوة التاريخية من زعيمه ومؤسسه طابعا جديدا للمعارضة في عصر الديمقراطية وهي انها فعل بناء وإيجابي يرفض العدمية والتطرف والخيارات القصووية.
منذ لقاء باريس، الذي أعطى إشارة انطلاق سلسلة من اللقاءات بعيدا عن الصخب الإعلامي في منزل سي الباجي أو في منزلي، بالتوازي مع الحوار الوطني والى غاية موفى سنة 2014 ، لتبدأ تقاليد جديدة في الحوار والتشاور بين فخامة رئيس الجمهورية ورئيس حركة النهضة، أصبحت لتونس تجربة في إدارة الاختلاف السياسي بطريقة ديمقراطية قائمة على التداول السلمي على السلطة.
فقد انتصر النداء في انتخابات 2014 فبادرت بتهنئة رئيس الحزب الفائز حتى قبل صدور النتائج النهائية مسجلا حالة أولى من نوعها في بلاد العرب ، وقبلت النهضة بعد ان كانت تقود الحكومة المشاركة الرمزية في الحكم لتحصين المسار الجديد من العابثين والمتآمرين . وكم سعدنا بأن شعبنا كافأنا بالفوز في الانتخابات البلدية دون ان يتحول هذا الفوز الى مصدر لإرباك توازنات المشهد القائم، او مبعثًا لغرور وتغول، فحاجة البلاد وسكينتها تبحر في بحر متلاطم احوج الْيَوْمَ وغدا لنهج التوافق كما كانت أمس
وذلك بعد سنوات لم تخل من تباين في وجهات النظر ومن تنازلات متبادلة ومن تعارض احيانا بين طابع المنافسة الذي يميز العلاقة بين الأحزاب الطامحة دائما لان تكون في صدارة الانتخابات والأكثر تأثيرا في الشارع، وبين ضرورات الحفاظ على مقومات التعايش وإدارة الاختلاف تحت سقف الحوار البناء. ولكننا كنّا نجد أنفسنا والحمد لله عند كل اختبار أكثر تمسكا بميثاق العيش المشترك، وأكثر استعدادا لمواجهة التشدد في الرأي، حتى تبقى الوسطية مفتاح كل حل والضامن الأساسي لأمن البلاد ووحدة المجتمع.
وإني أؤكد هاهنا :
*أولا : الالتزام التام بخيار التوافق مع رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي واعتباره الإطار الأمثل للحوار حول كل القضايا للوصول الى حلول وبدائل وتوافقات ، بعيدا عن منطق الغلبة وفرض الرأي ، وهو المنهج الذي توافقنا عليه في باريس وتوقفنا بعون الله وحمده الى الحفاظ عليه.
*ثانيا : ان التوافق أرضية خصبة لكل حوار جدي بين مكونات المجتمع وهو خيار استراتيجي لحركة النهضة وهو ما ظهر جليا في موقفنا من الدستور الذي راهنا على ان يكون موحدا لا مقسما أو مفرقا وكانت جلسة المصادقة عليه عرسا وطنيا خالدا والحمد لله . ومن المنطلق ذاته ندعو الى تبني نفس استراتيجية الحوار والبحث عن افي معالجة المستجدات والنأي بالمجموعة الوطنية عن كل ما من شأنه احلال الفرقة والتطاحن والتباغض. وفِي هذا السياق نؤكد اننا سنتفاعل مع مبادرة رئيس الدولة حول الإرث حين تقدم رسميا الى البرلمان، بما تقتضيه من الحوار والنقاش للوصول الى الصياغة التي تحقق المقصد من الاجتهاد وتجعل من تفاعل النص مع الواقع أداة نهوض وتجديد وتقدم لا جدلا مقيتا يفرق ولا يجمع، ويفوت على التونسيين والتونسيات المزيد من فرص التضامن والتآلف، وتساعدنا جميعا على المضي قدما في تحقيق ازدهار المرأة التونسية. وهذه مناسبة أنوه فيها بانتخاب الأخت سعاد عبد الرحيم أول رئيسة لبلدية تونس كما أهنئ كل من حظين بهذا الشرف في البلديات الاخرى سواء من المترشحات على قائمات النهضة{اكثر من أربعين سيدة}أو القائمات الاخرى.
*ثالثا : أن دعوتنا الى الاستقرار الحكومي لم تكن متعارضة مع خيار التوافق مع رئيس الجمهورية أو بحثا عن أُطر بديلة عنه بل تقديرا للمصلحة الوطنية . فلم يكن من الممكن تغيير حكومة في ذروة الانتخابات البلدية وقبل ان تستلم المجالس المنتخبة مسؤوليتها، ولا في ذروة الحوار مع المؤسسات الدولية المانحة، ولا في ذروة الموسم السياحي في ظل تهديدات ارهابية لا مجال لمواجهتها بحكومة تصريف اعمال، ولا قبل فترة قصيرة من الأجل الدستوري لإيداع قانون المالية القادم في مجلس نواب الشعب.
ومن هذا المنطلق فإننا نجدد دعوة كل الأطراف الى معالجة الاختلافات حول هذا الموضوع في إطار الحوار والبحث عن الحلول المعقولة سياسيا والمقبولة دستوريا في كنف الاحترام الكامل للمؤسسات، والنأي بوطننا عن كل ما من شأنه ان يعيق مسار انتقاله الديمقراطي ونحن على مشارف سنة انتخابية هامة، وفِي ظل وضع اجتماعي واقتصادي يحتاج حوكمة رشيدة وعادلة ومستقرة وناجعة في معالجة مشاكل الناس قبل تحولها إلى أزمات مستفحلة، وفِي مواجهة ارهاب متربص يرى تونس باعتبارها نموذجا للتعايش بين الاسلام والديمقراطية خطرا على استراتيجيته التكفيرية الاجرامية الشريرة. الذي نؤكده انفتاحنا على كل الحلول عبر الحوار الجاد بحثا عن التوافقات الضرورية
*رابعا : أن التنافس الحر هو من صميم الديمقراطية وان الطموح الشخصي للوصول الى الحكم عبر الصندوق حق دستوري لا يمكن المساس به أو إدانته، ولكن وكما قلنا سابقا فان الديمقراطية الناشئة لها مقتضياتها .فتونس لا يمكن ان تُحكم في تقديرنا بمنطق الأغلبية والأقلية وأن نتيجة الصندوق لا يجب ان تتنافى مع ضرورة الحفاظ على إمكانية التوافق على منظومة حكم مستقرة. ولنا في النموذج الألماني خير مثال وحافز. ومن منطلق خصوصية التجربة فإننا نجدد التأكيد على أن مواجهة تحديات المرحلة القادمة تقتضي تفرغ الحكومة لمهمتها في التنمية ومحاربة الفساد بعيدا عن التجاذبات الانتخابية والحزبية.
*خامسا : إدانة حملات التشويه التي تدار بطريقة منهجية عبر ترويج الاكاذيب وبث الفتن والتحريض على الشخصيات السياسية والأحزاب ورموز الدولة وإطاراتها بما قد يعكس لدى البعض رغبة في العودة الى اجواء الاحتقان والتشنج. وإننا اذ ندين بكل شدة ما تعرض له بالخصوص رئيس الدولة من ثلب وتهجم فإننا ندعو أجهزة الدولة الى التحرك ضمن القانون لضرب العابثين بالشبكات الاجتماعية، كما ندعو وسائل الإعلام الى الانخراط في ميثاق وطني ضد العنف اللفظي وثقافة التشويه ونشر الأخبار الزائفة حتى تبقى حرية التعبير التي أهدتها الثورة لتونس عنوانا من عناوين الحرية والديمقراطية لا سببا للفوضى والتشرذم.
*سادسا : أن التوافق السياسي لا ينفصل عن التوافق الاجتماعي والمجتمعي وأننا نجدد الدعوة الى اعادة الاعتبار لثقافة العمل والإنتاج والمبادرة باعتباره السبيل لتنمية الثروة الوطنية والتقليص من الحاجة الى التداين . وإذ نعبر عن دعمنا الكامل لكل ما من شانه تحسين المقدرة الشرائية للإجراء في تناسب مع إمكانيات الدولة والقطاع الخاص، فإننا ندعو كل الأطراف الى دعم المؤسسة الاقتصادية وبذل الحوافز للمستثمرين التونسيين والأجانب لتشجيعهم على احداث المشاريع وخلق مواطن الشغل وخاصة للشباب وأبناء المناطق الداخلية وازالة كل معوقات الاستثمار، ولا سيما ما يتصل بمنظومة التشريع وخاصة في مجال حرية الصرف وإزاحة القيود والعراقيل التي تكبل العملاق التونسي المتحفز للانطلاق
لقد حققنا معا بفضل الله تعالى بلقاء باريس الكثير لوطننا. واننا اذ نحتاج الْيَوْمَ اكثر من اَي وقت المضى استحضار الدروس واستلهام العبر من تلك المبادرة التي كانت تبدو وقتها حلما صعب المنال في ظل أزمة سياسية ما زالت تراوح مكانها رغم نجاحنا في الحد من تأثيرها السلبي في استقرار منظومة الحكم، فإننا نؤكد ان الادارة الجيدة للتوافق خلال السنوات الماضية ماتزال مفتاحا للحل وخزانا للأمل والتفاؤل بالمستقبل.
لقد نجحنا في كتابة دستور الجمهورية الثانية وطوينا بانتخابات 2014 صفحة الحكم الانتقالي، لتحقق الديمقراطية احد ابرز انتصاراتها بإجراء الانتخابات البلدية والشروع في تركيز أسس الحكم المحلي ليبقى الرهان الاقتصادي بكل تجلياته مشغلنا الذي لا يجب ان يغيب عنا في مرحلة تاريخية تترسخ فيها قدم وطننا تونس يوما بعد يوم في عالم الديمقراطية نموذجا ناجحا صامدا امام الصعاب والمخاطر، مؤكدا أن الاستثمار في الديمقراطية والحريّة ومهما بدا مكلفا وشاقا فإنه أفضل من الرهان على الدكتاتورية التي قطعت معها بلادنا دون رجعة والحمد لله.
نحن على يقين بان هذا الشعب العظيم الذي صنع ثورة عظيمة لا تزال مصدر الهام للشعوب المقهورة، وتمكن من المحافظة عليها وسط الاعاصير ، وحولها ديمقراطية معاصرة عبر التوافق ، قادر عبر العمل الناصب والابداع والوحدة الوطنية ،على ان يواصل مسيرته المظفرة، فيصنع نموذجا تنمويا راقيا يوفر الحياة الكريمة لكل الفئات والجهات .
“وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون الى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كُنتُم تعملون” التوبة 105″.

الخميس، 11 أغسطس 2022

إيقاف إمام مسجد في تونس بعد تلاوته آيات تحتوي لفظ “انقلبتم”

 

إيقاف إمام مسجد في تونس بعد تلاوته آيات تحتوي لفظ “انقلبتم” 

فرضت السلطات التونسية على إمام مسجد في إحدى المحافظات عطلة إجبارية لمدة “10 أيام”، بعد تلاوته آيات تحوي لفظ “انقلبتم”، خلال أداء صلاة السبت الماضي بحضور وزير الشؤون الدينية.

 

وقال إمام خمس جامع السلام بمحافظة نابل في شرق البلاد، محمد زين الدين، إن الوزير إبراهيم الشائبي أبدى امتعاضه بعد أن تلا الآيات 26 و144 من سورة آل عمران في الركعتين الأولى والثانية على التوالي، يوم السبت الماضي.

وأشار في تصريح إذاعي، إلى أن الوزير الشائبي “مزح” معه عقب الصلاة حول الآية التي تضمنت لفظ “انقلبتم وينقلب”.

وقال الإمام زين الدين إن الوزير قال له أثناء حديثهما “يا شيخ.. من الأفضل تجنب هذه الآيات”.

وتفاجأ زين الدين لاحقًا باتصال هاتفي من سلطات المحافظة لإعلامه بأنه في عطلة إجبارية لمدة 10 أيام إلى حين النظر في شأنه.

من جهته أكد كاتب عام نقابة الشؤون الدينية بالاتحاد العام التونسي للشغل عبد السلام العطوي، أنه سيتم التحقق من أسباب قيام وزير الشؤون الدينية بعزل أحد الأئمة في محافظة نابل.

وبيّن العطوي أنه “في حال ثبوت عزل الإمام.. فلن نسكت، ونحن بصدد التنسيق مع اتحاد الشغل وسنتخذ خطوات للرد على نزيف العزل”.

وأشار كاتب عام نقابة الشؤون الدينية، في تصريح لإذاعة “آي إف أم”، على أن الأئمة في حالة ذهول مما حدث.

يشار إلى أن الآية التي قرأها الإمام كانت “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين”.


يشار إلى أن الأزمة السياسة في تونس ازدادت حدتها خلال العام الماضي، بعد أن حل الرئيس قيس سعيّد البرلمان وسيطر على معظم السلطات، ومنح نفسه سلطات واسعة ضمن دستور جديد تم إقراره في استفتاء قبل أيام.

ويصف حزب النهضة وأحزاب أخرى تحركات سعيّد بأنها “انقلاب”، ويقولون إن دستور سعيّد الجديد والاستفتاء عليه -الذي تقول أرقام رسمية إن 30.5% من التونسيين صوتوا فيه- غير قانونيَّين.





الاثنين، 7 ديسمبر 2020

فيديو اليوم

  النائب التونسي محمد العفاس
كل ما قاله صواب
رحم الله علي عزت بيجوفيتش
قال:لقد جعلونا نخجل مما بنبغي أن نفخر به ونفخر بما يجب أن نخجل منه


بي بي سي عربي
شجار ودماء تحت قبة البرلمان التونسي