خارج الصندوق
الكهف
في تعاملات الإنسان اليومية واحتكاكه بالمجتمع، الحقيقي منه والوهمي، قد يشعر ببعض المنغصات أو المضايقات أو المكدرات، التي تحتاج منه إمّا الانتصاف للنفس، أو التنازل عن حقٍّ هو صاحبُه أصلاً.
وكذلك ما يتم نشره في وسائل التواصل الاجتماعي في عالمه الوهمي؛ فهو ليس شعوراً لصاحب الحقّ بأنه مُحق، ولا إشعار صاحب الباطل بأنه على حق، بل هو شعور المتلقي المُسلّم بأن المتكلم والملقي لكلامه هو الحق ذاته، وهو المريد للخير، وذلك ما يثْبته عدد المتابعين وعدد التفضيلات التي لامس كلامه مشاعرهم ودغدغ أحاسيسهم، وربما أجاد الغناء على ليلاهم.
هذه الحياة مليئة بالمشاغل والمنغصات بطبيعة الحال، فلا يصفو لك يومٌ إلا نادراً، ولن تجري الرياح بما تشتهي سفنك دائماً.
ولكن الأمور العابرة في حياة الإنسان قد تعطيه درساً، أو تزيد رصيد حكمته، أو تعلّمه صبراً وحِلماً.
أمّا ما نجده من عالم الوهم والمتابعين -إن لم يكونوا متابعين وهميين أصلاً- فهو كلامٌ وهمي يُقدَّم لمشاهدين وهميين، لا يُعرف صدق استفادتهم، ولا يُعرف عنهم إلا ما تسمّوا به: «متابعين»، بحقٍّ وباطل.
فالوهم يُقدَّم لهم دون دليل، والمتكلم لا يعرض من شهاداته وخبراته إلا لباسه، وسيارته، وغرفة نومه، وكلاماً يلاقي له أذناً تتلقى، وعقلاً ساذجاً، وقلباً غافلاً، وروحاً مثقلة وإنساناً هارباً؛ ليزداد المتابعون تسليماً، ثم اتباعاً، ثم تعلقاً، ثم حملاً لرأيٍ لم يكن لهم، لهراءٍ يبنون له حجة، ثم يدافعون عنه بالغالي والنفيس.
مما رأيتُ من الاحتكاك بالمجتمع أخيراً، أحببتُ شيئاً من الانعزال القلبي والعقلي، والإيواء إلى كهفي المتخيَّل؛ فلا يُشوِّش عليَّ سُخف متحدث، ولا مشهور، ولا مغترٍّ بمتابعين، ولا أستمع لصديقٍ تأثر بهم وإن كان قريباً، ولا أحب جدالاً، ولا أفرض رأياً، لأجد نفسي أخالط الناس ظاهراً، وأنا منعزلٌ عنهم، غير متأثرٍ بهم، ولا آخذ عنهم أو منهم ما يعكّر صفو نفسي من مسببات القلق والأذى، من عالمٍ لا حقيقة فيه ولا صدق؛ فالكل يتظاهر بما لا يمثله على الحقيقة، ويعبّر عما لا يعبّر عنه في الواقع، فالواهم والموهوم كلاهما رضي بنصيبه من الآخر، وأنا رضيت بنصيبي من العزلة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق