لفت العميد مناف طلاس، الذي كان أحد أبرز الشخصيات الرئيسية في نظام البعث السوري، الأنظار إليه الأسبوع الماضي بكلمة ألقاها في مؤتمر بباريس. وقبل الخوض في تفاصيل خطابه، دعونا نستعرض سيرته وسيرة والده مصطفى طلاس.
ولد مصطفى طلاس عام 1932 في بلدة الرستن بالقرب من حمص لعائلة سنية، وانضم إلى حزب البعث عام 1947 فور تأسيسه.
وبعد مشاركته الفعالة في الانقلاب العسكري الذي أوصل البعث إلى السلطة عام 1963، عُين قائدًا للمنطقة الوسطى من البلاد.
وقد كافأه حافظ الأسد على وقوفه معه في الانقلاب الذي حدث داخل حزب البعث عام 1970، حيث تولّى منصب وزير الدفاع عام 1972، وظل في منصبه لمدة 32 عامًا حتى عام 2004.
وكان لطلاس دور محوري في أحداث عامي 1980 و 1982 التي شهدت قمعًا وحشيًا للمعارضة السورية، كما ساهم بشكل مباشر في وصول ابنه بشار إلى سدة الحكم.
فبعد أن ضمن ولاء الجيش لـ بشار الأسد، اعتزل مصطفى طلاس الحياة السياسية بعد أن وضع ابنه مناف في منصب بارز.
وعندما امتدت شرارة “الربيع العربي” إلى سوريا، غادر مصطفى طلاس البلاد متخذًا موقفًا براغماتيًا، وانتقل إلى باريس ليقيم عند ابنته التي تعيش هناك منذ سنوات.
وبحكم خبرته الطويلة، كان قادرًا على استشراف الاتجاه الذي قد يسلكه نظام البعث في ظل الأحداث. وبالرغم من كونه أحد أبرز رموز القمع الدموي في تاريخ النظام، فقد آثر الصمت، لكنه شجّع ولديه مناف وفراس على الانضمام إلى صفوف المعارضة.
وفي تموز/يوليو 2012، أعلن مناف “انشقاقه”، فانتقل أولًا إلى تركيا، ثم إلى باريس للالتحاق بوالده.
وقد أثار انشقاقه حينذاك صدى واسعًا في الإعلام الدولي الذي صاغ الحدث بعنوان: “حتى صديق طفولة بشار الأسد ينضم إلى المعارضة”.
بل إن اسمه طُرح في بعض الأوساط كخيار محتمل لرئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية.
غير أن مناف، على غرار والده، لم يظهر أي ندم أو يُقدّم اعترافا علنيا بمسؤوليته أو بمسؤولية العائلة عن الجرائم والانتهاكات التي شارك فيها في عهد نظام البعث.
بل ذهب في مقابلة عام 2017 إلى حدّ تبرئة والده من أي صلة بمجزرة حماة عام 1982، زاعمًا أن دوره كان محدودًا للغاية ولم يكن صاحب القرار. لذلك، ما قام به مناف لم يكن اعترافًا بالخطأ أو توبة عن الماضي، بل كان خطوة انتهازية بحتة.
ولم نسمع صوت مناف طلاس منذ عدة سنوات، لكنه ظهر أخيرًا يوم السبت 13 سبتمبر في مؤتمر عقدته أكاديمية العلوم السياسية بباريس، حيث قدّم تقييماته للوضع الراهن في سوريا أمام جمهور من السوريين، واللبنانيين، والفرنسيين.
وأبرز ما جاء في حديثه كان ما يلي:
"إذا تم إنشاء مجلس عسكري وطني وعلماني يمثل جميع الفصائل، فإن 90% من المشاكل التي تواجهها سوريا حاليًا ستختفي. أنا على اتصال بالآلاف من الجنود والضباط من الجيش السابق. كما أنني على اتصال مع العديد من الأسماء من قسد، ومنطقة الساحل في اللاذقية، والسويداء. الجميع مستعدون للانضمام إلى مثل هذا المجلس. يجب نقل بعض صلاحيات رئيس الدولة إلى المجلس الذي ذكرته. وبهذه الطريقة، سيتم الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى حكم دولة قائمة على القواعد. ويجب على الجيش السوري الالتزام الصارم بمبدأ علماني يحترم التنوع الاجتماعي. لستُ معنيًا بالسياسة أو السلطة. أريد فقط إعادة بناء مؤسسات الدولة في سوريا على أساس العدالة والأمن."
إن تصريحات مناف طلاس تبدو سخيفة في ظل الظروف الراهنة في سوريا، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار دوره خلال الفترة التي مارس فيها نظام البعث أعنف القمع على الشعب.
كما أن محاولة تظاهره بأنه "عبقري سياسي" أمرٌ مأساويٌّ ومثير للسخرية.
ولكن لا ينبغي الاعتقاد أن طلاس يتحدث من تلقاء نفسه أو بلا سبب.
وبالنظر إلى أن فرنسا لم تقطع علاقاتها قط بأراضي انتدابها السابقة في لبنان وسوريا، فمن الوارد جدًا أن يكون طلاس قد أُعيد إلى الواجهة ليقوم بدور "المرشح القائد المخضرم الذي سيتحمل مسؤولية البلد بعد الإدارة المؤقتة لأحمد الشرع". والسؤال هنا:
هل يمكن لفرنسا أن تراهن على مثل هذا الحصان الخاسر؟ بالتأكيد، ولمَ لا؟ فالعادات القديمة يصعب التخلي عنها.
كشَف ما فعله “السجّان عزرائيل”.. قصة “مازن حمادة” الثائر الذي قُتل مرتين بسجون الأسد
فضح وحشية سجون الأسد وعُثر عليه جثة هامدة بعد سقوط النظام
بعد سقوط نظام الأسد، برزت قصة الناشط السوري مازن حمادة الذي فضح وحشية سجون بشّار، ثم عُثر عليه جثة هامدة بعد سقوط النظام.
اعتقل النظام السوري بقيادة بشار الأسد، الناشط مازن حمادة 3 مرات منذ انطلاق الثورة السورية، بسبب نشاطه الإغاثي ومشاركته في الاحتجاجات السلمية.
ومكث الشاب المعارض عاما ونصفا في أقبية المخابرات العسكرية بدمشق، من مارس/آذار 2012 إلى سبتمبر/أيلول 2013، ذاق خلالها أصنافًا من العذاب لا يتصورها العقل البشري، بداية من الشبح والضرب وصولًا إلى الاعتداءات الجنسية.
اضطر مازن إلى اللجوء إلى هولندا بعد خروجه من المعتقل، ودأب على فضح وحشية نظام الأسد، بشهادات جريئة، قبل أن يعود إلى سوريا بشكل مفاجئ يحيطه الغموض، ليتم اعتقاله وتغييبه مجددا فور وصوله إلى مطار دمشق.
مازن حمادة.. الثائر الذي مات مرتين في سجون الأسد (الجزيرة – أرشيف)
ابتزاز وتزوير
تقول والدة مازن “مافيا نظام الأسد في الخارج استدرجت مازن للعودة من هولندا، وهددت باعتقال كافة أفراد عائلته، أرادوا منه تكذيب شهادته حول المعتقلات في لقاء مصور، وأعادوه إلى سوريا بأوراق مزورة بعد تخديره”.
مع سقوط نظام الأسد وسيطرة المعارضة المسلحة، أمّلت عائلة مازن أن ينال ابنها نصيبًا من التحرير، لكنها فُجعت بالتعرف على جثته في مستشفى بدمشق، وآثار التعذيب عليه تروي مأساة أيامه الأخيرة.
يقول معاذ مصطفى، مدير المنظمة السورية للطوارئ “أعتقد أنهم قتلوه وعددا من المعتقلين على عجل قبل ساعات قليلة من فرار بشار الأسد، ربما خوفا من الأدلة واحتمالية أن يشهدوا ضد سجانيهم”.
قصة السجّان “عزرائيل”
من بين ما قاله مازن في شهاداته على ما تعرّض له “إنسان أنا، عندي كرامتي وعندي مبدئي، عندنا قيمنا وأخلاقنا، إحنا مو مثل ما عم يوصفنا الأسد، إحنا كلنا متعلمين، درسنا بالجامعات، قتلنا كلياتنا ما خلى شي منا”.
وقال أيضًا “في سجّان مسمي حاله عزرائيل، بي عصاية عنده برية حديد، وإلها دبابيس، يقول: حكمت المحكمة الإلهية عليك بالموت، ويضرب على الرأس حتى القتل”، وختم بدموعه “في الله بيحاسبهم، في قضاء بيحاسبهم، راح أسعى إلا ما أجيبهم على المحكمة وآخذ حقي بالقانون”.
كانت واحدة من كبرى الصدمات التي تعرضت لها خلال مسيرتي الصحفية هي تلك التي عايشتها أثناء الحرب الأهلية في سوريا. ما شهدته هناك ترك أثرًا عميقًا في داخلي لسنوات طويلة، ولا يزال هذا الأثر يطفو على السطح من حين لآخر ليهزني بقوة. مع سيطرة المعارضة على حلب وخروج المدينة من قبضة نظام الأسد في هذه الأيام، يبدو أن تلك الصدمة عادت لتطاردني من جديد.
أوَّل لقاء مع الأسد
كانت زيارتي الأولى لحلب برفقة رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان، حيث كنت مستشارًا إعلاميًا ضمن الوفد المرافق. وكان ذلك أول لقاء لي مع بشار الأسد. ظهر الأسد حينها برفقة زوجته، ورحّب بالوفد ترحيبًا لافتًا بأسلوب غربي ونبرة وديّة.
عندما تجوّلت في أسواق حلب، وفي الجامع الأموي، وقلعة حلب، شعرت بأن المدينة ليست مختلفة كثيرًا عن غازي عنتاب في تركيا. هاتان المدينتان عاشتا أربعمائة عام في ظل دولة واحدة، تتشاركان الثقافة والتاريخ.
حلب، التي تبعد 45 دقيقة فقط عن غازي عنتاب، تُعدّ أصل ثقافتنا الغذائية ومطبخنا التقليدي.
لكن الزمن تبدّل، والعلاقات تغيرت، والصداقة تحوّلت. ذلك الأسد الذي كان ودودًا أصبح لاحقًا عدوًا لتركيا.
وبعد سنوات، عندما عدت إلى سوريا كصحفي خلال الحرب الأهلية، وجدت نفسي أمام مشاهد وتجارب لا يمكن نسيانها أبدًا.
إعلان
المعارك داخل الجامع الأموي
في عام 2013، دخلت سوريا مرة أخرى كصحفي. لكن هذه المرة، وجدت نفسي في بلد مزقته الحرب الأهلية، وحوّلته إلى أطلال، وأغرقته في الفوضى. كان الطريق إلى حلب مليئًا بنقاط التفتيش، وكل نقطة كانت تحت سيطرة فصيل مختلف. لم تكن هناك سلطة موحدة، وكان المرور من كل نقطة يعني الانصياع لقوانين وأوامر الفصيل المسيطر. معظم تلك النقاط كانت تحت سيطرة فصائل معارضة للنظام، لكنها لم تكن على وفاق مع بعضها البعض.
رأيت فتيانًا يبلغون بالكاد 19 أو 20 عامًا، يحملون الكلاشينكوف ويتصرفون وكأنهم سادة المناطق "المحررة". لم تمر فترة طويلة حتى أجبرتنا أصوات الرصاص على التوقف. اندلع اشتباك مسلح عند إحدى نقاط التفتيش بين فصيلين معارضين.
بعد انتهاء الاشتباك، واصلنا طريقنا نحو حلب التي كانت تشهد معارك طاحنة بين قوات النظام والمعارضين.
لم تكن حلب حينذاك هي نفسها المدينة التي رأيتها في السابق، فقد تحوّلت إلى أنقاض. أسواق حلب التاريخية التي اشتهرت عالميًا كانت قد دُمّرت. كانت الأسقف مثقوبة برصاص الطلقات، والجدران مليئة بآثار القصف والانفجارات.
لكن أكثر ما أثّر بي كان المشهد في نهاية السوق، داخل الجامع الأموي الكبير. كانت مئذنته الشهيرة قد انهارت تمامًا، وسقطت بشكل أفقي في ساحة المسجد. أصابت قذيفة قبته تاركة ثقبًا ضخمًا في أعلاها. بدا المسجد وكأنه انشطر إلى قسمين.
في الجهة المقابلة للقبلة، كان مقاتلو المعارضة قد أقاموا متاريسهم، بينما تمركز جنود النظام عند بوابة المسجد.
نعم، لم أخطئ في الوصف، كانوا يقاتلون بعضهم البعض داخل المسجد. كانت المتاريس مكوّنة من منصات المصاحف، والكتب، والسجاد، وحتى الحجارة التي سقطت من القبة. الصادم أكثر هو أن كلا الطرفين كان يصيح "الله أكبر" أثناء إطلاق النار.
كان هذا المشهد في الجامع الأموي بحلب أحد أكثر المشاهد التي رأيتها للحروب الطائفية عبر التاريخ إيلامًا.
إعلان
استلام الصور المروعة في الدوحة
قضيت عدة أيام في حلب محاصرًا بين المساجد التي دُمرت بالقصف، والرصاص الذي يطلقه القناصة فوق رؤوسنا، وسط شوارع تحولت إلى ساحات للمعارك. بعد عودتي إلى تركيا، تلقيت اتصالًا غير متوقع. كان ضابط من الجيش السوري قد تمكن من الهروب من البلاد، حاملًا معه صورًا التقطها لآلاف الأشخاص الذين قُتلوا تحت التعذيب في سجون نظام الأسد. كانت الصور توثيقًا صادمًا لجرائم ضد الإنسانية.
كان الهدف هو أن تُستخدم هذه الصور كدليل أمام المحكمة الجنائية الدولية، لإثبات التهم ضد الأسد بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية.
سافرت إلى الدوحة، حيث التقيت بفريق يضم خبراء قانونيين، وأطباء شرعيين، وتقنيين. كما حضر ممثلو وسائل إعلام دولية مثل "CNN International"، و"الغارديان"، إضافة إلى وكالة الأناضول و"TRT". بصفتي مديرًا عامًا لوكالة الأناضول، كان من المقرر أن أستلم هذه الصور رسميًا قبل نشرها عالميًا. عندما رأيت الصور لأول مرة، أُصبت بصدمة عميقة. كانت الصور تعرض جثثًا لأشخاص قتلوا بطرق وحشية: جوعًا، أو خنقًا بأسلاك البناء، أو تحت التعذيب.
كانت الأجساد تحمل أرقامًا مكتوبة على جباهها وصدورها. هذه الأرقام كانت تُستخدم لتوثيق القتلى، وإرسال تقارير إلى كبار المسؤولين في النظام. الضحايا كانوا من المعتقلين الذين اعتبرهم النظام معارضين.
عندما نشرنا الصور، أثارت ضجة عالمية كبيرة حتى إننا نظمنا معرضًا لها داخل الأمم المتحدة. ومع ذلك، ورغم الجهود القانونية الدولية، لم يُقدَّم الأسد للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. لكنني شخصيًا دفعت ثمن تلك الصور نفسيًا. بعد نشرها، لم أستطع النوم عشر ليالٍ ولم أتناول الطعام.
سوريا.. ساحة الامتحان المؤلمة
سوريا ليست مجرد أرض شهدت أفظع مشاهد الحرب الأهلية، بل هي مسرحٌ لمجازر وحشية، وميدانٌ لصراع طائفي ترك أثره العميق على ملايين البشر وعشرات الدول.
إعلان
في سوريا، بلغ الصراع بين الشيعة والسنة ذروته، وامتدت تداعياته لتشعل نقاشات حادة وانقسامات في معظم الدول الإسلامية. تجاوزت قسوة بشار الأسد ووحشيته الحدود المعهودة، وأصبح طغيانه نموذجًا لا يُقارن بطغيان أي دكتاتور آخر.
أتذكر اللحظات التي شهدت فيها سقوط حلب، حيث رأيت مئات الآلاف يُجبرون على ترك منازلهم وأرضهم. في ريف إدلب، شاهدت بأم عيني معاناة أولئك الذين أُخرجوا من بيوتهم قهرًا، ليعيشوا في خيام من القماش والأكياس البلاستيكية، غارقين في الوحل، ومحرومين من أبسط مقومات الحياة.
رغم هذه المعاناة، لا يزال كثير منهم يأمل بالعودة. حلم العودة إلى حلب واسترجاع منازلهم وأراضيهم، مازال يعيش في أعماقهم، منتظرين بفارغ الصبر أن تتحسن الأوضاع وتُتاح لهم الفرصة لذلك. عيونهم تغمرها الدموع، لكن قلوبهم يملؤها الأمل.
حان الوقت لحياة أفضل
في دوامة لا تنتهي من الصراعات، حيث أصبحت "الحرب الأبدية" بين المذاهب الإسلامية واقعًا مؤلمًا، يلوح الآن أمل لإنهاء هذا النزاع المقيت. يجب على المعارضة، التي عانت من التهجير والتعذيب والظلم، ألا تقع في خطأ تكرار تلك الجرائم ضد مؤيدي النظام أو الشيعة أو النصيريين. ذلك النوع من الحروب لا يجلب نصرًا حقيقيًا ولا غلبة لأي طرف. لا يوجد صراع أشد جهلًا وعبثية من الحرب المذهبية.
اليوم، أمام المعارضة والدول الداعمة لها فرصة ذهبية لبناء حياة جديدة في حلب، دون تكرار مآسي الماضي.
البوادر الأولية، سواء من خلال التصريحات أو الخطوات الأولية، تحمل إشارات إيجابية. نسأل الله أن يتمكن الشعب السوري هذه المرة من تحقيق السلام والاستقرار، لعلنا نحن أيضًا نتمكن من تجاوز صدماتنا ونبدأ صفحة جديدة.
لا تَخفى أهداف إيران من تغلغلها في سوريا على أحد، ولا ما امتدت إليه همينتها ونفوذها، فقد اخترقت قطاعات إستراتيجية، عسكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية، بل حتى قطاع التعليم، وتواصل أذرعها في الشام التمدد في المجتمع السوري لتستولي على عقول الأجيال وتعيد بناء هوياتهم وتغسل أدمغتهم وتجندهم لخدمة مشروعها، لا سيما في محافظة دير الزور.
ورصدت منظمات حقوقية، سعي طهران إلى تجنيد الأطفال واليافعين السوريين واستقطابهم عبر طرق وأساليب متعددة غالبًا ما تترافق مع علاوة مالية، كالأنشطة الكشفية، أو الدورات التدريبية والمهنية، أو عبر المراكز الثقافية فضلًا عن زجهم بمعسكرات مغلقة بأسماء وشعارات مضللة، لكن مغرية.
ومن أجل إنجاح مشاريعها في سوريا، تطوّر إيران بنية تحتية متكاملة تخدم مشاريعها، فهي تشتري العقارات وتشيّد الحدائق والمرافق الخدمية والمستشفيات الخاصة بالإيرانيين وبرامجهم و”المستفيدين” منها، وتغرق السوق السورية بمنتجاتها.
تجنيد إيران لأطفال سوريا في القتال يأتي متناسقًا مع مشاريع “تصدير الثورة” التي تخترق عدة عواصم عربية أخرى، كما في لبنان واليمن والعراق، إضافة إلى استغلال اللاجئين الذين قصدوا إيران من الدول المجاورة، إذ سبق أن وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش مقتل ما لا يقل عن 8 أطفال أفغان في “لواء فاطميون” خلال المعارك في سوريا، كان 4 منهم يبلغون 14 عامًا فقط عند مقتلهم، إذ تعمل إيران على إغراء هؤلاء المقاتلين في كثير من الأحيان بالحصول على تصاريح إقامة ومبالغ مالية، مقابل حماية الأضرحة الشيعية في سوريا.
تدريب منهجي
منذ سيطرة الميليشيات الإيرانية على مدينة دير الزور وريفها، سعت لتجنيد الأطفال والمراهقين في صفوف قواتها بطرق مختلفة، منها اتّباع دورات تمهيدية وتعليمية وبدنية وقتالية، كي يصبحوا جاهزين للقتال في صفوفهم.
ويمرّ الفتى بمراحل متعددة قبل أن يكون جاهزًا للقتال في صفوف هذه الميليشيات، ففي البداية تبدأ إيران بغسل دماغه وزرع أفكارها في رأسه، وبعدها يخضع لتدريبات قتالية، وذلك عبر مراكز خاصة تمّ إنشاؤها لهذا الهدف، وذلك بحسب تقرير نشرته شبكة “عين الفرات” المحلية.
ومن أبرز هذه المراكز بحسب الشبكة:مركز النور الساطع في مدينة الميادين، ويشرف عليه كل من سيد أيوب وسيد مهدي، وهما إيرانيان، حيث يضمّ هذا المركز حوالي 250 طفلًا، مهمته إعطاء دروس شيعية للأطفال ممّن أعمارهم 13 إلى 18 عامًا، وزراعة أفكار القتال والعنف، ويتم ترغيبهم بإعطائهم ألعاب وهدايا وطعام. مركز الشدوحي في الميادين، يشرف عليه الحاج إبراهيم، وهو إيراني الجنسية، يوجد في المركز حوالي 70 طفلًا، مهمة المركز استقطاب الأطفال الذي بعمر 12 إلى 15 عامًا، ويقوم المركز بإعطاء الأطفال بعض التدريبات البدنية القتالية الأساسية، بالإضافة إلى نشر التشيُّع بينهم وزرع الأفكار لديهم. مركز البصيرة، ويقع تحت إشراف الحاج إبراهيم الإيراني أيضًا، ويتواجد فيه الأطفال من عمر 15 إلى 18 عامًا، ومدة الدورة فيه 3 أشهر، وهو مخصّص للتدريب البدني القتالي عبر بعض التدريبات القتالية التي يخضع لها الأطفال، بالإضافة إلى إعطاء الدروس بالفكر الشيعي.
إلى جانب ذلك، أكّدت مصادر محلية في ريف دير الزور الغربي لـ”نون بوست”، أن إيران “تركز على تعزيز مفاهيم الانتقام لمقتل الحسين بن علي لدى الأطفال، وتزويدهم بملابس عسكرية وتحفيظهم شعارات تحضّ على الثأر والقتل، خاصة من خلال القصص المؤثرة التي يجري الترويج لها في مناسبات شيعية تشرف على إقامتها الميليشيات”.
حيث تؤكد هذه المصادر أن ميليشيا لواء الباقر في مدينة حطلة مثلًا، تقوم بتدريب الأطفال في معسكرات مغلقة على مختلف أنواع الأسلحة الفردية، وخوض حرب الشوارع، وتنفيذ عمليات الاغتيال والتفجيرات، إضافة إلى دروس دينية. دور المراكز الثقافية
في عام 2018، بدأت إيران عبر منظمة “جهاد البناء” الإيرانية التابعة للحرس الثوري، ببناء العديد من المراكز الثقافية في كل من دير الزور وحطلة والميادين والبوكمال.
قدمت هذه المراكز الثقافية نفسها للأهالي على أنها جاءت لمساعدتهم ومدّ يد العون لهم، وأنها جاءت لأجل النهوض بالمجتمعات المحلية. فهي في ظاهرها ذات نشاط ثقافي، إلا أنها في الحقيقة لها مهمات أخرى، تشييعية واجتماعية وعسكرية، وذلك بحسب الصحفي والكاتب أحمد الهواس، وهو من أبناء مدينة دير الزور.
ويضرب الهواس في حديثه لـ”نون بوست” مثالًا على هذه الأنشطة، كتدخُّل هذه المراكز بالمدارس والمناهج التي يتم تدريسها، فالكتب في المدارس لا يمكن أن توزّع إلا عن طريقها، وهذه الكتب مؤدلجة تبثّ البروباغندا الإيرانية في المدارس، وتعمل على تنشئة هؤلاء الطلاب تنشئة عسكرية أيديولوجية.
وفي هذا السياق أكدت مصادر صحفية محلية أن إيران طلبت من وكلائها في محافظة دير الزور العمل بشكل حثيث، لاستقطاب الأطفال وتنسيبهم إلى المعسكرات المخصصة لفئاتهم العمرية.
وأضافت هذه المصادر، ومنها شبكة “عين الفرات”، أن المدير الجديد للمركز الثقافي الإيراني في دير الزور الملقّب بـ”الحاج أبو رقية”، عقد اجتماعًا مع مديري الفروع في مدن وبلدات المحافظة لمناقشة “ابتكار أساليب جديدة لجذب الأطفال”، حيث طالب أبو رقية بمضاعفة الجهود لزيادة أعداد الأطفال المنتسبين إلى “المراكز الثقافية” الإيرانية، كما هدّد بفصل الموظفين الذين يفشلون في هذه المهمة.
من جانبه، أفاد المركز السوري لحقوق الإنسان أن المركز الثقافي الإيراني افتتح في 3 أبريل/ نيسان الجاري في مدينة الميادين دورة تعليمية للأطفال، ممّن تبلغ أعمارهم من 9 إلى 13 عامًا، تتضمن الدورة تعليم اللغة الفارسية ودروسًا في مذهب “ولي الفقيه”.
وأضاف المركز أنه يتم تقديم وجبات غذاء للأطفال المسجّلين خلال الاستراحة، وفي نهاية الدورة سيتم تكريم الـ 5 الأوائل بزيارة إلى إيران، وإعطاء كافة الأطفال مبلغ 25 ألف ليرة سورية كجائزة تحفيزية.
استغلال الظروف الاقتصادية
تستغل الميليشيات الإيرانية الأوضاع المعيشية السيّئة في مناطق دير الزور الغربية، وتعمل على إقناع الأهالي بضرورة تجنيد أطفالهم وأبنائهم وشبابهم في صفوفها، مقابل منح وإغراءات مالية تبدأ من 50 دولارًا شهريًّا، أي ما يعادل ضعف راتب أي موظّف في مؤسسات النظام.
فالذين يعيشون في تلك المناطق يوازنون الأمور، حيث يرون أن العمل مع النظام لا يجلب كثيرًا من الدخل، لذلك ونتيجة الظروف المادية الصعبة ينضمّون إلى الميليشيات الطائفية التي شكّلتها إيران، وذلك بحسب الصحفي أحمد الهواس.
ويوضح الهواس أن السكان في تلك المناطق يلجؤون إلى هذا الأمر بسبب ظروفهم الاقتصادية والمعيشية الصرفة، لكن إيران تنطلق من منظور آخر، فهي تستغل الوضع الاقتصادي المتردي لدفع السكان إلى التشيُّع، وهم يركّزون على الأطفال أكثر من كبار السن.
لذلك، يضيف الهواس أن إيران بدأت بالتغيير العقدي للأطفال من خلال المدارس والدروس التي يقوم بها المبشّرون التي تأتي بهم، على طريقة “التنصير” سابقًا، إضافة إلى تقديم المغريات التي يهتم بها الأطفال عندما يكبرون، كالإعفاء من الخدمة العسكرية في جيش النظام، والالتحاق بالجامعات الإيرانية التي أنشأتها إيران في الداخل أو بالبعثات إلى الخارج.
ما الهدف؟
الهدف من تجنيد الفتية والأطفال في المنطقة الشرقية هو إيجاد قوة عسكرية جديدة، يتم إنشاؤها بالكامل على تعاليم الولي الفقيه والمذهب الشيعي والولاء له بشكل مطلق، لا سيما بعد الفشل الذريع لـ”حزب الله” بالفترة الأخيرة من تجنيد المزيد من المقاتلين من فئة الشباب والرجال.
حيث يفرّ قسم كبير من الشبان إلى مناطق سيطرة التحالف الدولي و”قسد” في الضفة الأخرى لنهر الفرات، وذلك لأن الأوضاع هناك أفضل نسبيًّا من حيث فرص العمل والأمان والخدمات، وذلك بحسب ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث بالشأن الإيراني، سعد الشارع، أن أهمية هذا الموضوع تأتي من أهمية المنطقة التي سيطرت عليها إيران، إذ نستطيع القول إنها سيطرت على الطريق البرّي للهلال الشيعي، أو على أقل تقدير سيطرت على الطريق الذي يوصل مناطق نفوذها بين سوريا والعراق.
ويضيف الشارع في حديثه لـ”نون بوست” أن إيران تحتاج إلى العنصر المحلي في تلك المنطقة، لتثبيت نفوذها في المنطقة الممتدة من مدينة البوكمال حتى الحدود الغربية من مدينة دير الزور، فضلًا عن حاجتها إلى العنصر البشري لزيادة توغُّلها الاجتماعي والديني في تلك المنطقة، فمن دون العنصر المحلي لا يمكنها التوغُّل في المجتمع.
أما السبب الأهم، بحسب الشارع، فهو حاجتها إلى العنصر البشري بعد استنزاف عناصرها بسبب هجمات “داعش”، وأما الأمر الآخر مرتبط بالندّية والتنافس بين شركائها (روسيا ونظام الأسد)، فكل منهما يحاول تثبيت نفوذه أكثر.
يذكر أن حماية الأطفال في النزاعات المسلحة هو مبدأ يتفق بشأنه المجتمع الدولي اليوم، وقد تم توقيع معاهدات عدة على الساحة الدولية والإقليمية في هذا السياق، منها النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تصف “التجنيد القسري أو الطوعي للأطفال” دون سن الـ 15 بـ”جريمة حرب”، إلا أن إيران وميليشياتها تواصل انتهاكها بشكل منهجي لهذه المعاهدات، وتلتف عليها من خلال عدة طرق، كرياض الأطفال والمدارس والمساجد.
تمر اليوم الاثنين 10 سنوات على قصف النظام السوري غوطة دمشق بالسلاح الكيميائي، مما أدى لمقتل نحو 1450 مدنيا، بينهم أكثر من 200 طفل وامرأة، وإصابة 6 آلاف آخرين، حسب بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
ورغم مرور عقد من الزمن، فإن ذوي الضحايا لا يزالون يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن هذه المجزرة المروعة التي تعد الأكثر مأساوية في الثورة السورية التي بدأت عام 2011.
وقبيل فجر 21 أغسطس/آب 2013، قصفت قوات النظام السوري بلدات في الغوطتين الشرقية والغربية، بينها زملكا وعربين والمعضمية، بعشرات الصواريخ التي يعتقد أنها كانت تحوي غاز السارين.
وبعد تحقيقات استمرت سنوات، أكدت منظمات دولية -بينها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية- مسؤولية النظام السوري عن هجمات عدة بالأسلحة الكيميائية، بيد أن النظام ظل ينفي ذلك باستمرار، وحالت روسيا دون إدانته ومحاسبته في مجلس الأمن الدولي.
وتبع مجزرة الغوطة عام 2013 تحرك دولي أفضى إلى تدمير مخزون وآلية النظام السوري لإنتاج السلاح الكيميائي.
حاسبة المتورطين
وفي الذكرى العاشرة لهجوم الغوطة الكيميائي، لا يزال ذوو الضحايا يأملون في محاسبة المسؤولين عنه.
وفي هذا الإطار، قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إن الشبكة زودت مختلف الجهات الدولية والأممية التي حققت في مجزرة الغوطة بكم هائل من الأدلة وأسماء الضحايا، وعبّر عن أمله في حدوث تحرك أكثر جدية ضد النظام السوري وفق البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذه المناسبة، دعت الشبكة مجلس الأمن والأمم المتحدة إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية وعسكرية على النظام السوري كشكل من أشكال التعويض المعنوي لأسر الضحايا وملاحقة المسؤولين عن الهجمات الكيميائية.
كما طالبت الشبكة السورية لحقوق الإنسان بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحاسبة جميع المتورطين، أو إنشاء محكمة جنائية خاصة لمحاسبة المتورطين بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري، مما يسهم في وقف مسار الإفلات من العقاب المستمر منذ أكثر من عقد من الزمن.