‏إظهار الرسائل ذات التسميات سالم النخيلان. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سالم النخيلان. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 11 يناير 2026

الكهف

 خارج الصندوق

الكهف



في تعاملات الإنسان اليومية واحتكاكه بالمجتمع، الحقيقي منه والوهمي، قد يشعر ببعض المنغصات أو المضايقات أو المكدرات، التي تحتاج منه إمّا الانتصاف للنفس، أو التنازل عن حقٍّ هو صاحبُه أصلاً.

وكذلك ما يتم نشره في وسائل التواصل الاجتماعي في عالمه الوهمي؛ فهو ليس شعوراً لصاحب الحقّ بأنه مُحق، ولا إشعار صاحب الباطل بأنه على حق، بل هو شعور المتلقي المُسلّم بأن المتكلم والملقي لكلامه هو الحق ذاته، وهو المريد للخير، وذلك ما يثْبته عدد المتابعين وعدد التفضيلات التي لامس كلامه مشاعرهم ودغدغ أحاسيسهم، وربما أجاد الغناء على ليلاهم.

هذه الحياة مليئة بالمشاغل والمنغصات بطبيعة الحال، فلا يصفو لك يومٌ إلا نادراً، ولن تجري الرياح بما تشتهي سفنك دائماً. 

ولكن الأمور العابرة في حياة الإنسان قد تعطيه درساً، أو تزيد رصيد حكمته، أو تعلّمه صبراً وحِلماً.

أمّا ما نجده من عالم الوهم والمتابعين -إن لم يكونوا متابعين وهميين أصلاً- فهو كلامٌ وهمي يُقدَّم لمشاهدين وهميين، لا يُعرف صدق استفادتهم، ولا يُعرف عنهم إلا ما تسمّوا به: «متابعين»، بحقٍّ وباطل.    

فالوهم يُقدَّم لهم دون دليل، والمتكلم لا يعرض من شهاداته وخبراته إلا لباسه، وسيارته، وغرفة نومه، وكلاماً يلاقي له أذناً تتلقى، وعقلاً ساذجاً، وقلباً غافلاً، وروحاً مثقلة وإنساناً هارباً؛ ليزداد المتابعون تسليماً، ثم اتباعاً، ثم تعلقاً، ثم حملاً لرأيٍ لم يكن لهم، لهراءٍ يبنون له حجة، ثم يدافعون عنه بالغالي والنفيس.

مما رأيتُ من الاحتكاك بالمجتمع أخيراً، أحببتُ شيئاً من الانعزال القلبي والعقلي، والإيواء إلى كهفي المتخيَّل؛ فلا يُشوِّش عليَّ سُخف متحدث، ولا مشهور، ولا مغترٍّ بمتابعين، ولا أستمع لصديقٍ تأثر بهم وإن كان قريباً، ولا أحب جدالاً، ولا أفرض رأياً، لأجد نفسي أخالط الناس ظاهراً، وأنا منعزلٌ عنهم، غير متأثرٍ بهم، ولا آخذ عنهم أو منهم ما يعكّر صفو نفسي من مسببات القلق والأذى، من عالمٍ لا حقيقة فيه ولا صدق؛ فالكل يتظاهر بما لا يمثله على الحقيقة، ويعبّر عما لا يعبّر عنه في الواقع، فالواهم والموهوم كلاهما رضي بنصيبه من الآخر، وأنا رضيت بنصيبي من العزلة.

الأحد، 21 ديسمبر 2025

بيع الوهم

 خارج الصندوق

بيع الوهم



في هذا الزمن المتسارع بخطواته التي أظنها مدروسة، ونحن نحاول اللحاق بجريها بغير دراسة، يتعرّض الإنسان إلى أزمات ومشكلات نفسية وأُسرية واجتماعية ومادية، فيهرب من واقعه المؤلم إلى عالمه الوهمي المخدِّر، بدلاً من مواجهة الواقع واتخاذ قرار ودراسة الحال، والتفكير في حلٍّ يكون جذرياً أو موقتاً مدروساً لحين إيجاد الحل الجذري أو اتضاح الرؤية.


وخلال هذا الهروب، يرتمي في حضن صانعي المحتوى الفارغون من المحتوى، الذين يُجملون الظاهر بإيماءات وكلمات وجمل، مع بعض التلاعب بالصوت لدغدغة مشاعر المشاهد، دون إيجاد حل، غير إيهام الموهوم أنه على حق، وإن كان على حق فعلاً، وتغييبِه عن الواقع بكلمات وأساليب تُخدِّره ومشاهد قصيرة لا يمل من مشاهدتها وسماعها.

مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، أُتيحت الفرصة لشخصيات تجيد التظاهر كالخيال أو تدربت عليه، وتحسن التواجد لا الوجود، وتصطاد كل شاردٍ من الواقع المؤلم بطبيعة الحال، والحياة التي لا تخلو.

 فعندما يتعرّض الفرد إلى أي مشكلة، فبدلاً من إعمال العقل بالتفكير وإعطاء المشاعر حاصلها للتفاعل مع الحال المناسب لما حل بالفرد، تجده يهرب من نفسه وذاته وعقله وتفكيره، هروب الخائف من تفكيره وعقله إلى وسائل التواصل الاجتماعي، هارباً من ذاته لمن يوهمه بمساعدته بالبحث عنها. 

ومع أول طُعمٍ يُجمِّل له الكلام ويُحسن له التقديم، فيُسلِّم العقل والقلب والروح وجميع وسائل الإدراك الحسية والمعنوية، ليحرِّكه المسمي نفسه صانع محتوى، ويلعب بمشاعره ويملي على عقله الفارغ ما يريده، وما المتلقي بأفرغ من المُلقي، ولا أملأ من المُملي.

عندما كنت صغيراً، كنت أحفظ حديثاً نبوياً يقول فيه رسول الله، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم،:

(إنّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالمٌ اتخذ الناسُ رؤساً جهّالاً فسئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلّوا وأضلوا).

كثيراً ممن يسمون أنفسهم صناع محتوى، ويتحدثون بقضايا نفسية واجتماعية وتربوية وزوجية ومالية، مع تفخيم طبقة الصوت؛ كلامٌ يُقال لإثارة الفارغين العاجزين عن البحث الحقيقي في ما يعانونه من مشكلات، مسنداً كلامه وحديثه ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ليس لوجودها في سياق حديثه أي دليل عقلي أو ارتباط شرطي أو تشابه حال. 

ولو أطلق الموهوم القليل من التفكير، لعرف أن ما يتلقاه لا يغيّر واقعاً، ولا يداوي ألماً، ولا يحل قضية، وما مشاهدته إلا زيادة في الضياع، ولكن عن رضاً منه.

مع وجود صانعي الوهم، الموهومين بأنفسهم أولاً، والمتوهمين بالنجاح ثانياً، والبائعين لوهمهم ثالثاً لوجود من يشتري في سوق التواصل الاجتماعي، لن يكون هناك تغير في حال المتسلي بحديثهم، غير ضياع الحقيقة والسير خلف خطى الضائع الذي يظن نفسه ناجياً، بل ويمد يده لينجي غيره بلا دليل ولا معرفة ولا فهم.

أعتقد أن ما يحصل في وسائل التواصل الاجتماعي ينقص قيمتنا الإنسانية في التمييز بين الرديء والجيد من الأفكار والمفاهيم والقيم، لمجرد ظهور من يحسن العرض رغم فراغ المحتوى عقلاً وقلباً وروحاً.

 فأسرع ما يملكه الفارغ من المحتوى أن يقدم القليل من الكلام المنمق، بدلاً من أن يدرس بحثاً في الأثر وبُعد ما ينطق به. 

والأسرع والأهون علينا أن نستمع لما نريده، وإن لم يوافق هوانا انتقلنا للذي بعده، إلى أن نجد هوانا، فيكون الموافق لهوانا موافقاً للحقيقة، وهو المصدق في القول دون تحقق أو بحث.

الاثنين، 15 ديسمبر 2025

كلّنا كاذبون؟

 خارج الصندوق

كلّنا كاذبون؟

يعيش الإنسان حياته اللامثالية متطلعاً إلى المثالية، أو باحثاً عنها، أو تعيساً بصعوبة الوصول إليها. لا يدرك بعقلٍ أو قلبٍ أن المطلوب منه ليس المثالية، بل الرضا بالقصور وعدم الكمال ذاتهما.

يصارع الإنسان نفسه في حربٍ شعواء، نهايتها الكآبة والهمّ والغمّ والحزن، لعدم استطاعته الوصول إلى تطلعاته اللامنطقية، مدّعياً المنطقية، جاعلاً إيّاها مراده للوصول إلى غاياته اللامتناهية. فيحاول خداع نفسه باختيار صداقاتٍ أقلّ منه موهبة، أو أكثر منه خيبة، أو بصناعة شماعاتٍ مجتمعية من القيود والعادات والروتين والمسؤوليات الحياتية والزوجية، لتبرير الخيبة. 

أو قد يلجأ إلى المجتمع الوهمي اللامثالي في عالم وسائل التواصل الاجتماعي الوهمي، لينظر إلى مدّعي الإنجاز، وبشيءٍ من الحسد الخفي، وبحثاً في المقارنات المؤدية إلى ما يراه، فيرتطم بالخذلان ويوقظه الواقع. 

فيغلق الهاتف ويلعن الواقع، وتثور في داخله براكين إرادة التمرّد على الحياة، فيلجأ إلى الدوران حول رحى الخيبة والخذلان والفشل.

الظاهرة الاجتماعية قد لا يُجبر عليها الإنسان بقدر ما تُساق لها القِلّة، لتجدها الكثرة طريقاً لهم دون تفكيرٍ في ما إذا كان هذا الطريق يصلح لهم أم لا. 

وفي هذا قد تكون الظاهرة صالحة أو فاسدة أو مضرّة، لا يهمّ، بقدر ما تُتَّبع ثورة داخلية وقنبلة موقوتة تم ضبطها خفيةً وهماً، لتنفجر حقيقةً في العلن بادعاءات عقلانية.

قد لا يعرف الإنسان من أشكال الكذب إلا تغيير الحقيقة قولاً، أو قول ما لم يحدث على أنه قد حدث. بينما مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، قد يكذب الإنسان بادعاء ما ليس فيه، والتخلّق والاتصاف بما ليس من صفاته، أو التفاعل شعورياً بما لا يحرّك مشاعره. وقد يظهر بصورةٍ مفبركة أو محسّنة ليكون على صورةٍ تُضاهى بالتفاعل المُلقى، فترضى نفسه الأمّارة بالسوء ليكون كما يريد، دون إصلاح واقعه الخَرِب. 

ما يجعل المشاهدين والمتفاعلين يظنّونه كما رأوه، وعند الاقتراب ينخدع فيه الفارغون، وقد يدرك العقلاء أنه لا كمال لبشر إلا بالنقصان، فيقبلونه على نقصه، ويقتربون منه تصالحاً ورضاً به وبعيبه. 

لكنه لا يرضى لنفسه القبول من الآخرين بالكمال والنقص، بل يبحث عن نفسه الكاذبة كما أراد لها، وكما أعلنها، وكما زُيّنت له وتزين لها. 

فيُبعد الصادقون عن دائرته ليبحث عمّن غُشيت أبصارهم وراء الشاشات، ظنّاً منه بقبولهم له بما فيه، فيلتم المنحوس على خائب الرجاء، فلو علموا منه نقصاً ما أطاقوه، ولو علم هو أنهم التفّوا عليه من فراغهم لما قبلهم.

ملأت وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا وهماً وكذباً اصطنعناه وألبسناه ونصّبناه في منصب الحقيقة والواقع، فكبر حجمه وتحكّم بنا كما أردنا له ورضينا بذلك. 

وألجمنا عقولنا الناقدة، وأرواحنا الطاهرة، وقلوبنا النقية بلجام الغفلة، وتدثّرنا بالهموم والكآبة والخيبة. ورضينا بأي قولٍ يدغدغ عواطفنا، ويحرّك مشاعرنا، ويوهم عقولنا. فدغدغنا مشاعر الآخرين، وحرّكنا عواطفهم، وأوهمناهم بما نريد أو نتمنى أن نكون. أو لعلّنا جرّبنا ما يثير التفاعل والإعجاب، فرضينا أن نكونه دون الارتطام بواقع أن ذلك كذب، قد يتجاوز بضرره كذب القول، متّبعين بوسائل التواصل الاجتماعي سنن من كان قبلنا شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.

الواعي هو من يعطي نفسه لحظاتٍ من الصمت ليسمع صوته الداخلي المتجرّد من المتابعين والفارغين في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن أهواء نفسه المنتظرة لتقييمهم وإعجاباتهم، ليعرف من يكون وما دوره في الحياة. 

ويتعامل مع ضوابط الحياة ومسؤولياتها بذكاءٍ وإدارةٍ لواقعه، راضياً كلّ الرضا، مسلّماً تمام التسليم بعيوبه، ساعياً إلى إصلاحها، وإن لم تُصلَح. فكماله يكمن في عين نقصه، مدركاً أن أول واجباته في الحياة ليس الوصول إلى الكمال، وأن الطريق إليه هو الرضا بالنقص ومجاهدته، لا محو العيوب كلياً، تلك التي زيّنها لنا العالم الافتراضي، فأصبحت عيوبنا قيوداً لعقولنا عن معرفتها، وقلوبنا عن الرضا بها، فتثقل أرواحنا عن إدراك عالم الكمال بالرضا بعين النقص.

الأحد، 7 ديسمبر 2025

الهروب الكبير

 خارج الصندوق

الهروب الكبير

سالم النخيلان

 لا أحبُّ تغيير المسميات أو تفخيم الألقاب أو تعويم المصطلحات لتتماشى مع قوتي أو ضعفي، أو مزاجي أو طاقتي وقدرتي تبريراً لنفسي وفعلي؛ فيما أُجبرنا عليه ولم نختره، وفيما وُضع في طريقنا فاستسلمنا له، وفيما اخترناه وأقنعنا أنفسنا بأنه لا عيش لنا بدونه، وفيما لم نفكر باختياره وقلنا إنه ضروري ولا يصحُ العيش بدونه. وكل ذلك وهمٌ، وألمُ إدراكه أشدُّ على النفس الجبانة من ألم التفكير به وتصنيفه ثم مواجهته فعلاجه، في التنازل أو ترك ما لا غاية منه، وكلُّنا جبناء.

يتعرّض الإنسان في حياته المليئة باللاوعي، والغارقة في بحر الترف، والمهددة بانقراض الشعور، والقابلة للضياع في زحام الاستهلاك، والمتأخرة — رغم التسارع الرهيب في كل شيء — إلا في المدركات التي أعتقد أنها عجزت عن مواكبة السرعة؛ يعيش الفرد ضائع الفكر، تائه الذهن، ثقيل الخطى، ضارباً بالواقعية عرض الحائط، محاولاً رسم الخيال الذي لا يعرف له شكلاً ولا هيئة ولا حدوداً، ولا أرض انطلاق، والفرح الذي لا يدرك بداياته ولا الغاية منه ولا كيفية الوصول إليه، غير أنه يريد الفرح الذي لا يعرف منه إلا اعتقاداً بلا اعتقاد بأنه فرح، ولا حتى كيفية التعبير عنه.

كل تلك الأمور تجعل الشخص لا يعرف سبيلاً للمقاومة أو التفكير، إلا اللجوء — مضطراً — إلى هروبٍ كبيرٍ واضح لكل مدرك، حتى الهارب نفسه، إذ يهرب بجبنه وخيبته من جبنه وخيبته، يستر خوفه وبؤسه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، ليحكم على عقله بالمعروض، وعلى تفكيره بالاقتناع بالوهم، وعلى مشاعره بإحساسٍ لا يشعر به ولا يعنيه الشعور به أصلاً؛ لظنه أن هذا فرحٌ، وذاك حُبٌّ، وذلك إنجازٌ، وغيره إعجابٌ، وتلك حريةٌ وهذه معلومة وواقع.

فيسقط في إطار هذا القالب المؤطَّر بزيف التجديد والتغيير، ظنّاً أن لا إطار يحويه ولا حيز يضبطه، وكل ذلك هروبٌ خفيٌّ من الجبن في مواجهة الأسد الكامن في داخله؛ وهو النفس الكسولة الواهمة صاحبها بالتغيير والتوافق مع الزمن. إمّا هكذا تكون الحياة، وإلّا فلا عيش ولا فرح ولا حب ولا سعادة ولا إنجاز. ومنها وفيها ومعها تزيد أحمال الخيبة والخذلان، ويزداد الثقل المصاحب طرداً للنفور من مواجهة النفس.

والأثقل و الأدهى والأمرّ على الإنسان غير المُدرك حين يعلّق خيباته وأسباب ألمه على مَنْ حوله، والمطلوب منهم مسؤوليات تجاهه والعكس؛ فيظنُّهم مانعين لفرحه الذي لم يفرحه، وإنجازه الذي لم ينجزه، وتحرره الذي لم يحصل عليه، بينما هو لايزال عبدَ كسله وخموله، ميتاً رغم تنفّسه وقلبه الذي لايزال ينبض.

أعتقد أن الحياة مليئة بالصخب الذي يحجب أسماعنا عن سماع أصواتنا الجميلة التي تنبع من داخلنا وذواتنا، تلك التي تحدثنا بما يليق بها، وقلوبنا الصادقة الطاهرة التي تخبرنا حقاً وصدقاً بما ترغب به دون مشتتات خارجية تُضعف الصلة بيننا وبين بواطننا.

والسبيل إلى ذلك يكون بالصمت والعزلة وتصفية الذهن، ويقينٍ بأن القلب والباطن لديهما ما يخبرانك به، ولديهما حاجتهما منك، التي إن لم تنصت لها بهدوء فلن تعرفها وتدركها وتعمل بها. حينها ستدرك باطنك الجميل وقلبك النقي الذي يخبرك بما يريد وما لا يريد، وما يحب وما يكره، وما يفرحه وما يحزنه، وأين مأمنه ومخاوفه؛ ضمن ضوابط فطرته السليمة السوية التي يمليها على جوارحك ومدركاتك الحسية مستعيناً بميزان العقل، فيكون الفرح داخلياً، ثمّ قِس عليه بقية مراداتك.

ذلك الإدراك يجعلك تُغرّد خارج السرب الذي ينعق كالغربان في سماء دنياك التي تراها صافية. فإن كانت الشجاعة لاتزال تحلو في عينك، وصوتك الداخلي مازال صافياً وتستمع إليه بوضوح دون مشوشات؛ فاضرب بالذوق العام عرض الحائط، واستمر مع نفسك، وواجه الحياة بما يحلو لك لا بما يُملى عليك.

وقد يكون الإدراك مؤلماً لشعورك ولو جزئياً بالوحدة، لكنها ليست إلّا خروجاً من حظيرة الإدمان والضعف والعبودية للوهم إلى رحابة الحرية والحقيقة. وأجزم أنه لو ضاقت الدنيا، ففي داخلنا عالمٌ رحبٌ جميل، فيه متّسع لنا ولمن نحب. يكفينا أننا به نعرف الله ونؤمن به ونحبه ونخافه، ونحب نبيه ونصدّقه. فنكون بذلك قد هربنا من الدنيا ومن أنفسنا إلى خير مفرٍّ وخير مهرب وإلى خير ملجأ.

الاثنين، 24 نوفمبر 2025

سيطرة الفراغ

 خارج الصندوق

سيطرة الفراغ


يكبر الإنسان ويتقدّم به العمر، ولكن أحياناً لا تكبر معه أفكاره وطموحاته وأهدافه، بل تكبر رغباته الغريزية فقط. 

وإن طلب علماً حفظ ولم يفهم، أو تعلّم لمجرّد حلّ الاختبار أو الحصول على شهادة أو تميّز وظيفي، فيتقدّم ما يُسمَّى بدرجته العلميّة وتتأخّر عقلانيّته وتقديره للعلم الذي درسه.

وإن عمل عملاً لعلوّ الراتب كان بائعاً لنفسه لا مؤدّياً لإنسانيّته، وكلاهما أمرٌ مشروع. 

وبذلك يحمل أسفاراً لا يعرف قيمتها، ولا فيما حُمِّلها، ولا لمن يحملها. كلّ ما يعرفه هو الطعام الذي يُقدَّم له تلقاء حَمله لِما حَمل، ثَقُل أم خَفَّ. 

ولكنه في هذه الحال يُشابه الطفلَ الذي تعلّق بأوّل ما وجده من الدنيا من أفكار، رافضاً توسيع دائرة البحث والنظر من حوله ليكتشف إن كان يستطيع غير ما هو عليه، أو ما جُبل عليه، أو وُكِل إليه. 

فلعلّه يكون صالحاً لغيره، إذ إنّ الإنسان في كلّ مرحلة من حياته قد يصلح لما لم يكن يصلح له من قبل ولا من بعد.

يجتمع الناس غالباً على وحدة الرأي وسيرهم عليه، ثم تعظيمه، ثم الدفاع عنه وعن حامليه وتبنّيه والعاملين به؛ لا اقتناعاً ولا لعظمة الرأي ذاته، بل لأنّ العقل الفارغ يُسلِّم لكلّ رأي يوهمه، والقلب المحجوب يؤمن بكلّ مبدأ يداعب عواطفه. والأعجب ليس تسويد الرأي العقيم أو التافه أو المبدأ الباطل، بل تشكّله على أشخاص وذوات، وأنّ إيمان المؤمن واقتناع المقتنع ما هو إلا ثمرة الفراغ الذي توَّج العقول، وامتلك القلوب، وأسر الأرواح في سجن الفراغ.

والفراغ الذي تفرّغنا له وسلّمناه زمامنا أسر حياتنا بقيود التواصل الاجتماعي بشتى أشكالها وطرقها، لنصبح محبوسين حبساً قصرياً افتراضياً في سجنٍ افتراضي، بلا تهمةٍ اتُّهِمنا بها ولا ذنبٍ اقترفناه. والخطيئة أنّنا ملّكنا الفراغ أنفسنا، ودفعنا لأسره أموالاً، وبذلنا مشاعر صادقة، ممّا ترتّب عليه أن أصبح الإنسان يعيش تحت سلطة الفراغ «المقدّسة» بنفوذها وهيمنتها.

أعتقد أنّ الإنسان الفارغ عقلاً وقلباً قد يسلّم إيمانياته ومعتقداته ومصدر تلقّي معلوماته، وإنفاق أمواله، بل حتى دخله ومشاعره، لغير محلّها؛ لا على سبيل الخطأ فحسب، بل بوهمٍ يعود عليه براحةٍ مزيفة. وأخطر ما في الأمر أن المتسلّط وهم، والموجِّه وهم، والمتلقي وهم، والمساحة المشتركة الجامعة بينهم وهم. فإذا أراد الإنسان مجاهدة تعلّقه، جاهد وهماً آسراً لحواسه ومدركاته ومشاعره، ليصبح بعده طريحاً لا هَمّاً ولا هِمّة.

الاثنين، 17 نوفمبر 2025

عرائس الماريونيت

 خارج الصندوق

عرائس الماريونيت


عند حضور مسرح الدمى، تُجسِّد عرائس الماريونيت أدواراً فكاهية أو أحداثاً تراجيدية تتأرجح بين الهزل والجدّ، وتتخللها كلماتٌ مضحكةٌ وأصواتٌ طريفة، تُوصل من خلالها الرسائلُ المراد إيصالها من «المشغِّل» أو عارض الدمى. 

والأمر، بشكل أوضح، هو أن يُبرز العارض قوته في السيطرة على الدمى التي يحرّكها بكلتا يديه في آنٍ واحد، مُجسِّداً شخصيتين مختلفتين، لكلٍّ منهما دورٌ وصوتٌ وحركاتٌ وتعابير مختلفة، بينما العارض المتحكم واحد؛ أي أن العقل المدبِّر واحد.وهنا تكمُن البطولة الخفية من خلف الستار.

العارض، من خلال تحكمه بالدمى، يجد في نفسه أمرين:

أولاً: أنه استخدم الدمى لإيصال ما يريد إيصاله؛ أو أنه — في حال انتفاء الرسالة — يجعل منها مجرد وسيلة تسلية للمشاهد، وباب رزقٍ للعارض الذي وجد في التحكم بالدمى وسيلةً لجذب المارة، وكلما أثار الانتباه حصد مشاهدين أكثر، ثم مالاً أكثر، بلا تفكير في نية هذا المال أو في كون الرسائل التي يقدمها بنّاءة أم هدّامة.

وثانياً: أنّ الدور الذي لا يُحسن تمثيله بالدمى، لا يجرؤ على الخوض فيه، لأنه لن يستطيع التحكم بما لا يقدر عليه، ولأنه يصمّم الدمى أصلاً وفق ما يتناسب مع مراده من العرض، وذلك دون أدنى مقاومة من الدمى بطبيعة الحال؛ إذ تتميّز بخفتها وبُعدها عن الواقع، وارتباطها بالمتحكم في معظم أجزائها، والأهم: أنها بلا عقلٍ يفكر ولا قلبٍ يُبصر، فالفراغ الداخلي أهمّ صفاتها.

الإنسان في مسرح الحياة ليس مسلوب الإرادة تماماً كالدمى، ولكنه محكومٌ بأمور كثيرة قد تكون صحيحة أو خاطئة؛ منها العرفي والاجتماعي والمادي، ما يجعل جزءاً منه أو نصفه أو كله مسلوباً للـ«عارض» الذي تُفرض عليه روابطه دون تفكير ولا اختيار ولا نقاش. 

وفي المقابل، ليس مطلوباً من الإنسان أن يُخضع كلّ حياته للنقاش والتحليل والتفكير والتعامل بالوعي الكامل.

يتميّزالإنسان بالحرية والمسؤولية اللتين يترتب عليهما الاختيار، وينتج عنهما الالتزام — ولو جزئياً — بما اختاره. 

وليس الالتزام الكامل دليلاً على الصحة دائماً؛ فبعض الالتزام أشبه بدمية في مسرح الحياة تتحكم بها خيوط المجتمع، وأفكاره، وتصرفاته. 

وفي المقابل، فإن إدراك هذا النقيض بحد ذاته حِملٌ يثقُل كاهلَ الواعين بما يدور حولهم؛ إذ يرضخون للضغط الخارجي لتلبية ما لا يريدون، ويكابدون الألم الداخلي لما لا يرضون عنه.

أعتقد أن الإنسان، إذا أدرك وعيه، استطاع أن يشعر بتسلل يد العارض إلى داخله عبر ما يتلقاه برضا وقبول وتسليم، تاركاً مفتاح جوارحه ـ الموصلة إلى قلبه النقي ـ بيد غيره، مما يُملى عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي والصداقات المؤثرة على التفكير. فالقلب يصبح أجوفَ، كدميةٍ سهلةٍ للعارض الذي يريد من خلال هذا الإنسان أداءَ دورٍ يختاره له، ثم ما إن ينتهي منه حتى يرميه، تاركاً إياه في خوائه؛ لأنه اعتاد أن يكون مجرد دميةٍ تُحرِّكها يد غيره فرِحةً بنظرات المعجبين إليه. ثم ينتقل العارض لاختيار دميةٍ أخرى تؤدي الدور المطلوب في أمواج الأحداث المتلاطمة.

كما أن الإنسان — بإدراكه الكلي أو الجزئي للحال العام — يستطيع مجاهدة ما يُملى عليه ليعيش الواقع دون الشعور بالعجز، وبإدراكه الدقيق لوجود العقل الذي يساير به الدنيا، وتمييزه حدوده، يدرك تحكمها فيه، ويجاهد داخلياً لرفض الأوهام التي تسيّر رغباته وتصرفاته واختياراته، والتي قد لا يكون له دور فيها أصلاً. فيصبح — إن سلّم — مسلوب الإرادة؛ لا أعماله له، ولا يؤدي دوره في الحياة، ولا يملك جوارحه ولا قواه، وقلبه محجوب عن إنسانيته الحقة وعبوديته الحرة، والعقل عاجز عن السيطرة، والأسوأ أن يزيّن له عقله حاله. 

ولا يكون أمام الروح إلا مسرح الدمى لتحلّق فيه تمثيلاً، لعلّه يكون درساً يتعظ به المشاهد — على الأقل.

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

الاقتناع بالوهم

 خارج الصندوق

الاقتناع بالوهم


طالما سألت وتساءلت عن الوهم والحقيقة، قبل ما يزيد على عقد من الزمن تقريباً. 

كنا إذا رأينا خبراً يذاع على شاشات التلفاز ولم يَرُق الخبر لذائقتنا أو لا نريد تصديقه، قلنا عنه هذا كذب إعلام أو خبر مفبرك، ومع ذلك نشاهد القنوات نفسها والمنصات الإخبارية، لربما بسبب قلتها أو لقضاء الوقت أو ادعاء مواكبة الأحداث، ولكننا كنا على درجة أعلى من النقد بحيث نصدق ما نريد ونكذب ما نريد أو ممكن كنا نتعامل بمزاجية أكبر.

فكلمة نقد أبلغ وأعمق وأظنها كبيرة علينا بعض الشيء. أما الآن فأصبحت الجوالات هي الوسيلة التي اتخذها الفرد مصدراً واعتبره موثوقاً للمعلومات وتلقيه الأخبار ووسيلة أُنسِه وسلواه وخلوته وتواصله الوهمي، فلكل منا مشاهيره وصانعو محتواه ومنصاته الإخبارية التي يتابعها مصدقاً بعضها ومكذباً أخرى وله مدربونه الشخصيون الذين يحثونه على استعمال العقل ليسلم لهم عقله فيخلطون سم جهلهم وإفكهم بعسل كسله وسذاجة تلقيه ليشربه ويتسمم فكرياً، مغتراً مبهوراً بما يجيدون من مهارات العرض والتقديم والكلمات الرنانة التي تخفي خلف زيفها حقيقة الوهم الهشة.

مع بداية انتشار استعمالنا لوسائل التواصل الاجتماعي كنا ندرك أن الكثير من المنشورات هي وهمٌ من معروضات وصور وأخبار ومعلومات قد لا تمثل واقع حال الناشر عند نشره، فمثلاً تشاهد شخصاً يعبر لك عن فرحه وسعادته بلقطةٍ يصنعها للحظة مع بعض المؤثرات الصوتية أو صورة تدعو للتأمل، بينما واقع الحال قد يكون الناشر يبحث عن الاهتمام أو لفت الانتباه أو التشجيع أو بث الشكوى بتعليقٍ مكتوب أسفل الصورة أو إثارة إعجاب المعجبين والمعجبات والباحثين والباحثات من المتفرغين والمتفرغات، أو قد يكون تسجيل حضور في عالم الوهم الافتراضي الذي لا يمت لحاله حين إرساله الصورة أو التقاطها بصلة للواقع، وكل تلك الأسباب من وراء النشر وهمية لا حقيقية، والأدهى أن المشاهد أصبح مجرداً من أدوات القياس التي قاس عليها وسائل الإعلام سابقاً سواء أدوات منطقية أو مزاجية فلم يعد يقبل كذب وسائل التواصل، أو خبراً مفبركاً ويقارن ما عُرض عليه مع مصادر موثوقة ليميز الخبيث من الطيب، بل أصبح يريد تصديق ما يرى باقتناع وانشراح خاطر وقضاء وقتٍ ممتع ولعله اعتبرها من محسنات المزاج، وعلى مستوى متدنٍ من الوعي مستسلماً للوهمية المعلوماتية بشتى أشكالها ومحتوياتها ومؤثراتها.

إن الحقيقة وإن كانت لا تعجب الباحث عنها أحياناً في النتيجة التي قد لا توافق هواه أو لصعوبة الحصول عليها، فإن رحلة البحث عنها بحد ذاتها لها متعة الواقعية بعيداً عن المعلومة ذاتها، والواقع هو في المعرفة ذاتها وامتلاك أدوات التميز والبحث والقياس. كذلك فما يعرض وما يباع على أنه حاجة لك هو وهمٌ لا واقع، فالمستهلك هو من يحدد الحاجة للمنتج المعروض أو أهمية ما يعرض سواء كان منتجاً أو معلومةً، لا ما يملى عليك بأسلوب تسويق بأنك تحتاج هذا المنتج، أو يقال «وداعاً للتعب مع المنتج الجديد»، «أو ما لا تعرفه عن كذا». 

والأمَرّ والأدهى التأثير بالمشاعر، والعقل هو ما يوهم أنه سعادة وفرح قد لا يكون إلا تعاسةً وكآبة وخيبة مسعى و«حشفاً وسوء كيلة».

أعتقد أن الوهم أصبح له نصيب الأسد من حياتنا اليومية الذي صدقناه وسلمناه عقولنا ليملي عليها ما يراد، ومشاعرنا لتستشعر ما لا يستشعر، وأرواحنا لتقيّد في عالمٍ من الخيال غير المطلق، وأحجبة لقلوبنا عن الحقيقة المطلقة، فيسري الوهم بعاداتنا وسلوكياتنا ومفهومنا، مُبعدين بذلك عن غاية وجودنا ومهامنا الحقيقية في عالم الوجود الحقيقي لا الوهم المزيّف.

الخميس، 6 نوفمبر 2025

وين عايش

 خارج الصندوق

وين عايش


تتعدّد الصور النمطية للمجتمعات وهي ما يميزُ به المُخالط لمجتمعٍ عن مجتمع وجماعة عن جماعة، بالملامح واللهجة واللباس والتصرفات والأكل والعادات الاجتماعية وطريقة التفكير في الأمور، فالناس تتجاور فتتعايش فتتمازج ويذوب بعضٌ منها ببعض الآخر المجاور على قدر استسلامهم للذوبان ببعضهم البعض، فعندما تذوب وتنصهر المجتمعات ويأخذ الكل من الآخر بقدر ما يأخذ الآخر منه تمتزج العادات والصور فيتقولب المجتمع ليعاد ترتيبه وتشكيله ليظهر بشكله المختلف الذي يصبح علامة مميزة له وهويته الخاصة به التي قد تقبل التغيير بتغير الزمان وظروفه والمكان ومعطياته بصورة واضحة حقيقية يتخللها أو يكسوها شيء وربما أشياء من الوهم الاجتماعي.

الوهم الاجتماعي كما أحب أن أسميه، ولا أدري إن كان سُمي من قبل أو لا، ولا شك عندي بذلك، أو أنني أردت أن أشعر بأني صاحب السبق بالتسمية أو أن أوهم نفسي بذلك، المهم أنه اسمٌ راق لي ويناسب موضوعي وأود استعماله.

هذا الوهم يعيشه المجتمع بتصرفاته المختلفة، من استهلاك وتعامل وطريقة تفكير ونبذ حتى من لا يوافق العامة بهذا الوهم بسؤال استقصائي «أنت وين عايش؟»، بينما بكل بساطة أن هذا الشخص هو لا يوافق المجتمع بنظرتهم للأمور التي قد يرى نفسه فيها مختلفاً أو لا يشابه الذوق العام أو أنه أعلى وعياً من الآخرين فيغرّد خارج السرب أو لا يوافق على ما اعتاده المجتمع إلا في ما يوافق حاجته ومنظوره للأمور.

والوهم يبدأ من نظرة الفرد للأمور ودوره في المجتمع، إن كان له نظرة بالأصل لكي يدرك أن له دوراً، أما معرفة الحقوق والواجبات فتلك أظنها أبسط أنواع المعرفة التي تخرج الفرد قبل المجتمع من أول درجات الوهم.

الوهم أصبح قالباً يشكلنا بعد ميوعةٍ واندماج ثقافات، وأعتقد أنه تصور خاطئ لشكلية النجاح والاستقرار النفسي والمادي والمعنوي لا النجاح والاستقرار في مضمونهما ومحتواهما، فقد أصبح من الوهم بأن يكون النجاح والإنجاز والأمان بالوظيفة والسعادة والاستقرار والزواج والحب والحرية بأشكال وصور يرتضيها المجتمع أو يظنها صحيحة بقصر نظره للأمور لا من منطلق عقلي يقرره ويتصوره صاحب الشأن في شأنه، وقد لا يكون في الواقع يتعامل مع تلك الأمور على حقيقتها، والتأخر عن الركب أو الخروج عن هذه القوالب يصبح الفرد بذلك فرداً خارجاً متأخراً أو منبوذاً، لا جزءاً مختلفاً من أصل المجتمع أو هكذا يُشعر أو يَشعر، لأن من السهل على الناس الاتباع في التصرفات الجمعية والصور النمطية التي يظنونها صائبة أو جميلة أو سعيدة أو أعجبتهم لموافقة أهواء النفس وغاياتهم غير المُدركة عقلياً أو غير محسوسه فيتبعون على ادعاء رضا أو تظاهر لحظي بالسعادة.

أعتقد أن الوهم متشعب ومتجذر في تصرفات واختيارات ورغبات وأهواء المجتمع ونحتاج طرح التساؤل على ذواتنا ما هو الوهم وما هي الحقيقة؟ وكيف لنا معرفة الوهم؟

والفرد المدرك لجزئية الوهم المجتمعي يصعب عليه التمازج مع الناس فيميل بكليته قلباً وعقلاً وروحاً للانعزال والفكر باحثاً عن حقيقة نفسه في مجتمعٍ يراه واهماً متجمداً في قوالب وضعت له لا يعرف واضعها ولا الموضوعة له ولا من جمّلها له، وهم يرونه معقداً رجعياً وربما مجنوناً وكلٌ بعقله راضٍ، والحياة دون إدراك حقيقتها والغاية منها كلها وهمٌ على وهمٍ.

الاثنين، 27 أكتوبر 2025

هدوء حنفكر

 خارج الصندوق

هدوء حنفكر


الصخب الشديد الحاصل على النفس البشرية من مجريات الأحداث وتسارع الوقائع والتنافس على الترف والعراك الفكري العقيم بين أصحاب الآراء ومشاركات وتدخل وعديمي الآراء، يجعل من الإنسان مختلاً عقلياً ومضطرباً نفسياً كآلة تؤدي الأعمال اليومية من دون شعور ولا إحساس ولا تفكير ولا غاية ولا نية...

لينتج عن ذلك إنسان تزاحمت عليه الأفكار والصراعات الداخلية المؤدية به إلى حرب ثلاثية الأطراف، نفسية، روحية وعقلية. 

إن استسلم وترك لهذه الحرب تقرير مصير المنتصر... 

فالمنتصر إذا كان النفس، فهي بالطبع ليست النفس المطمئنة بل الحيوانية بكل متطلباتها الحيوانية. 

وإن كان العقل وجره خلفه، فالعقل طاحونة يحلل ويفتك بكل ما يجده أمامه لكي يستوعبه ويثبت لنفسه القدرة على من هو أمامه من الأفكار المغلفة بالعقلانية دونما عاطفة.

أما الروح فهي السامي بالإنسان وهي المتضرر الأول والأخير من تلك الصراعات أو تلك الاستسلامات، ولميلها إلى الهدوء والسكينة فقد يكون ذلك بحد ذاته ضرراً على العقل والنفس، إن استسلما للروح كامل الاستسلام.

عندما خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ونفخ فيه من روحه تلك اللطيفة الربانية، جعل معها القلب وتوجهما بالعقل، ليكونوا مثلثاً متكاملاً في جسدٍ واحد، فما تسمو وترقى إليه الروح قد لا يدركه العقل، وما يدركه العقل قد تتثاقل عنه الروح، وما يُكشَف للقلب قد يعجز العقل عنه أو يكون العقل خصماً للقلب، وكل أولئك مدركات لم يدركها الإنسان لقصر نظره وحُكمه على ظاهر الأمور حتى على نفسه أو ربما يستخدم من ذلك ما يوافق إرادته غير الصائبة غالباً إذا لم يدرك أبعاد المزيج الثلاثي في جسده الواحد، وجرّد كلاً منها عن الأخريين.

ومع تعامل الإنسان المادي البحت في الواقع المعاصر والزحام والضجيج والمشتتات العقلية والمخذلات النفسية وصعوبات التفكير والتحليل لمعطيات الأمور ومحاولات إدراك ما لا يلزم إدراكه وفهم ما لا يلزم فهمه وإلزام الإنسان بلزوم ما لا يلزم، جرّده من بشريته ونقائه وفطرته وحتى عقله المدرك المنوط بالتكليف، وساق عقله وقلبه وروحه للحاق بما هو محيط به من مشتتات ومغريات ومسببات الشلل الفكري، جاعلة منه إنساناً لاهثاً لما يُراد له أن يرى وينجز ما يُوهم أنه الإنجاز ويَطلب حريةً بعبوديةٍ موهَمَة هي غاية للعارض ويعمل ما يُطلب منه خدمة للوهم، وكثيراً ما أتساءل، 

ما هو الوهم؟ وما هي غايته وأهدافه ؟ وكيف لنا أو لي أن أدرك الفرق بين الوهم والحقيقة؟ وهل هو فعلاً وهماً، أنني من كبرت المسألة غاية أو حاجة للكتابة؟

المهم... أعتقد أن العزلة والانعزال عن المجتمع، بل وإحسان الانعزال، بل وإدارة تلك العزلة وإن كانت بمخالطة الناس والصبر على أذاهم، ليس مقروناً بالأذى المحسوس، بل قد يكونُ أذى فكرياً روحياً والتأثر بما لا يوافق المبادئ والأخلاقيات التي نشأت عليها، فالعزلة قلبياً وروحياً وفكرياً، أمر يحتاج إليه الإنسان لجمع القلب الهمة والتركيز على الغاية وتحديد الوجهة والمقصد، وإعادة طرح التساؤلات التي أظن بأهمية وضرورة إعادة التفكير فيها بين الحين والآخر.

فالإنسان المستسلم من دون حضور الباطن قد يفقد إنسانيته وعقلانيته وروحه فيجري مع القطيع بحثاً عن النجاة لا بحثاً عن الحياة. 

وأما المُسلِّم مع حضور القلب، فقلبه مستقر مطمئن وعقله مفكرٌ وروحه تسمو وترتقي وتحلق بلا قيدٍ ولا حبسٍ مهما تمثلت له الحياة مُثقِلةً مقيِّدةً مُرغِمة.

يهدأ بعزلة قصيرة ويسكن قلبه بخلوةٍ وفكرة خاطفة وتسبيحة بقلبٍ حاضر فيهرعُ بعدها إلى المهام اليومية مستشعراً التلذذ بها وإن لم توافق الهوى ما دامت من مسؤولياته البشرية، ولعل اللذة تكمن في عدم البحث عن اللذة، والمتعة تكون في عدم التفكير في المتعة والنجاة في عدم اللهث وراء الحياة.

الاثنين، 20 أكتوبر 2025

أعلن انسحابي

خارج الصندوق

أعلن انسحابي


رغم اتساع رقعة الأرض وتباعد أطرافها المترامية، من أقصاها إلى أقصاها ومن أعلاها إلى أدناها، انتشر الناس في الأرض، شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وليتخالفوا ويتقاتلوا ويتصالحوا ثم يتعايشوا ليفرض قويهم سيطرته على ضعيفهم. 

لتختلف أنواع السيطرة، إما بفرض الضرائب أو استغلال الأراضي أو أسر طاقات الشعوب أو فرض الحماية أو إعطاء جزء، صغر أو كبر من الصناعات والمحاصيل الزراعية والانتاج المحلي، ولعلها تنتهي بأن يكون الضعيف فرداً في جيش القوي يدافع عن وجوده مظلوماً تحت سيطرة القوي، بحرب لا ناقة للضعيف فيها ولا جمل، غير انتصار القوي الذي يزيد في قوته، فيزيد بطشه بمَنْ ناصره فيثبت الضعيف ضعفه بثبات قوة القوي.

أعتقد أن هذا العالم المتسع قد صغر حيزه وضاق وسعه وتعارفت الشعوب والقبائل وأصبح العالم تسوده القوانين والمنظمات والهيئات والحكومات، يسود كلٌ في رقعته وحدوده، وأصبح الحدث لا يبات في أرضه ثوانٍ إلا ذاع وانتشر بل وتناوله المحللون والسياسيون والاجتماعيون المختصون وغير المختصين.

لعلي أرى الأمر بشكل مختلف، لعل أحد أشكال السيطرة حالياً هو مصدر المعلومات والهاتف المحمول الذي تتعدد فيه البرامج والتطبيقات التي جعلت العالم الخارجي أصغر حيزاً مما يبدو عليه وأصبحنا نعرف ما هو مهم وغير مهم وما يلزم وما لا يلزم وما يود القوي إعطاءك إياه وما يريد منعك عنه.

ونعيش مع وسائل التواصل الاجتماعي في عالم افتراضي بل وهمي غير حقيقي شعورياً وفكرياً ووجودياً، وهذا الأمر يعود إلى كونه أحد أنواع السيطرة الفكرية والمعلوماتية المغلفة بصورة الحرية والشفافية والسرعة، فالشعور والتفاعل مع الموجودات القريبة حولنا، أُهمل لا لبعد النظر بل لقصر النظر.

ومن باب الترف لا المعرفة نتابع مسافراً لبلدٍ فنُشد ويعجبنا ما نراه، فنقارن واقع الحال لشخص يستيقظ من النوم ليذهب إلى عمله بعد أن يوصل أولاده إلى المدرسة مؤدياً عمله عائداً بعد ذلك إلى منزله متعرضاً بذلك إلى زحمة الذهاب والعودة متحسراً على حاله المليء بالمقارنات الواهمة، أضف إلى ذلك الوقت الضائع في التفكير المشوش و الذهن المسروق في عالم وهمي مليء بالجدليات المعلوماتية الواهمة بين دراسة أُصدرت وتصريح أعلن وخبر ينشر ولقاء يذاع، من دون التدقيق على المصدر لضعف المتلقي أولاً، والحاجة للسبق الخبري ثانياً، وموكب المشاعر تجاه الأحداث المذاعة ثالثاً، ويقين المسيطر للايكات المتابعين رابعاً.

تغير الزمان فتغيرت أشكال السيطرة، رغم أني أسمع وأرى شعارات برفض السيطرة وعدم الخضوع، وما هو إلا رفض لما أظنه شكلاً قديماً من أشكال السيطرة والذي يرفض المسيطر عليه الاعتراف بخصوعه للشكل الحالي لارتياحه له أو عدم إدراكه للشكل الحالي.

يوازي ذلك حال المجتمع والتعامل مع التكنولوجيا والشكوى من الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي ومنعها على الأطفال من دون الالتفات إلى الطفل الذي بداخلنا وكأن نفوسنا قد بلغت الرشد.

أفكر في الحال التي تجعلنا نذهب إلى فعاليات ثقافية منشغلين بالهواتف والتنقل بين صفحات وسائل التواصل تاركين الاستفادة من الحضور الفعلي الواقعي والمشاركة المعلوماتية، ليكتفي كل منا بصورةٍ تدل على حضوره الفعالية يثبت بها وجوده وعلاقاته مع الشخصيات الحاضرة مستبدلين اهتمامنا بالمنظر دون الجوهر مستبدلين الواقع باللاواقع والوجود باللاوجود.

اعتقد أن عالمنا وزماننا هذا، مهما سُمي بالعالم المتسارع أو الذكي أو غيره من المسميات التي توضع للفلسفة والجدل شغلت البال والذهن والفؤاد واللب، هذا العالم يضيق بي ذرعاً ولا أريد حضوره لأني لا شعورياً أمل من وجودي معه، فأخرج هاتفي من جيبي وأقلب في صفحات التواصل الاجتماعي مضيعاً بعض الوقت الذي جئت لقضائه متواجداً في عالمٍ من عدم الوجود الحقيقي النافع بالتواجد الحسي والمعنوي.

وأدرك أن أصل التواجد هو اللا تواجد والحضور هو مجرد صورة تنشر في وسائل التواصل تثبت الحضور الوهمي، ولأني لا أجد ولا أملك حلاً لهذا الأمر في المجتمع الذي ليس علي إصلاحه إلا نفسي أولاً، وبعد أن اكتشفت بالتفكير الذي أظنه عميقاً أني أحد أفراد هذا المجتمع، وأقول ما يقول وأفعل ما يفعل، فإني وجدت الحل في أن أعلن انسحابي إلى عالمي الخاص الذي لم أعرف منه بعد غير نفسي التي عرفت عنها القليل حتى الآن.

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

الثابت والمتغيّر

 خارج الصندوق

الثابت والمتغيّر



في قوانين الكون، ثوابت ومتغيرات وحتى الثوابت والمتغيرات؛ تكون الثوابت متغيرة بتغير الثابت؛ ويثبت المتغير بتغير المتغير، فلا علاقة لهذا بذاك، ولا لذاك بهذا ولا لتلك بهذه، غير أني أريد القول بشيءٍ من الفلسفة بأن جسم الإنسان ثابت في داخله، وثابت في تغير ما يتناوله، ومتغيرٌ في ظروفه الخارجية والأجواء المحيطة وحركته الجسمانية وتفاعلاته النفسية والتي تجعل عملية حرق الأكل عنده مختلفة بتغير الظروف، فينحف حيناً ويسمن، ويزداد وزنه حيناً آخر حتى لو ثبتت السعرات الحرارية والكميات التي يأكلها والطاقة التي يحرقها يومياً، فقد يزداد وزنه بشكل ملحوظ ولكنه جميل المظهر، وقد ينحف بشكل بشع رغم الظروف ذاتها، فليست السمنه بشاعة، وليست النحافة جمالاً بشكل ثابتٍ دائماً.

رغم تعرّض الإنسان والأفكار لهذه الضغوطات الفكرية والنوازع النفسية والمؤثرات الخارجية، قد يتأثر الشخص بالزيادة الفكرية الظاهرة التي يعتبرها بشاعة وقد يحزن للنحافة الفكرية ويظنها جمالاً، ولكن عند الاستسلام الفكري للمتغيرات التي قد تكون عمرية أو مرحلية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو القراءات والتحليلات العقلية التي تأخذ بيدك أحدها لتسلمك لأخرى والأخرى إلى التي بعدها تجد أنك نحفت ذهنياً بتنازلك عن أفكارٍ كانت كالشحوم المتكدسة البشعة المظهر الثقيلة على عقلك ونفسك، لتمتلئ أو تنتظر الامتلاء في ما هو أجمل و أفضل من الذي تركته وتنازلت عنه أو حرقته الأيام.

الأفكار ليست ثوابت رغم ثبوت التفكير فهي متغيرة بل وفضفاضة بقدر ما تريد أنت تغييرها من فكرة صغيرة إلى متوسطة إلى كبيرة الحجم أو من سطحية إلى عميقة.

وانظر إلى الأفكار صغيرها وكبيرها قبل ارتدائها، وإن ارتديت فارتدِ التي تناسبك بشرط أن تفكر كل فترة في ما إذا كانت الأفكار مناسبة لسنك وشكلك وجنسك، أم تحتاج إلى تغييرها، الثابت أنك لا بد أن تلبس، والثابت أيضاً أنك لا بد أن تغير هذا الثابت بقدر تغير ذهنك وعقلك وعمرك وتعاملاتك مع من حولك، ومصارحتك لنفسك بالحاجة الى التفكير.

قد ينتقد المجتمع تغير أفكار شخص ما؛ في كتابته أو طريقة تفكيره، أو طرحه ومبادئه، أو عاداته الاجتماعية، أو سلوكياته اليومية، ويدعونه بالمتقلب المتناقض، وبعد أن تقلبت أنا في أفكاري ومعتقداتي أظنني عرفت أن المتقلب بأفكاره ومعتقداته قد يكون أصدق وأثبت من مدعي الثبات، بغض النظر عن صحة ما ثبتوا عليه من عدمها.

فالأصل هو التغيير، فكم من عزلة أنتجت أفكاراً ذات تبصر بواقع يحتاج منا تأملاً وخوضاً و نقاشاً، وكما جاء في الحديث «مَنْ ترك شيئاً لله عوّضه الله خيراً منه»، وهذا الشيء قد يكون فكراً أو مبدءاً خاطئاً أو سلوكاً تركته ليعوضك الله خيراً منه.

أعتقد أن الإنسان يمر بين حين وآخر بحاجات كثيرة يعرفها وقد لا يعرفها، ولكنها تبدو لي كشعور الهزات الباطنية التي لا تستقر بك على ما كنت ترتاح وتسكن إليه سابقاً، و جزء من الوعي إدراك الحاجات أو التفكير فيها، والعزلة جزء من الحاجات البشرية الماسة للإنسان قلباً وروحاً وعقلاً ليتغير، فإن ظن بهذا التغير أنه فاز فهذا هو الخسران المبين وإن ظن أنه تغير وبحاجة إلى جرد أفكاره و نوازعه بين حين وآخر لمراجعة نفسه وأفكاره فذلك هو الفوز البشري بجوهرة عقله.

وهذه مرحلة مررت بها وأعتقد بأني أعود فأنطوي بعدها لفترة قد تكون قصيرة وقد تكون بعيدة، وقد يكون كلامي هذا كله ادعاءً لتبرير كسلي عن الكتابة!

أو على حسب حاجتي للكلام، أو تجنباً لمواجهة المجتمع المدّعي للكمال والثبات.

s.alnkhailan@gmail.com

الأحد، 12 يناير 2025

خارج الصندوق

 خارج الصندوق

المقاطعة




بعد أحداث فلسطين الأخيرة، هذه جملة أصبحت تتكرر تلقائياً كل عام أو كل أشهر عدة، ليأتي بعدها استنتاج أو حوار أو ردة فعل قد تكون مختلفةً نوعاً ما عن سابقتها، وسوف أدرج هذه العبارة كذلك لأقول ما لدي مستفتحاً مقالتي وموضوعي الذي طالما قيل فيه الكثير.

بعد أحداث فلسطين الأخيرة، خرج معظم المناصرين للقضية الفلسطينية بفكرة المقاطعة وهي بشكل مبسط كما أفهمها ترك المنتجات الصادرة عن الشركات الداعمة للكيان الصهيوني، وهي ردة فعل أعتقد أنها جيدة لا لأثرها على الكيان فقط بل وأيضاً لجميل أثرها على قلب التارك بأنه ترك شيئاً أو أشياءً لقضية يؤمن بها ويرجو مناصرتها وهو أمرٌ بحد ذاته سامٍ، وأنا لم أقاطع ولم أطلع حتى على الشركات الداعمة للكيان لا لشيء سوى أنني اكتشفت مقاطعتي بالأصل للكثير منها من قبل موجة المقاطعة الأخيرة التي أتمنى لها التوفيق والنجاح في النية والغاية والمقصد.

الأحداث الأخيرة والتي تسبقها والتي تسبق ما قبلها، كانت كفيلة لا بمقاطعة منتجاتٍ فحسب، بل بتغيير كثير من الأمور الجذرية على مستوى الإنسان؛ من العادات والسلوكيات وطريقة التفكير، ولكننا أثقلنا الحمل على الشماعات، وأكثرنا تراشق الاتهامات دون الوصول لهدف وقبل وضع الأهداف والاتفاق عليها.

الدكتور عبدالوهاب المسيري، رحمه الله تعالى، قال في أحد لقاءاته إنه لا يشاهد نشرات الأخبار؛ كي يفرغ ذهنه ووقته واهتماماته لمشروعه الثقافي، و كان كلامه هذا يقابله استنكار من المشاهدين، وكيف لرجلٍ مثله لا يشاهد الأخبار ولا يعرف ما يدور في العالم على وجه العموم والقضية الفلسطينية والعالم العربي على وجه الخصوص؟!

وأنا أرى أن دراسات وكتبا بل ومقولات عبدالوهاب المسيري، عن الصهيونية هي أكثر ما عاد له الناس في ظل هذه الأحداث الأخيرة، فكان لعدم متابعته لنشرات الأخبار فائدة مجتمعية وهدف.

هل يستطيع الفرد منا أن يوّسع المشهد في نظرته للمقاطعة؛ فيقاطع شيئاً من عاداته السيئة والحديث في ما لا يعنيه، ويترك الجدل والمراء ولو كان محقاً، ويخرج من دائرة ردة الفعل إلى الفعل نفسه لينشغل في ما يفيده، ويبذل من وقته وجهده ليقدم فائدة مجتمعية ويكون المشهد في ذهنه كبذرة فائدة إنسانية تُجنى ثمار نفعها ثقافياً لعل الله أن يطرح فيها البركة ويكتب لها القبول.

الثلاثاء، 12 نوفمبر 2024

الحل البديل

خارج الصندوق

الحل البديل



تختلف احتياجات الإنسان مع اختلاف الزمان والمكان والحالة الاجتماعية والمستوى الفكري والثقافي والأوضاع الاقتصادية والنفسية، والحاجة هي شعور بنقص في جانبٍ ما يطلب الكمال، وعندما يشعر الإنسان أن لديه نقصاً معيناً، يدرك مدى أهمية حاجته لذلك الأمر، وأولويته على غيره، فإما يسعى لإيجاد حلول، أو يصنع بدائل تتوافق مع حاجته، أو يكتفي بأن يتجرّع مرار الخضوع مع ما لا يتوافق ومبادئه ومعتقداته قائلاً: «ما باليد حيلةٌ»!

رأينا ذلك الأمر مراراً وتكرّرت على مسامعنا تلك الجملة كثيراً مع كل موسمٍ لمعرض الكتاب الدولي، عندما نرتاد الصالات ونرى إقبال القراء على ما لا أدري ما أسميه من شدة هبوط مستوى الطرح والكتابة، وبطبيعة المعروض من السلع أياً كانت، فهناك الممتاز، وهناك الجيد، وهناك الرديء، ولكل «ساقط لاقط»!

وهذا طبيعي جداً فبما أن المنتج ليس بمستوى واحد، فالمستهلك أيضاً ليس كذلك، ولكن ما أراه غير طبيعي أننا نكرّر الشكوى كل عام من ازدياد وجود الهابط من الإصدارات، ونقصٍ في كتابات تتناسب وفكر المراهقين وحاجاتهم واهتماماتهم ومستواهم الثقافي، ثم نجيد صياغة أفكارنا النقدية للواقع ونبذل مجهوداً مضنياً في تحليل الأسباب دون التفكير في السؤال الأهم، وماذا بعد؟!

هذا طبعاً مع وجود الطرح الجيد والممتاز الذي في الغالب لن يذكر أو يتعرض للنقد اللاذع غير البناء.

يقول المفكر العراقي علي الوردي في كتابه الخفيف الظريف المعنون بـ«شخصية الفرد العراقي»:(نجيد نقد المجتمع وكأننا لسنا من المجتمع!)، والعقل العربي اعتاد إجادة النقد كنوعٍ من تحقيق السلام الداخلي، بأنه انتقد وأنه لم يرضَ بالواقع، طبعاً دون إيجاد الحل بشكل واقعي مدروس وذلك أضعف الإيمان.

طالما أننا أدركنا نقصاً لطرح ثقافي يتلاءم ويتوافق مع ضوابطنا الاجتماعية، فبناءً عليه أصبحت لدينا حاجة تزداد مع الأيام، فالسؤال الذي طرحناه يحتم على المحتاج إيجاد الحل أو المحاولة، أو التفكير في كيفية إيجاد حل، وأعتقد أننا بحاجة للنهوض بمشاريع ثقافية ولو فردية، وخطط مدروسة تعوّض النقص المطروح وتوجد الحلول.

فكل صاحب صنعة ثقافية يدرك النقص بصنعته، ويوجد الحل الملائم الذي من خلاله يسد ثغراً فكرياً، خيرٌ ممن يكرّر الكلام في الحاجات فقط، فالشكوى من الألم لن تزيل الألم في النهاية، وصناعة ما يسد حاجتك بنفسك ولو كان ناقصاً مع سعيك في الكمال الذي لن تجده في بشر، خير من الرضا بما لا يوافقك.

الجمعة، 1 نوفمبر 2024

كنتُ أظن

خارج الصندوق

كنتُ أظن


سالم النخيلان

كنت أظن أن القراءة والاطلاع بالنسبة للمطلعين أشبه بشجرة تُسقى فلا تثمر إلا نوعاً واحداً من الثمر، كالنخلة مثلا تسقى، فتطرح تمراً...

وعندما أمعنت في الأمر وجدت أن القراءة بلا سابق رأي ولا تحجير فكرٍ أو إطلاق حكم، كالشجر المختلف يُسقى بماءٍ واحد لكن ثماره مختلفة ومتفاضلة، وكذلك عقول الناس، فتعاطي المعرفة والتأثر بها ليس واحداً، والتعامل معها ليس واحداً أيضاً، فالألباب مختلفة، والمجتمع وظروف التنشئة ليست واحدةً بطبيعة الحال؛ لذا فالأثر ليس واحداً...

وبناءً على ذلك، فالأسلوب الذي يبني عليه الإنسان استنباطه للنتيجة والأفكار الناتجة عن قراءته، وما يُستفاد منها للمستقبل الفكري قد يختلف كلياً وجزئياً، وقد يتفق جزئياً أو كلياً مع من يتعامل مع ذات المعلومة ذاتها والمصدر ذاته.

يقول الكاتب الروسي ليف تولستوي، لو جلس طفل تحت شجرة تفاح وتمنى تفاحة فسقطت عليه، لقال شخصٌ ما بأن التفاحة وقعت لأن الطفل دعا بذلك، وسيقول عالم النبات إن خلايا تحللت ما تسبّب بوقوع التفاحة، وسيقول عالم الفيزياء بأن ذلك من فعل الجاذبية...!

والسؤال أيهم على حق ؟!

أعتقد أن كلاً قد حكمَ من قِبَل تخصصه، وزاوية رؤيته، وطريقة تعاطيه للحدث، والغاية التي ينشدها من التحليل.

عندما خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، لقافلة قريش المارّة بآبار بدر، ولم يظفر المسلمون بالقافلة لكن انتصروا فغنموا بالمعركة؛ رآها البعض خروجاً بأمر وحيٍ إلهي، ورآها آخرون فرض مكانة المسلمين بالمدينة الواقعة على طريق قوافل قريش مع الشام، ورآها بعض المستشرقين قطع طريقٍ وسلبِ أموالٍ كعادة بعض قبائل العرب في الجاهلية!

من الطبيعي أن تختلف الآراء والتحليلات للحدث التاريخي الذي قد يراه البعض مسلّماً غير قابل للنقاش وبأنه أمرٌ إلهي لا حاجة لإعادة النظر فيه والتأمل، ولا حاجة لإعادة قراءته والاكتفاء بمنظورٍ واحدٍ لا ينتج إلا ثمرةً واحدة، رغم أن الشجر مختلف...

والأدهى أن مصدر المعرفة ليس واحداً وكذلك النتاج الفكري ليس واحداً بطبيعة الحال كالذي يسقي شجرة التفاح ماءً ويطلب منها أن تنتج زيتوناً، فيكف عن سقيها فإما تمد جذورها فتقوى ولا تنتج إلا تفاحاً وإما تستلم وتموت لأنها مطالبة بإنتاج الزيتون.

أظن أنه يجب تقدير اختلاف الآراء والفهم والتفكير وهو أمر محبب ومطلوب بالطبيعة البشرية، والنظر له على أنه نقطة اختلاف للتكامل لا تخالف لإقصاء المختلف فلعل المختلف يخاطب من يعجز الفكر السائد عن مخاطبته.

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2024

على فكرة

 خارج الصندوق

على فكرة

سالم النخيلان

جرت الحكايات الشعبية والروايات التاريخية عامة والإسلامية خاصة على خطين غُيِّب الثالث لهما، أحدهما الكريم المعطاء الباذل للمال بلا مقابل والآخر الفارس الهمام والبطل المقدام المقاتل، وذلك الحصر لأسباب عدة حزبية أو فكرية أو نفسية... 

وبطبيعة الإنسان صاحب العقل الكسول المتلقي دون تحقق ترك تصنيف الإنجاز على هذين الخطين والوجهتين اللتين من خلالهما ينظر للشخص على أنه صاحب قيمة بناء على الاقتداء بالسلف ذكرهم، وبتحجير الواسع ترتب عليه من أراد أن تكون له بصمة، ففي الحياة ليس له إلا هذان المسلكان، ليقف بالمقابل عاجزاً من كانت له موهبة أو قدرة مختلفة أمام إيجاد حل آخر لما يستطيع فعله، ومن أراد التفكير في مسلك مختلف كان بعين الميزان الموضوع مختلفاً وخارجاً عن جادة الصواب الاعتيادي، أدى ذلك إلى نقص وتهميش الطاقات البشرية التي ظننا أن لا حاجة لها تذكر ولا فائدة منها تُرجى.

يضعنا ذلك أمام التفكير في أمور عدة منها: 

هل عند قراءة التاريخ أو سماعه كان موجهاً بحصرٍ أمام مسلكين لأهداف معينة أو بصورة عشوائية؟ أم نحن من ساعد في حصر ذلك فكرياً من خلال النظر للأمور بمنظار مسبق من التفكير وميزان واحد مستهلك لقياس المعلومات والتعامل معها؟ وهل العقل الجمعي بالنظرة للأمور صحيح دائماً؟ وهل على الإنسان أن يعمل ضمن مجموعة ليكوّن نفسه ويحقق ذاته بنظرتهم له؟

يقف الشاب عاجزاً عن رسم فكر مختلف لخطه الإنساني له شخصياً أو لمن يماثله بالتفكير والمواهب، ما يجعله يشعر بالعجز والتهميش ثم اللجوء للانعزال، وليس ذلك الخط ابتداعاً من الخيال وإنما انطلاق كل شخص مما يظنه ميلاً شخصياً يستطيع من خلاله وضع رسالة إنسانية ولو على محيطه الشخصي أو الأُسري.

لا شك أن اختلاف المواهب والمشارب وتمايز الطاقات والميول أمر محمود في الطبيعة البشرية ليحصل التكامل البشري في البنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً،

وأعتقد أنه آن للطاقات الفردية واستثمار المواهب الشخصية البعيدة عن القيود المجتمعية أن تنهض، فالمجتمعات أحوج ما يكون لها الآن، والتاريخ الذي لم يحكِ لنا مليء بالكثير من الأمثلة الفردية المنعزلة في العمل وترك بصمة يُجنى ثمارها وإنجازها بعيداً عن الأمثلة المحصورة طرحاً وفكراً وغايةً.

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2024

كلنا بطرس

 

خارج الصندوق

كلنا بطرس



وظّف الروائي الروسي الأشهر ليف تولستوي، في روايته «الحرب والسلم» شخصيات الرواية بتجسيد جميل جداً يعكس واقعية الشخصيات البشرية وتفاعلها مع الحياة وتأثرها بها، والتغير الذي نتج عن احتكاك هذه الشخصيات ببعضها، وبالظروف المحيطة، وصنّفها بشكل جميل بين أصحاب المبادئ والقيم، والمعتقدات العقلانية، واضعاً تلك الشخصيات بما تحمله من قيم ومبادئ وأفكار وثروات في مصنع الحياة الذي يعيد تدويرهم ليخرُج كل واحدٍ منهم إما كما دخل، أو اسوأ من ذلك، أو أفضل.

في رواية «الحرب والسلم»، كان بطل الرواية يحمل اسم بطرس، وكما يبدو للقارئ لشخصيته في بداية الرواية أنه متهورٌ أرعن، ساذجٌ لا رأيَ له، وعاطفي لا يملك القرار...!

ورث مبلغاً ضخماً فقرّر أن يكون به إنساناً أفضل تكفيراً عن ماضيه الذي ضاع خلف شهواته ورغباته، وأراد أن يخدم البشرية ويسعى لإصلاح المجتمع، ورغم محاولات فاشلة عدة والتي كانت إحداها انضمامه للجيش الروسي في الحرب ضد فرنسا وقد كان وجوده فيها كعدمه، أدرك أنه لا فائدة ترجى منه في الحرب...

لم يهرب بطرس من روسيا كما فعل الكثير من أبناء طبقته من النبلاء، وعند انتهاء الحرب والظروف الصعبة التي عاشها المجتمع الروسي ككل، خرج بطرس سالماً بقيمه ومبادئه، فكان الشخص النبيل بأخلاقه الغني بأمواله، لأنه ببساطة كان يريد أن يكون شخصاً أفضل، وعمِل على ذلك بطرق شتى إلى أن وصل لما يريد.

كل فرد في الحياة تُغيّر الحرب فيه ما تُغيّر، وتضيفُ عليه ما كان مُستعدّاً أن يضاف له، فقد تكون الظروف واحدة، ولكن تعاطينا معها يختلف بين متفكر ومتأمل للخروج بنتيجةٍ ما والاستفادة منها، وبين من تمرُّ عليه وما أضافت له سوى علامات التقدم في السن والذكريات!

وكلنا نمر بظروف لا محالة... لكن استفادتنا تختلف باختلاف المبادئ والقيم والمعتقدات.

أعتقد أن التغيّر الأهم والأخطر الذي يتعرّض له الإنسان هو تغيّر القيم والمبادئ الذي ينتج عنه بالضرورة تغيّرٌ في السلوك، لأن تصرفات الإنسان ناتجة عن إيمانه بشيء ما، والأمور المعنوية كعمق الإيمان ووجوده لا يمكن قياسها داخل أي إنسان، بينما العقل قادرٌ على قياس الأمور الحسية والتعامل معها كمعرفة دون الإيمان بها، وغالباً ما يكون تعامله معها بـ «إما أفعل، أو لا أفعل»...

وهي نزاعات بشرية وتساؤلات داخلية وخواطر فكرية تمرُّنا بشكل يومي وتختلف باختلاف الأحداث، فنظن كل يوم بأنها الصورة النهائية لنتاج الفكر والمبادئ والقيم، لكن يأتي الحدث ليغيّر منها أو منّا ما يستطيع تغييره أو ما كنا نحن مستعدين لتغييره، وأعتقد شخصياً أن صاحب المبادئ والقيم هو الذي يغنم في النهاية ويخرج بالصورة الأجمل والأقرب إلى الكمال.

الثلاثاء، 30 يوليو 2024

خارج الصندوق معلّبات

خارج الصندوق

معلّبات



سالم النخيلان

مع مجريات الحياة السريعة وتوافر سُبل الراحة والرفاهية الذي تحول إلى شيءٍ من الكسل، واحتياجنا لبعض المواد الغذائية التي أصبحت معلبةً جاهزة كتب عليها عبارة «جاهزة للأكل»، وهناك بعض المعلّبات أتاحت للمستهلك التنويع بالنكهات والمذاقات أو الإضافات ما يشعره بأنه اختار ما يناسب ذائقته، وهناك نوع ثالث من المستهلكين، وهو الذي يشتري المعلبات ويقوم بوضع بعض الإضافات الخارجية أثناء التحضير والتسخين ليكون بذلك قد فعل ما يناسب ذائقته، أو أنه فعل ما يجعله يشعر بلمسته المختلفة وإضافته الخاصة، وكلنا أولئك الرجال...

هب أنّك دخلت إلى مركز التسوق فحتماً سوف تبتاع من المعروض، أو ما سبقت تجربته من قبل، أو ما تم التسويق له بشكل جيد مع توافر السهولة والسرعة وموافقة الحال المزاجية لا الحاجة الفعلية غالباً.

  1. في تناولنا لأفكارنا اليومية وتعاملنا مع مجريات أحداث حياتنا وما يحيط بنا في الكثير من الأخذ والرد وما يتوجب علينا فعله وتركه وما نقوله وما نسكت عنه وكيف لنا أن نرد، وشكل الرد، وما يجب علينا أن نطوره، وما يناسبنا فعله، أصبحنا نبحث عن الأفكار والحلول الجاهزة المعلبة المعروضة المُجربة المُسوّق لها بشكل جيد والتي توافق أمزجتنا، والمتذاكي هو الذي يأخذ الفكرة ليضع عليها لمساته الخاصة قائلاً أضفت ما يناسب عاداتنا وثقافتنا، وأيضاً أقول: «كلنا ذلك الرجل» في تعاطينا للأفكار والحلول الجاهزة المعلبة المجربة، مع أننا جربنا الكثير من الأفكار التي عرفنا أنها لم تأتِ بحل ولا غيّرت حالاً ولا أبلغت مقالاً باختصار، لأننا نركن إلى قول «هذا هو الموجود» دون إعمال العقل وسؤال النفس أهذا هو الصحيح؟

أسئلة كثيرة تدور في ذهني لا أعرف لها جواباً غير أني أتساءل عندما أرى الكثير من الأمور القابلة لخلق حل، أجد التعامل مع التفكير كالتعامل مع المعلبات، حتى على مستوى شريحة كبيرة من مدعي الفكر والتجديد، لكن لعلها دعوة إلى مائدة الفكر وطرح القضايا ذات الأولوية في مجتمعنا ووضع أفكار تناسبنا بالدرجة الأولى من جميع الأبعاد، وتناسب مجريات الأحداث، والواقع المعاصر لا بهدف الرد أو الدفاع أو التمسك، ومن هذه الأبعاد البعد الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي، أعتقد بأن هناك خوفاً كبيراً من التفكير وخلق حلول جديدة وكأنه تعامل مع المجهول، لذلك يركن الإنسان للتعامل مع المعطيات الجاهزة المجرّبة.

الثلاثاء، 16 يوليو 2024

المكان الهادئ

المكان الهادئ


خارج الصندوق


سالم النخيلان


فيلم أجنبي بعنوان «a quiet place, day one» يحكي قصة اليوم الأول الذي يصبح فيه العالم هادئاً، ويتم عرضه حالياً في دُور السينما الكويتية وهو الجزء الثالث لجزأين سابقين، يتحدثان عن اجتياح مخلوقات غريبة للعالم لا تُرى، ولكنها تهاجم أي مصدر للصوت ولو كانت مجرد كلمة، فتخطف الذي أمامها وكأنها تراه، فيؤثر الكيّس الفطن بالفيلم الانعزال عن العامة ومن لا يعرفهم ولا يثق فيهم لعدم ضمان تقلباتهم ورغبتهم في النجاة ولو على حساب الآخرين، كذلك ضعف صبر الناس عن الكلام في ما ليس له داعٍ، ما يؤدي إلى هجوم هذه الكائنات الغريبة الفتّاكة عليهم، وترك الحديث وكل ذلك بحثاً عن النجاة، غير أن كل شخص يرى أنه صاحب رأي.

الكلام فطرة جُبل الناس عليها، بل هي أداة للتواصل والتفاهم والتعبير بين أفراد المجتمع، لكن في أزمنة الرخاء يعتاد الناس الكلام بلا ضابط، كما هو معتاد أيضاً في الشعوب المترفة بسبب قلة العمل وزيادة أوقات الفراغ، وهناك من يخوض في كل صغيرة وكبيرة كدليل على الإلمام والإحاطة بما يدور والتباهي به، والذي ينزلق في فلتات لسانه والكلام في ما يعنيه وما لا يعنيه ويعتاد من حوله عليه بأن يترك تعليقاً أو يدلي بدلوٍ ويجد منصتاً ومعجباً ومصفقاً، فذلك ابتلاء من الله عظيم يظن منه المتكلم أنه على حق.

برأيي أن في الفيلم إشارة عظيمة تجسد حال الناس بين اعتيادهم على الكلام بلا قياس ولا ضابط وبين انتشار الفتن، وأثر الكلام في أزمنة الفتن التي يكون القاعد فيها خيراً من الماشي، والكائنات التي تأتي لمجرد سماع الصوت هي كالفتن التي تفتك بصاحبها دون أن تعطيه فرصة للهروب، وبالفعل فالفتن غالباً ما تكون غريبة على أهل زمانها فلا يعرفونها ولا يدرون ما هي ولا كيف جاءت.

أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر في ما اعتدنا عليه من كلام، والبعد عن الخوض بالكلام أحرى لسلامة القلب من الانشغال بما لا يعنيك أمره ولا يهمك حاله، وفي ذلك تصديق لما جاء في حديث النبي، صلى الله عليه وسلم في قوله: (...من كانت له إبل فليلحق بإبله، ومن كان له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، ومن لم يكن له شيء من ذلك فليعمد إلى سيفه فيدق بحده على حَجر، ثم لينج إن استطاع النجاة)، أو كما قال، صلى الله عليه وسلم.

الثلاثاء، 11 يونيو 2024

حلّاق إشبيلية

 حلّاق إشبيلية

سالم النخيلان

حلّاق إشبيلية قصة مسرحية كتبها كارون دي بومارشيه، والتي تدور أحداثها في مدينة إشبيلية الإسبانية.

تتحدث عن قصة فتاة يتيمة اسمها روزين، تعيش تحت وصاية طبيب كبير في السن يطمع للاستيلاء على أموالها ما دفعه للتفكير بالزواج منها، وفي الوقت ذاته أحبها أحد نبلاء إسبانيا وهو الكونت ألمافيفا، ولكن لسببين اختلفت مجريات الأحداث؛ الأول سيطرة الطبيب عليها والثاني لأن الشاب النبيل يريد نيل حبها من أجل ذاته لا لأمواله، فآثر التنكر والاستعانة بحلّاق إشبيلية القريب من منزلها، وكأغلب قصص الحب فإن الفتاة البائسة المُسيطَر عليها يرميها «كيوبيد» بسهمه فيخترق حبه قلبها دونما استئذان.

هذا العمل المسرحي حمل في طياته الكثير من الرسائل الهادفة بأسلوب الكاتب الفكاهي المختلف في الطرح لإيصال رسالته؛ ما جعل هذا العمل من أنجح أعماله ورسائله الإنسانية.

أما «حلاق الأندلس»، فهو شاب تركي وسيم اسمه حسين، يعمل في محل عمه الكائن في منطقة الأندلس السكنية وقد اعتدت أن أذهب للحلاقة عنده، ورغم قلة كلامي معه كعادتي وقلة كلامه معي كعادته، فقد سكت دهراً ونطق حِكَماً!

قال: الحمد لله إنني فقير، لأن من يعرفني ويتعامل معي ويتقرب مني ويطلبني إنما يطلبني للموهبة التي منحني الله إياها وهي حلاقتي الممتازة وليس لما أملك من مال، وكذلك هو الحال عندما أصلي فأنا لا تخطر في بالي أموالي وتجارتي وإدارتها، وكيف لي أن أقابل الله بصلاة أفكر فيها بمالٍ أو تجارة فتكون عليّ مغرماً لا مغنماً؟!

حسين الحلاق، رضي بما قسم الله له وقنِع وتكيّف معه.

ألاحظ فكرة سادت عقول مجتمعنا أخيراً، وهي الرغبة العارمة في التجارة لا لتوفير الرزق الحلال وممارسة العمل، أو توفير سلعة بعينها، أو لحاجة مجتمعية، بل لكنز الأموال والعيش بترف!

لعلّ الحلاقةَ من أكثر المهن اهتماماً بتحسين الظاهر، أما الباطن من الفكر والغاية والمقصد فهو توفيق إلهي وجهد شخصي...

أظن أن الكونت، تنازل عن وجاهته ولم يطلب يد روزين، بماله لأنه مدرك تمام الإدراك أن المال سبب لا غاية، واختبأ بزي الحلاق ليتوجه قلبها للحب والحب فقط!

هذا المبدأ تشارك به الحلاّقان؛ حلاق إشبيلية وحلاق الأندلس... وكلاهما أرادَ نيل الود من دون مصلحة.

الثلاثاء، 4 يونيو 2024

تعال بص... بجنيه ونص

 تعال بص... بجنيه ونص

سالم النخيلان


قبل شهر ونصف الشهر انضممت إلى فرق تطوعية، فوجدت معها وبها أناساً تشبهني في الهمِّ والغاية، وتختلف عني في الميول والمواهب؛ فشدّ كلٌ منا عضد أخيه، وأتمّ نقصه، ومن خلال هذه الفرق دعونا متطوعين للقيام بالعمل ومشاركة الأفكار ثم التنفيذ على أرض الواقع.

والذي أعرفه أو ما اشتهر عن العمل التطوعي أنه بذل الوقت أو الجهد أو المال بلا مقابل؛ بقصد أن تعود الفائدة على المجتمع والوطن، ومن هذا التعريف دخلت في العمل التطوعي الثقافي، وأخذت أبحث عن فريق عمل... فاستقطبته بتقديم المغريات والمديح والثناء لأفراده والأخذ بآرائهم وكأنني أدلل على بضاعةٍ مُزجاة؛ منادياً «تعال بص... بجنيه ونص» !

آملاً أن أبني فريقَ عملٍ جديّ، فتمثل لي قول الكاتب المصري أحمد أمين -رحمه الله- في مذكراته عندما قال: «درست القانون والفقه والقضاء، لكني وجدت العلم فيهم والعمل بهم أمرين مختلفين تماماً».

لعل المتطوع اليوم يصبو إلى نفع نفسه أولاً، ويركز على مصلحته الشخصية من هذا العمل وأحياناً يريد قضاء وقتٍ ممتعٍ لا أكثر.

أو أنه يبحث عن مكان يفخّم فيه أناه، أو يسترسل بشكواه! أو أياً من عوامل الجذب المزيفة.

ولعلّي رفعتُ سقف أفكاري وتوقعاتي فانهار السقف على رأسي...!

أو لعلّي لا أصلح لقيادة فريق، أو أننا مختلفون في الغاية والمقصد، أو أنني في حاجةٍ لتصحيح نيّتي؛ أو لعل كلها أو بعضها أو ربما غيرها بعيداً عن الأسباب والمسببات.

عندما سقط بيت المقدس في يد الحملات الصليبية عام 1099م، 492هـ، نظر أبوحامد الغزالي، إلى أبعاد الأمور؛ فآثر العزلة على الخلطة، ونظر في دقائق النفس والأهداف الخفية من وراء كل تصرفات الإنسان، وسعى لإصلاح المقصد والغاية والنوايا؛ فألّف كتابه المعروف «إحياء علوم الدين» الذي تحدّث فيه عن دقائق النفس وخبايا القلب، فجعله مشروعه الإصلاحي الذي أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر فيه وفي بقية كتبه النفيسة علّنا نجد ضالتنا.

عندما كنت صغيراً في السن؛ خرجت ووالدي -رحمه الله تعالى- مساءً في الإجازة الصيفية في مشوارٍ، ومررنا بإحدى إشارات المرور وقد تعطّلت، فبدأ الناس يتجاوزون الإشارة ويتداخلون في التقاطع وعمّت الفوضى؛ فنزل شابٌ كويتي ونظم عملية السير وأعطى كل جهة حقها، وعندما مررنا عليه كانت قد وصلت الشرطة لتحييه وتكمل عنه عملية تنظيم السير إلى حين إصلاح إشارة المرور، فحيّاه والدي وأثنى عليه وشكره، وأثنى أمامي على الشاب بفعلته الشهمة، وقال: هذا رجل شهمٌ صاحب مروءة، وقد قام بفعل جميل ويستحق كل الثناء لأن هذا الوطن يستحق منا البذل له دون مقابل.

كانت تلك الصورة لذلك الشاب وقد تبلّل ثوبه عرقاً وهو يقوم بواجبه الذي أوجبته عليه نفسه ومروءته وأخلاقه ولم ينتظر من يمنحه مكافأةً معنويةً كانت أم مادية، أو يجمّل له صورة التطوع؛ راسخةً في مخيلتي، فأعزي بها نفسي وأذكِّرها أولاً وأخيراً وكل متطوع بقوله تعالى: «ومَن تطوّع خيراً فإنّ اللهَ شاكرٌ عليمٌ».