‏إظهار الرسائل ذات التسميات سامي الحاج. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سامي الحاج. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 15 يونيو 2017

"غوانتنامو قصتي".. وفاة في السجن




"غوانتنامو قصتي".. وفاة في السجن

سامي الحاج
مدير مركز الجزيرة للحقوق والحريات



وأعود لأغرق في وحدتي يتناهى إلى أذنيَّ غناء طير الليل الجريح، أشعر كأن غناءه الضارع الحزين أحرف عزاء ينثرها من أجلي، لكأنه كان معي طوال تلك الرحلة الطويلة، رحلة العذاب والضنى... وخفت الغناء لا لأن الطائر رفيق الليلة يبتعد، وإنما لأنه يقترب لنبقى معاً عند شط الخليج العربي مؤرقين بذكرى خليج آخر، خليج غوانتانامو الذي صرخ أحد الصحفيين البريطانيين أثناء زيارته له قائلا: "ما هذا المكان بحق الجحيم؟".

كان حقاً جحيماً تستعر فيه ألسنة الكراهية، وتتخلق رؤوس اللهب فيه ومنه إلى وجوه بشرية بشعة، ورؤوس كلاب تعمل على حراستنا ليلاً ونهاراً، تسومنا سوءَ العذاب وتذيقنا مُرَّ الهوان.

نحن سجناء غوانتانامو تم احتجازنا بلا سبب، فقط لأننا كنا في باكستان وأفغانستان عند بدء الحرب الأمريكية على أفغانستان، نقلنا على نحو غير إنساني مكبّلين بالسلاسل، مغمضي العيون، مسدودي الآذان على متن طائرات (C17) العسكرية في رحلة تستغرق سبعاً وعشرين ساعة، لنُرمى في زنزانات فولاذية مكشوفة أرضها أسمنتية خراسانية صلبة، فيما كان يسمى آنذاك بأشعة إكس، والذي تم تحويله فيما بعد إلى معتقل دلتا، لنعيش حلقات مسلسل طويل من الإهانة والإذلال والتعذيب.

ليس في الزنزانة أثاث، كل ما هناك قارورة ماء تستبدل كل شهر، ومعها كوب خفيف من الفلين، ومرتبة وحصيرة بلاستيك بسيطة كنا نستخدمها للصلاة ونستتر بها عند قضاء الحاجة
وطارت طيور الليل العربي تغني يتناهى غناؤها إلى أذنيَّ مع الحفيف البعيد لموج الخليج، خليج قريب لا ينفك يذكر بصدىً لأمواج خليج بعيد. كل شيء في هذه الليلة يبدو جارحاً كنصل من حديد يقطّع ثنايا وطيات الذاكرة، يقطّع حنايا الفؤاد.

هل ذقتم العُري مع ضغط القيد وخشونة الأرض الصلبة؟ هل جرَّبتم الحرمان من النوم لياليَ متصلةً تحوِّل الساعات كابوساً متصلاً تتحرك فيه النفس والمرئيات مثل أشباح تتوالد أشباحاً لدرجة أن يصبح الجنون أمنية ونافذة للخلاص؟ عُواءُ الكلاب الشرسة.. هجومُها.. استغاثاتُ المعذبين جسدياً ونفسياً... يا إلهي، كيف استطعتُ تَحَمُّل ذلك العذاب!؟ أوَ ترى تذْكُرني الآن الزنزانة التي استقبلتني فور وصولي، الزنزانة رقم (40) من عنبر ليما (L) في المعسكر الثاني.

لقد كان في غوانتانامو معسكران: 1 و 2، يبعد الأول عن الثاني مسافة مئة متر، ويضم ثمانية عنابر هي: ألفا (A) وبرافو (B) وتشارلي(C) وهوتيل(H) وغولف(G) وإيكو(E) ودلتا(D)، فضلا عن عنبر إنديا (i) السيّء الصّيت. أما المعسكر الثاني فكان يضم خمسة عنابر هي: كيلو(K) وليما(L) ومايك(M) ونوفمبر(N) وأوسكار(O).

وكما ذكرت، ففي المعسكر الأول: عنبر إنديا (i) المخصص للعقوبات زنازين حاويات مفتوحة مقسمة بأعمدة من الفولاذ والحديد، مساحة الواحدة منها متران في متر ونصف متر طولاً وعرضاً، وبداخلها مغسلة حديدية مثبت إلى جوارها سرير حديدي مثبت هو الآخر بأرضية الزنزانة، وبين المغسلة والسرير فتحة صغيرة نستخدمها لقضاء الحاجة.

ليس في الزنزانة أثاث، كل ما هناك قارورة ماء تستبدل كل شهر، ومعها كوب خفيف من الفلين، ومرتبة وحصيرة بلاستيك بسيطة كنا نستخدمها للصلاة ونستتر بها عند قضاء الحاجة.

أوساخ البدن تنقضي لا محالة، ولو في أحشاء الأرض وأفواه الديدان. لكن، ماذا عن قذارة الروح! فبدَمٍ بارد، يقتل الإنسان أخاه الإنسان، بعد أن يعذبه، ثم يمزق جثته ويرسلها في صندوق لوالده!!
وحين يكون السجان راضياً عني، فقد ينعم عليَّ بشرشف واحد وبطانيتين ومنشفتين عاديتين وأخرى صغيرة لليدين، وصابونة صغيرة ومعجون أسنان وفرشاة؛ المعجون عبارة عن سائل أقرب إلى الماء، بينما الفرشاة صغيرة جداً تركب على الأصبع حتى أستطيع تمريرها على أسناني. هذه هي الأشياء التي قد تكون بحوزتي إذا رضي الحراس، هي كل ما أملك في مكان يئزُّ فيه الشقاء أزًّا، ويجهد القائمون عليه في جعلك لا تشعر بالتقزز منه وإنما من نفسك، من مكابدة أوساخك على نحو بعيد عن التحضر وعن أبسط قواعد النظافة البدنية. وبالحرص على فرض هذا المزاج المنحرف، يأمل الحراس والجنود أن تتوفر لهم فرص أفضل للترقي، لكن الترقي في ماذا؟ في السادية التي تصل إلى حد القتل؟

أوساخ البدن تنقضي لا محالة، ولو في أحشاء الأرض وأفواه الديدان. لكن، ماذا عن قذارة الروح! فبدَمٍ بارد، يقتل الإنسان أخاه الإنسان، بعد أن يعذبه، ثم يمزق جثته ويرسلها في صندوق لوالده!!

نعم، لقد حدث ما قد يجعل الحديث عن شأن نظافة البدن ضرباً من الترف، ففي التاسع من يونيو/ حزيران عام 2006 عُثر على ثلاثة من السجناء ميتين في قسم كامب دلتا، هم: صلاح أحمد السلامي، ومانع بن شامان العتيبي، وياسر طلال الزهراني في ظروف مثيرة للعجب؛ كلٌّ معلقٌ في زنزانته، ويداه مقيدتان وقدماه كذلك، وقطعة قماش محشوة في فمه، ولم يتم اكتشاف جثثهم إلا بعد ساعتين على الرغم من أن زنازين المعتقلين كانت دائماً تحت المراقبة الشديدة، حراس يحومون حولها على مدار الساعة، وكاميرات تسجل كل حركة لهم.

وفي محاولة لشرح ما جرى في كامب دلتا، قال الأدميرال هاري هاريس مسؤول المعتقل في حينه: إنه لا يعتقد أن يكون سبب الانتحار "ناجماً عن حالة من اليأس"، ولكنه كان "فعلاً من أفعال الحرب غير المتناسقة". كان الثلاثة قبل العثور على جثثهم معتقلين في قسم اسمه "ألفا" حيث كانوا قبل وفاتهم قد أضربوا عن الطعام احتجاجاً على الظروف السيئة. قبلت وسائل الإعلام آنذاك تبرير الأدميرال هاريس ونسيت قصة الثلاثة وأغلق الملف عند هذا البيان، ولم تتخذ سلطات السجن أي إجراءات ضبط أو عقوبات ضد الحرس الذين أهملوا واجباتهم في ليلة الوفاة.

الخميس، 8 يونيو 2017

"غوانتنامو قصتي".. الابتلاء

"غوانتنامو قصتي".. الابتلاء

سامي الحاج
مدير مركز الجزيرة للحقوق والحريات



كان في الخيمة المجاورة لنا مغاربة وتونسيون. كانت هناك جنسيات متعددة ولغات وسحنات مختلفة جمعها الابتلاء، ووحَّدها القهر والظلم، ويجمع بينها الإسلام كذلك. والمؤسف أن بعض الباكستانيين ممن سال لعابهم للمال وباعوا ضمائرهم لقوى البطش والبغي، سلّموا هؤلاء بعد أن أخذوا حفنة دراهم جراء تلك الخيانة.

في قندهار يُعطَى السجين وجبةً ثالثة هي عبارة عن رغيف خبز عند السادسة مساءً يُسلم بعد المراسيم المهينة التي أسلفت. وكانت رجلاي منتفختين وركبتاي تؤلمانني ألماً شديداً، وكنت لا أستطيع القيام إلا بصعوبة. وكان الجنود الذين انعدم فيهم الحس ومات لديهم الضمير ينادون على أرقامنا، ومن لا يجيبهم يشبعونه ضرباً وركلاً! فكنت أتحاشى ذلك ما استطعت، وكانوا يقومون بحملات تفتيش مفاجئة بين الفينة والأخرى خصوصاً في منتصف الليل.

في أيامنا الأولى حَضَرَتْ لزيارتنا بعثةٌ من الصليب الأحمر، وكان أحدهم يتحدث الفرنسية فطلب أن يتحدث معه أحدنا بالفرنسية حتى لا يتابع الجندي الأمريكي حديثه وتوجيهاته ونصائحه.

كان من بيننا جزائري قضى كل حياته في فرنسا ولكنه لا يعرف من العربية شيئاً، ضيع علينا الفرصة وتحدث المتحدث الآخر بالإنجليزية. شرحنا له وضع معتقل قندهار وحقوقنا التي يحرموننا منها. وبين لنا من جهته أنهم سيأخذون عناويننا ويسلموننا أوراقاً لكتابة رسائل إن شئنا، كما أوضح لنا أنه لا يوجد حتى الآن نظام للمعتقلين، وأن الوضع القائم هو جمعهم وتكديسهم في هذه المعتقلات، وأن الصليب الأحمر يريد أن يسمع منا ويعرف أحوالنا.

تحمست للحديث معه وأخبرته بما عانيناه من ظلم وضرب وتنكيل وذل وتجويع، وطلبت منه أوراقاً لكتابة رسالتين إحداهما لزوجتي والأخرى لقناة الجزيرة. وفضلاً عن ذلك شجعت السعوديين الذين كانوا معي للحديث عن وضعيتهم للصليب الأحمر، خصوصاً ما وقع من انتهاكات كمنعنا من الاغتسال والوضوء، مع أنهم كانوا يسمحون لنا بالصلاة.

بعد فترة من التعذيب والتحقيق تبين لهم أنه بريء، فأخرجوه هو وعائلته بعد ثلاثة أشهر من العذاب، غير أنه تعلم خلالها الفاتحة وبعض قصار السور، وصار يعرف كيف تُؤدَّى الصلاة ونحو ذلك
ذكرت له التفتيش العشوائي منتصف الليل والوضع المهين للمعتقل عندما يبدؤون تفتيشه أو عقابه، وذلك بإلزامه بالجلوس جاثياً ووضع يديه على رأسه وما يصاحب ذلك من سب وشتم وضرب بالأيدي وأعقاب البنادق. وفوق كل ذلك كانوا يركلون المصاحف التي كان الصليب الأحمر قد أحضر منها خمس نسخ باكستانية لكل خيمة، فكانوا يفتشونها بشكل مهين ويرمونها ويمزقون البطانيات والأغطية، فضلاً عن الضرب الدائم بلا سبب.

كانوا يتعمدون ضرب ضعاف البنى ذوي الأجسام الضاوية النحيفة من صغار السن والمتقدمين في العمر إمعاناً في الإذلال والإهانة، فيمزقون ثيابنا وإن طلبنا منهم ثياباً بديلة رفضوا ذلك. كان أسوأ ما في قندهار هو النداء على الأرقام والصفوف التي تلي ذلك في فترات مختلفة من ليل الشتاء القارس، وما يتبعها من عنجهية وصلف، على من؟ على معتقلين عُزَّل مقهورين!

جاء الصيف بحرِّه الشديد الذي ما كان يقل فظاعةً عن زمهرير الشتاء، واستمرت فيه مسلسلات الانتهاكات والتمادي في إذلالنا وترهيبنا وتعذيبنا، إذ كانوا ينادون على الأرقام عند منتصف النهار إمعاناً في التعذيب والترهيب!

بعثت بعدة رسائل في تلك الفترة من قندهار إلى قناة الجزيرة وإلى زوجتي، ولكنني لم أتسلم أي رد، وكان جواب بعثة الصليب كلما سألناهم عن الردود: أنهم لم يتسلموا أيَّ رد!! ولكن ذلك لم يقلل من عزيمتي وكنت قد بعثت بأربع رسائل استوفيت فيها كل المعلومات المطلوبة.

على مدى أربعة أشهر لم يُسمح لنا بالاغتسال لا تطهراً ولا تنظفاً. كانوا يزودوننا بقوارير ماء للشرب فقط، فران علينا الوسخ وانتشر القمل في ملابسنا وشعورنا وأجسادنا، ولن أنسى المعاناة والأمراض والضعف، ثم الذل والهوان اللذين كانا يلازماننا طوال اليوم.

ولقلة الحركة، ضعفت أجسامنا وانتشر بيننا الإغماء، فكانوا يأخذون من يُغمى عليه إلى خيمة يسمونها العيادة، ويتعاملون معه بغلظة فيعطونه فيتامينات ومقويات، وأحياننا تعطى له الحقنة خارج الوريد فيتألم ولا يبالون بمعاناته! فانتشرت بيننا أمراض فقر الدم وسوء التغذية بالطبع.

وإنْ أنسَ لا أنسَ الجنود وهم يمزقون المصاحف ويرمونها ويركلونها في أوقات التفتيش، ولن أنسى اعتداءاتهم على صغار السن الضاوين المرهقين. أذكر ذلك المسن الأفغاني، كان جسمه ممتلئاً وكانت الملابس على غير قياسه، كانت تتمزق وكان يربطها بخيط على خصره، قالوا: إنه يريد بذلك الخيط قتالهم فخنقوه به حتى بقيت آثاره في رقبته وأغمي عليه.

كنت أتحدث مع هذا الشيخ الباكستاني عبر مترجم، وأفهمني أنه من بدوٍ يقيمون على الحدود مع باكستان وأن الأمريكيين هجموا عليهم واعتقلوهم، وأن ابنه وبعض إخوانه وأقاربه في خيمة أخرى بتهمة تهريب العرب من أفغانستان إلى باكستان، والرجل يقسم أنه لا يعرف عرباً ولا غيرهم، وأنه أميٌّ لا يفقه ما يتحدث به الناس. كان لا يعرف كيفية الصلاة، فكنا نعلمه كيف يؤديها بصورة صحيحة. وكان لا يقيم الشعائر ولا يعرف شيئاً عن الدين، ولم يشفع له كل ذلك!

وبعد فترة من التعذيب والتحقيق تبين لهم أنه بريء، فأخرجوه هو وعائلته بعد ثلاثة أشهر من العذاب، غير أنه تعلم خلالها الفاتحة وبعض قصار السور، وصار يعرف كيف تُؤدَّى الصلاة ونحو ذلك.

اكتملت المأساة حينما أخبرنا موظفو الصليب الأحمر أن أولئك البُرآء عادوا فوجدوا قريتهم قد أضحت أثراً بعد عين، إذ هجمت عليها الطائرات الأمريكية وتركتها قاعاً صفصفاً، تهدمت مبانيها على رؤوس النساء والولدان والعجزة ممن لا حول لهم ولا قوة.

كان التفتيش المفاجئ يتكرّر كثيرا، وكانوا يقومون باقتحامات تدريبية يتصورون من خلالها أن تمرداً وقع داخل السجن وعليهم إخماده، فتقتحم سيارات الهمر والمدرعات الصغيرة الأخرى المعسكر، ويدخل الجنود مدججين بالسلاح على أنغام الموسيقى العالية وهم يلبسون واقيات ويقتحمون إحدى الخيام، ويحيطون بالخيام الأخرى. كانوا يركزون في هذا التدريب على الخيمة التي يوجد فيها مرضى أو جرحى! كان من ضمن سلسلة الحروب النفسية ضد السجناء العزل في قندهار رفع الصليب عالياً فوق الأبراج، واستفزاز السجناء بجنديات مائعات يتلفظن بألفاظ فاحشة، ويتندرن بكلام بذيء إمعاناً في الإهانة والتعذيب النفسي.

التحقيقات في قندهار كانت أكثر دقة من باغرام، إذ كانت طويلة ومتشعبة، وكانت تستمر ساعات طويلة تتكرر فيها الأسئلة وتتعدد صيغها. وأذكر أنهم حققوا معي بعد حضوري ثم استدعوني مرة ثانية بعد أسبوعين، سألني المحقق في الجلستين عن حياتي كلها.

يأتي الجنود لأخذ المعتقل للتحقيق معه، فيأمرون جميع من في الخيمة ـ قبل دخولها ـ بالاصطفاف على جانب منها، جاثين على ركبهم وأيديهم فوق رؤوسهم، تحت مراقبة أحد الجنود، ثم ينادون على رقم المعتقل، فيتجه إلى الجانب الآخر من الخيمة وينبطح على الأرض وجهه إليها ويداه وراء ظهره، على بعد ثلاثة أمتار تقريباً من باب الخيمة الذي يفتحه جندي ويدلف منه اثنان بسرعة، يقفز أحدهما على ظهر ذلك المعتقل ويثبت إحدى ركبتيه على ظهر المعتقل ويقيد يديه من الخلف، في حين يقوم الجندي الآخر بتقييد رجلي المعتقل بقيد من حديد، ثم يضعان على رأسه غطاءً أسود معتماً، ويوقفانه مُطأطِئ الرأس كأنه يتهيأ للركوع. بعدها يقوم كل من الجنديين بإدخال يده في يد المعتقل التي تليه ويمسك أحدهما برقبته ويضغط عليها، قبل أن يقتاداه خارج الخيمة، ليُغلَقَ الباب من جديد. ويتجهان به هرولةً إلى خيمة مُعدّة للتحقيق، مروراً ببعض الخيام التي يوجد فيها معتقلون، أو تلك التي تستخدم لأغراض أخرى كالطبخ ونحوه. وإمعاناً في التعذيب يمرون بالمعتقل على قيعان الماء والحفر والحجارة حتى يتأذى أكثر، وحين يدخل الخيمة التي يكون سقف بابها منخفضاً كالعادة، ومن دون أن يُنبه المعتقل لذلك، يرتطم رأسه بالحائط أعلى الباب، وقد تم تدبير الأمر عن عمد.

كان أخذي في مثل ذلك الوقت حافياً أتعثر في المياه الباردة في ذلك الجو القارس الكئيب يزيد من معاناتي وألمي، وكنت عندما أرجع إلى الخيمة أرتجف من البرد وأعاني آلاماً مبرحة فلا يغمض لي جفن طوال الليل
فور دخولك الخيمة تبطح على الأرض ويبقى الكيس على رأسك وبجوارك أحد الجنود، ثم يتقدم المحقق ومعه مترجم، فيجلسونك ويكون المترجم والمحقق على بعد مترين وأقربهما إليك جلوساً المترجم. يرفع أحد الجنود غطاء الرأس عنك ويبدأ سيل الأسئلة التي تتناول جميع تفاصيل حياتك وبطريقة مُمـلّة. حقق هؤلاء معي أربع مرات أو خمساً.

لا توقيت لتلك التحقيقات، فقد تكون في منتصف النهار وقد تكون في الصباح الباكر، وبعضها في منتصف الليل وهو أكثر الأوقات إزعاجاً وإرهاقاً. يدخلون متى شاؤوا فينادون على صاحب الرقم، فيصطف المعتقلون المساكين على الطريقة السالفة الذكر، ويتم اقتياد المعتقل بالطريقة البشعة والمهينة التي ذكرتها من قبل.

المعسكر عبارة عن حوش كبير تسلط عليه أضواء قوية على كل خيمة بدءاً من صلاة العصر، وعادة ما يكون الجو في غاية البرودة. كنت حافي القدمين لأن الحذاء الذي أعطوه لي كان أصغر من مقاس رجلي المنتفخة بسبب أمراض الرطوبة التي استفحلت بسبب البرد. فكان أخذي في مثل ذلك الوقت حافياً أتعثر في المياه الباردة في ذلك الجو القارس الكئيب يزيد من معاناتي وألمي، وكنت عندما أرجع إلى الخيمة أرتجف من البرد وأعاني آلاماً مبرحة فلا يغمض لي جفن طوال الليل.

السبت، 3 يونيو 2017

"غوانتنامو قصتي".. لقاءٌ عابرٌ

"غوانتنامو قصتي".. لقاءٌ عابرٌ

سامي الحاج

مدير مركز الجزيرة للحقوق والحريات

عاد الطائر من دورتيه الواسعتين في الهواء، حلق هنيهةً، ثم عاد وحط على إفريز النافذة، غنى؛ وعلى نحو ما بدا ثمة جرح يغور في حلقه الظامئ الصغير، لكن الليل الذي تقدم دفع رطوبة الخليج لتنثال على منقاره ثملما دفه الجو للاعتدال فملأت صدري بالهواء وكتبت: كان الجو في قندهار أفضل نسبياً منه في باغرام، ففي النهار تكون الشمس ساطعة. 
وبعد العناق الحار بدأ الإخوة المعتقلون يساعدونني في علاج ركبتي والتورم الذي حدث لرجلي بسبب البرد والقيد، وساعدوني على الحركة في الخيمة. بعد ذلك بدأنا بالتعارف، وشرْح طبيعة المكان الذي نحن فيه، وتوزيع الخيام التي توجد حولنا، وأخبروني بما يعرفونه عن المعتقل والموجودين فيه. شرحوا لي طبيعة نظام المعتقل، فعرفت أننا في سجن قرب مطار قندهار، وكنا نسمع إقلاع الطائرات وهبوطها بوضوح.

كان المعتقلون موزعين على خيام، كل ثلاث منها تنتظم في خط مستقيم، وبعض هذه الخيام كان لا يزال فارغاً حتى لحظة دخولي. هنا في هذا المكان يُسمح بالحركة لثلاثة أشخاص فقط، ولهم أن يتحدثوا، على أن يجلس الباقون الموجودون معي في الخيمة من دون حركة.

نصطفُّ أمام جنديّ مُحاطٍ بزملائه، ثم ينادي على رقم كل واحد على حدة، فيردُّ بذكر رقمه ويدير ظهره ليقرأ منه الجندي الآمر الرقم، ثم ينصرف المنادَى إلى خيمته
وفي الخيمة أؤلئك الأشخاص الذين حضروا معي من باغرام. تعرفت إلى السعوديين اللذين التقيتُ بهما في السجن العسكري بباكستان، كما تعرفت إلى الأشخاص الذين حضروا معي من شمن في الحافلة يوم ترحيلي إلى كويتا. أما البقية فعرَّفوا بأنفسهم. ومن حينٍ لآخر، كانوا يأتون بأشخاص جدد للانضمام إلينا في خيمتنا، وكان علينا متى فتحوا الباب أن نذهب إلى آخر زاوية في الخيمة وننتظم في صف واحد جاثين على ركبنا وأيدينا مشبكة فوق رؤوسنا.

كانت تحركاتنا داخل الخيمة مرصودة من جندي ينظر إلينا من خارج الشبك المضاعف المفروض على الخيمة، كما كان هناك جنود على أبراج يراقبون كل حركة داخل المخيم.

حضر جنود ونادوا على رقمي، وطلبوا من باقي المعتقلين الانتقال إلى جهة أخرى من الخيمة، قبل أن ينقلوني إلى خيمة أخرى التقيتُ فيها ببحريني يسمى المرباطي، سلَّم عليَّ وقال إنه في هذه الخيمة منذ ثلاثة أيام، وشرح لي القوانين التي شرحها لي المعتقلون في الخيمة السابقة، ومنها أنه يمنع التستر وقت قضاء الحاجة، وأن لي بطانيتين ووجبتين يومياً إحداهما في منتصف النهار والأخرى في منتصف الليل.

بعيد حضوري، دخل معتقلان أفغانيان. في تلك الليلة، وعند منتصف الليل قدموا لنا إحدى الوجبتين، وكانت الوجبة الثانية عند منتصف الظهيرة في اليوم الذي يليه. قبل توزيع الطعام يُنادي الحراس على الأرقام للتأكد من حضور الجميع. ونصطفُّ أمام جنديّ مُحاطٍ بزملائه، ثم ينادي على رقم كل واحد على حدة، فيردُّ بذكر رقمه ويدير ظهره ليقرأ منه الجندي الآمر الرقم، ثم ينصرف المنادَى إلى خيمته.

وبعد إتمام تلك الإجراءات المشددة يوزع الطعام على المعتقلين بأن يوضع أمام كل خيمة وجبات بعدد الموجودين فيها. وخلال ربع ساعة بالضبط يجب أن تكون قد أكملت تناول الوجبة التي بين يديك؛ إذ سرعان ما يقوم الجنود بجمع الصحون أو سحبها عنوة ممن لم يكمل تناول طعامه في الوقت المحدد، كما يقضي النظام الصارم هناك بعدم السماح للمعتقلين بالاحتفاظ بالطعام.

قال لي: كأن الله أراد أن يثنيك عما نصحتك به، فهؤلاء الرعاع لا ينفع معهم عقل ولا منطق، ويبدو أنني كنت مخطئاً فعلاً في محاولة كسب عقولهم
كانت تلك ليلة ممطرة شديدة البرودة، وكنا نشعر بالجوع والبحث الفطري عن الدفء، دفء المنزل والأغطية، ولكن أين نحن من تلك الأحلام التي يبددها ذلك السياج وذلك النباح المتقطع وحركة الجنود والحراسة المشددة؟ كنت جائعاً ظمآنَ مرهقاً أرتجف من البرد وأمعائي تتضور جوعاً، دفعني ذلك لانتقاء بعض ما حوته الوجبة وأكله بسرعة، وشجعني الشاب البحريني المرباطي على الأكل، فتجاذبت معه أطراف الحديث. حكى لي كيف أنه قدم من باكستان التي تعرض فيها لحادث، وكان في سياحة دعوية مع جماعة التبليغ. ومع انطلاق الحرب على أفغانستان، اعتقلته السلطات الباكستانية وسلمته غدراً إلى القوات الأمريكية، وكان يتحدث الإنجليزية بطلاقة. سألني عن قصتي، وحدثته عن عملي وظروف اعتقالي، ثم أخذ ينصحني بكيفية التعامل مع الأمريكيين، فهو قد سافر من قبلُ إلى أمريكا وتعامل مع الأمريكيين الموجودين في البحرين على حد قوله.

نصحني بمحاولة كسب عقول الأمريكيين، وبـيّـن لي كيف أغضب ومتى أبتسم ومتى أتسامح وهكذا. وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث نادى عليه أحد الجنود: لماذا لم تنظفوا هذه الخيمة؟ ثم أمره بأن يجلس على ركبتيه وأن يرفع يديه فوق رأسه. ولحسن حظه أن الجندي لم يزد مدة العقوبة تلك على ساعة.
يَحدُث أن يأمرك أحدهم بذلك فتبقى ساعات، وقد تتغير الوردية فلا يبالون ولا يُنهي مدة العقاب إلا من أمر به!

بعد أن نال المرباطي عقابه، قال لي: كأن الله أراد أن يثنيك عما نصحتك به، فهؤلاء الرعاع لا ينفع معهم عقل ولا منطق، ويبدو أنني كنت مخطئاً فعلاً في محاولة كسب عقولهم. قضيت معه تلك الليلة، وفي منتصف الليلة الثانية تقريباً حضر الجنود ونادوا على رقمي، وأخذوني إلى خيمة أخرى وجدت فيها تسعة معتقلين من العرب وثلاثة باكستانيين.

تعرفت إلى العرب، أحدهم يَمنـيّ والباقون سعوديون، وكان من بينهم ماجد الفريح من مكة الذي قدم معي من شمن ولكن سرعان ما افترقنا. كان ماجد الفريح شاباً صغيراً لا يتجاوز الثامنة عشرة، سألته عن قصته، فقال: إنه قدم إلى باكستان هو الآخر مع جماعة الدعوة والتبليغ، وكانوا يتنقلون بين القرى كعادتهم، فاعتقلته الشرطة الباكستانية ومن معه بعيد اندلاع الحرب وسلمته للأمريكيين بعد أن صادرت أمواله وأوراقه. وقد سأل الأمريكيين عن جوازه، فقالوا له إن الباكستانيين لم يسلموهم أي وثيقة.

الخميس، 16 مارس 2017

"غوانتنامو قصَتي".. ضروب من التعذيب

"غوانتنامو قصَتي".. ضروب من التعذيب 
سامي الحاج
مدير مركز الجزيرة للحقوق والحريات، ومعتقل سابق بسجن غوانتنامو.
كانوا جاهزين لضرب كل من يسقط أثناء عملية سحب الحبال التي يقومون بها، وكلما تأخر واحد منا كان الشد يزداد على يديه، فقد ربطوا الحبل بطريقة مرنة تسمح بازدياد الضغط على المعصمين كلما توقف أحدنا. لم يكن أحدنا يدري ممَّ يرتجف، أمن شدة البرد أم هول الخوف؟ كانت أصوات الكلاب، وصياح الجنود، وأنات الآلام التي تتصاعد من صدور المعتقلين تختلط في ذلك الليل البهيم، مُحدثةً سيمفونية رهيبة لا يعلم إلا الله أثرها في النفوس وتحريكها للأشجان والأحزان وما تبعثه من خوف وقلق وشعور بالمذلة والمهانة.
كنت أصيح بين الفينة والأخرى من شدة ألم تمزق رباط الركبة، ومع كل صرخة يضربني أحد الجنود إلى أن سقطت من الإعياء والبرد والألم، فأخذوني وسحبوني لأني لم أكن أستطيع المشي.

بعد أن سِـرْنا على هذا النحو مئات الأمتار، توقفت تلك القافلة العجيبة، وأمرونا بالجلوس على ركبنا، وأنظارنا تتجه إلى الأرض، ثم بدؤوا يقتادوننا واحداً واحداً، أعيننا معصوبة، ورؤوسنا محاطة بالغطاء الأسود، وكانوا يدخلون الشخص منا إلى عنبر كبير، وكان الخيال يسرح فيما تغذيه به تلك الوقائع، كنا نحسب أن من يأخذونه إلى ذلك العنبر يصب عليه الماء البارد، أو يضرب بالسياط، أو تطلق عليه النار، أو تتناهشه الكلاب، أو غير ذلك من صور خيال لم تشتطَّ عن الواقع المعيش بعيداً، فكل هذه الضروب من التعذيب مورست فعلياً.
بقيتُ على هذا الوضع، وكنت أصيح بين الفينة والأخرى من شدة ألم تمزق رباط الركبة، ومع كل صرخة يضربني أحد الجنود إلى أن سقطت من الإعياء والبرد والألم، فأخذوني وسحبوني لأني لم أكن أستطيع المشي. سحبوني بقوة ورفسوني بأحذيتهم الخشنة الثقيلة، وواصلوا سحبي حتى أدخلوني إلى غرفة، ثم نزعوا عني الكيس الذي كانوا يغطون به وجهي ورأسي، فوجدت نفسي وسط مجموعة من الجنود يشهرون أسلحتهم في غرفة مضاءة إضاءة قوية.

كان الضوء مسلطاً على عيني تماماً، وكان الجنود يحيطون بي من كل جانب، وكان أمامي أحدهم وهو يقول لي: لا تتحرك ولا تفعل أي شيء، عليك أن تنصاع لأوامرنا، وأي حركة منك ستعقبها طلقة رصاص تستقر في دماغك. كان الجنود من حوله يرفعون عصيهم، ويشهرون بنادقهم ومسدساتهم. وبعد رفع الغطاء، وقطع الحبل المحيط بمعصمي، وحالما تمكنت من تحريك يدي، طلبوا مني خلع ملابسي.
بدأت خلع ملابسي ببطء، كنت أرتجف من البرد وكنت أتمايل من الوهن والإرهاق، فكانوا يتصايحون مع كل ميلة. خلعتُ أولاً اللبس الأزرق الذي ألبسوني إياه قبل الصعود للطائرة من باكستان، وكان قطعة واحدة مثل ثياب الميكانيكيين. ثم طلبوا مني خلع ملابسي الأخرى "البنطلون والقميص". وكنت أرتدي تحت هذا البنطلون والقميص ملابس داخلية طويلة وقاية من البرد، فطلبوا مني خلعها، ووقفت حائراً متردداً فتصايحوا إن لم تفعل أطلقنا عليك الرصاص. فخلعت القميص واستبقيت السروال وكانوا يتصايحون وأنا في ذهول ويداي متشبثتان بالبنطلون أرفض خلعه، وأتلفت يميناً ويساراً فلا أرى سوى أسلحة تشهر وأفواه تصرخ ووجوه تقاسيمها تخويف وإفزاع.
تقدم نحوي الجندي الذي يقف قبالتي تماماً وهو يسحب أمان رشاشه وطلب مني أن أخلع السروال الطويل، وبدأ بتحريك الكلب الذي كان ينبح بصوت عال. فخلعت السروال الطويل، ثم طلب مني أن أنظر أمامي ولا ألتفت إلى الوراء. كنت في ذهول تام، أشعر بألم ما فوقه ألم، ولا أدري هل هو ألم المرض أم ألم الأسر أم ألم القهر والإهانة التي كنت أشعر بها من إكراهي على خلع ملابسي أمام هؤلاء الأوغاد مع كلابهم ومجنداتهم. وأحياناً تنتابني موجة ذهول تخفف ألم البدن ولكنها تعمق جراح النفس، وذلك مصاب ما فوقه مصاب.
قال: أنت صورت أسامة بن لادن؟ قلت له: لا، لم أصور ابن لادن. قال: لا، بل أنت صورت ابن لادن. قلت: لا، لم أصور ابن لادن، إنما أنا صحفي حضرت لتغطية الحرب فقط. قال لي: لا تنكر فلن يفيدك الإنكار، وإذا أنكرت فستتعرض للضرب والإهانة وستُعرَّى من ملابسك
إنني أدين بدين يستحي معتنقوه من التجرد جهاراً أمام الزوجات، فكيف بالنساء الأخريات؟! لم يخطر في بالي قطُّ أن يصل التعذيب إلى هذا الحد، ولم أكن البتة أستبعد أي نمط من أنماط التعذيب النفسي والبدني، ولكن هذه الحالة لم تخطر لي على بال، ولم أتخيل أن ينزل الإنسان إلى هذا الدرك من البشاعة، واحتقار إنسانية الإنسان. كان الصياح والنباح وأصوات قعقعة السلاح وقعقعة المدافع والبرد القارس والإضاءة الساطعة وتداخل وجوه المجندين والمجندات والكلاب في تلك اللحظة من الليل... كلّها تُشكّل صورةً من صور تهاوي الإنسانية في حضيض سحيق من الدناءة والرذالة.
بعد هنيهة رمى لي أحدهم ملابسي، ووقفت متصلباً مذهولاً، لا أدري ما أفعل، ولا أستطيع حراكاً، فهَمُّوا بإطلاق الكلب نحوي. وفجأة تداركت الموقف وعُدتُ إلى رشدي، فقفزت إلى ملابسي وسترت عورتي، وعندما لبست القميص لم أستطع أن أشد الأزرار فقد تصلّبتْ أصابعي من شدة البرد. تقدم نحوي جنديان وقيَّدا يدي من الخلف، ودفعاني إلى غرفة أخرى وجدت فيها شخصين يقفان خلف طاولة. وقفت أمامهما، ثم حضر جنودق آخرون اصطفوا صفين عن يميني وعن شمالي، وأنا أقف في الوسط وجنديان يمسكان بيدي.

كان أحد الجنديين الواقفين أمامي خلف طاولة يتكلم العربية بلهجة من لهجات شمال إفريقيا. بادرني ذلك الجندي متحدثاً باللغة العربية: ما اسمك؟ فقلت: اسمي سامي محيي الدين محمد الحاج. وما جنسيتك؟ قلت: سوداني. قال: أنت صورت أسامة بن لادن؟ قلت له: لا، لم أصور ابن لادن. قال: لا، بل أنت صورت ابن لادن. قلت: لا، لم أصور ابن لادن، إنما أنا صحفي حضرت لتغطية الحرب فقط. قال لي: لا تنكر فلن يفيدك الإنكار، وإذا أنكرت فستتعرض للضرب والإهانة وستُعرَّى من ملابسك، وقد تفقد حياتك هنا، هنا ليس أمامك إلا أن تجيب دائماً بالإيجاب. فكررت إجابتي بعد إلحاحه، فقال: لا تتفلسف كثيراً، اصمت ولا تجب إلا عندما نسألك.
واستطرد يسأل: كم معك من المال؟ وما الأشياء التي بحوزتك؟ أجبت بأن معي بعض الدولارات، والعملة الباكستانية، والدراهم الإماراتية، والريالات القطرية، ومعي جواز سفري، وتذكرة سفر وبطاقتي الصحفية، ومعي راديو صغير وكاميرا تصوير ومعداتها، وساعة يد ونظارة ودواء.. فقال: اصمت. دوَّن إجاباتي في محضر، وأمر الجنود بأخذي خارج الغرفة، فسحبوني إلى العنبر. كان عبارة عن عنبر قديم لصيانة الطائرات، أرضه من البلاط وقد وضعت فيه أقفاص كبيرة حُددت بأسلاك شائكة. فُتح الباب وأدخلت فوجدت أناساً نائمين. سُلمت لي بطانيتان قيل لي إن إحداهما فراش، والأخرى دثار، وهما لا تنفعان في ذلك الجو البارد لا فراشاً ولا دثاراً، ولكنني من شدة التعب والإرهاق والنعاس افترشت إحداهما، والتحفت الثانية، وسبحت في نوم عميق لم يقطعه منتصفَ نهار الغد إلا صياحُ الجنود برقمي حيث كنت أعطيت الرقم 35.

كانت الكلاب تنبح، والجنود ينادون: اصحُ يا 35، تحرك يا 35. كنت مثل جثة هامدة تغط في نوم عميق. استيقظت فَـزِعاً، فرأيت أحد الجنود وهو يناديني من خارج السياج. كان بقية المجموعة من الأسرى جلوساً أمام وجبات غذائية من الطعام المعلب، لا يتعدى وزن الوجبة الواحدة مئتي غرام. رمى إليَّ ذلك الجندي بواحدة من تلك الوجبات في كيس بلاستيك وأتبعها بملعقة.

الخميس، 9 مارس 2017

"غوانتنامو قصَتي".. أولى محطات الاعتقال الأمريكي

 "غوانتنامو قصَتي".. أولى محطات الاعتقال الأمريكي
سامي الحاج 

مدير مركز الجزيرة للحقوق والحريات، ومعتقل سابق بسجن غوانتنامو.
مين إنت؟
كانت تلك عبارة سمعتها عند الحادية عشرة والنصف تماماً من أحد الجنود الأمريكيين. كان يتكلم العربية بلهجة مصرية، وكنا معصوبي الأعين، فكان يتوقف عند كل واحد منا، ويقول: قم! من أنت؟

فلما وصل إليَّ قلت له: أنا سامي محيي الدين محمد الحاج، صحفي سوداني"...
قال: لا تتكلم كثيراً. وشدني إليه، ثم قال: لا تحاول أن تفعل أي شيء وإلا فستتعرض للضرب.
قلت: إن معي حقيبة، قال: لا تتكلم كثيراً. وأخذني وحقيبتي واقتادني خطوات حتى اجتزنا بوابة، وهناك استقبلنا ضوء قوي جداً مسلط من نقطة معينة، يصاحبه هدير محركات الطائرة الجاهزة للإقلاع. أحاط بي الجنود الأمريكيون المدججون بالسلاح، وأشهروه في وجهي، وهم يحيطون بي في شكل دائرة، وأنا في نصف هذه الدائرة، وتقدم إليَّ جندي وقام بتفتيشي.

كنت ما أزال أحتفظ بالراديو في ملابسي، وعندما وضع الجندي يده عليه، ولاحظ جسماً غريباً، تجمد مكانه ولم يتحرك. كان زميله الذي يتحدث العربية بلهجة مصرية يقول له بالإنجليزية: ماذا وجدت؟ وهو صامت لا يتحرك، لعله حسب المذياع قنبلة!
بعد هُنيهَة، استدرك وقفز إلى الوراء، فقال له زميله: ماذا هناك؟ فقال: في جيبه شيء صلب.
نهرني المتحدث باللهجة المصرية، وأمرني بالانبطاح أرضا، ففعلت. ثم جاء وقال لي: ما الذي في جيبك؟ فقلت له: هذا راديو.

كلم الجندي الأمريكي زميله، وأبلغه أن الجسم الصلب عبارة عن جهاز راديو، ومع ذلك بقي متردداً، فتقدم عسكري آخر قام بتمزيق الملابس التي كنت أرتديها، وأدخل يده في جيبي وأخرج الراديو، ثم أخرجوا الساعة وحافظة النقود والجواز والتذكرة والنظارة والخاتم والحذاء، ووضعوا كل ذلك في كيس، كما وضعوا حقيبتي أيضاً في كيس، ثم غيروا القيد من حديد إلى بلاستيك، ووضعوه على اليدين فقط، وحرروا رجلي، ووضعوا كيساً أسود على رأسي، واقتادني جنديان إلى الطائرة.

كانت طائرة شحن، وتم تقييدنا على أرضيتها بسلاسل، وأخبرونا أنه في حالة أي حركة أو أي فعل فسيرد علينا بعنف، بل وبإطلاق الرصاص. لبثنا في الطائرة فترة كنا نشعر خلالها بدخول أناس آخرين. وبعد ساعة أو ساعة ونصف ساعة تقريباً أقلعت الطائرة من كويتا، وبعد ساعة أو أقل من الطيران، حطت في أحد المطارات، وأخذت وقتاً ما بين ساعة إلى ساعتين، ثم أقلعت مسافة ساعة ونصف الساعة إلى أن هبطت في مطار باغرام، وهو أولى محطات الاعتقال الأمريكي.

بلغتُ من شدة الألم أني صرخت فأمروني بالانبطاح فانبطحت على وجهي، وظللت أصرخ من الألم، ومما زاد في أذيّتي أنهم بادلوني بالصراخ، وضربوني، وهددوني بالقتل إن تحركت
هناك في باغرام، وفي الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء الثامن من يناير عام 2002م.. دخل الجنود ليفكوا القيود عن كل واحد منا، وهم يصرخون في وجهه بالإنجليزية: لماذا أتيت لتقاتلنا؟

كان أغلب الموجودين لا يتحدثون اللغة الإنجليزية، فكانوا يضربونهم ويشتمونهم. أذكر ونحن داخل الطائرة كان بجواري معتقل يناشدهم أن يسمحوا له باستخدام الحمام، فكان كلما تكلم يأتي إليه جندي ويضربه، وحدثني فيما بعد أنهم أتوا بحبل وربطوا به فمه كما يُوضع اللجام على فم الدابة حتى لا يتحرك لسانه بالكلام. وشعرت ببلل حولي، ثم ما لبثت أن أدركت أنه بول أحد المعتقلين الذين يطالبون بالذهاب للحمام، ولم يسمح لهم بذلك.

عندما وصلنا كانوا يقتادوننا واحداً تلو الآخر، وكنت أسمع صياحاً وضرباً. وجاء دوري فاقتادوني. ونظراً لأن الرحلة استغرقت ثلاث ساعات إلى أربع ساعات تقريباً، كنا خلالها مربوطين إلى أرضية الطائرة، تخشبت أرجلنا من الجلسة الطويلة، فكان الجنود يحاولون تحريكنا، وكنت أتمايل يميناً ويساراً ولا أستطيع الوقوف على رجليَّ. كانوا يدفعونني ويجرونني من الطائرة جراً وهم يصيحون: لماذا جئت لقتالنا؟ وأرد: لست مقاتلاً، أنا صحفي، فيردون بحقد وعنجهية: لا تكذب، من أين قدمت؟ فأواصل نفي مقولتهم وأقول: إني قادم من السودان، لست مقاتلاً، أنا صحفي. وعند وصولي إلى البوابة وأنا معصوب العينين، دفعوني لأتقدم، فظننت أني أقف على شفير هاوية، فقفزت فسقطت على رجلي اليمنى التي التوت وتمزق رباطها الصليبي الذي يتحكم في حركة الركبة، وهي العلة التي لا أزال أعانيها حتى اليوم. وقد بلغتُ من شدة الألم أني صرخت في تلك الحالة. ثم أمروني بالانبطاح فانبطحت على وجهي، وظللت أصرخ من الألم، ومما زاد في أذيّتي أنهم بادلوني بالصراخ، وضربوني، وهددوني بالقتل إن تحركت.

كنت أسمع نباح الكلاب قريباً مني، كما كنت أسمع صراخ وعذابات باقي المعتقلين. كادت أطرافي تتجمد، وكنت أرتجف من شدة البرد. كانوا يصرخون: لماذا لا تتحرك؟ ويضربونني على ظهري، وبعد قليل أوقفوني على رجليَّ، وشدوا في يدي اليمنى حبلاً ثم شدوه في اليسرى.

أوقفونا جميعاً في طابور، وأوصلوا حبال قيد اليدين بين الجميع، ووقف أمامنا جندي يسحبنا بحبل واحد والبقية على الجانبين، وكانت الكلاب تنبح من حولنا، في مشهد مرعب! والبرد يكاد يوقف القلوب. وكانت عيناي معصوبتين، وتعتصرني آلام من تمزق رباط الركبة لدرجة لا يعلم مداها إلا الله.