‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أحمد أبو الهيجاء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. أحمد أبو الهيجاء. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 سبتمبر 2025

لماذا قد تختار حماس "عدم إعاقة" خطة ترامب؟

 لماذا قد تختار حماس "عدم إعاقة" خطة ترامب؟

باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية.

لا شك أن حركة حماس تمر بأصعب وضع تاريخي منذ تأسيسها عام 1987، وقد يكون قرارها المتعلق بالموقف من خطة ترامب لوقف الحرب أصعب من مرارة الحرب التي خاضتها والشعب الفلسطيني على مدار عامين كاملين من الإبادة الجماعية والخذلان الدولي، لكن السياسة لا تتقبل العواطف.

كما أن حماس وإن كانت في مأزق إستراتيجي، فإن إسرائيل ذاتها في مأزق تاريخي لن تخرج منه كما كانت، أيا تكن الظروف، ومهما كانت السياقات والسيناريوهات.

قد يكون من الأفضل لحركة حماس وفصائل المقاومة إعلان موقف فوري عن "عدم إعاقة" تطبيق خطة ترامب لوقف الحرب على غزة وحماية الشعب الفلسطيني من الإبادة الجماعية، وفتح المجال أمام إغاثة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بما يليق بتضحياته.

في المقابل يجب- وليس مطلوبا- ألا يتضمن موقف الحركة إعلانا مباشرا بالقبول بالخطة أو حتى رفضها، ليبقى ذلك الموقف هلاميا؛ فهي وغيرها من حركات المقاومة ليست ملزمة بأن يملى عليها ماهية الموقف الذي يجب أن تتخذه؛ لأن المطروح خطة وليس اتفاقا.

إن إعلان "عدم إعاقة" الاتفاق يتضمن رسالة واضحة: 

أن الحركة ليست ضد الإرادة العربية والدولية في وقف الإبادة، إضافة إلى أن وقف الإبادة هو مطلب الكل الفلسطيني قبل كل شيء، وهذا يشمل الطلب العاجل في ذات الموقف، إرسال الطواقم الفنية التي ستعمل على التفاصيل استنادا إلى حرص المقاومة على عامل الوقت الذي يعني في كل دقيقة ضحية جديدة، وحرصها على عدم إعاقة تطبيق هذه الخطة.

يتمثل موقف "عدم الإعاقة " في موافقة الحركة على المحددات الرئيسية للمرحلة المقبلة، وهي: وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، وإغلاق هذا الملف، وأن تؤكد حماس موافقتها على أنها لا تريد ولا ترغب بأن تكون جزءا من أية إدارة لقطاع غزة، مع اشتراط أن تكون تلك الإدارة الجديدة عملية وقابلة للحياة، وغير مهددة للسلم الأهلي وفق السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لقطاع غزة.

أما أن تكون هذه الإدارة مختلطة، بحيث تضم في قيادتها فلسطينيين من قطاع غزة وأجانب، فيجب

- بأي حال من الأحوال- ألا تكون مشكلة أو تثير حساسية كبيرة، شريطة أن يكون ذلك جزءا من عملية انتقالية وليس إدارة دائمة، وأن يربط الموقف الفلسطيني بين كل ما سبق، والطلب الواضح أن تتضمن إحدى المراحل انتخابات ديمقراطية وشفافة يحترم نتائجها المجتمع الدولي.

تأكيدا لموقف تقليل الحساسية من وجود بعض القيادات الأجنبية في إدارة قطاع غزة، فذلك ليس غريبا على الحالة الراهنة لسببين:

  • الأول، أن غالبية الخدمات في قطاع غزة تقدم أساسا وتاريخيا من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"؛ بحكم أن غالبية سكان قطاع غزة لاجئون، ودائما ما كانت الإدارة العليا للأونروا ومفوضوها أجانب.
  • ثانيا، أن الواقع العام لقطاع غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول محكوم بنحو خمسين شخصا يمثلون الحكومة الفعلية لغزة، وهم يمثلون مؤسسات دولية ومرتبطون بمجموعة واتساب مع قيادة المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، وهم من يحدد من يدخل ومن يخرج، وماذا يدخل ويخرج، وكل أشكال الإغاثة والمساعدات، ولهم قواعدهم الميدانية في القطاع.

بالتالي فإن القطاع حاليا محكوم ويدار بتلك المؤسسات الدولية بشكل عملي ولا دور يذكر سواء للحكومة في رام الله، أو الحكومة السابقة في قطاع غزة التي تستهدف قوات الاحتلال أي تحرك مدني لها على الأرض.

لذلك فإن الموقف المنطقي في هذا البند، هو التأكيد على أن تكون هيئات الأمم المتحدة شريكا أصيلا في إدارة المرحلة المقبلة، وهذا موقف ستدعمه كثير من الدول؛ يعني ذلك أنه عطفا على موقف عدم الإعاقة، فإن الطلب المباشر، هو دور أصيل لهيئات الأمم المتحدة في إدارة هذه الخطة.

من المؤكد أن هذا الموقف سيكون مجالا للتشكيك إسرائيليا وأميركيا، لكن يجب أن يكون واضحا أنه وفقا للبروتوكولات المطروحة، فإن خطة ترامب لا تتضمن اتفاقا بل مسمى خطة، ويوجد فرق كبير بين مسمى خطة، ومسمى اتفاق.

أنت تطرح خطة كطرف ثالث- إن جاز لنا بروتوكوليا أن نعتبر الأميركان طرفا ثالثا- الأمر الطبيعي أن تتوافر خيارات متعددة في التعبير عن الموقف تجاه هذه الخطة، ومنها الحد الأدنى المطلوب من الطرف المقابل، وهو التعبير عن عدم إعاقة تطبيق الخطة.

أما لو طُرح الأمر بشكل مختلف، وهو خيار التوصل إلى اتفاق ثنائي، كما في جولات الحروب السابقة مع قطاع غزة، فعندها يصبح لازما تقديم موقف واضح بالرفض أو الإيجاب. 

لكن أن تُطرح خطة وليس اتفاقا، وتتضمن إلغاء الطرف الآخر، واعتباره غير موجود، ثم يطلب موافقته على هذه الخطة، فهذا غير منطقي على الإطلاق!

إن القاعدة الرئيسية التي يجب على المقاومة في قطاع غزة أن تأخذها بعين الاعتبار في قرارها، هي أن السمة المميزة للعلاقات الدولية في منطقة "الشرق الأوسط"، عدم احترام الاتفاقيات والتعهدات والالتزامات، وسادة هذا النهج في العالم، الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، لا سيما في ظل اهتزازات النظام الدولي ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية.

وهذه ميزة ومثلبة في ذات الوقت على الأقل في هذه المرحلة التي لا يستطيع حتى من يديرونها التنبؤ بها؛ ومخطئ تماما من يعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تسيران وفق توجهات إستراتيجية واضحة في إدارة المنطقة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، والاستنزاف الكبير لكل الأطراف في هذه الحرب.

إن ما يجب التذكير به في خضم كل هذه المواجهة غير المسبوقة، هو أن إسرائيل لم تحسم أي ملف منها طوال عامين، لا ملف غزة، ولا ملف الضفة الغربية، ولا ملف لبنان، ولا ملف سوريا، ولا ملف إيران، ولا حتى ملفات بعيدة كملف اليمن، ولن تحسم أي ملف منها أو غيرها في المستقبل.

ستبدأ أزمات إسرائيل الداخلية والخارجية، إذ إن تداعيات الحرب عليها فور انتهائها أكثر بكثير مما جرى خلالها، بينما يتطلب ذلك فلسطينيا البناء على الزخم الدولي الذي لا فضل فيه لأحد إلا لدماء أطفال ونساء غزة التي أحدثت التحول الجذري الذي يتطلب جهدا ضخما وممنهجا لاستدامته.

كما أن عنوان المرحلة المقبلة من الصراع، هو المناصرة الدولية في قضية الفصل العنصري؛ إذ توجد ركيزتان أساسيتان في الكود الأخلاقي الغربي لرواية وصورة إسرائيل: الهولوكوست والديمقراطية، أما الأولى فقد أنهاها وسم الإبادة، والثانية ينهيها وسم الفصل العنصري.

إن القضية الفلسطينية أمام منعطفات تاريخية وصعبة وقاسية جدا في مواجهة المنظور الإسرائيلي "للحسم التاريخي" للصراع على الأرض، لكنها في المقابل أمام فرص غير مسبوقة أنتجتها أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها من حرب إبادة مريرة أخرجت القضية الفلسطينية من تابوت التصفية والإنهاء الكامل إلى فضاءات لم يعد بالإمكان تجاوزها إذا ما أحسن الفلسطينيون وداعموهم استثمارها في المرحلة المقبلة.

وفي النهاية لن تستقر هذه المنطقة إلا بحل عادل للشعب الفلسطيني، ولن تستطيع أي قوة شطب تاريخ ورواية ومقاومة وحياة الشعب الفلسطيني.

الخميس، 10 أكتوبر 2024

5 أعراض واضحة تنبئ بنهاية إسرائيل


5 أعراض واضحة تنبئ بنهاية إسرائيل


باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية

لم يتغير الواقع الإستراتيجي لإسرائيل بعد عام من الحرب، فما فعلته لم يكن سوى مزيد من الهروب نحو الأمام، يحقق لها بعض الإنجازات التكتيكية لكنه لا يقدم أي إجابة للمجتمع الإسرائيلي عن المستقبل والأسئلة المصيرية التي استجلبها السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. فقد دخلت إسرائيل الحرب على وقع صراع داخلي عميق حول هوية الدولة، وفقدان الثقة بين الجيش والمجتمع، وتآكل الردع. وقد أنهت عامًا من الحرب وقد أغرقها تطرفها في حرب متعددة الجبهات.

ومع الذكرى الأولى للسابع من أكتوبر/ تشرين الأول الذي اعتُبر أكبر تحدٍ وجودي لإسرائيل منذ قيامها، اعتبر المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس "أن المرة الوحيدة التي واجهت فيها إسرائيل تهديدًا وجوديًا مماثلًا كانت في حربها عام 1948، والثانية في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول". تجد إسرائيل نفسها غير قادرة على الحسم والردع.

لقد حطمت حماس أوهام الإسرائيليين بشأن أمنهم، بشكل أعمق من أي وقت مضى منذ حرب 1973، وأدخلتهم في "صدمة جماعية" وفق الصحفي الأميركي ستيفن كولينسون. كما فقدت إسرائيل بريقها بالكامل على المستوى الدولي، وتحولت إلى دولة "منبوذة" تتعرض لمقاطعات اقتصادية وحظر على شحنات الأسلحة من دول عديدة، مما دفع الإسرائيليين إلى إخفاء هويتهم في كثير من دول العالم؛ خوفًا من الملاحقة والازدراء، وهي أسوأ صورة تخيّلت إسرائيل أن تقدمها للجيل الرابع فيها بعد 76 عامًا على تأسيسها.

أكد "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" في جامعة تل أبيب أن إسرائيل تقف أمام خطر عزلة دولية غير مسبوقة. واعتبر رئيس المعهد، اللواء احتياط تامير هايمان، "أن الساعة الرملية للشرعية الإسرائيلية فرغت تمامًا تقريبًا. وإسرائيل أمست اليوم في أقرب نقطة في تاريخها من عزلها دوليًا".

بنت إسرائيل لنفسها صورة القوي المتفوق طيلة عقود، إلى أن تكَسّرت هذه الصورة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، ومنذ عام وإسرائيل تحاول ترميم هذه الصورة دون جدوى. يعتبر الفيلسوف الإسرائيلي، ميكا غودمان، "أن إسرائيل تواجه معضلة، وهي أنها تريد أن يحبها الغرب، لكن يجب أن يهابها أعداؤها في الشرق الأوسط؛ لضمان وجودها على المدى الطويل".

وكلما حققت إنجازات أمنية أو اختراقات مكّنتها من الزهو والتباهي، سرعان ما تتلقى ضربة هنا أو هناك تشعرها بأن ميزان القوة في المنطقة قد تغير. يبدو أن الحلم الذي وعد به نتنياهو وجنرالاته المجتمع الإسرائيلي بأن تكون إسرائيل في الذكرى السنوية الأولى لأحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول قد سحقت كل أعدائها، ما زال بعيد المنال.

أحدثت إستراتيجية التحول نحو المعارك الطويلة أحد أهم التحولات التي أحدثها طوفان الأقصى في المجتمع الإسرائيلي وفي الجيش الإسرائيلي الذي بنى عقيدته على الحروب الخاطفة، لكنه اليوم يجد نفسه أمام حرب قد تبدو بلا نهاية ومتعددة الجبهات.

إعلان

حطمت حماس أوهام الإسرائيليين بشأن أمنهم، بشكل أعمق من أي وقت مضى منذ حرب 1973، وأدخلتهم في صدمة جماعية

بواسطة الصحفي الأميركي ستيفن كولينسون

حاولت إسرائيل تحويل المأزق الإستراتيجي الذي تسبب به طوفان الأقصى إلى فرصة تاريخية للقضاء على أعدائها وإغراق حلفائها معها، لكنها فشلت في ذلك. فانهارت مفاهيم التفوق والردع والحسم، والحروب في أرض العدو، لتغرق إسرائيل في حرب استنزاف طويلة لا يبدو أن لها نهاية وشيكة.

وهذا هو الفخ الإستراتيجي الذي تحلم أي مقاومة عاقلة أن توقع عدوها فيه، وقد وقعت إسرائيل فيه بالفعل. يؤكد ذلك الجنرال إسحاق بريك "إن كافة المسارات التي اختارتها القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل تقود البلاد إلى منحدر زلق، وقد تصل قريبًا إلى نقطة اللاعودة". وهو الفخ الإستراتيجي الذي تحدث عنه المفكر الروسي ألكسندر نازاراف الذي اعتبر أن قدرة المقاومة على تحويل الحرب إلى حرب بطيئة ومحدودة ولو على مستوى أعلى هو الذي سيؤدي للنصر الإستراتيجي.

لقد حوّل ذلك الحياة في المجتمع الإسرائيلي إلى واقع لا يُطاق، فأكثر من ثلث الإسرائيليين يفكرون في الهجرة، والمقتدرون يمارسونها فعليًا. يمكن ملاحظة الحركة النشطة لشراء الإسرائيليين شققًا وعقارات بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول في برشلونة، إيطاليا، المجر، واليونان، وانتقالهم للعيش فيها أو اعتبارها مكانًا بديلًا في حال انهيار الأوضاع.

كذلك تُعد المؤشرات الاقتصادية في إسرائيل مقلقة للغاية؛ بسبب تداعيات الحرب، التي يفاقمها أيضًا وجود وزير مالية هو بتسلئيل سموتريتش، المتهم من قبل خبراء الاقتصاد والمال في إسرائيل بأنه شخص عديم خبرة في المجال الاقتصادي.

بدأ التباطؤ في الاقتصاد الإسرائيلي يظهر وسط تحذيرات شديدة من الغرق في فخ الديون، خاصة مع الإفراط في الإنفاق على التسلح، الذي يعتبر الأعلى في العالم. فمتوسط الإنفاق الدفاعي مقارنة بالناتج الإجمالي عالميًا هو 341 دولارًا، لكنه وصل في إسرائيل حاليًا إلى 3000 دولار.

إعلان

كذلك، وفقًا لصحيفة "ذا كونفيرزيشن" (The Conversation)، فإن اقتصاد إسرائيل يشهد أشد تباطؤ بين أغنى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). إضافة إلى تخفيض وكالتَي فيتش وموديز التصنيف الائتماني لإسرائيل لدرجتَين حتى الآن، وهو أمر غير مسبوق في تاريخها.

كذلك، انخفض الاستثمار في التكنولوجيا الفائقة الذي يشكل 20% من اقتصادها، وتوقف قطاع السياحة بالكامل الذي يشكل ثلث الاقتصاد الإسرائيلي. كما تعطل ميناء إيلات بالكامل، وحدث تشويش في سلاسل التوريد، بالإضافة إلى تعطل قطاعي البناء والزراعة، والتشويش في قطاع الأعمال الذي يحدثه تجنيد الاحتياط الذي تم بشكل غير مسبوق.

في السياق الداخلي الإسرائيلي، تعتبر إسرائيل نفسها قد تجاوزت عقدة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول في جوانب، وأخفقت في جوانب أخرى. أما ما تعتبره إنجازًا لها فهو تمكنها من استعادة زمام المبادرة وتجاوز الصدمة والمبادرة إلى الهجوم، وما تعتبره تفكيكًا لمعظم قدرات المقاومة في غزة، ومنع جبهة الضفة من إسناد غزة بشكل فاعل، والمبادرة إلى اغتيالات وهجمات غير مسبوقة في لبنان وسوريا وإيران، حيث ترى أنها استعادت الردع أمام ما تطلق عليه محور الشر، خاصة في الاختراقات والاغتيالات الأخيرة.

لكن في المقابل، تعترف إسرائيل بأنها وبعد عام من الحرب ما زالت تواجه ذات التحديات التي بدأت بها الحرب، وهي: الفشل في تحرير الأسرى في غزة، وعدم القدرة على إعادة المستوطنين في الشمال والجنوب، وعدم القدرة على تفكيك حكم حماس المدني في غزة، وفشل إسرائيل في كسب التضامن الدولي وقرارات الهيئات الأممية، والمحاكم الجنائية والعدل الدولية.

أما داخليًا وبتتبع المجتمع الإسرائيلي من الداخل؛ من يسار ويمين وسط ويمين متطرف ويمين ديني لا يلحظ وجود خلاف على الاستمرار في الحرب في كل الجبهات، ولكن الخلاف فقط بين من يريد ومن لا يريد أن يكون نتنياهو هو قائد هذه الحرب.

إعلان

لا يمكن وصف ما يمر به المجتمع الإسرائيلي هذه الأيام على أنه جنوح نحو التطرف، فقد تجاوزت إسرائيل في نظرتها للصراع مفهوم التطرف إلى مفهوم التوحش، إذ تعتقد أنها بمزيد من التوحش يمكن أن تزيد في عمر الدولة، وهي العقيدة الوحيدة التي تحكم النخبة في إسرائيل.

فإسرائيل لا تحترم حتى من وقّع معها على اتفاقيات سلام. يعبر نتنياهو عن ذلك بصراحة في كتابه "مكان تحت الشمس" بأن العرب لم يجلسوا ليوقعوا اتفاقيات سلام مع إسرائيل إلا بعد أن فرضت إسرائيل قوتها عليهم، وسبق لوزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر أن عبّر عن ذلك حين اعتبر أن العرب لا يجلسون على الطاولة إلا بالقوة. يفسر ذلك أحد أسباب رفض إسرائيل عقد صفقة مع المقاومة في غزة، حتى لو كانت شروطها معقولة لإسرائيل؛ لأن عقدها بحد ذاته يعني نهاية هذه النظرية في السيطرة على الشرق الأوسط.

بالعودة إلى حرب لبنان 1982، فقد أوصى جنرالات الجيش الإسرائيلي القيادة السياسية عام 1983 بضرورة عقد صفقة الانسحاب من لبنان لاستنفاد الأهداف، ولكن ذلك تأخر ثمانية عشر عامًا؛ بسبب عقدة "الانسحاب ضعف"، وأن ذلك سيضعف صورة إسرائيل أمام العرب والولايات المتحدة.

ويبدو أن هذه العقدة متلازمة وتعيد نفسها تاريخيًا مع غزة. وهو ما عبّر عنه رئيس أركان جيش الاحتلال السابق مردخاي غور إبان حرب لبنان 1982 بأن إسرائيل تغرق في الاعتبار التكتيكي والنغمة الوطنية، ورد عليه حينها رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن بأن حرب لبنان حينها "حرب اللاخيار بالنسبة لحياة مواطني إسرائيل والشعب اليهودي"، وكانت النتيجة مأساوية بعد ذلك بعقدين بانسحاب مهين لإسرائيل.

ويبدو أن هذا السجال يتكرر اليوم وبنفس الطريقة بين الجيش والمستوى السياسي في إسرائيل دون تعلم من تجارب التاريخ ويسير لنفس النتيجة.

إعلان

تتمثل التغيرات داخل المجتمع الإسرائيلي بمزيد من تغلغل الصهيونية الدينية داخل المجتمع. وبعد أن تلقى اليمين الصهيوني ضربة قوية بشقيه الديني والعلماني في بداية الحرب، سرعان ما لملم أوراقه وأعاد إحكام سيطرته على المشهد الداخلي، وكأن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة إجماع أن ما فشل به التطرف يُعالج بمزيد من التطرف.

وحتى وإسرائيل تخوض أكثر معاركها مصيرية منذ تأسيسها، يتم إعادة هندسة المجتمع الإسرائيلي داخليًا باتجاه الانقلاب الشامل نحو تمكين الصهيونية الدينية من الجيش والأمن والاقتصاد، فكل من استقال أو تقاعد أو تم تغييبه أو يتم العمل على تغييبه في مراكز صنع القرار في إسرائيل، خاصة في الجيش، يتم استبداله بأحد أبناء هذه المدرسة الأشد تطرفًا في إسرائيل.

يعني ذلك أننا قد نكون مع نهاية هذه الحرب أمام مشهد انقلاب داخلي في إسرائيل قد يكون وقعه أشد من نتيجة الحرب ذاتها على مستقبلها.

الجيش الإسرائيلي الذي كان فوق الانتقاد في المجتمع الإسرائيلي أصبح اليوم مثار هجوم كبير سواء من قواعد المجتمع المفتقد للأمن أو من دوائر اليمين الصهيوني

تشهد إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول هجرة عكسية متصاعدة، تتكتم الدوائر الإسرائيلية على الأعداد فيها، لكن اللافت أن السمة الغالبة من هؤلاء المهاجرين هم من العلمانيين من النخبة الاقتصادية ورجال أعمال الهايتك والعلماء، وهو هروب مزدوج الشعور بين غياب الثقة بمستقبل الكيان، وعدم القدرة على التعايش مع الانقلاب الداخلي الذي تقوده الصهيونية الدينية المتحالفة مع النسخة المحدثة من أقصى اليمين العلماني.

وعلى الرغم من كل ما أحدثه الجيش الإسرائيلي من دمار مهول وتوحش غير مسبوق، فإنه لم ينجح حتى الآن في ترميم الصدمة الوجودية التي أحدثها طوفان الأقصى، ومن أهم معالمها انهيار الثقة بين الجيش والشعب. فأصبح الجيش الذي كان فوق الانتقاد في المجتمع الإسرائيلي مثار هجوم كبير، سواء من قواعد المجتمع المفتقد للأمن، أو من دوائر اليمين الصهيوني الذي يسعى لتغيير هويته بالكامل.

إعلان

يضاعف متاعب هذا الجيش تململ المجتمع من تجنيد أبنائه في حرب طويلة، والهروب المتصاعد من الخدمة، والنزاع على تجنيد "الحريديم" المتدينين الذين يشكلون 13% من المجتمع. لقد انتهت قداسة الجيش في المجتمع الإسرائيلي.

عززت معركة طوفان الأقصى والحرب في الشمال من انكماش إسرائيل نحو المركز، وهو أحد أهم نقاط الضعف الجغرافي في إسرائيل، حيث يعيش 60% من الإسرائيليين في أقل من 500 كيلومتر مربع، فيما يُطلق عليه منطقة المركز التي تضم تل أبيب الكبرى حتى حيفا وما جاورها. ومع هروب الإسرائيليين من مستوطنات الغلاف مع غزة والشمال مع لبنان، ازداد سكان المركز. يُعتبر ذلك مهددًا جغرافيًا إستراتيجيًا لإسرائيل، فاقمته الحرب الأخيرة، وله مدلولات خطيرة في مفاهيم الأمن القومي.

كسرت إسرائيل في هذه الحرب كل ما كانت تتباهى به من "ممارسات ديمقراطية" في مجتمعها، فانتهت بروباغندا "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، بعد أن فرضت قيودًا صارمة وإجراءات بوليسية مشابهة لتلك الموجودة في الدول الدكتاتورية، ليس على الفلسطينيين في الضفة والقدس فقط، ولكن على مجتمعها ومن يحمل جنسيتها بمن فيهم فلسطينيو الداخل.

ملاحقات واسعة على خلفية التعبير عن الرأي، لدرجة أن فلسطينيين من الداخل تم اعتقالهم لكتابة آية "إنا لله وإنا إليه راجعون" شبهة بأنها تعاطف مع غزة، كما حرَمت بتعميم رسمي آيات من القرآن الكريم في مساجد الداخل، ومنها "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا".

وكذلك فقد فُصل كثيرون من عملهم لمجرد التعاطف مع المدنيين في غزة، واستُبيحت بإجراءات الطوارئ كل الخصوصيات والحريات الفردية والجماعية ليهود وعرب. دخلت العلاقة بين فلسطينيي 48 واليهود في علاقة جديدة من اللاعودة.

إعلان

كما انكشف زيف حرية الإعلام في إسرائيل، الذي وصفه مراقبون بأنه تحول إلى "كلب حراسة للمستويين السياسي والأمني"، وبأنه أصبح من أكثر الإعلام في العالم تضمنًا لمحتوى الحقد والكراهية وخطاب الإبادة.

كما عمل وزير الأمن الداخلي بن غفير على تسليح المجتمع، مصدرًا نحو 400 ألف رخصة سلاح؛ بذريعة الحماية من العمليات الفدائية، ما أدى لعسكرة المجتمع، وهو أمر له آثاره المستقبلية الكارثية على المجتمع الإسرائيلي.

يقال في علم النفس أن كثرة ترديد الكلمة من شخص ما دليل على الهواجس التي تسكنه تجاهها. ولسنا بحاجة إلى كثير من الاستدلال على كثرة استخدام نتنياهو وقادة إسرائيل حتى بعد عام على السابع من أكتوبر/ تشرين الأول مصطلحات: "الوجودية"، و"بقاء إسرائيل"، و"عدم زوالها".

يعيش المجتمع الإسرائيلي حالة من "الانتهاك العاطفي"، والتي ستكون آثارها كارثيّة عليه بعد الحرب أكثر من الحرب ذاتها. وهي ستنتج قيادات ذات مستويات غير مسبوقة من التطرُّف لسنوات طويلة قادمة، قد تحمل معها بداية نهاية إسرائيل بشكلها الحالي كدولة ومُجتمع.

الاثنين، 30 سبتمبر 2024

متى يُحدث اغتيال القادة فارقًا إستراتيجيًا حقيقيًا؟

متى يُحدث اغتيال القادة فارقًا إستراتيجيًا حقيقيًا؟

باحث في علم الاجتماع السياسي والحركات الاجتماعية

 بغض النظر عن نجاح عملية اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، فإنَّ الأهم في هذا النوع من الاغتيالات يكمن في مستوى الفارق الإستراتيجي الذي تحدثه في التحولات السياسية والعسكرية. فاغتيال قائد مركزي قد يكون حدثًا يقود لتغيرات إستراتيجية، وقد يكون حدثًا عملياتيًا تكتيكيًا، وهذا يرتبط بمستوى التحولات.

يوجد في مسيرة الثورات والدول من هذا وذاك. في إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية – وهما صاحبتا مدارس عريقة في الاغتيال السياسي – يعون تمامًا مستوى التحولات التي قد تحدثها اغتيالات معينة في لحظة زمنية فارقة. لكن عقدة إسرائيل في تعاملها مع الحركات العقائدية والأيديولوجية المتماسكة هي أن الاغتيال السياسي لم ينجح في صناعة الفارق الإستراتيجي الذي أحدثته مع غيرها من الحركات والدول عبر الاغتيالات.

تمثل حركة حماس إحدى العقد الأساسية في ذهنية الأمن الإسرائيلي، من حيث كثافة الاغتيالات للصف الأول، والتي لم تحدث أية تحولات إستراتيجية أو انحرافات تنتج تيارات داخلية في الحركة تقبل العلاقة مع إسرائيل. لكن مقابل ذلك، يوجد العديد من الأمثلة لنجاح إسرائيل في قيادة تحولات إستراتيجية من خلال الاغتيالات.

يبدو أنَّ رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو حين اعتبر وقادة أجهزته الأمنية أنَّ عملية الاغتيال في بيروت "إن نجحت سوف تغير شكل الشرق الأوسط" مطلقًا عليها اسم "نظام جديد" كان مسكونًا بما استطاعت أن تفعله إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية من خلال إعادة هندسة كينونتها عبر الاغتيال السياسي المنظم الذي حيَّد قيادات تاريخية وأحلَّ مكانها قيادات بمواصفات مطلوبة للمرحلة نقلتها من مربع إلى مربع آخر مختلف تمامًا عما نشأت عليه. لكنها مقارنة في غير مكانها.

في التاريخ المعاصر، حصلت عمليات اغتيال أدت لتحول جذري لصالح المحتل. فعند اغتيال روسيا الزعيمَ الشيشاني أصلان مسخادوف في (2005) كان ذلك إيذانًا بنهاية عهد التمرد الشيشاني، وتنصيب زعيم جديد موالٍ لروسيا، حوَّل الشيشان من عدو إلى حليف إستراتيجي يمثل الخزان البشري للجيش الروسي.

إعلان

كذلك أبدعت إسرائيل في هندسة التحولات الداخلية في منظمة التحرير الفلسطينية عبر سلسلة اغتيالات منتقاة منذ سبعينيات القرن الماضي، أدت لتحييد نوعية معينة من القادة، وإفساح الطريق لسيطرة قادة آخرين سهلوا تمرير اتفاق أوسلو.

يُقاس على ذلك أيضًا الفارق الذي أحدثه اغتيال الرئيس الراحل ياسر عرفات، والانقلاب الجوهري في نهج السلطة بعد تولي الرئيس الحالي محمود عباس. إسرائيل لا تعتبر الاغتيال السياسي ناجحًا إلا إذا أدى لهكذا تحولات، وإلا بقي حدثًا عملياتيًا تكتيكيًا.

وبالعودة إلى عقدة حماس، فبالرغم من كثافة الاغتيالات عدديًا للصف الأول من قادتها من المؤسس الشيخ أحمد ياسين إلى رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية ونائبه صالح العاروري، وبينهم سلسلة طويلة من الصف الأول، فإنَّ ذلك لم يحدث تحولات منهجية في الحركة، وبالتالي كان تأثير الاغتيالات على حركة حماس إجراءً عملياتيًا محدودًا يرتبط بإعادة ترتيب أوراق تنظيمية لا أكثر، بينما كان عند غيرها سببًا في انقلاب داخلي وتغير جذري في المسارات.

لذلك لا يمكن إسقاط تجربة التحولات في منظمة التحرير الفلسطينية بفعل الاغتيالات على قوى، مثل حماس أو حزب الله. ويعود السبب الرئيسي لذلك إلى أنَّ التباينات الداخلية في هذه القوى، ليست على مستوى الأيديولوجيا أو النظرة للصراع أو المنهج، وإنما تقتصر على مستوى التكتيكات التي يمكن التعامل من خلالها في إطار المدرسة الواحدة، إضافة لعوامل تنظيمية أخرى، أهمها الارتباط بالفكرة وليس بالشخص مهما بلغ من كاريزما وتأثير.

عند اغتيال الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى (2001)، كانت الجبهة الشعبية على مفترق طرق بين نهجين في انتخاب أمينها العام الجديد، تجسَّد في قطبين مختلفين: الأول مثَّله الراحل عبد الرحيم ملوح، والذي كان يُصنَّف بأنه الأقرب لمسار السلطة الفلسطينية وعلى تناغم كبير معها، والثاني مثَّله أمينها العام الحالي الأسير أحمد سعدات.

كانت قواعد الجبهة الشعبية تعي أنها أمام نهجين مختلفين، فحُسم الاستقطاب الداخلي بانتخاب سعدات تغليبًا للاستمرار في خط المقاومة والثأر. وهو ما أعقبه بوقت قصير بعد انتخاب سعدات إشرافه على اغتيال الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي، وبقيت الجبهة على نهجها حتى اليوم. يتكرر الأمر أيضًا في حالة الأسير القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي.

وبخلاف كل الأسرى، فإنَّ سبب رفض إسرائيل إدراجه في صفقات التبادل ومنها صفقة شاليط لم يكن سببًا أمنيًا بل سببًا سياسيًا، لأنَّ الإفراج عنه قد يحدث تغيرات جذرية في قيادة السلطة وحركة فتح تُحيِّد قيادات ترى الإدارتان الأميركية والإسرائيلية ضرورة استمرار وجودها في هذه المرحلة.

لكن هل هذا التباين موجود في قوى المقاومة حاليًا؟ إنَّ قراءة موضوعية لمستوى التوجهات في هذه القوى لا تشير إلى وجود هذه المساحات من الفوارق. فاغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أعقبه انتخاب، وبالإجماع، يحيى السنوار، بما معناه أنَّه لا يوجد في حماس إلا مدرسة واحدة وهي المواجهة المسلحة التي بدأها السنوار.

في هذه الحالة، لا يصبح للاغتيال قيمة من الناحية الإستراتيجية. كذلك فإنَّ الجيش الإسرائيلي في تصريحه بأن "استهداف الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله من شأنه أن يغير شكل الشرق الأوسط" استنتاج غير واقعي وقياس في غير مكانه.

يعتبر المحلل العسكري "ألون بن ديفيد"، المقرب من قيادة جيش الاحتلال، أنَّ "سياسة الاغتيال تقود إلى نتائج عكسية، فتعمل على توسيع دائرة العنف، ولن تقضي على من وصفهم بالإرهابيين الذين يتم استبدالهم بآخرين، وفي أحسن الحالات قد تدخل بعض المنظمات في حالة فوضى لمدة من الزمن إذا كان المستهدف شخصية مركزية في منظمة يعتمد وجودها على هذه الشخصية، قبل أن تستعيد عافيتها، وربما تصبح أكثر قوة وتنظيمًا".

إعلان

وأفضل مثال يضربه بن ديفيد على ذلك هو حزب الله، معلقًا: "عند اغتيال عباس موسوي، أمين عام حزب الله السابق، وتولي نصر الله، تحول الحزب من جماعة صغيرة إلى جيش منظم". يشير أيضًا رونين بيرغمان، الصحفي الإسرائيلي، في كتابه الموسوعي "قم واقتل أولًا: التاريخ السري للاغتيالات الإسرائيلية المستهدفة" (Rise and Kill First: The Secret History of Israel’s Targeted Assassinations) إلى أنَّ "سياسة الاغتيالات نجحت في إزالة تهديدات مباشرة محددة، لكنها فشلت في توليد حل طويل الأمد لمعضلة الأمن الإسرائيلي".

ينطبق ذلك على الدول ذات المؤسسات المستقرة أيضًا، فنجاح محاولة اغتيال ترامب مثلًا قبل أسابيع لم يكن ليحدث فارقًا في سياسات الولايات المتحدة الأميركية التي تحكمها دولة عميقة متجذرة تجعل الفارق بين أن يكون رئيسها ديمقراطيًا أو جمهوريًا، هو أن تشرب كوب الشاي بسكر أو بدون سكر.

بالعودة إلى حادثة اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، فإنَّ إسرائيل تراهن في منطق "تغيير وجه الشرق الأوسط" وبإطلاقها على عملية اغتياله اسم "نظام جديد" على أنَّ حزب الله وإن استطاع إعادة ترتيب أوراقه داخليًا فإنه سيكون من الصعب عليه السيطرة على السياق؛ نتيجة تغييب القائد الكاريزمي الذي كان لكاريزميته دورٌ مهم في إقناع قاعدته بخوض المعركة، وبالتالي فإنَّ استمراريته في المعركة ستكون أصعب.

يجعلنا ذلك نشير إلى أنَّ إسرائيل لا تنظر إلى النجاح العملياتي على أنه نجاح إستراتيجي ما لم يؤدِّ إلى تحقيق الفارق الإستراتيجي المطلوب، وبالتالي فإنَّ بيانًا واحدًا من حزب الله يشير إلى استمرار تمسك الحزب بذات المواقف التي تربط جبهة الشمال بجبهة غزة، سيعني مباشرة أنَّ الاغتيال – وإنْ كان فادحًا – سيبقى في نطاق العمل التكتيكي الموضعي رغم عدم التقليل من فداحته، ولم يتحوَّل لنجاح إستراتيجي لإسرائيل.


الأربعاء، 17 يوليو 2024

لكي نفهم إسرائيل.. ماذا عن ترويض نتنياهو للجيش والدولة العميقة؟

 

لكي نفهم إسرائيل.. ماذا عن ترويض نتنياهو للجيش والدولة العميقة؟

د. أحمد أبو الهيجاء


لا يمكن فهم مآلات الحرب الحالية دون فهم عميق للتحولات في إسرائيل ذلك أن كثيرًا من التحليلات التي ترتبط بحرب الإبادة التي تجري حاليًا في قطاع غزة والاستنزاف الدامي في الضفة الغربية تنبثق أحيانًا من إسقاطات بها نوع من التسطيح، ولعل أكثرها تسطيحًا تنميط الإجابة بأن جزءًا من عدم اتخاذ إسرائيل قرارًا بإنهاء الحرب مرتبط بخوف رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من اعتقاله ومحاكمته بتهم الفساد، ولعل أكثرها فكاهة هي أن نتنياهو مكبل بوزيرَين متطرفين هما بن غفير وسموتريتش.

انقسام مزمن

لا يمكن بالطبع إنكار التباينات واختلاف المواقف داخل الحزب الواحد، وهو يحمل أيديولوجيا واحدة فكيف بائتلاف يتكون من أحزاب وبرامج متنوعة ولديه التزامات تجاه قواعده الانتخابية، لكن ما يشاهد في محاولات كتابة الفصل الأخير من هذه الحرب لا يمكن فصله عن الصراع الدائر بين "إسرائيل الأولى" و"إسرائيل الثانية" وهو انقسام مزمن تجاوز مرحلة الحل.

إذ لو افترضنا أنّ الحرب في غزة انتهت وسقطت حكومة نتنياهو الحالية وذهب المجتمع الإسرائيلي إلى انتخابات مبكّرة، فإن هذه الانتخابات لن تحلّ مشكلة هذا المجتمع، ولن تكون سوى امتداد لأربعة انتخابات سابقة جرت لحسم هذا الانقسام، ولكن نتائجها جميعًا عززت هذا الانقسام، وبالتالي فإن التوازنات السياسية الحالية قائمة لأجل غير مسمّى.

تمثل "إسرائيل الأولى" الدولة العميقة، وهي الجيش، والأمن، والمحكمة العليا، وبعض الأجهزة البيروقراطية، مثل النيابة، بينما تتكوّن "إسرائيل الثانية" من اليمين السياسي والديني بقيادة نتنياهو كفكرة، وتجسيدها الفيزيائي من قبل اليمين الأيديولوجي.

ترويض الدولة العميقة

يعتبر الوضع في إسرائيل غاية في التعقيد من حيث الصراع بين الطرفين، وبعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول نجح تيار "إسرائيل الأولى" في السيطرة على الموقف وإضعاف جبهة اليمين السياسي، ولكن سرعان ما استعاد اليمين الأيديولوجي عافيته، ومع مرور الوقت بات يوجه اللكمات الصعبة لتيار "إسرائيل الأولى"، أو الدولة العميقة.

عمل نتنياهو والتيار الذي يمثله على إعادة هندسة المجتمع الإسرائيلي خلال العقدين الماضيين، واختراق مؤسسات الدولة العميقة والسيطرة عليها، وبرع نتنياهو في إضعاف مؤسسة الجيش في إسرائيل، وتغيير ولاءاتها، والتقليل من قوة تأثيرها في مجريات الحياة السياسية، وكذلك إضعاف الموالين للجيش داخل أجهزة الأمن الأخرى. يشار هنا إلى أن إسرائيل دولة قائمة على الجيش. ومن المؤكد أنه وبعد نهاية هذه الحرب سيكون ملف تعامل اليمين مع الجيش أحد ملفات السجال الصعبة في إسرائيل.

كما عمل التيار الديني الصهيوني الذي يعتبر مستوطنو الضفة والقدس خزّانه البشري على اختراق مؤسسة الجيش طيلة العقدين الماضيين، وبشكل تدريجي عمل ويعمل على تحييد القيادات التقليدية العلمانية للجيش. بدأ التحول داخل الجيش بعد عام 2000؛ فخلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000 كانت السيطرة في الجيش للنخبة القديمة، بدأ بعد ذلك التحول الجذري من "الكيبوتس" للقومية الدينية، فانتهت ثقافة "الكيبوتس" التي قامت عليها إسرائيل بعدما تم فقدان السيطرة على هذا التحول.

يكفي الإشارة في هذا المضمار إلى أن قائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال حاليًا مستوطن من الضفة الغربية، ومن أصل ستّ فرق تقاتل حاليًا في قطاع غزة، فإن قادة خمسٍ منها ينحدرون من التيار الديني في مستوطنات الضفة الغربية، وجميعهم من خريجي مدرسة "عيلي" الدينية الاستيطانية التي تعتبر رمز التطرف في إسرائيل، ويطلق عليها مدرسة "السم" من شدة تطرفها.

يعني ذلك أنّ هؤلاء القادة بعد انتهاء الحرب على غزة ومع مرور الوقت وبالتراتبية العسكرية، سيكونون في هيئة الأركان على حساب القيادة التقليدية العلمانية للجيش.

لذلك، وفي سياق هذه التحولات داخل الجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية لصالح اليمين الأيديولوجي، يمكن فهم الهجوم والتسريبات الصحفية المستمرة من محيط نتنياهو، ومن نتنياهو شخصيًا بشكل غير مباشر، ومن قادة اليمين الديني بشكل أكثر فجاجة ضد الجيش والأمن، واتهامهم المستمر بالمسؤولية عن الإخفاق في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وكذلك تحميلهم مسؤولية الفشل في إدارة الحرب على غزة، وكأن معركة تصفية الحساب مع الجيش والأجهزة الأمنية واليمين مستمرة حتى في ذروة الحرب.

أداء مخيب للآمال

يمكن في إطار ذلك أيضًا فهم السجال الأخير مع الأجهزة الأمنية الأخرى، مثل: الشاباك (جهاز المخابرات الداخلي)، والموساد (الخارجي)، والشرطة، إذ إن اليمين الديني كان أكثر نجاحًا في اختراق جهاز الشرطة منه في اختراق جهازَي الشاباك والموساد اللذين بقيا متماسكَين في ولائهما للدولة العميقة في "إسرائيل الأولى" من باقي أجهزة الأمن.

سيعطي ذلك مادة لفهم الهجوم المستمر مثلًا من قبل بن غفير على الشاباك واتهامه بأنه يحاول إقصاءه، والخلاف في موضوع السجون، حتى وصل ببن غفير لاتّهام الشاباك بأنه يسعى لاغتياله سياسيًا، لا يقصد طبعًا الاغتيال الجسدي.

من المؤكد الإشارة إلى أن هذه الحرب الكلامية من بن غفير وما يقوم به أيضًا ضد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، تتم بإيعاز مباشر من بنيامين نتنياهو من تحت الطاولة، كما يفعل تمامًا مع توجيه ميري ريغيف في الهجوم المستمر على رئاسة الأركان في الجيش الإسرائيلي.

تجدر الإشارة هنا إلى أن صورة الجيش الإسرائيلي تهشّمت بشكل كبير بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول داخل المجتمع الإسرائيلي، وأيضًا نتيجة أدائه المخيب للآمال في الحرب على غزة وعدم قدرته على تحقيق انتصار واضح من وجهة نظر جمهوره، وبات لا يتلقى اللكمات فقط من جبهتي غزة ولبنان اللتين أظهرتاه بمظهر العاجز التائه وكشفتا عور قدراته التي كان يبالغ فيها لعقود مضت، ولكنه يتلقى اللكمات أيضًا داخليًا من قبل اليمين الديني.

يعتبر ذلك علامة فارقة في قراءة مستقبل إسرائيل كدولة قامت شرعيتها ونسجت بقاءها على صورة الجيش الذي لا يقهر. وهي صورة لم يعد بالإمكان ترميمها.

لقد دخل المجتمع الإسرائيلي في صراع لم تعد الانتخابات قادرة على حسمه، يترافق ذلك مع حقيقة أن الصهيونية الدينية باتت على وشْك قيادة الجيش في إسرائيل، كما أن هناك تيارًا تشكل داخل الصهيونية الدينية تغلغل وبات على علاقة وثيقة بالمتدينين التقليديين المعروفين باسم "الحرديم"، وأصبح يطلق على هذا التيار المستجد في إسرائيل "الحردليم".

تجدر الإشارة هنا إلى أن المتدينين التقليديين "الحرديم" يرفضون الانضمام إلى الجيش منذ قيام دولة إسرائيل، ويعتبرون أنفسهم "حراس التوراة" المتفرغين للعبادة، فيما تسعى الدولة العميقة لا سيما بعد الخسائر الجسيمة التي لحقت بها جراء استنزاف الحرب إلى فرض التجنيد على هذه الفئة التي كانت أقلية عند قيام إسرائيل، وباتت شريحة واسعة اليوم. بينما عيون تيار "الحردليم" المتنامي هي على السيطرة على الجيش، وتطهيره من القيادة العلمانية.

لا يعتبر بنيامين نتنياهو متصالحًا فقط مع هذا التيار اليميني الديني، لكنه جزء أصيل من قيادته، كما أنه متوافق مع توجهاتهم الإستراتيجية، بمعنى أن صناعة التطرف هي بضاعته قبل أنْ تكون مفروضة عليه بتحالفات معينة؛ لأن المسألة أعمق بكثير من مجرد تحالف حكومي.

يقول العارفون في إسرائيل إذا أردت أن تعرف بماذا يفكر بنيامين نتنياهو فعليك الاستماع لما يقوله مائير بن شبات رئيس معهد الإستراتيجية الصهيونية والأمن القومي ومستشار الأمن القومي والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي في إسرائيل.

ولا يعتبر وزير المالية الإسرائيلي يتسلئيل سموتريتش رئيس الحزب الديني القومي "الصهيونية الدينية" في هذه المعادلة أكثر من قمة رأس الجليد لهذا التيار، وصبي صغير، مقارنة ببن شبات ومن يرسمون توجهات هذا التيار في معهد مسجاف ومنتدى كوهيليت والحاخامية الدينية التي تقف خلفه.

جهد جماعي منظم

لا يمكن أيضًا الفصل بين تنامي "إسرائيل الثانية"، ممثلة بهذا التيار وعلى سمع وبصر "إسرائيل الأولى" دون الربط المباشر بينهما وبين الامتدادات في الولايات المتحدة الأميركية، فهذه التيارات هي امتداد لتيارات مسيحية صهيونية داخل الولايات المتحدة، سواء داخل الديمقراطيين وهم الأقرب "لإسرائيل الأولى" والدولة العميقة وأخرى داخل الجمهوريين متحالفة مع اليمين الديني الذي يمثل "إسرائيل الثانية"، وبين هذا وذلك تيارات ولوبيات اقتصادية ودينية وسياسية متداخلة، وقوة أي طرف في المجتمع الأميركي تنعكس مباشرة على قوة الطرف المقابل له في إسرائيل.

إنه جهد جماعي منظم يمثله نتنياهو وله عقل إستراتيجي، ولفهم توجهاته لا سيما تجاه الفلسطينيين والمنطقة العربية لا بد من التمعن في قراءة منظريه ومنهم مائير بن شبات.

إن استمرار تغلغل اليمين الديني بكافة أذرعه داخل أجهزة الدولة في إسرائيل، وفي حال تصاعد هذه السيطرة قد يؤدي مع مرور الزمن إلى هجرة العقول ورأس المال في إسرائيل، حيث إن كثيرين منهم علمانيون "أشكناز" (يهود غربيون وغالبيتهم مزدوجو الجنسية) يقطنون منطقة تل أبيب والمركز.

بدأت هذه الهجرة المعاكسة تزداد بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وجمهورها الأكبر من العلمانيين. من المفارقات هنا أن مخططات هندسة المجتمع لدى الفلسطينيين من قبل الدوائر الصهيونية وفرض بعضها بالقوة بهدف التطويع، تتم حركات مشابهة لها في المجتمع الإسرائيلي، ولكن بدون أيادٍ خارجية عابثة.

يمكن أيضًا فهم بعض التوجهات الجزئية نحو القضايا المرتبطة بالحرب من هذا المنظور، فمثلًا عدم منح تيار اليمين الديني أهمية لمسألة الأسرى في قطاع غزة، نابعٌ من أنه من حيث المكانة الاجتماعية فإن غالبية الأسرى هم من سكان كيبوتسات وقرى الجنوب القريبة من قطاع غزة وهم ليسوا في غالبيتهم من أعضاء الدينية الصهيونية التي تتمركز في الضفة الغربية والقدس بشكل رئيسي، بمعنى أن الأسرى الإسرائيليين في غزة لو كانوا من مستوطني الضفة أو منطقة المركز لكان التعامل مختلفًا في رغبة هذا التيار في إنجاز الصفقة؛ نؤكد أن هذا عامل من عوامل عديدة وليس حاسمًا، لكن لا يمكن إغفاله.

الحسم المطلق للصراع

يعني ذلك أنه انتهى الزمن الذي يشعر فيه الإسرائيلي بأن إسرائيل لكل مواطنيها، وبات على فئات عديدة فيه التعايش مع تراتبيات وتركيبات اجتماعية مستجدة ومتنامية ممزوجة بأشكال مختلفة من التطرف الديني والعنصرية الداخلية قبل أنْ تكون عنصرية أكثر تجذرًا تجاه الآخر غير اليهودي.

أما من حيث العلاقة مع الفلسطينيين؛ وبعد كل هذا الشرح فإن تيار اليمين الديني الذي يقود الحكومة الحالية لم يعد من أولوياته السلام مع العرب أو حتى التطبيع الذي كان يروج له من خلال نجاحه قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول في تجاوز حقوق الفلسطينيين كشرط للتطبيع مع العرب، فقد باتت أولويته بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول فقط هي الانتصار والهيمنة العسكرية الكاملة طريقًا لتعزيز الردع، وهذا ما برز في مؤتمراتهم التي عقدوها مؤخرًا.

يؤمن هذا التيار بإعادة تشكيل إسرائيل ديمغرافيا، ويسعى لرسم خارطة هذا التغيير بالقوة، ويؤمن بحتمية تهجير الفلسطينيين بمكوناتهم الثلاثة: قطاعِ غزة، الضفة الغربية، فلسطينيي 1948، ويعبر عن ذلك بوضوح تام. ولكن دول العالم لا تريد أن تسمع ذلك وتتغاضى عنه؛ لكي لا تكون أمام استحقاقات تفرض عليها التزامات لا تريدها.

وبينما تعتبر أولوية الدولة العميقة في منع تحول إسرائيل لدولة ثنائية القومية، وتصنيف المجتمع الدولي لها مع مرور الزمن لدولة فصل عنصري والتورط في تبعات " الأبارتهايد؛ يعتبر التيار اليمين الديني أنّ الحل لذلك بسيط وهو تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

يرى تيار الدولة العميقة أن سلوك التيار اليميني الديني (إسرائيل الثانية) سيورط إسرائيل ويحولها لدولة فصل عنصري ما يجعل انهيار إسرائيل وإزالتها من الوجود أسرع، والوقوع في فخ حقوق متساوية للجميع مع مرور الزمن؛ لأن الولايات المتحدة الأميركية ومهما كان دعمها لإسرائيل فإن للتطرف حدودًا والإيغال به سيصعب مهمة حماية إسرائيل بالنسبة لها خاصة في مسائل الفصل العنصري.

يعتبر ذلك جزءًا مهمًا من رؤية الطرفين للصراع وإن كانا متفقين على عدم منح الفلسطينيين دولة. كما أن الأمور أصبحت أكثر تعقيدًا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول وتداعيات الفشل في الحرب على غزة وتداعياتها على الكيان.

يتوافق تيار "إسرائيل الأولى" ممثل الدولة العميقة مع توجهات الإدارة الأميركية لفصل مصير غزة عن الضفة الغربية، وإعادة تشكيل الخارطة الديمغرافية الفلسطينية بجيوب معزولة، لكنها تحظى بإطار سياسي معترف بها عالميًا للخروج من مأزق الفصل العنصري، بينما يسعى التيار الثاني إلى الحسم المطلق للصراع عبر التهجير.

السبت، 11 مايو 2024

المفاوضات حين تعرِي المفاوضات.. والمقاربة الفيتنامية

 المفاوضات حين تعرِي المفاوضات.. والمقاربة الفيتنامية


أظهرت المقاومةُ الفلسطينية عشية السابع من مايو/ أيار 2024 حِرفية سياسية عالية، فاجأت العالم، حين أعلنت حركة حماس موافقتها على الصفقة التي قدّمتها مصر، وقطر، والولايات المتحدة الأميركية، من حيث التوقيت وشكل الردّ ووسيلة إعلانه، لم يكن مهمًا الرد الإسرائيلي، بقدر ما كان الأهم دقة الأداء في إدارة ملف المفاوضات من قبل المقاومة الفلسطينيّة التي أربكت الإدارة الأميركية قبل إسرائيل.

توازيًا مع الأداء الميداني على الأرض، لا يمكن لأي متابع إلا أنْ ينظر بإعجاب للأداء السياسي في إدارة ملف المفاوضات التي تقدم منهجًا جديدًا مختلفًا عن تجربة المفاوضات السياسية لأربعة أو حتى خمسة عقود سابقة بين الفلسطينيين وإسرائيل.

بدايةً لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ كلمة "المفاوضات" ترتبط بعقدة نفسية لدى المجتمع الفلسطيني خصوصًا، والمجتمعات العربية عمومًا؛ لأنها تعني في العقل الجمعي "تنازلات"؛ فبمجرد ذكر المفاوضات يستحضر العقل الجمعي العربي فورًا مصطلح "التنازلات" رافضًا ومشككًا فيها.

من المؤكد أنَّ مجتمعاتنا لديها من المخزون السيئ ما يبرر ذلك، فهي ليست بحاجة لحملة توعية بأن أي حرب أو صراع لا بد أن ينتهي بمفاوضات، لكنها تتعطش إلى تجربة مفاوضات ليست مبنية على الهزيمة والاستسلام، وتدار بندية وقواعد اشتباك مختلفة.

يقود ذلك بوضوح إلى إعادة قراءة تجربة المقاومة الفلسطينية في إدارة ملف المفاوضات بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وتجربة منظمة التحرير الفلسطينية قبل وبعد اتفاق "أوسلو"، وفق مقاربة منهجية مع التجربة الفيتنامية في المفاوضات التي أفضت إلى الاستقلال (1945م- 1975م)، وإن كانت لا تمثل تجربة مثلى يقتدى بها، بقدر ما هي دروس وعِبر من ناحية، فيما تستدعيها الضرورة من ناحية أخرى؛ لأن الفريق الفلسطيني المفاوض في "أوسلو"، يستشهد بها مرارًا؛ لتبرير سلوكه التفاوضي، بالرغم من أنه كان شديد الانتقائية في الاقتداء بها. يوجد سبب ثالث للمقاربة المنهجية معها، وهو أنَّ المفاوضات الفيتنامية سابقًا والفلسطينية، حاليًا تدار مع نفس الطرف، وهو الأميركي.

تقود المقاومة المفاوضات حاليًا مسنودة بجبهة عسكرية قوية، ما زالت متماسكة وصلبة بعد سبعة أشهر من حرب الإبادة التي تشنّ على قطاع غزة، وهو ما يجعل لموقفها قيمةً ولقرارها أهميةً تجعل العالم كله ينتظره. تتخذ قرارها بأسلوب جمعي بات واضحًا أن مشاوراته لا تقتصر على المستوى السياسيّ في حماس وحدها، بل لكل شركائها في الميدان، وهو مخالف لنهج التفرّد السائد في منظمة التحرير الفلسطينية.

تتشابه تجرِبة المقاومة في المفاوضات كثيرًا مع تجربة المرحلة الثالثة من المفاوضات الفيتناميّة والتي قادت إلى الاستقلال، بينما لا تزال تجربة منظمة التحرير الفلسطينيّة أسيرة التجربة الأولى للمفاوضات الفيتنامية، والتي قادت إلى خَسارة الفيتناميين كلَّ شيء، قبل أن يغيّروا مسارهم الثوري والسياسيّ.

قرّر الفيتناميون العودة إلى الجبال وإشعال الأرض تحت أقدام القوات الغازية بعدما شعروا أنّ الأميركان والفرنسيين جرّدوهم من كل شيء خلال المفاوضات، حتى وصلوا إلى مرحلة لم يعد لديهم ما يتنازلون عنه، حتى إن الحكم الذاتي الهزيل الذي تحصلوا عليه بالمفاوضات تبين لهم أنه ليس أكثر من طُعم جرّدوا منه بعد أنَّ تمكن المحتلون من السيطرة على الأرض تمامًا، مثلما يفعل الإسرائيليون بالفلسطينيين منذ اتفاق "أوسلو" وحتى اليوم.

استدار الزعيم الفيتنامي "هو شي منه" وقائده العسكري جياب حينها بالاتجاه المعاكس تمامًا معلنين ثورة مسلحة عارمة، قادت لاحقًا إلى المفاوضات التي أفضت إلى الاستقلال الحقيقي. كانت العودة للكفاح المسلح سهلة أيضًا؛ لأن الفيتناميين لم يفعلوا مثل الفلسطينيين بعد اتفاق "أوسلو"، حيث حافظوا على فصائل المقاومة لديهم، ولم يستهدفوها، فبقيت كياناتها المسلحة كما هي.

أدرك الثوار الفيتناميون أنَ تخلّيهم عن السلاح – في مرحلة المفاوضات الأولى مع الأميركان والفرنسيين – كانَ خطيئة جعلتهم يخسرون كل شيء، فامتلكوا قرارهم بالعودة الفورية للكفاح المسلح، بينما ما زالت منظمة التحرير الفلسطينية تنكر هذا الفصل من التجربة الفيتنامية، وتتشبّث بالاستشهاد في المرحلة الأولى للتجرِبة الفيتنامية، وهي إلقاء السلاح والتفاوض المرحلي، وتقديم التنازلات ومجاملة الغرب.

كان "هو شي منه" قائدًا جريئًا وقادرًا على تصحيح الخطأ التاريخي الذي وقع به، بينما ترفض القيادة الفلسطينية الحالية اتخاذ الإجراءات التصحيحية وتحمُّل تبعات هذا التصحيح الذي بات ملحًا.

لم تنغمس القيادة الفيتنامية وزعيمها "هو شي منه" في مرحلة الترف الاقتصادي، فكان سهلًا عليهم العودة إلى الخنادق، فيما يبدو أنَّ النخبة السياسية الصانعة لـ "أوسلو" انغمست أكثر من اللازم في الترف والحياة الفارهة؛ بما لا يجعلها قادرة على فعل ذلك. ولأن حركة الشعوب لا تقتصر على فرد أو مجموعة، فإن ما يشير إليه الواقع هو أن حركة حماس وفصائل المقاومة هي التي قادت هذا التصحيح التاريخي بأحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول وما تلاها، وتحمّلت عبء أنْ تنزل إلى الأنفاق وتعيش فيها.

عرف الفيتناميون جيدًا في مرحلة التفاوض الأولى أن الأميركان ليسوا أكثر من مراوغين مخادعين تنكروا لكل وعودهم للفيتناميين، لصالح الأطراف الاستعمارية الأخرى المتحالفين معهم، بذات الطريقة التي يدير بها الأميركان المفاوضات الحالية لصالح حليفتهم إسرائيل،  حيث تعيد الإدارة الأميركية لعب نفس الدور في بيع السراب للآخرين وتخديرهم وتفتيت جبهاتهم وشراء الوقت لصالح حلفائها، ثم تلقي بهم على قارعة الطريق خالي الوفاض؛ وكأنّ التاريخ يعيد نفسه، لا فرق سوى أننا اليوم أمام أميركا التي تراوغ لصالح إسرائيل، وفي الحالة الفيتنامية أمام أميركا التي تراوغ لصالح حليفتها فرنسا.

لم تكن جولات التفاوض الطويلة والمريرة للفيتناميين بعد عودتهم للكفاح المسلح جادة ومثمرة إلا بقدر ما كانت مؤلمة للقوات الأميركية على الأرض، ولم تصل ذروتها بتحقيق النتائج التي قادت للتحرير في مفاوضات (باريس 1967 -1973)،  إلا بعدما وصلت الخسائر الأميركية إلى الحد الذي لا يطاق.

من المفارقات المضحكة أن عددًا من منظري السلطة اتهم المقاومة الفلسطينية حين نفذت عملية كرم أبو سالم النوعية قبل أيام وفي ذروة مفاوضات التهدئة، بأنها تعطي الذريعة للاحتلال لاقتحام رفح وتخرِب جهود وقف إطلاق النار، في الوقت الذي يقول فيه المنطق؛ إن المفاوضات المثمرة تتطلب تكثيف العمليات العسكرية وإيلام الخَصم أكثر فأكثر؛ من أجل تحقيق النتائج؛ وفعلًا إذا كانت هذه الذهنية التي أطلقت هذه التصريحات هي الذهنية التي قادت المفاوضات طوال العقود الماضية، يمكن أنْ نفهم تمامًا كيف أن كل تلك المفاوضات لم تفضِ إلا إلى مزيد من التنازل والنكبات.

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شمعون بيريز عن وصفه لتجربة المفاوضات مع الفلسطينيين؛ إنّهم- أي الإسرائيليين وفق قوله – كانوا قد ضمروا تنازلات ما – لم يحددها- كسقف للتفاوض مع الفلسطينيين، ويضيف: لكن بعد جلسة التفاوض الأولى معهم تراجعنا عما كنا قد أضمرناه. يقصد أنه وجد أمامه طرفًا يقبل بأي شيء، ويأتي للمفاوضات بعدم جدية، ودون تحضير تمامًا مثلما فعل الفيتناميون في تجربتهم التفاوضية الأولى الفاشلة.

يقال؛ إنَّ من لم يقرأ التاريخ يعاقبه الواقع، كما أنَّ قراءة التاريخ ليست من أجل التمجيد أو التشهير، بقدر ما هي متطلب ضروري لإجادة الواقع وصناعة المستقبل، وأن يكون القائد استباقيًا أجدى له من أن يبقى أسير ردّات فعل وأحداث لا يحرك ساكنًا تجاهها؛ ظنًا أنَّ هذا قد يكون بابًا للنجاة فيما يشي الواقع بعكس ذلك تمامًا.

الخميس، 8 فبراير 2024

نظرية المؤامرة.. سيكولوجيا الوَهْم الذي يلاحق الضعفاء والمهزومين

نظرية المؤامرة.. سيكولوجيا الوَهْم الذي يلاحق الضعفاء والمهزومين


 لا يوجد ما هو أسوأ من نظرية المؤامرة، حين تنتشر بين الشعوب، حيث إنها تعطل العقل والمنطق، وهي نظرية مناقضة لنظرية الفعل، فهي الأفيون المعطل للعقل، والمرض النفسي المزمن الذي لا تستقيم معه إرادة التغيير. وإذ يقال في قانون الإشاعة إنَّ مقدار الإشاعة يتناسب طرديًا مع مقدار الغموض، فإن مستوى الإيمان والانتشار لنظرية المؤامرة يتناسب طرديًا مع مستويات الهزيمة الداخلية والعجز، إضافة لمستويات الجهل بالقضية.

نظرية المؤامرة (Conspiracy Theory)‏ هو مصطلح يشير إلى شرح لحدث أو موقف اعتمادًا على مؤامرة لا مبررَ لها، وعمومًا تؤخذ المؤامرة في مضمونها على أفعال غير قانونيّة أو مؤذية تنفذها حكومة أو منظمة أو أفراد. تُنتج نظريات المؤامرة في أغلب الحالات افتراضات تتناقض مع الفهم التاريخيّ السائد للحقائق البسيطة.

لا يوجد في علوم العَلاقات الدولية مفهوم اسمه المؤامرة، بالعكس تمامًا فإنّ الباحث كلما أصبح أكثر تخصصًا في العلاقات الدولية ابتعد تمامًا عن براديغم المؤامرة في تحليل الصراعات، وتفسير الأحداث، وأصبح أكثر قدرة على استخدام أدوات تحليل علميّة تفسر علاقات المصالح والقوة والصراعات. يعني ذلك ألا منطقَ علميًّا لأصحاب هذه المدرسة.

إنَّ تفسيرَ كل حدث عظيم على أنّه مؤامرة، هو جهل حتّى في مبادئ علم التّخطيط وبناء الإستراتيجيّات والبدائل

تحوَلت نظرية المؤامرة مع مرور الوقت إلى أيديولوجيا في الذهنية العربية، ومنهج التفسير الأساسي للأحداث والوقائع. يعود ذلك لأسباب عديدة منها السياق الزمني الطويل للهزيمة والانكسار الذاتي والجمعي والذي أوجد بيئة خصبة للتعايش مع نظرية المؤامرة لعقود طويلة من الانتكاسات؛ فتحوَّلت من أداة تحليل غير علميَّة إلى عقيدة وأيديولوجيا لدى فئات ليست قليلة من الناس في المجتمعات المهزومة، ومنها مجتمعات منطقتنا، مع عدم التقليل من انتشارها أيضًا في كل المجتمعات، ولكنها في مجتمعاتنا أكثر.

أصبحت نظرية المؤامرة أيضًا مصدرًا للتكسّب في مجال التأليف والنشر، ولأنها لا تستند إلى قواعد علمية، كثُر المتكسبون من مثيري الغرائز والغرائب الذين يستغلون جهل الناس لتأليف الكتب التي تؤسس أو تحلل الظواهر والأحداث الكبيرة بناءً على نظرية المؤامرة؛ حتى إن ظواهر طبيعية مثل زلزال القرن في تركيا أشاعت فئات ليست قليلة من الناس أنها مؤامرة أميركيّة عبر زلازل اصطناعية، فصدقوها وآمنوا بها!

يعتبر التأليف في براديغم المؤامرة من أسهل طرائق التأليف؛ لأنه لا يحتاج إلى أدلة ومنطق علمي، فهي مجرد شطحات وليّ للأحداث لربطها بطرق سخيفة. يقف خلف تأطير ونشر فكر ونظرية المؤامرة أربع فئات:

  • الأولى: هم الباحثون عن الشهرة والتكسّب لعلمهم بوجود بيئة خصبة وجمهور عريض.
  • الثانية: الأنظمة التسلطية وأذرعها في المنطقة من أجل تبرير عجزها وعدم رغبتها بالفعل، ولأن العقد الاجتماعي بينها وبين مجتمعاتها ليسَ عقدًا طبيعيًا، بالتالي فهو مبنيّ على زراعة الشك لا بناء الثقة لضمان استمراريتها.
  • الثالثة: هم القدريون من الناس ممن يفسرون الأحداث بغيبيات وخرافات ليست من الدين الصحيح بشيء، بعيدًا عن فهم سياقات المصالح وعلاقات القوة والاستغلال وهيمنة الرأسمالية الجشعة وأدواتها.
  • الرابعة: هم المهزومون داخليًا ممن فقدوا الثقة في كل شيء حولهم.

كتبت وزيرة الخارجية الأميركيّة السابقة هيلاري كلينتون في مذكراتها أنها سئمت كثيرًا من مستوى تفسير كثير من النخب العربية للأحداث بنظرية المؤامرة من قبل أميركا خلال حواراتها معهم في ليبيا ومصر بعد الربيع العربي.

من المؤكد أن كلينتون وغيرها ليست المثال الجيد للاستشهاد، ولكن الشاهد هنا متى يمكن الانعتاق من هذا الفكر المعطل للعقل إلى فكر العمل والمبادرة والفعل المؤثر المنبثق من الإيمان بالجماهير والشعوب وصيرورة التغيير.

إنَّ تفسيرَ كل حدث عظيم على أنّه مؤامرة، هو جهل حتّى في مبادئ علم التّخطيط وبناء الإستراتيجيّات والبدائل؛ فمثلًا احتلال فلسطين ليس مؤامرة، بل هو فعل استعماري علني ومنظم تحالفت فيه علنًا قوى استعمارية عظمى مع قوى تابعة لها في الإقليم.

يكفي القول إنَّ الحركة الصهيونية في مؤتمر بازل عام 1897 وحين قررت إقامة دولة إسرائيل على أنقاض فلسطين حددت خمسين عامًا لذلك، وحددت (57) مسارًا بديلًا، منها بدائل في حال لم ينجح كل مشروع الدولة في فلسطين.

كذلك فإن قدرة الولايات المتحدة الأميركية على تغيير إستراتيجياتها واستحضار البدائل عند الأزمات وفق منظومة مصالحها بما يجعلها تظهر وكأنها صانعة الحدث، ينجم ذلك عن قدرة على بناء البدائل مقابل العشوائية والعمل وفق ردات الفعل التي تحركنا، وتجعلنا نتصور أنها تقف خلف كل أمر عظيم.

تكفي هذه المقدمة لتأطير سياقات نظرية وفكر المؤامرة، ولنذهب الآن إلى مجتمع جديد بات مسكونًا بنظرية المؤامرة، وأصابته عدوى المنطقة بعد أن كان متعاليًا عليها ومصنفًا من قبل الآخرين على أنه مجتمع مختلف، وهو المجتمع الإسرائيلي ما بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

لقد غيَر السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، في المجتمع الإسرائيلي أشياء كثيرة ليس هذا المقال مجالًا لحصرها، ولكنّ المتابعين للشأن الإسرائيلي يعرفون تمامًا أنه بات مجتمعًا مختلفًا سرت فيه كل الأمراض الاجتماعية التي كانت وصمة للمجتمعات المحيطة به.

لقد انتهت الهالة الفوقية التي تحظى بها إسرائيل والتي صنفتها فوق الاعتبارات الأخلاقية والفكرية والجمعية للإرادة الكلية، وذلك ما صنع لها الفارق في ظلّ فترات السكون الإقليمي.

باتت نظرية المؤامرة أداة تفسير أساسية لفئات ليست قليلة في المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وأصبحت جزءًا من نمط تفكير وإدارة علاقات، وأصبح الإسرائيليون ليسوا، فقط، غارقين في توزيع المؤامرات فيما بينهم، بل حتى إنهم استحضروا غيبيات من تلمودهم عن معارك آخر الزمان.

لا يحتاج ذلك إلى تفسير كبير، فالعقد الاجتماعي الذي بنيت عليه العلاقة بين المجتمع والدولة في إسرائيل وهو الثقة في الجيش والأمن قد تم كسره، كما أنها المرة الأولى منذ عام 1948 التي يستشعر فيها هذا المجتمع حقيقة الهزيمة ويشعر بمرارة الانكسار، وهذه هي البيئة الحاضنة لانتشار نظرية وفكر المؤامرة في أي مجتمع.

مؤخرًا طلب رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي "الشاباك" رونين بار من المراقب العام للدولة في إسرائيل ومن الحكومة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول، وذلك ردًا على اتهامات النائبة في الكنيست تالي غوتليب، من حزب الليكود والتي قالت: "إن نظرية مؤامرة كانت وراء أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول، واتّهمت الجيش الإسرائيلي والشاباك بالتواطؤ مع حماس في هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول".

وأضاف الشاباك في بيانه الذي طلب فيه لجنة التحقيق: "الجمهور يتوق إلى ذلك، والشاباك يتوق إليه. هكذا ستكون هناك نهاية لكل الأكاذيب ونظريات المؤامرة ".

لا يعكس ما سبق سوى مثال بسيط لحالة الهوس التي لم تستطع حتى الآن استيعاب أن تتعرض إسرائيل لهكذا انتكاسة في ظروف فعل طبيعية ضمن حالة الشوفينية والاستكبار التي تربى عليها هذا المجتمع، فأعاد إنتاج فكر المؤامرة الخاص به، فهو ليس فريدًا ومختلفًا عن المجتمعات التي يعشعش فيها هذا السلوك، حيث التشكيك في كل شيء، الاتهامات وانعدام الثقة بين المجتمع والقيادة، استشعار روح المؤامرة في كل شيء، انعكس ذلك إلى حالة هستيرية لا يمكن تصديقها في التعامل مع فلسطينيي الداخل، وحتى بين اليهود أنفسهم.

أشارت صحيفة تلغراف البريطانية في تقرير لها إلى أنّ الإسرائيليين هذه الأيام يخشون "هرمجدون"، ويتوقعون نهاية العالم بعد هجمات 7 أكتوبر/ تشرين الأول، والحرب على غزة ومؤشرات الحرب في الشمال مع لبنان.

ولمن لا يعرف ماذا تعني "هرمجدون"، فهي في الفكر التوراتي والعهد القديم لدى اليهود والإنجيليين تعني معركة نهاية العالم والتي ستقع في منطقة مجدو في جنين شمال الضفة الغربية، وستسيل فيها دماء كثيرة ويُباد فيها غالبية اليهود، ويظهر المسيح المخلص؛ هذه هي إسرائيل اليوم، إنها ليست ما قبل 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

لا يمكن حصر مستوى انتشار فكر المؤامرة في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، فقد أصبح جزءًا من براديغم التحليل السياسي والاجتماعي للأحداث، ثمة نوعان من نظريات المؤامرة في إسرائيل اليوم: النوع الأول، كيف دخل مسلحو حماس إلى جنوب إسرائيل؟؛ والنوع الثاني، لماذا دخلوا؟

تقول إحدى نظريات المؤامرة الشائعة في إسرائيل، بحسب تقرير لـ"هآرتس" العبرية عن انتشار نظرية المؤامرة: إن عملية "طوفان الأقصى" اخترقت الحصون الإسرائيلية بسبب "الخيانة".

فيما يرى إسرائيليون أنها خدعة سياسية قام بها بنيامين نتنياهو ليبقى في منصبه رئيسًا للوزراء، وليبدو في صورة مخلص إسرائيل من الهلاك.

والمثير للسخرية أن كل فريق في إسرائيل يصمم نظرية المؤامرة وفق أهوائه، فمثلًا أنصار نتنياهو يتهمون الجيش الإسرائيلي بأنه تواطأ وتآمر مع حماس من أجل الإطاحة بنتنياهو؛ لأن الجيش موالٍ للمعارضة في إسرائيل وللتظاهرات التي نظمتها للإطاحة بنتنياهو عقب احتجاجات الإصلاحات القضائية.

بينما يقول أنصار المعارضة في إسرائيل؛ إن نتنياهو أمر الجيش بتأخير تدخله ليقضي على التظاهرات المناوئة له!

إنَّ المهم فيما سبق ليس ما يقوله أي طرف ضد الآخر في تصميم نموذج نظرية مؤامرة خاصة به، لكن الأهم هو أن الجيش الإسرائيلي والمنظومة الأمنية هي محور نظرية المؤامرة ما يعني فقدان الثقة بها في كل الحالات، وهذا هو أساس قيام دولة إسرائيل. إن فقدان المجتمع للثقة بالجيش يعني بداية انهيار مجتمع تم تصميمه بناءً على علاقة الثقة بين الجيش والمجتمع.

يمكن القول إنَ المجتمع الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، أصبحَ شبيهًا في تفكيره مع شريحة ليست هينة في المجتمعات والنخب العربية المسكونة حتى الثمالة بفكر المؤامرة؛ نتيجة عظم الهزائم والانتكاسات التي تعايشها.

فمناوِئو المقاومة في فلسطين والمنطقة العربية ليسوا بأفضل حالًا حين نسبوا "طوفان الأقصى" لمخطط عالمي لإنجاز قناة بن غوريون المائية أو لتأسيس مدينة عالمية مكان غزة بعد تهجير سكانها أو غير ذلك من الخزعبلات التي لا أساسَ علميًا لها إلا في فضاء السوشيال ميديا، وتبرير العجز وتخوين وشيطنة الآخر لتبرير عدم الفعل.