‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم. إظهار كافة الرسائل

السبت، 12 مارس 2022

مصرع طاغية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

مصرع طاغية

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الحمد لله الذي وعد أولياءه بالنصر والتمكين ، وتوعّد أعداءه بالذُّلِّ والخُذلان المبين

في مثل هذا الشهر تواعد حزب الشيطان ، وتوعّدوا أولياء الرحمن
فجُمِعت الجموع ، وحُشِدت الحشود ، وجُيّشت الجيوش
فاستعدّ رأس الكُفر ورئيسه لاستئصال الفئة المؤمنة
قال ربنا تبارك وتعالى : ( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ )
لماذا يحشد جُنوده ؟
( إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ )
عجيب أمرُه !
أوَ يخشى الإله ويُحاذر ؟ أين ما كان يدّعيه من الربوبية ؟
ولكنهم على أنفسهم يجنون ، وللنعمة هم يُزيلون
قال سبحانه : ( فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ )
أي عند طلوع الشمس .
ثم ماذا ؟
( فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ ) ورأى كل فريق خصمَه .
( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) أي لا محالة ، ولا مفرّ ، فالبحرُ من أمامنا ، والعدوُ مِن خلفنا بقضّه وقضيضه ، بخيله ورجِلِه ، بعُدّته وعتاده .
فماذا كان موقف نبيُّ الله موسى عليه الصلاة والسلام ؟
هو موقفُ الواثق بالله ونصرِه .
( قَالَ كَلاّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) فيأتيه الفَرَجُ والجواب :
( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ ) ماذا يضربُ بها ؟
عصا صغيرة كان يتوكأ عليها ، ويهشّ بها على غنمه .
يضرب بها البحرَ العظيم المتلاطم .
( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ )
لتبقى هذه القصة عِظة وعِبرة ، ولذلك قال الله بعد سياق هذه القصة : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )
قال رب العِزّة سبحانه في أخبار آل فرعون : ( ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )
فكانت العاقبة للمتقين ، كما كان موسى يقول لقومه من قبل : ( اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )
قال الله عز وجل : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ )

فهل شكر بنو إسرائيل هذه النّعمة يوم أنْ أنجاهم ربهم سبحانه وتعالى من عدوّهم ؟
استمع إلى قول الله جل جلاله : ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ َلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ )

أما نبيّ الله موسى عليه الصلاة والسلام فقد شكر الله عز وجل على ما أولاه مِن نِعْمَـة ، فصام ذلك اليوم شُكراً لله عز وجل .
وفي هذا دليل على أن الشكر العمليّ أبلغُ من الشكر بالقول فحسب .

أيها الكرام :
تلك كانت عاقبة قومِ فرعون .
وهي نهاية من طغى وبغى وتجبّر وعتى عتواً كبيراً وأفسد في الأرض فساداً عظيما .
ولذا قال الله عز وجل : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ )
ولما ذكر الله عاقبة الظالمين : ( وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ )
فقوة الله لا تقف أمامها قوةّ مهما بلغت في العتو والجبروت والعظمة .
ولكننا نحتاج إلى أن نستمد النصر والعز والتمكين من العزيز الحميد .

وإننا نستفتح عامنا هذا بشهرنا هذا ، وهو من الأشهر الحُـرُم
وقد قال الله تبارك وتعالى فيهن : ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ )
قال قتادة : الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزراً من الظلم في سواها .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن شهرِ محرم : أفضلُ الصيام بعد رمضانَ شهرُ الله المحرم ، وأفضلُ الصلاةِ بعد الفريضةِ صلاةُ الليل . رواه مسلم

قال ابن عباس رضي الله عنهما : قدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهودُ تصوم عاشوراء . فقال : ما هذا اليوم الذي تصومونه ؟ فقالوا : هذا يومٌ عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه ، وغرّق فرعونَ وقومَه ، فصامه موسى شكراً ، فنحن نصومه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم . فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه . رواه البخاري ومسلم .
ولكنّ نفس نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لم تَطِب بمُشابهة اليهود ، فأمر بمخالفتهم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع .. يعني مع العاشر . رواه مسلم .
ولما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه . قالوا : يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع . فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . رواه مسلم .
وهذا من حرصه عليه الصلاة والسلام على مُخالفة أهل الكتاب .
وقد أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من مُخالفة أهل الكتاب حتى قالت اليهود :
ما يريد هذا الرجل أن يدعَ من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه . رواه مسلم .
إذاً القضية تمايز وتباين بين أمة الإسلام وأمم الأرض .
وفي مسألة التّشبّه لا يُشترط القصد في المشابهة .

إخواني :
ونحن نستفتح هذا العام حريٌّ بنا أن نستغلَّ مواسم الخيرات ، ومن ذلك صيام يوم عاشوراء ، فإن صيامَه يُكفّر ذنوب سنة ماضية .
قال صلى الله عليه وسلم : صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله . رواه مسلم .

وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن صيام يوم عاشوراء . فقال : ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم ، ولا شهراً إلا هذا الشهر . يعني رمضان . رواه مسلم .
ولا يُشرع في مثل هذا اليوم إقامة احتفالات أو جعله عيداً .
روى مسلمٌ عن أبي موسى رضي الله عنه قال :كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداُ ويُلبسون نساءهم فيه حُلِيّهم وشارتهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فصوموه أنتم .
فلنستفتح عامنا هذا بتوبة صادقة ، وأوبةٍ وعودة وإنابة لعلّ الله أن يُغيّر ما بنا وما بأمتنا .
فإن الله لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسهم .
وهذه سُنة ربانية ماضية .
وإن أعداء الأمة لا يتسلّطون على أمة الإسلام إلا نتيجة للذنوب .
قال الله جل جلاله : ( وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً )

قال ابن القيم رحمه الله :
فالآية على عمومها وظاهرها ، وإنما المؤمنون يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضادّ الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة ، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم .
وقال رحمه الله :
اقتضت حكمة الله العزيز الحكيم أن يأكل الظالم الباغي ويتمتع في خفارة ذنوب المظلوم المبغي عليه ، فذنوبه من أعظم أسباب الرحمة في حق ظالمه . انتهى .

فالأمة اليوم بحاجة ماسة إلى العودة إلى كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم
وهي بحاجة إلى التوبة من الموبقات سواء ما كان منها على مستوى الدول أو على مستوى الشعوب أو على مستوى الأشخاص .

إن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما بنى البيت هو وابنه إسماعيل قال : ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .

وإن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كان مِن دُعائه : رب اغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافي في أمري كله ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي خطاياي وعمدي ، وجهلي وهزلي وكل ذلك عندي ، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وما أعلنت ، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير . رواه البخاري ومسلم .

إذا كان مِن غُفِر له ما تقدّم مِن ذنبه وما تأخر يقول ذلك ... فماذا نقول نحن ؟

* أصل الموضوع كان خُطبة جمعة في 4/1/1424 هـ

كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

الثلاثاء، 17 أغسطس 2021

رسالة إلى كُلّ مُبْتلى ومُصَاب ومَهمُوم

 

رسالة إلى كُلّ مُبْتلى ومُصَاب ومَهمُوم

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم


بسم الله الرحمن الرحيم

الابتلاء سُنّة ربانية:(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)
والله عزَّ وجَلّ يَبتلِي مَن شاء مِن عباده بِما شاء مِن الضرّاء والسرّاء .
فمَن صَبر ورضي ، فَلَه الرضا ، ومَن تسخّط ، فعليه السّخط .
قال ابن المبارك : مَن صَبَر، فما أقلّ ما يَصبر ، ومَن جَزع فما أقل ما يَتَمَتّع .
ومَن ابْتُلِي ؛ فليتذكّر أحوال الأنبياء والصالحين ، وما مرّوا بِه مِن ابتلاء .
وأن يَعلم أن البلاء الذي يُقرِّبه إلى الله خير له مِن النِّعمة التي تُبعده عن الله ، وتُنسيه مَولاه .

والله عَزّ وَجَلّ إذا قَضى قَضاء أحبّ أن يُرضَى عن قَضائه .
قال ابن القيم فيما يتعلّق بالمصيبة : ومِن علاجها : أن يَعلم أن أنفع الأدوية له مُوافقة ربه وإلَهَه فيما أحبه ورَضيه له ، وأن خاصية الْمَحبّة وسِرّها : مُوافقة المحبوب ؛ فمن ادّعى مَحبة محبوب ثم سَخِط ما يُحبه وأحب ما يَسخطه ؛ فقد شَهد على نفسه بِكَذِبه ، وتَمَقّت إلى مَحبوبه .

قال أبو الدرداء : إن الله إذا قَضى قضاء أحب أن يُرضَى به .

وكان عمران بن حصين يقول في عِلّته : أحبّه إليّ أحبّه إليه . وكذلك قال أبو العالية . وهذا دواء وعلاج لا يَعمل إلاّ مع الْمُحِبّين ، ولا يمكن كل أحد أن يتعالَج به . اهـ .

 

ومِن فِقه المصيبة – أيًّا كانت – أن يَعلم المؤمن أنها خير له إن صَبَر واحتَسَب .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن يُرِد الله به خَيرًا يُصِب مِنْه . رواه البخاري .

 

وكلّما عظُمَت المصيبة كلّما عظُم الأجر .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ . رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ، وصححه الشيخ الألباني ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط : إسناده جيد .

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دُعائه : أسألك الرضا بعد القضاء . رواه الإمام أحمد والنسائي ، وصححه الألباني .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ما يكون قبل القضاء فهو عَزم على الرضا لا حقيقة الرضا ..

وسئل أبو عثمان الحيري النيسابوري عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أسألك الرضا بعد القضاء " فقال : لأن الرضا بعد القضاء هو الرِّضا . اهـ .

 

قال ابن رجب : ومما يدعو المؤمن إلى الرضا بالقضاء : تحقيق إيمانه بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلاّ كان خيرا له ؛ إن أصابته سَرّاء شكر ، كان خيرا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ، كان خيرا له ، وليس ذلك إلاّ للمؤمن .

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يوصيه وصية جامعة مُوجزة ، فقال : لا تَتَّهِم الله في قضائه .

قال أبو الدرداء : إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يُرْضَى به .

وقال ابن مسعود : إن الله بِقِسطِه وعَدله جَعل الرَّوح والفَرح في اليقين والرضا ، وجعل الْهمّ والحزن في الشك والسخط ؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه مِن شدة ورَخاء . كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما.

وقال عمر بن عبد العزيز : أصبحت ومَالِي سرور إلاّ في مواضع القضاء والقدر .

فمن وَصل إلى هذه الدرجة ، كان عيشه كُله في نعيم وسُرور . اهـ .

 

وقال ابن القيم : والجزع والتسخط والتشكّي يَزيد في المصيبة ، ويُذهب الأجر . اهـ .

 

ويُضاعَف الأجر مع شِدّة البلاء ..

حَدّث أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : أنه دَخَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مَوعُوك ، عليه قَطيفة ، فَوَضَع يده عليه ، فَوَجَد حرارتها فوق القطيفة ، فقال أبو سعيد : ما أشدّ حُمَّاك يا رسول الله ! قال : إنّا كذلك ، يَشتد علينا البلاء ، ويُضاعف لنا الأجر . فقال : يا رسول الله ! أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم الصالحون ، وقد كان أحدهم يُبْتَلَى بِالفَقْر حتى ما يجد إلاّ العباءة يَجُوبُها فيَلْبَسها ، ويُبْتَلَى بِالقمل حتى يَقتله ، ولأحدهم كان أشد فَرَحا بالبلاء مِن أحدكم بالعطاء . رواه الإمام أحمد والبخاري في " الأدب الْمُفْرَد " وابن ماجه والبيهقي في " الشُّعَب " ، وصححه الألباني .

ومعنى : يَجوبها ، أي : يَقطعها ليلبسها .

  

يا صاحب الْهَمّ .. علامَ الْهَمّ ..؟!

في وصية من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم : ارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ . رواه الإمام أحمد والترمذي ، وحسّنه الألباني .

 

وقد مرّ إبراهيم بن ادهم على رجل مهموم ، فقال له إبراهيم : يا هذا إني سائلك عن ثلاث فاجبني .

فقال له الرجل : نعم .

فقال له إبراهيم : أيجري في هذا الكون شي لا يريده الله ؟

فقال : لا

قال : أينقص من أجلك لحظة كتبها الله لك في الحياة ؟

قال : لا

قال : أينقص رزقك شي قدّره الله ؟

قال : لا .

قال إبراهيم : فعلامَ الْهَمّ إذن ؟!

 

يا صاحِب الْهَمّ .. والله إن الله أرحَم بِنا مِن أُمّهاتِنا .

وأن ما كَتبَه الله عَزّ وَجَلّ لنا لا علينا .. وهو خير لنا (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) نعم . ( لَنَـا ) ذلك أنه تبارك وتعالى (هُوَ مَوْلانَا) وهو حسبنا (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) .

وفي صحيح السُّـنَّة : عجبًا لأمْر المؤمن ؛ إن أمْره كُله خير ، وليس ذاك لأحد إلاّ للمؤمن : إن أصابته سَرّاء شَكر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته ضَرّاء صَبر ، فكان خيرا له . رواه مسلم .

 

وفي حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : عَجِبت مِن قضاء الله عز وجل للمؤمن ؛  إن أصابه خير حَمِد ربّه وشَكر ، وإن أصابته مُصيبة حَمِد ربَه وصَبر ، المؤمن يُؤجَر في كل شيء حتى في اللقمة يَرفعها إلى فِيّ امرأته . رواه الإمام أحمد والنسائي ، وصححه الألباني ، وحسّنه شعيب الأرنؤوط .

قال ابن حجر : فكُلّ قَضاء الله للمُسلِم خَير . اهـ .

 

ورسالة إلى أهلنا في الشام وفي العراق واليمن وفي كل بلد مَحرُوب منكوب :

صبرا صبرا آل الإسلام وأهله ..

لقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يَمُرّ بآلِ ياسِر وهم يُعذّبون ، فما يَزيد على قول : صبرا آل ياسر ، فإن مَوعِدكم الجنة .

 

ومِن أوْسَع وأكبر أبواب الرضا عن الله وأقدارِه :

1 - أن يَعلم المسلِم أن ما أصابه لم يَكُن ليُخطئه ، وما أخطأه لم يَكُن ليُصيبه ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

2 - أن يَعلم الإنسان أن الله أرحَم به مِن أرحم الناس به ، وهي الأم ، كما في الصحيحين .

3 - أن يَنظر الإنسان إلى ما أصابَه على أنه خير له ؛ فإن الله عزَّ وجَلّ ما يَقضي للعبد قضاء إلاّ كان خيرا له .

4 - وأن يَتيقّن أن ما صَرَف الله عنه أكبر مما أصابه ، وأن الله لو يُؤاخِذ عباده بِما كَسَبَت أيديهم لَهَلَكوا ، كما قال تبارك وتعالى : (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .

وأن ما أصابه مِن مُصيبة إنما هو بسبب بعض ذنوبه ، وأن الله يَعفو عن كثير : (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) .

5 - أن يتذكّر الأجر العظيم الذي أعدّه الله للصابِرين ، كما قال تعالى : (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .

وما يُخلِفه الله على المؤمِن إذا صبر واحتَسَب وقال ما أُمِر به .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : المؤمن مأمور عند المصائب أن يَصبر ويُسَلِّم ، وعند الذنوب أن يَستغفر ويَتوب . قال الله تعالى : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ) ، فأمَرَه بالصبر على المصائب ، والاستغفار مِن الْمَعَائب . اهـ .

 

وتكون زيادة اليقين بِزيادة الإيمان بالله ، وذلك بالإكثار مِن العَمَل الصالح ؛ لأن مِن أعظم أسباب الثبات والرِّضَا عن الله تبارك وتعالى : العَمل الصالح .

قال الله تبارك وتعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) .

وقال تعالى عن الصلاة وأعمال الْبِرّ : (إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) .

ومِن هنا كان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه أعظم الناس ثَبَاتا ؛ لِمَا وَقَر في قَلبِه مِن تصديق ، وصَدَّقَه عَمَله .

وهذا يَحتاج إلى قَسْر النَّفْس على الرِّضا وعدم السخط ، ويحصل هذا بالتعوّد ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يتصبر يصبره الله ، وما أُعطي أحد عطاء خيرا وأوسع مِن الصبر . رواه البخاري ومسلم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما العِلْم بالتَّعَلُّم ، وإنما الْحِلْم بالتَّحَلّم . مَن يَتَحَرّ الخير يُعْطَه ، ومَن يَتَّقّ الشَّرَّ يُوقَه . رواه الطبراني في الأوسط ، وصححه الألباني .

وأن يُعوّد الإنسان نفسه على الرضا والتسليم لأقدار الله تعالى ، وإذا نَزَل به بلاء أو مُصيبة أن يقول ما أمَرَه الله به (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ، وأن يقول : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله ، ويُكثر مِن قول : حسبنا الله ونعم الوكيل .

 

قال ابن القيم : نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم أن يَقول عند جَرَيان القَضاء ما يَضَرّه ولا ينفعه ، وأمَرَه أن يَفعل مِن الأسباب ما لا غِنى له عنه ، فإن أعْجَزَه القَضاء قال : حسبي الله ، فإذا قال حسبي الله بعد تَعَاطي ما أمَره مِن الأسباب قالَها وهو محمود فانتفع بالفعل والقول . اهـ .

 

ومما يُعين على ذلك :

1 - أن يَعلم الإنسان أن التَّسخّط لا يُعيد مفقودا ، ولا يَردّ قضاء ، وإنما يَجلب شقاء !

ولذلك : مَن رَضِي عن الله وأقدارِه ؛ فَلَه الرِّضا ، ومَن سَخِط فعليه السّخط .

قال ابن القيم : قال بعض الحكماء : العاقل يَفعل في أول يوم مِن المصيبة ما يَفعله الجاهل بعد أيام ، ومَن لم يَصبر صَبر الكرام سَلا سُلُو البهائم ..

وقال الأشعث بن قيس : إنك إن صَبَرْتَ إيمانا واحتسابا وإلاَّ سَلَوْتَ سُلُوّ البهائم . اهـ .

2 - أن الله يُحبّ أن يُرضى عنه وعن قضائه .

ومَتى رَضِي المؤمن بِقَضاء الله كُتِب له الأجر العظيم ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا مات وَلد العبد قال الله لملائكته : قَبَضْتم وَلَد عبدي ؟ فيقولون : نعم . فيقول : قَبضتم ثَمَرة فؤاده ؟ فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حَمِدَك واسْتَرْجَع . فيقول الله : ابنوا لِعَبدي بَيْتًا في الجنة وَسَمُّوه بَيت الْحَمْد . رواه الإمام أحمد والترمذي ، وحسّنه الألباني بِمَجموع طُرُقه .

وقد أوْصَى النبي صلى الله عليه وسلم بِوَصِيّة جامِعة : وهي التسليم لله عزَّ وجَلّ ، والرضا عن أقدارِه ..

قال رجل : يا رسول الله ، أيّ العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله وتصديق ، وجهاد في سبيل الله ، وحج مبرور ، قال الرجل : أكثرتَ يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فَلِين الكلام ، وبَذْل الطعام ، وسَمَاح وحُسن خُلق ، قال الرجل : أريد كَلمة واحدة ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب فلا تَتَّهِم الله على نفسك . رواه الإمام أحمد .

وفي رواية له : لا تَتَّهم الله في شيء قَضَى لك به .

 

وقال ابن مسعود رضي الله عنه : لأن يَعضّ أحدكم على جمرة حتى تطفأ خير مِن أن يقول لأمْر قضاه الله : ليت هذا لم يكن .

وقال ذو النون : ثلاثة مِن أعلام التَّسليم : مُقابلة القضاء بالرضا ، والصبر على البلاء ، والشكر على الرخاء .

 

والرضا بالله رَبّا ومالِكا ومُتصرّفا ، والرضا عن الله في أفعاله وفي شَرعه وبأقدَارِه يُورِث الجنة ..

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا سعيد ، مَن رَضِي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وَجَبَت له الجنة . فَعَجِب لها أبو سعيد ، فقال : أعدها عليّ يا رسول الله . فَفَعَل . رواه مسلم .

 

قال أبو عبد الله بن خفيف : الرضا قسمان : رِضا به ، ورِضا عنه ؛ فالرضا به مُدبّرا ، والرِّضا عنه فيما قَضى .

وقال أيضا عن الرضا : هو سكون القلب ، إلى أحكام الرب ، وموافقته على ما رَضي واختار . نَقَلَه القرطبي في " الْمُفْهِم " .

 

قَالَ أبو زيدٍ القرطبيُّ :

لا تجزَعنَّ لِمَكْرُوهٍ تُصَابُ بِهِ *** فَقَدْ يُؤدِيكَ نَحَوَ الصِّحَةِ المرضُ

واعْلَمْ بِأنَّكَ عَبْدٌ لا فِكَاكَ لَهُ *** والعَبْدُ لَيْسَ عَلَى مَولاهُ يَعْتَرِضُ

الثلاثاء، 27 أغسطس 2019

المسـك يا ( مسـك )


المسـك يا ( مسـك )


المسك أطيب الطيب



قال صلى الله عليه وسلم : كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين فاتخذت رجلين من خشب وخاتما من ذهب مغلق مطبق ، ثم حشته مسكا - وهو أطيب الطيب - فمرّت بين المرأتين فلم يعرفوها ، فقالت بيدها هكذا ، ونفض شعبة يده . رواه مسلم .



وعند أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : ذُكر المسك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هو أطيب الطيب .



والمسك تُحبه النفوس



ولذا جعل الله تُربة الجنة من المسك
قال صلى الله عليه وسلم – في حديث الإسراء الطويل - : ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي ، ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها حبايل اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك . رواه البخاري ومسلم .



ووُصِف عرق أول زمرة تدخل الجنة بذلك
قال صلى الله عليه وسلم : أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر ، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون ، آنيتهم فيها الذهب ، أمشاطهم من الذهب والفضة ، ومجامرهم الألوة ، ورشحهم المسك ، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا .



ولما كان المسك مُحبباً إلى النفوس كانت رائحة الحور العين أطيب من المسك 
قال عليه الصلاة والسلام : لقاب قوس أحدكم خير من الدنيا وما فيها ، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى الدنيا لملأت ما بينهما ريح المسك ، ولَطُيِّب ما بينهما ، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها . رواه الإمام أحمد .



ووُصفت رائحة حوضه عليه الصلاة والسلام بذلك



فقال عليه الصلاة والسلام : حوضي مسيرة شهر ؛ ماؤه أبيض من اللبن ، وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منها فلا يظمأ أبدا . رواه البخاري ومسلم .



قال أنس بن مالك رضي الله عنه : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكوثر ، فقال : هو نهر أعطانيه الله عز وجل في الجنة ؛ ترابه المسك ، ماؤه أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل تَرِدُه طير أعناقها مثل أعناق الـجُـزُر ( الإبل ) فقال أبو بكر : يا رسول الله انها لناعمة ؟! فقال : آكلها أنعم منها . رواه الإمام أحمد .
وعنه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ المجوّف . قال : فقلت : يا جبريل ما هذا ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك عز وجل . قال : فضربت بيدي فيه ، فإذا طينه المسك الأذفر ، وإذا رضراضه اللؤلؤ . . رواه الإمام أحمد . 
والرضراض : الحصى أو صغار الحصا .



ولطيب رائحة المسك فقد شُبّهت رائحة كفه عليه الصلاة والسلام برائحة المسك
قال وائل بن حجر رضي الله عنه : لقد كنت أصافح رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يمس جلدي جلده ، فأتعرّفه بعد في يدي ، وإنه لأطيب رائحة من المسك .



قال أبو جحيفة رضي الله عنه : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة إلى البطحاء ، فتوضأ ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين ، وبين يديه عنـزة كان يمر من ورائها المرأة ، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم . قال : فأخذت بيده فوضعتها على وجهي ، فإذا هي أبرد من الثلج ، وأطيب رائحة من المسك . رواه البخاري .



وعند أحمد عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال : أُتيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء ، فشرب منه ، ثم مج في الدلو ثم في البئر ، ففاح منه مثل ريح المسك . 
ولفظه عند ابن ماجه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أتى بدلو فمضمض منه ، فمجّ فيه مسكا أو أطيب من المسك ، واستنثر خارجا من الدلو .



وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب المسك ويتطيّب به
قالت عائشة رضي الله عنها : كأني انظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو محرم . رواه مسلم .



وشُبِّـه الجليس الصالح بحامل المسك



قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك ، إما أن يحذيك ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تجد ريحا خبيثة . رواه البخاري ومسلم . 



ووُصفت رائحة دم الشهيد وشُبّهت بالمسك
قال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة واللون لون الدم ، والريح ريح المسك . رواه البخاري ومسلم . 



وشُبه به طيب خلوف فم الصائم عند الله يوم القيامة ؛ لأنه أثر عبادة يُحبها الله 
قال عليه الصلاة والسلام : والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك . رواه البخاري ومسلم . 
وفي الكلمات الخمس التي أمر الله بهن يحي عليه الصلاة والسلام أن يُبلغهن بني إسرائيل : وآمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرّة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك ، وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك . . رواه الإمام أحمد .



ووُصفت الريح التي تقبض أرواح المؤمنين برائحة المسك
قال صلى الله عليه وسلم : لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك ، ثم يبعث الله ريحا كريح المسك مسها مس الحرير فلا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته ، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة . رواه مسلم .



ورائحة روح المؤمن إذا خرجت وصعدت إلى السماء كرائحة المسك
قال صلى الله عليه وسلم :إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها - فذكر من طيب ريحها ، وذكر المسك - قال : ويقول أهل السماء : روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه ، فينطلق به إلى ربه عز وجل ، ثم يقول : انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال : وإن الكافر إذا خرجت روحه - وذكر من نتنها ، وذكر لعناً - ويقول أهل السماء : روح خبيثة جاءت من قبل الأرض . قال فيقال : انطلقوا به إلى آخر الأجل . قال أبو هريرة رضي الله عنه : فَرَدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا . رواه مسلم .



قال أبو العالية : كان لأنس بستان يحمل في السنة مرتين ، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك . رواه الترمذي .
وذلك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه .



فنسأل الله أن تكون روائح أرواحنا إذا فارقت أجسادنا أطيب من المسك
ونسأله تبارك وتعالى أن يُوردنا حوض نبيه الذي ريحه أطيب من ريح المسك 
ونسأله سبحانه مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم الذي رائحة كفه أطيب من المسك
ونسأله سبحانه أن يُدخلنا الجنة التي ترابها المسك 



كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
assuhaim@liveislam.com

السبت، 18 مايو 2013

وأين مكوكبها ؟


وأين مكوكبها ؟

مراقبةُ الله حال الخلوة أعظم ، ولذا قال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ )
ولهم المغفرة ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ )
ولهؤلاء أُزلِفت الجنات : ( وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) 
وعلى النقيض من ذلك من انتهكوا محارم الله وهتكوها
قال عليه الصلاة والسلام : لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً ، فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا . قال ثوبان : يا رسول الله صفهم لنا ، جلِّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم . قال : أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها . رواه ابن ماجه .

فالتعبير بـ " إذا " يدلّ على الكثرة والاستمرار ، وأن هذا هو شأنهم وديدنهم مع محارم الله فجعلوا الله أهون الناظرين إليهم .
ولفظ " إذا " يدلّ على الكثرة كما في صفة المنافق : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان .
وهذا كحال المنافقين الذين قال الله عز وجل عنهم : 
( يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ) 

قال رجل لوهب بن الورد : عظني فقال له : اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك
 .

وكان بعض السلف يقول : أتراك ترحم من لم يقرّ عينيه بمعصيتك حتى علم أن لا عين تراه غيرُك .

وقال بعضهم : ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تَصْفُ لك من عينٍ ناظرةٍ إليك ، فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيته ، ولم تستحي منه حياءك من بعض خلقه ، ما أنت إلا أحدُ رجلين :
إن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت .
وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت عليه .


وكان بعض السلف يقول لأصحابه : زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة ، فَعَلِمَ أن الله يراه فتركه من خشيته . 

وقال الشافعي : أعز الأشياء ثلاثة : الجود من قلة ، والورع في خلوة ، وكلمة الحق عند من يُرجى أو يخاف .

وكتب ابن السماك الواعظ إلى أخ لـه : أما بعد أوصيك بتقوى الله الذي هو نجيّك في سريرتك ورقيبك ، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك ، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك ، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره ، ولا من ملكه إلى ملك غيره ، فليعظم منه حذرك وليكثر منه وجلك ، والسلام .

وكان ابن السماك ينشد :
يا مدمن الذنب أما تستحي = والله في الخلوة ثانيكا 

غـرّك من ربك إمهالُـه = وستره طولَ مساويكا

ومراقبة الله عز وجل حال الخلوة أعظم
وفي قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار ... فقال أحدهم : 
اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إليّ ، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت ، حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أُحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه ، فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إليّ وتركت الذهب الذي أعطيتها . اللهم إن كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ... الحديث . رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لمسلم : فلما وقعت بين رجليها قالت : يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه ، فقمت عنها ، فإن كنت تعلم أنى فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها فرجة ، ففُرِج لهم .
فلما ذكرته بالله تذكّر وانتفض وتذكّر أن الله مطّلع عليه ناظر إليه .

ودخل رجل غيضة فقال : لو خلوت ها هنا بمعصية من كان يراني ؟ فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ؟

ولقي رجل أعرابية فأرادها على نفسها فأبت ، وقالت : أي ثكلتك أمك أمالك زاجر من كرم ؟ أمالك ناه من دين ؟
قال : والله لا يرانا إلا الكواكب !
قالت : ها بأبي أنت !
وأين مكوكبها ؟ . رواه البيهقي في الشعب .

قال محمد بن إسحاق : نزل السَّرِيُّ بن دينار في درب بمصر وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها ، فعلمت به المرأة ، فقالت : لأفتننه ؛ فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها ، فقال : مَالَكِ ؟! فقالت : هل لك في فراش وطي ، وعيش رخي ، فأقبل عليها وهو يقول :
وكم ذي معاص نال منهن لذة* ومات فخلاّها وذاق الدواهيا 

تصرمُ لذّات المعاصي وتنقضي* وتبقى تِباعاتُ المعاصي كما هيا
فيا سوءتا والله راءٍ وسامع* لعبدٍ بعين الله يغشى المعاصيـا

كان لسليمان بن عبد الملك مؤذّن يؤذنه في قصره بأوقات الصلاة ، فجاءته جارية له مولّدة فقالت : يا أمير المؤمنين إن فلاناً المؤذن إذا مررت به لم يُقلع ببصره عني ، وكان سليمان أشد الناس غيرة ، فهمّ أن يأمر بالمؤذّن ، ثم قال : تزيني وتطيبي وامضي إليه فقولي له : إنه لم يخفَ عني نظرك إليّ ، وبقلبي منك أكثر مما بقلبك مني ، فإن تكن لك حاجة فقد أمكنك مني ما تُريد ، وهذا أمير المؤمنين غافل ، فإن لم تُبادر لم أرجع إليك أبدا .
فمضت إلى المؤذن وقالت له ما قال لها
فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا جليل أين سترك الجميل ؟
ثم قال : اذهبي ولا ترجعي ، فعسى أن يكون الملتقى بين يدي مَن لا يخيّب الظنّ .
فرجعت إلى سليمان وأخبرته الخبر فأرسل إليه ، فلما دخل على سليمان قال له الحاجب : إن أمير المؤمنين رأى أن يهب لك فلانة ، ويحمل إليك معها خمسين ألف درهم تنفقها عليها .
قال : هيهات يا أمير المؤمنين ! إني والله ذبحت طمعي منها من أول لحظة رأيتها ، وجعلتها ذخيرة لي عند الله ، وأنا أستحيي أن أسترجع شيئا ادّخرته عنده .
فجهد به سليمان أن يأخذ المال والجارية فلم يفعل ، فكان يعجب منه ، ولا يزال يُحدّث أصحابه بحديثه .


يقول أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني في نونيته :
وإذا خلوت بريبة في ظلمة = والنفس داعية إلى الطغيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها : = إن الذي خلق الظلام يراني
قال ثعلب النحوي : كنت أحب أن أرى أحمد بن حنبل ، فدخلت عليه ، فقال لي : فيم تنظر ؟ فقلت : في النحو والعربية والشعر ، فأنشدني أحمد بن حنبل رحمة الله تعالى عليه :
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة * ولا أن ما يخفى عليه يغيب
عن قيس بن عباد قال : صلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة أخفها ، فكأنهم أنكروها ، فقال : ألم أتم الركوع والسجود ؟ قالوا : بلى . قال : أمَـا إني دعوت فيها بدعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به :
اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي ، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الرضا والغضب ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وقرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضاء بالقضاء ، وبرد العيش بعد الموت ، ولذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، وأعوذ بك من ضراء مضرة ، وفتنة مضلة . اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين . رواه الإمام أحمد وغيره .


فاللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة .



كتبه
عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
assuhaim@liveislam.com