‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود الشاذلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات محمود الشاذلي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 19 ديسمبر 2025

صناعة الرويبضة: كيف نقتل الدين بـ«الإعجاب» و«المتابعة»؟

 صناعة الرويبضة: كيف نقتل الدين بـ«الإعجاب» و«المتابعة»؟


في عصرٍ لم تعد فيه المعرفة تُقاس بعمق الفكرة، بل باتساع الانتشار، ولم يعد السؤال الجوهري: 

“مَن قال؟” وما هي أهليته؟ 

بل صار:

 “كم يتابعه؟” وما مدى تأثيره؟؛ 

نقف اليوم أمام مشهدٍ عبثي يستدعي القلق لا التصفيق، والمراجعة لا الانبهار.

​نحن نعيش لحظة فارقة، انتقلت فيها المرجعية من “أهل العلم” إلى “أهل الترند”، وبات الدين والأخلاق محتوىً قابلاً للاستهلاك السريع، يُقدَّم منزوع السياق على ألسنة من لا يملكون أدواته.

​حين يخرج فنان أو مشهور ليتحدث في تفسير آية أو معنى ديني عام، نرى تعليقات تتلقف كلامه بانبهار: “أول مرة أسمع تفسير بهذا العمق!”. 

وكأن أربعة عشر قرنًا من التراث، وآلاف المجلدات التي سُودت فيها أعمار العلماء، لم تكن موجودة، حتى جاء هذا “المؤثر” ليكتشف لنا الدين من جديد.

​المشكلة هنا ليست في الجملة ذاتها؛ فالحق يُقبل من أي وعاء خرج، وقد قال النبي ﷺ عن الشيطان: «صدقك وهو كذوب». 

لكن الكارثة تقع حين نُحوِّل الاستثناء إلى قاعدة، وحين تصبح الشهرة هي “صك الغفران” و”شهادة الأهلية”، فيتحول الانبهار بالأضواء إلى بديل عن التثبت العلمي.

​​يتحدث أحدهم بوعظ رقيق عن أن “الدنيا زائلة”، بينما حياته وصورته العامة التي يُصدّرها يومياً قائمة على تقديس الإنجاز المادي، وتعظيم الذات، والترف الدنيوي؛ فنحن هنا لا نسمع موعظة، بل نشاهد عرضاً مسرحياً.

​هذه الازدواجية تضع الجمهور في حيرة مربكة: أيهما نصدق؟ الكلمات الزاهدة أم الواقع المترف؟

الدين ليس “كابشن” مؤثر يُكتب أسفل صورة، ولا لحظة وجدانية عابرة أمام الكاميرا؛ بل هو منهج حياة متكامل. 

والناس بطبعهم يتأثرون بـ “النموذج” (ما يرونه) أضعاف تأثرهم بـ “الخطاب” (ما يسمعونه). 

وحين ينفصل القول عن الفعل، يفقد الدين هيبته في النفوس ويتحول إلى مجرد فلكلور.

​​يمتد الخلل حين يتجرأ البعض على إسقاط صفات الصحابة الكرام – كخالد بن الوليد رضي الله عنه – على أنفسهم أو غيرهم، لمجرد حماسة لحظية أو تشابه سطحي.

الصحابة ليسوا مجرد “صور بلاغية” نستعيرها لتلميع ذواتنا؛ هم المعيار، هم السقف الذي نقيس عليه ولا نقيسه علينا. هذا الخلط يُربك وعي المتلقي البسيط، ويهدم الحواجز النفسية بين “القدوة المعصومة” أو المحفوظة، وبين “المشهور” المليء بالتناقضات.

​​لماذا نعتبر هذا المشهد خطيراً جداً؟

لأن ما يحدث ليس مجرد “زلات” فردية، بل هو صناعة لمناخ عام. مناخ يُصدَّق فيه الكاذب إذا كان مشهوراً، ويُهمَّش فيه الصادق إذا كان مغموراً.

هذا بالضبط ما حذر منه النبي ﷺ حين تحدث عن “السنوات الخدّاعات”؛ فهو لم يصف الأشخاص بقدر ما وصف “البيئة” التي تفقد مناعتها العقلية والنفسية، فتصبح قابلة للانخداع بأي ناعق.

​في هذا السياق، نفهم حديث النبي ﷺ عن الرويبضة:

- سيأتي على الناس سنوات خداعات؛ يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة . 
قيل : وما الرويبضة ؟ قال :  «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة».
خلاصة حكم المحدث : صحيح


ظهور الرويبضة وتصدرهم ليس مجرد علامة، بل هو “تهيئة” للأرض.

​الدجال في المفهوم الإسلامي​

​الدجال في المفهوم الإسلامي ليس مجرد وحش سيظهر آخر الزمان، بل هو “أكبر فتنة”، وفتنته تعتمد أساساً على الخداع وتزييف الحقائق.

قصة تميم الداري رضي الله عنه ورؤيته للدجال، التي رواها النبي ﷺ، لم تكن لتحديد مكانه الجغرافي، بل لتأكيد حقيقة خطره.

الدجال لن يجد صعوبة في إقناع جيلٍ تَربّى على أن يأخذ دينه من “الستوري”، وحكمته من “الترند”، وقدوته من “الشاشة”.

​الخطر الحقيقي ليس في يوم خروج الدجال فقط، بل في الأيام التي تسبقه، حين تتهشم الموازين، وتصبح العقول فارغة من المناعة، جاهزة لاستقبال أي دجل ما دام مغلفاً بصورة مبهرة.

​​في زمن الفتن واختلاط المفاهيم، النجاة ليست في اعتزال الناس، بل في اعتزال الباطل فيهم.

أعظم ما يمكنك فعله لنفسك اليوم هو ضبط “الميزان”:

​أن تعرف عمن تأخذ دينك.

​أن تفرق بين “المؤثر” و”العالم”.

​أن لا يخدعك بريق الكلام عن بؤس الفعال.

​نقبل الحق من الجميع، لكن لا نصنع من الجميع مرجعية. لأنك إن أضعت الميزان.. أضعت الطريق.

الخميس، 26 يونيو 2025

الضربات الأمريكية على النووي الإيراني.. بين رواية ترامب وتقييم المخابرات

 الضربات الأمريكية على النووي الإيراني.. بين رواية ترامب وتقييم المخابرات

محمود الشاذلي


شهدت العلاقات الأمريكية-الإيرانية تصعيدًا خطيرًا في يونيو 2025، عقب تنفيذ الولايات المتحدة ضربات جوية استهدفت منشآت نووية رئيسية في إيران. وبينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن العملية قضت على البرنامج النووي الإيراني بالكامل، كشفت تقارير استخباراتية أمريكية تقييمات مغايرة، مؤكدة أن الأضرار كانت محدودة. يستعرض هذا التقرير الوقائع الدقيقة، التحليلات المتباينة، وردود الفعل الدولية، مع التزام صارم بقواعد الصحافة المهنية والتحقق من المصادر.

بدأت المواجهة في 13 يونيو 2025 بهجمات جوية إسرائيلية على مواقع عسكرية ونووية إيرانية. وبعد تسعة أيام، أعلنت الولايات المتحدة تنفيذ هجمات موسعة في 22 يونيو، استهدفت منشآت فوردو، نطنز، وأصفهان، باستخدام قاذفات B-2 الشبح وصواريخ كروز من طراز توماهوك. ووصف ترامب العملية بأنها “نجاح ساحق”، مشيرًا إلى تدمير شامل للبنية التحتية النووية الإيرانية، خاصة موقع فوردو تحت الأرض.

  • المنشآت المستهدفة:

    • فوردو: منشأة تخصيب يورانيوم على عمق 90 مترًا تحت الأرض، وتُعد الأكثر تحصينًا في إيران.

    • نطنز: مركز رئيسي لأجهزة الطرد المركزي الحديثة.

    • أصفهان: موقع أبحاث نووية رئيسي ضمن البنية العلمية الإيرانية.

  • الأسلحة المستخدمة:

    • 12 قنبلة خارقة للتحصينات على فوردو.

    • 30 صاروخ توماهوك موجه على نطنز وأصفهان.

  • التنسيق مع إسرائيل: كشفت مصادر أمنية عن تنسيق استخباراتي ولوجستي مشترك مع إسرائيل، التي كانت قد بدأت ضرباتها في وقت مبكر.

في 24 يونيو، نشرت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA) تقريرًا أوليًا أفاد بأن الضربات لم تدمر البنية التحتية الحيوية للبرنامج النووي الإيراني. وجاءت النقاط الرئيسية كالتالي:

  • استمرار معظم أجهزة الطرد المركزي بالعمل.

  • لم يتم تدمير مخزون اليورانيوم المخصب.

  • الأضرار في منشأة فوردو “محدودة” بسبب الحماية الخرسانية العميقة.

  • توقع تأخير البرنامج لأشهر فقط، لا تدميره.

  • ترامب: أصر على أن الضربات “قضت نهائيًا” على القدرات النووية الإيرانية، وهدد بضربات إضافية حال أي رد إيراني.

  • البيت الأبيض: وصفت المتحدثة كارولين ليفيت التقرير الاستخباراتي بـ”الحملة لتقويض إنجاز الرئيس”.

  • CIA: مدير الوكالة جون راتكليف صرّح أن البرنامج النووي “تلقى ضربة موجعة”.

  • FBI: فتح تحقيقًا لتحديد مسرب التقرير الاستخباراتي.


الرد الإيراني: عسكريًا وسياسيًا

  • هجوم صاروخي مزدوج: أطلقت إيران صواريخ باليستية وفرط صوتية على تل أبيب، واستهدفت قاعدة “العديد” الأمريكية في قطر.

  • تصريحات رسمية:

    • عباس عراقجي: وصف الهجوم الأمريكي بأنه “تجاوز خط أحمر”، نافيًا أي تلوث إشعاعي.

    • الحرس الثوري: أعلن أن الرد كان “مدروسًا” وأن البرنامج النووي مستمر بلا تراجع.

  • الخيارات المطروحة:

    • رفع مستوى التخصيب.

    • تفعيل حلفاء مثل حزب الله.

    • الانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT).

ردود الفعل الإقليمية والدولية

  • إسرائيل:

    • بنيامين نتنياهو أشاد بالضربة الأمريكية، مؤكدًا استمرار “العمليات الوقائية” ضد إيران.

  • الدول العربية:

    • السعودية ودول خليجية أعربت عن القلق ودعت لضبط النفس.

  • مجلس الأمن:

    • عقد اجتماعًا طارئًا بدعوة من روسيا والصين وباكستان لمناقشة التصعيد، وسط دعوات لوقف إطلاق النار.

  • الدول الغربية:

    • بريطانيا وفرنسا وألمانيا حذرت من أي رد إيراني قد يفاقم التوتر.

ما وراء الضربات

  • التناقض في الروايات:
    يشير إلى انقسامات داخل المؤسسة الأمريكية قد تؤثر على مصداقية السياسة الخارجية.

  • التداعيات الإقليمية:
    التصعيد قد يدفع إيران إلى تسريع تطويرها النووي بطرق سرية، أو عبر تصعيد غير متماثل في المنطقة.

  • آفاق الحل الدبلوماسي:
    على الرغم من إعلان ترامب عن “وقف إطلاق نار” في 24 يونيو، إلا أن استمرار العمليات في غزة والردود الإيرانية يعكس هشاشة أي تهدئة.

تشكل الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية تطورًا بالغ الخطورة في المشهد الإقليمي والدولي. وبينما تسعى واشنطن لترويج صورة النصر الكامل، تشير التقييمات الاستخباراتية إلى نتائج محدودة. هذا التناقض يسلّط الضوء على هشاشة الاتصالات الرسمية، ويزيد من صعوبة احتواء التصعيد دون تدخل دبلوماسي قوي.

ومع استمرار التهديدات المتبادلة، تبقى الدبلوماسية الجادة والشفافة الخيار الوحيد لتفادي الانزلاق نحو حرب مفتوحة قد تشمل أطرافًا إقليمية ودولية متعددة.