‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الله العودة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الله العودة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 29 ديسمبر 2020

عبدالله العوده Abdullah Alaoudh :Saudi Arabia Is Slowly Killing My Father


Saudi Arabia Is Slowly Killing My Father
المملكة العربية السعودية تقتل والدي ببطء
يجب على الرئيس المنتخب جو بايدن الضغط على البلاد للإفراج عن سجنائها السياسيين.

عبدالله العوده

 باحث وناشط سعودي.

30 ديسمبر 2020

 ترجمة وتحرير: نون بوست

يوم الاثنين، حكمت محكمة في الرياض على الناشطة السعودية لجين الهذلول بالسجن لمدة خمس سنوات وثمانية أشهر. أدينت الهذلول، التي دافعت عن حق المرأة في قيادة السيارات، بتهمة "محاولة الإضرار بالأمن القومي" وتعزيز "أجندة خارجية". لقد كانت بالفعل في السجن لمدة سنتين ونصف. يمكن أن يؤدي الوقت الذي قضته في السجن والتعليق الجزئي للعقوبة إلى إطلاق سراحها في غضون شهر أو نحو ذلك.

جذبت قضية الهذلول اهتماما دوليا وإدانة من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ومجلس النواب الأمريكي والعديد من المنظمات الحقوقية، وهذا أمر صائب. لكن هناك المئات من السجناء السياسيين الآخرين في المملكة العربية السعودية الذين وقع اعتقالهم وسجنهم وتقديمهم للمحاكمة.

كان والدي واحدا منهم. في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، عانق إخوتي والدي في نفس المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض التي أدلت بالحكم على الهذلول. لم تتمكن عائلتي من زيارته في سجنه السعودي ولا تلقي مكالمة هاتفية بين أيار/مايو وأواخر أيلول/ سبتمبر، وعندما سُمح لهم بالتحدث معه كان بينهم حاجز زجاجي. جاء ذلك العناق المرغوب فيه بشدة بعد ستة أشهر.

كان والدي، سلمان العودة، عالما إصلاحيا في الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية ويبلغ من العمر 63 سنة، وقد وقع احتجازه في الحبس الانفرادي منذ اعتقاله في 10 أيلول/ سبتمبر 2017. بسبب انزعاجه من التوترات الإقليمية المتزايدة بعد أن فرضت المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات ومصر حصارا على قطر، أعرب والدي بشكل غير مباشر عن رغبته في المصالحة في تغريدة. بعد ساعات قليلة، وقع اعتقاله.

والد المؤلف، سلمان العودة، محتجز في الحبس الانفرادي منذ سنة 2017

بعد احتجازه دون تهمة لمدة سنة، وجهت السلطات السعودية له العديد من التهم عندما بدأت محاكمته في أيلول/ سبتمبر 2018 في محكمة مغلقة في الرياض، من تحريض الناس على الحاكم والدعوة لتغيير الحكومة إلى حيازة كتب محظورة. وطالب النائب العام السعودي سعود المعجب بإعدام والدي على خلفية 37 تهمة.

خلال الربيع العربي في سنة 2011، كان والدي من كبار المؤيدين للالتماس الذي وقعه الآلاف من السعوديين للمطالبة بالانتقال الوطني نحو نظام ملكي دستوري مع انتخابات وحريات أساسية ومؤسسات ديمقراطية. سمح الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي حكم من سنة 2005 حتى وفاته في كانون الثاني/ يناير 2015، للسعوديين بالتحدث إلى حد ما وتقديم بعض المطالب لأن المملكة كانت حريصة على تجنب الاضطرابات العامة. في المقابل، مُنع أبي من السفر خارج المملكة العربية السعودية.

في سنة 2013، عندما كان الأمير سلمان بن عبد العزيز - الملك سلمان الآن - وليا للعهد وعُين الأمير محمد بن سلمان رئيسا لمحكمته برتبة وزير، حث والدي الحكومة السعودية على إطلاق سراح العديد من الإصلاحيين الذين أسسوا الجمعية السعودية للحقوق المدنية والسياسية. وكان النشطاء قد اعتُقلوا وأدينوا بتهم عديدة تتمثل في محاولة "تشويه سمعة المملكة" و "قطع الولاء للحاكم" و "إنشاء منظمة غير مرخصة". وقع تجاهل مطالبات والدي، ولكن لم يكن هناك عقاب.

في ذلك الوقت، قدم ولي العهد الأمير سلمان الأمير محمد، ابنه الصغير، للعديد من الشخصيات العامة المؤثرة في المملكة العربية السعودية التي كانت تتحدث عن الإصلاحات. التقى ولي العهد الأمير سلمان والأمير محمد بوالدي وطلبا نصيحته بشأن عملية الإصلاح السياسي الدقيقة.

في سنة 2015، بعد أن خلف الملك سلمان الملك عبد الله، أراد والدي تذكير الملك بوعده بإدخال الإصلاحات في المملكة العربية السعودية. أثناء ظهوره على التلفزيون الوطني السعودي، روى والدي كيف أخبره ولي العهد الأمير سلمان أن الإصلاحات السياسية والحقوق التي دافع عنها والدي لفترة طويلة ستكون على رأس جدول أعماله عندما يصبح ملكا.

بعد ثلاثة أشهر من تولي الملك سلمان السلطة، قدم نجله، ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية السعودية 2030، التي وعدت بإصلاحات اجتماعية واقتصادية. بعد ذلك بسنتين، في سنة 2017، عندما وقع تعيين الأمير محمد وليا للعهد، تحولت آمالنا في إجراء إصلاحات سياسية أو المزيد من الحقوق المدنية إلى سراب.

رسخ الأمير محمد بن سلمان سلطته من خلال قمع المنافسين من العائلة المالكة الواسعة. لقد وقع الحد من المجال المسموح به للمعارضة، وتورطت المملكة في الحرب في اليمن وقادت الحصار المفروض على قطر، واعتقل والدي بسبب تغريدة.

خلال جلسة المحكمة في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر في الرياض، أصيب إخوتي بالدهشة من مدى ضعف وهزال والدنا. بعد أن فقد نصف قدرته السمعية والبصرية في السجن، كان والدي غير متماسك ويواجه صعوبة في سماعهم ورؤيتهم بوضوح. لقد شعروا أن والدنا الفخور والحازم بدا خاضعا تماما وأومأ برأسه على كل ما قيل له. كانوا يخشون أنه يمكن إجباره على التوقيع على أي نوع من الاعتراف وهو في حالته غير المستقرة هذه.

الحكومة السعودية مسؤولة عن سوء معاملة ووفاة عبد الله الحامد، أحد أبرز الإصلاحيين في المملكة، الذي انهار ودخل في غيبوبة أثناء وجوده في السجن

تسارع التدهور الجسدي والعقلي لوالدي على مدى ثلاث سنوات من الإساءة والعزلة. خلال الأشهر الثلاثة إلى الخمسة الأولى من احتجازه في سجن ذهبان بجدة، كبل الحراس قدميه بالسلاسل وعصبوا عينيه أثناء نقله بين غرف الاستجواب وزنزانته. وقد حرمه المحققون من النوم والأدوية لعدة أيام متتالية، على حد قوله لعائلتنا أثناء الزيارات.

في إحدى المرات، ألقى الحراس عليه كيسا بلاستيكيا من الطعام دون فك أصفاده. وأجبر على فتح الكيس وإخراج الطعام بفمه، مما تسبب في أضرار جسيمة لأسنانه. بعد هذه المعاملة السيئة المطولة، في كانون الثاني/يناير 2018، نُقل إلى المستشفى لبضعة أيام بسبب ارتفاع ضغط الدم بشكل خطير.

الإهمال الطبي وسوء الممارسة منتشران في السجون السعودية. في نيسان/أبريل 2020، كانت الحكومة السعودية مسؤولة عن سوء معاملة ووفاة عبد الله الحامد، أحد أبرز الإصلاحيين في المملكة، الذي انهار ودخل في غيبوبة أثناء وجوده في السجن. لأسابيع، رفضت السلطات السعودية للسيد الحامد إجراء عملية قسطرة القلب التي طال انتظارها. وقال زملائه السجناء لمنظمة العفو الدولية إنه سقط على أرضية سجن الحائر في الرياض وبقي هناك لساعات قبل أن تنقله السلطات إلى مستشفى الشميسي.

بعد حوالي ثلاثة أشهر من وفاة الحامد، توفي صالح الشيحي، الصحفي البارز، بسبب مرض لم يقع الكشف عنه بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحه من السجن. وكان الشيحي قد اعتقل في كانون الثاني/ يناير 2018 وحكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة "إهانة الديوان الملكي" بعد أن انتقد ديوان ولي العهد واتهمه بالفساد.

الحبس الانفرادي هو تعذيب. لقد كان لها تأثير عميق وخطير على والدي. توحي المعاملة السيئة في زنزانته المظلمة أن السلطات السعودية عازمة على قتله ببطء. لم يكشف مسؤولو السجن عما كان يتناول من أكل أو "الأدوية" التي يتلقاها. في هذا الشأن، أناشد إدارة بايدن رفع صوتها وإنقاذ والدي قبل فوات الأوان. ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يهتم بما يفكر فيه المجتمع الدولي عنه وعن المملكة العربية السعودية.

تعهد الرئيس المنتخب جو بايدن بأن تصر الولايات المتحدة على "الأفعال السعودية المسؤولة" وتفرض عواقب على الأعمال المتهورة. وسيكون دفع الحكومة السعودية للإفراج عن والدي والسجناء السياسيين الآخرين في المملكة خطوة مهمة من الإدارة القادمة.


Saudi Arabia Is Slowly Killing My Father
President-elect Joe Biden must push the country to release its political prisoners.

By Abdullah Alaoudh
Mr. Alaoudh is a Saudi scholar and activist.

المصدر: نيويورك تايمز

السبت، 20 أبريل 2019

لماذا نحتاج رئيس وزراء منتخب في السعودية؟


لماذا نحتاج رئيس وزراء منتخب في السعودية؟



منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة، كان هناك مشروع مؤجل: مشروع إشراك الناس في القرار، وانتقال دستوري مدني في السعودية نحو دولة الحقوق والمؤسسات والرقابة الشعبية.
كان هذا المشروع المؤجل منذ مجلس شورى الملك عبدالعزيز، إلى المشروع الدستوري للملك سعود، إلى وعود الملك فيصل حول "دور الأمة" في القرار، إلى وعود ولي العهد الأمير فهد-حينها- بمجلس شورى منتخب في ثمانينات القرن الماضي، إلى وعود الملك عبدالله للدستوريين بأن مشروع الملكية الدستورية كان مشروعه.
وفي أيام الربيع العربي وتحديداً في ٢٠١١م، وحسب رواية الشهيد خاشقجي -رحمه الله- اجتمعت العائلة المالكة في السعودية وتشاورت فيما يتعلق بمصير البلد وفكّرت في خطوات استباقية لحماية البلاد من أي اهتزازات -لا قدر الله-، ولحماية مستقبل الناس والعائلة المالكة أيضاً صوتت الأغلبية الساحقة من الحضور من الشخصيات الكبيرة في العائلة المالكة على قبول فكرة الملكية الدستورية والتحول نحو مجلس شورى منتخب شعبياً في السعودية. 

هذه الرغبة المجهَضة نحو الانتخابات ومجلس شورى شعبي كان للحفاظ على "المكتسبات" كما أنه أيضاً لحماية مستقبل العائلة نفسها من الاهتزازات العنيفة بسبب سوء التدبير المستقبلي أو صراع عائلي مخيف أوبسبب غضب الشعوب المكبوتة، لكن بعد الربيع العربي (أو قل: تلك الموجة من الربيع العربي) يبدو أن أصحاب القرار أصبحوا يبتعدون أكثر فأكثر عن هذا الخيار، وفي نفس الوقت لم يكن الشعب السعودي في حالة ضغط اقتصادي بسبب الرسوم والضرائب ورفع الدعم وثقل الفواتير كما هو الآن، ولم يكن ضمور القطاع الخاص كما هو الآن، ولم يكن الضغط والعوامل الخارجية كما هي الآن، ومع ذلك ليس هناك أدنى وعي أو حتى رغبة بالوعي بالمخاطر هذه الأيام. 
بعد رؤية ٢٠٣٠، وتعثّر الخطوات التي لم تنجح إلا في استهداف جيب المواطن السعودي كما توقّع وخاف كثير من الاقتصاديين الوطنيين في السعودية، يبقى السؤال الملحّ: كيف يمكن لهذه الأموال المأخوذة من جيب المواطن أن تدار دون إذن هذا المواطن، ودون أخذ مشورته، ودون مشاركته في صناعة القرار، ودون تمثيله؟
كيف يمكن أن تجعل المواطن يصنع الميزانية من أمواله وعرق جبينه وحتى نفطه، ثم لا تجعله يصنع القرار بل ولا يشارك فيه؟ 
كيف يمكن أن تحارب الهدر والفساد المالي.. من غير أن تجعل هناك مؤسسات شعبية هي من تدير مكافحة الفساد وتشرف على التوزيع العادل للثروة، وتدير موارد البلاد عن طريق مؤسسات شعبية منتخبة، وممثلين يضغطون ويمثلون مصالح الناس والعموم، عوضاً عن مصالح فئة منتفعة جداً وصغيرة جداً؟
فكرة وجود جهاز تنفيذي في البلد يديره مجلس وزراء مشكّل من الأغلبية الفائزة في مجلس شورى منتخب في السعودية تعني أن الجهاز التنفيذي سيكون مسؤولا أمام ممثلي الشعب في مجلس الشورى عبر برنامج محاسبة دائم ومستمر، وسيكون هناك محاسبة على الهدر والإنفاق، وسيكون هناك آلية حقيقية لمكافحة فساد شعبية.. وليست لجنة شكلية تديرها نفس المجموعة الذين يمارسون الفساد.
فكرة رئيس الوزراء المنبثق عن مجلس الشورى المنتخب شعبياً في السعودية، تعني بقاء الملكية الحالية مع تعديلات جذرية تضمن مشاركة حقيقية وفاعلة للناس في القرار، كما تضمن للخائفين والمتخوفين من المستقبل وللعائلة نفسها، وللقوى الفاعلة محلياً وإقليمياً ودولياً بقاء أصل المؤسسات والوضع القائم لكن بتعديلات أساسية تسمح بمشاركة الناس في القرار وإشرافهم على توزيع المال العام من خلال التمثيل النيابي في مجلس شورى منتخب.
في النهاية فكرة مجلس شورى منتخب ووجود رئيس وزراء شعبي يدير السلطة التنفيذية ليس بدعاً من القول ولا ادّعاءً غير مألوف، بل هو:
  1. وعود قديمة منذ تأسيس المملكة توارثها الملوك كلهم وقد حان أوان تنفيذها.
  2. ثمرة تصويت من العائلة المالكة نفسها كما روى الشهيد خاشقجي رحمه الله.
  3. حل للأزمة الدستورية الخانقة في المملكة العربية السعودية ولمعضلة انسداد الأفق السياسي في البلاد.
  4. استحقاق شعبي أصيل في ضرورة المشاركة الشعبية والإشراف على المال العام، وهو استحقاق كافٍ بحد ذاته للمطالبة بكل ذلك.
  5. هو مطلب شعبي وقّع عليه آلاف المواطنين في وثيقة دستورية هي الأكثر شعبية في تاريخ السعودية الحديث: وثيقة دولة الحقوق والمؤسسات (عام ٢٠١١م) التي طالبت فيها كل القوى الاجتماعية والسياسية والدينية في البلاد بضمان الحقوق والحريات وإطلاق معتقلي الرأي وتأسيس منصب رئيس مجلس الوزراء الذي يجب أن يكون منبثقاً عن مجلس الشورى المنتخب شعبياً. 
ولأجل كل ذلك أقول بأننا نحتاج رئيس وزراء منتخب في السعودية. 

الجمعة، 22 فبراير 2019

سلمان العودة.. كما نعرفه!


سلمان العودة.. كما نعرفه!


عبد الله العودة
كاتب وباحث سعودي
في كل أحواله هو إنسان بسيط واضح مباشر، ليس لديه ما يخفيه، ولا ما يهمس به. وفي كل أحواله طغت عليه بساطة وعفوية جرت عليها سليقته، وصقلها برغبته واختياره، فهو يقول عن نفسه دائما بأنه "الطفل" الذي يمارس طفولته في كل مراحله، حتى ولو كَبُرَ عمرُه، ولذلك قرّر أن يجعل عنوان سيرته الذاتية: "طفولة قلب".

وحينما كنتُ أقرأ في شعر العقّاد مرّة، فوقعتُ على بيت لطيف وجدته يعبّر عن هذا المعنى، عرضتُه عليه فأعجبه، فصار يقوله في مناسبات عدة، فكان بيت العقاد يقول:

أكْبِروا شأني، ولكن دَلِّلوا ... فِيَّ طفلا خالدا لا يكبُرُ

وحينما انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي، قرر أن يدخلها بكل ثقله و طفولته وبراءته، فكل أحد يعرف عنه كل شيء: رحلاته، علاقاته، صفاته، مواطن الاتفاق والاختلاف، فهو يصوّر ويدوّن كل شيء.

لذلك، على الذين يريدون أن يفتروا عليه، وأن يتّهموه بأي شيء أن يبذلوا جهودا خارقة لكي تنطلي على أي أحد، فحساباته واضحة، ونصائحه منشورة، وكتبه مطبوعة، ومقاطعه المرئية يشاهدها الملايين، فكيف يمكن يا ترى أن تقول عنه شيئا لا يعرفه الناس أو تقول عنه شيئا لبث مجمل حياته، يقول ويرسّخ ما هو ضده؟ ستبدو مضحكا أكثر من أي شيء آخر!

في البيت نتحلق حوله، فيتحدث شيئا ويستمع أشياءَ، ويسأل ويناقش، فربما اقتنص اقتراحا من أختي، أو فكرة من أخي، أو كلمة من شخص، أو مبادرة من آخر فدعمها وتبنّاها

ومنذ بواكير نشاطه العلمي والثقافي، وبقدر اتساع دائرة تأثيره وشعبيته، بقي أناس في كل مرّة ينتقدونه أو حتى قد يهاجمونه، فهو يقول:

عداتي لهم فضــل عليّ ومنّة ...
                             فلا أبعــد الرحمـــن عنّي الأعاديا
همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ...
                              وهم نافسوني فاكتسبتُ المعاليا

ثُم قرّر أن يتودد حتى إلى خصومه ويشكرهم، فكتب كتابه "شكرا أيها الأعداء"، وهو يحاول امتثال قول الله تعالى "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"، ومع ذلك يقول بأن خصومه يدلّونه على أخطائه وعثراته، فهو كائن حيّ يتغيّر ويتطوّر، ولو كان يقول وهو في الستين ما كان يقوله تماما في الثلاثين من عمره فهذا يعني أنه أضاع ثلاثين سنة من عمره سدى.

في البيت نتحلق حوله، فيتحدث شيئا ويستمع أشياءَ، ويسأل ويناقش، فربما اقتنص اقتراحا من أختي، أو فكرة من أخي، أو كلمة من شخص، أو مبادرة من آخر فدعمها وتبنّاها، فإذا أراد الإعداد لبرنامج أو مقال أو كتاب أو مادة، جلس وبدأ يسأل حتى كأنه هو المتعلم البسيط، فيأخذ لوحه "دفتره" ودواته "قلمه" فيدوّن ما يسمع، ويكتب ما يعجبه، ويناقش حتى كأنه لا يعرف، ويستمع كأنه لم يسمع من قبل، فيتذوق جميل الأدب، ويلتمس عذب الحديث والقصة، ويوظّف كل ذلك فيما يريد أن يقوله وينتجه.

شكوتُ له مرّة أني أنام سريعا، فقد أشرب فنجان القهوة وأنام، حتى إني لأنام وأنا أشربها، فضحك وقال: "وأنا أبوك.. أنام في وسط فنجان القهوة!"

حينما يسافر، ينظر إلى الأشياء بدهشة من لم يسافر قط، فنسمعه كثيرا ما يقول: "هذا أجمل شيء"، و"هذا أغرب شيء رأيته" و"هذا ألطف مكان نجلس فيه"، وهكذا؛ فهو يحب كل ما يرى ويتذوق أجمل شيء في كل مكان أو طعام أو مناسبة؛ حتى لتشعر أنه لم يرحل قطّ، ولم يرَ شيئا من قبل. عوّدنا أن نعيش اللحظة، ونستمتع بها، ونرى الفأل والجمال في كل شيء فلله ألطاف في كل شيء.

لذلك، ينام دائما في كل مكان يريد، فقط يتكئ على شيء ويضع رأسه ثم ينام:

أنام ملء جفوني عن شواردها ..
 ويسهر "القوم" جرّاها ويختصمُ

شكوتُ له مرّة أني أنام سريعا، فقد أشرب فنجان القهوة وأنام، حتى إني لأنام وأنا أشربها، فضحك وقال: "وأنا أبوك.. أنام في وسط فنجان القهوة!". فهو ينام حيث حلّ به المقام، يعلّمنا ألا نضمر لأحد حقدا ولا ضغينة، وندع الخلق لله.

أذكر قصة قريبة؛ حيث كنّا ذات يوم في مجلسه، فذكر أحدهم اسم رجل كان يسخّر نفسه للشتيمة والتحريض المباشر عليه والدعوة لقمعه، فشتم أحد الجالسين هذا الرجل المحرّض، فنهره الوالد وقال: "ليس في مجلسي، ولن يكون لديّ وقت للشتيمة؛ فالحياة أقصر من هذا".

حينما ازداد سِنّه، ازدادت طفولته الجميلة تألقا، فكبُرت طفولته، وكَبُر أمله الذي لا ينقطع، وتحوّلت يداه إلى أجنحة، وصار يغرّد، وبلغ في الحريّة أشدّه وبلغ ستين سنة!

هنا علّمنا أن نقضي الوقت فيما نريد لا فيما يفرضه الآخرون، وأن نكون حيث نحب أن نكتب ونعمل ونقول، لا حيثما يحدّد الخصوم بتحريضهم وافترائهم وحملاتهم؛ الحياة بالفعل أقصر.

كلما كَبُر عرف مقدار صِغَره أكثر، وتعلّم أن يبتلع كبرياءه الموهومة، وأن يتحمل المسؤولية، وأن يعتذر لمن يحبّهم، ويقرر أن يتعلم اللوم، وأن يعلّمه، فالله يقسم بهذه "النفس اللوامة".

حينما ازداد سِنّه، ازدادت طفولته الجميلة تألقا، فكبُرت طفولته، وكَبُر أمله الذي لا ينقطع، وتحوّلت يداه إلى أجنحة، وصار يغرّد، وبلغ في الحريّة أشدّه وبلغ ستين سنة!

حينها دعا ربّه أن يزيده عبودية له، وحرّية من خلقه؛ فهو يتمثّل دعاء الأنبياء: "رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين".

المصدر: عربي 21

الخميس، 14 فبراير 2019

مهزلة العدالة في المملكة العربية السعودية

مهزلة العدالة في المملكة العربية السعودية

عبد الله العودة
كاتب وباحث سعودي


الداعية السعودي سلمان العودة

ترجمة وتحرير نون بوست
على الرغم من ادعاءات الأمير محمد بن سلمان وداعميه، فإن المملكة العربية السعودية لا زالت تعول على مؤسستها الدينية المتشددة. فالمملكة تسعى لإسكات الأصوات المعتدلة التي تكافح التطرف، من خلال شن حملة اعتقال طالت العديد من النشطاء والعلماء والمفكرين السعوديين الذين يرغبون في إصلاح الوضع في المملكة، فضلا عن معارضتهم للقوى المتطرفة والنظام الذكوري. ونتيجة لهذه السياسة، العديد منهم يواجهون في الوقت الراهن عقوبة الإعدام.
إن والدي، سلمان العودة، هو باحث في الشريعة الإسلامية يبلغ من العمر 61 سنة وينشط في المملكة العربية السعودية، وهو يعتبر من دعاة الإصلاح حيث لطالما دافع عن ضرورة تضمين حقوق الإنسان في كنف الشريعة الإسلامية. وتجدر الإشارة إلى أن الشريعة هي القانون الشرعي للدين الإسلامي الذي يستند بالأساس على القرآن. وقد انتشرت دعوته على نطاق واسع، ويرجع السبب في ذلك جزئيا إلى شعبيته كشخصية عامة يتابعها 14 مليون شخص على موقع تويتر.
إن والد الكاتب، سلمان العودة، في الحبس الانفرادي منذ سنة 2017.
في العاشر من أيلول/ سبتمبر سنة 2017، تحدث والدي الذي يشعر بالقلق إزاء التوترات الإقليمية في المنطقة، خاصة بعد فرض السعودية والبحرين والإمارات ومصر حصارا على قطر، بشكل غير مباشر عن الصراع وأعرب عن رغبته في حدوث المصالحة من خلال نشر تغريدة على تويتر مفادها: "أسال الله أن ينير بصيرتهم بما فيه خير لشعوبهم".
بعد سويعات قليلة من نشر هذه التغريدة، أتى فريق من الأجهزة الأمنية السعودية إلى منزلنا في الرياض وقاموا بتفتيش المنزل ومصادرة بعض أجهزة الكمبيوتر المحمولة واعتقال أبي. في الحقيقة، يبدو أن الحكومة السعودية قد غضبت من أبي واعتبرت تغريدته بمثابة مخالفة جنائية. وقد أخبر المحقّقون والدي أن اتخاذه لموقف محايد بشأن الأزمة السعودية-القطرية وبالتالي عدم وقوفه في صف الحكومة السعودية جريمة.
وُضع أبي في الحبس الانفرادي في سجن ذهبان الواقع في جدة. وقد تم تقييده لأشهر داخل زنزانته، وحرمانه من النوم والتمتع بالمساعدة الطبية. وقد خضع للاستجواب مراراً طول النهار والليل. كما تم تجاهل تدهور حالته الصحية بعد ارتفاع ضغط الدم والكولسترول لديه داخل السجن، حتى اضطروا إلى إدخاله المستشفى. وحتى موعد المحاكمة، وبعد مرور حوالي سنة على اعتقاله، حُرم أبي من مقابلة المحامين الذين سيتولون مهمة الدفاع عنه.
في الرابع من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، عقدت إحدى المحاكم الجنائية المتخصصة جلسة لم يتم توثيقها للنظر في الاتهامات الموجهة إلى والدي. وشملت التهم إثارة البلبلة وتحريض الشعب ضد حاكم البلاد والدعوة إلى إسقاط الحكومة ودعم الثورات العربية من خلال التركيز على عمليات الاحتجاز الاعتباطية وحرية التعبير عن الرأي. كما وُجهت له تهم أخرى على غرار حيازة بعض الكتب المحظورة ونعت النظام السعودي بالطاغية. وفي نهاية المطاف، طالب المدعي العام السعودي بإصدار حكم بالإعدام في حقه.
على مدى عقدين، قاد أبي حملة ضد الإرهاب في المملكة العربية السعودية، ودعا إلى ضرورة تجديد أسلوب الخطاب الديني، ودافع عن الممارسة المعتدلة للإسلام. لكنني أتساءل عما إذا كان قد ألقي القبض عليه بسبب مواقفه الشعبية التقدمية
لقد استغلت المملكة العربية السعودية عدم اهتمام الغرب بسياساتها الداخلية لتشن حملة قمعية ضد العديد من الشخصيات الإصلاحية مثل والدي، في إطار خطوة ضد المؤسسة الدينية المحافظة. ولكن الواقع مختلف تماما عن ادعاءاتهم. لقد كان والدي محبوبا من قبل الشعب السعودي لأن سلطته وشرعيته كعالم مسلم مستقل جعلته مختلفا عن بقية العلماء الذين عينتهم الدولة. ومستعينا بالمبادئ الإسلامية لدعم حججه، دافع والدي عن الحريات المدنية والسياسات التشاركية وفصل السلطات واستقلال القضاء.
على مدى عقدين، قاد أبي حملة ضد الإرهاب في المملكة العربية السعودية، ودعا إلى ضرورة تجديد أسلوب الخطاب الديني، ودافع عن الممارسة المعتدلة للإسلام. لكنني أتساءل عما إذا كان قد ألقي القبض عليه بسبب مواقفه الشعبية التقدمية، لأنه منذ بروز ولي العهد محمد بن سلمان لم يشغل أحد غيره وظيفة  "المصلح" في هذه البلاد.
في حين يقبع المصلحون مثل والدي في السجون، احتضنت المملكة العربية السعودية المتشددين مثل صالح الفوزان، وهو رجل دين ذو نفوذ تدعمه الدولة إلى جانب كونه عضوا في هيئة كبار العلماء السعودية. وفي سنة 2013، استنكر الفوزان مستقبلا ستتمكن فيه النساء من قيادة السيارة، كما ادعى أن الشيعة وغيرهم من المسلمين الذين لا يتبعون المعتقدات الوهابية يعتبرون من الكفار وأي شخص من شأنه أن يعارض هذا التفسير هو كافر أيضا.
علاوة على ذلك، أعلن الفوزان أن المطاعم التي تقدم بوفيه مفتوح محرمة لأنها تشبه المقامرة، وهو أمر محظور في الإسلام. وفي شهر آب/ أغسطس، حظر الفوزان جلسة رفقة الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد في البلاط الملكي للفت النظر إلى السلطة والأهمية التي يحظى بها. وقبل بضعة أشهر، أخبر ولي العهد الفوزان خلال إحدى الاجتماعات "أنه بمثابة والده".
خلال شهر أيلول/ سبتمبر، أصدر الشيخ الفوزان فتوى لحث المملكة على تصفية المعارضين السياسيين الذين يشجعون على الفتنة ضد حاكم البلاد. وبعد شهر من إصدار هذه الفتوى، قُتل صديقي جمال خاشقجي. وفي بلد تتفشى فيه ثقافة الخوف، لا يوجد سوى أمل ضئيل في تحقيق العدالة، خاصة وأنه يتم إبعاد السلطة القضائية عن أي مظهر من مظاهر سيادة القانون وضمان الحقوق.
في الحقيقة، لقد وقع احتجاز حتى بعض القضاة التابعين للمحكمة الجزائية المتخصصة التي تحاكم والدي، بعد أن رفضوا فرض عقوبات صارمة أوصى بها المدعي العام في قضايا معينة. وقد أخبرني أحد القضاة أن القضاة الذين وقع تعيينهم مؤخرا في المحكمة الجزائية المتخصصة يعيشون في حالة خوف.
في الثالث من شباط/ فبراير، أجّلت الحكومة السعودية محاكمة والدي للمرة الثالثة على التوالي دون تقديم أي توضيحات، ليظل رهن الاعتقال داخل السجن. وقد تعرضت عائلتي لمضايقات مستمرة منذ اعتقاله
مع ذلك، يوجد بعض القضاة في المملكة العربية السعودية الذين لم يخضعوا للسيطرة الكاملة التي تسعى المملكة إلى فرضها. وخلال سنة 2013، وقّع حوالي مائتا قاضي على عريضة عامة تدعو إلى إجراء إصلاحات قانونية وقضائية حقيقية. كما أدانوا "الإجراءات القمعية الصارخة وقمع الأصوات الوطنية"، وطالبوا كذلك باستقلال القضاء.
تعرض هؤلاء القضاة للترهيب، وتم إحالة البعض منهم للتحقيق من طرف وزارة العدل السعودية. وفي ذلك الوقت، وعد وزير العدل محمد العيسى "بحملة تصحيحية" تخلص السلطة القضائية من "القضاة الفاسدين". وقد تم فصل قاضيين واستأنف الباقون عملهم بهدوء.
في الثالث من شباط/ فبراير، أجّلت الحكومة السعودية محاكمة والدي للمرة الثالثة على التوالي دون تقديم أي توضيحات، ليظل رهن الاعتقال داخل السجن. وقد تعرضت عائلتي لمضايقات مستمرة منذ اعتقاله، إذ مُنع 17 فردا من العائلة بمن في ذلك الأطفال من السفر. وتم اقتحام منزلي وتفتيش مكتبتي الشخصية دون الاستظهار بمذكرة تفتيش. كما ألقِي القبض على عمي إثر نشره لتغريدة حول الحادث، ناهيك عن تجميد أموالي دون أي  مبرر.
من المؤكد أن واقعة اغتيال جمال خاشقجي ساهمت في تشويه صورة ولي العهد محمد بن سلمان، الذي لطالما حرص على الظهور في صورة المصلح. ولكن لابد أن يرفع العالم صوته لمساندة الشعب السعودي الذي يكافح من أجل الإصلاحات الفعلية، كما هو الحال بالنسبة لوالدي سلمان العودة الذي حاول المدعي العام السعودي إصدار عقوبة الإعدام في حقه.
المصدر: نيويورك تايمز



الجمعة، 28 ديسمبر 2018

سردية الربيع العربي.. كل مرّة

سردية الربيع العربي.. كل مرّة

عبد الله العودة

باختصار كانت سردية "الربيع العربي" تربط بين الاستبداد والاحتلال. تربط بين التحرر والاستقلال من المستعمِر، وبين التحرر والاستقلال من المستبد أيضاً.

حينما افتتح البوعزيزي مشهد هذا العقد الميلادي، فتفجّرت منه عيون الربيع العربي، كان العقد السابق له، عقدٌ قدّم سردية مختلفة جداً.
لخّص هذه المقارنة الكاتب السعودي عبد العزيز الخضر حينما قال مرّة بأن: "سردية محمد البوعزيزي غلبت سردية محمد عطا". وكان بين المحمدين عقدٌ بالتمام والكمال.
محمد عطا كان أحد أهم شخصيات عملية الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية في نيويورك، وكانت ترمز لسردية الصراع الأبدي ومركزية العنف، وافتتحت العقد الأول من القرن العشرين وسيطرت على القصص المختلفة والجدل العام في العقد كله.
العودة للأمة وأولوية المشاركة السياسية والاستماع أخيراً للشعوب كانت قيم الربيع العربي.
عبد الله العودة
في المقابل، وبعد عقدٍ كامل كانت سردية الربيع العربي مختلفة تماماً: سردية تربط بين الاستبداد والاحتلال، تربط بين التحرر والاستقلال من المستعمِر وبين التحرر والاستقلال من المستبد، ذلك الارتباط القديم الذي قال عنه أحدهم يوماً: "لقد رحل المستعمِر الأحمر، وبقي لدينا المستعمر الأسمر"، فكانت سردية الربيع العربي هي أخيراً مناقشة مصدر لبلاء العربي المبين المتمثّل في هذا المستعمر الأسمر الجاثم على رقاب الأمة العربية والإسلامية؛ المتمثّل في الطغمة الفاسدة المستولية على صناعة القرار والمحتكرة للعمل السياسي والديني والثقافي والاجتماعي.
العودة للأمة، وأولوية المشاركة السياسية والاستماع أخيراً للشعوب.. كانت قيم الربيع العربي.
سردية الربيع العربي الفريدة لم تكن هندسة "انقلابات عسكرية" بل ضغط شعبي عارم، وفوران شعبي في لحظة فارقة. يضغط على كافة القوى الاجتماعية والسياسية والمؤسسات للانحياز للشعوب، وتقديم الحفاظ على الشعوب وخياراتهم. مقابل تلك المجازر والحروب الأهلية والإرهاب الرسمي الذي يصنعه المستبد كل مرة ليبرر وجوده، ولكي يضع الناس والعالم أمام خيار الجحيم، أو القبول به كفرد مستبد.
المهم أن السردية التي قدمها الربيع العربي لم تكن بالحسبان، لم تكن احتلالاً ولا انقلاباً عسكرياً، بل انحياز قوى وطنية في لحظات ضغط شعبي عارمة لخيارات الشعوب ورفض الانخراط في جرائم الاستبداد ومجازره الوحشية في قتل أبناء شعبه وعمومته.
فكرة الانشقاق التي قدمها الربيع العربي مثلاً كانت صادمة للاستبداد ومفاجئة له، لأنها تعني أن المؤسسات المختلفة والأفراد المختلفين على رأس المؤسسات المختلفة بدؤوا بالانحياز للخيارات الشعبية العامة، ورفض الانخراط في مهاجمة الشعب وقواه. وبالتالي، يتحلّل الاستبداد ويتفسّخ من داخله ليتيح للقوى الشعبية ترشيح الأسماء المنحازة لها كخيارات وطنية شعبية مخلصة لم تتلطخ أيديها بالدماء، فشمس الحرية والضغط الشعبي تذيب تمثال الجليد لهؤلاء المستبدين والطغاة والجبابرة.
السردية التي قدمها الربيع العربي لم تكن احتلالاً ولا انقلاباً عسكرياً بل انحياز قوى وطنية في لحظات ضغط شعبي عارمة لخيارات الشعوب.
عبد الله العودة
وهذه بالضبط كانت سردية الربيع العربي. أما لماذا كلّ مرّة؟ قال أحد مؤرخي الثورات مرّة بأن الانتفاضات الشعبية التي تفور، كانت تبدو مستحيلة حتى إذا وقعت بدت للكل حتمية لا مفر منها!
انسداد الأفق السياسي، وإغلاق كافة أشكال العمل السياسي والاجتماعي والثقافي والديني التي كانت تعمل بشكل طبيعي، يعني تهيئة شرط مهم لأهم شروط الاهتزازات المخيفة على أسوأ الأحوال، أو الانتفاضات الشعبية الضاغطة نحو التحول للحكم الشوروي في أحسنها.
لذلك، كانت سردية الربيع العربي، ليست مجرّد تاريخ أو سنوات محددة، بل حالة ونتيجة مرتبطة بظروف موضوعية وظروف اجتماعية وسياسية ودينية شكّلت في النهاية موجة شعبية جديدة في العالم، هذه الموجة رغم انتكاساتها لا تزال تحاول استعادة أنفاسها وتحدّي القمع المضاد، والعدة والعتاد، لقوى الاستبداد.
حينما تحدث صاموئيل هنتنقتون عن الحركة الديمقراطية في العالم، كان من أهم ما قدّمه قصة "الموجات الديمقراطية" في العالم، حيث قسّم التحولات الديمقراطية في العالم إلى ثلاث مراحل سابقة، الأولى منها في القرن التاسع عشر، والموجة الثانية كانت بعد الحرب العالمية الثانية، بينما الموجة الثالثة هي في الثمانينيات الميلادية التي تحولت فيها العديد من دول أميركا اللاتينية ودول أخرى نحو الديمقراطية.
يمكن أن يشكل الربيع العربي الموجة الرابعة للديمقراطية مع عدم وضوح تحولات هذه الموجة وانتكاساتها اللحظية.
عبد الله العودة
لذلك، يعتقد بعض المتابعين والباحثين أن الربيع العربي يمكن أن يشكّل الموجة الرابعة للديمقراطية، مع عدم وضوح في بعض البلدان التي اجتاحتها تغيرات الربيع العربي، وعدم وضوح تحولات هذه الموجة وانتكاساتها اللحظية، ومشاريع استعادتها المستقبلية.
في الموجة الثالثة، كانت المؤسسات الدينية والكنائس والاجتماعات الدينية في دول أميركا اللاتينية ودول أوروبا الشرقية مجالاً مهماً لصناعة تجمُّع مدني بديل عن كافة أشكال الاجتماع المدني المحظورة في تلك البلدان، ومن كل تلك الاجتماعات تَشكّلت بواكير الاحتجاج والرفض، والثورة التي ألهمت الشعوب وحررتها ضد القمع والاستبداد والظلم والعسف.
وفي تلك الظروف وقبلها تَشكّل -مثلاً- "لاهوت التحرير" في البرازيل وغيرها في صياغة فكر ديني مسيحي حر يرفض الاستخذاء ويرفض الخطاب الكنسي (الجامي) الذي يطوّع الناس لخدمة الفرد ويعارض حكم الممثلين والشعب، وبالتالي كان الخطاب الكنسي التقليدي آنذاك قبل لاهوت التحرير خطاباً يطوِّع المجتمع تحت تسلُّط الدولة وعسفها، فكان لاهوت التحرير مجهَّزاً بشكل ديني ولاهوتي وبالمنطق المسيحي التقليدي نفسه لمحاربة الاستعباد والظلم؛ لذلك، يَعتبر نفسه "تحريراً".
وبنفس منطق الاستبداد وبنفس طرائقه التقليدية في التبرير، يكون منطق الاحتجاج والتحدي الشعبي وإنقاذ الخطاب الديني نحو التحرير. باختصار، كانت تلك سردية الربيع العربي. ونعم، هي كل مرّة كذلك.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.
المصدر: TRT عربي

الخميس، 29 نوفمبر 2018

محنة الإمام ابن حنبل والحرب على المجال العام

محنة الإمام ابن حنبل والحرب على المجال العام

عبد الله العودة

المجال العام، هو تلك المساحة التي حفرها الناس بتجربتهم ونشاطاتهم الحرة ونقاشاتهم وتفاعلاتهم مع الناشطين المختلفين في القطاع الديني والثقافي والاقتصادي والسياسي.

منذ بدأت عاصفة القمع في السعودية قبل أكثر من سنة، بدأت تطفو على السطح حملات شعبوية تحريضية تُجرِّم ماتعتبره "حياداً"، وتُحرِّض ضد ماتصفه وقوفاً في المنتصف، فعصفت بالمجتمع السعودي ريحٌ مكارثية شديدة الوطأة لم تستثنِ أحداً أو مجموعة إلا نالت منهم بطريقة تخالف قواعد الأخلاق وقواعد السياسة في الوقت نفسه.
منذ بدأت عاصفة القمع في السعودية قبل أكثر من سنة، بدأت تطفو على السطح حملات شعبوية تحريضية تُجرِّم ماتعتبره "حياداً"، وتُحرِّض ضد ماتصفه وقوفاً في المنتصف.
عبد الله العودة
وفي ثنايا تلك الحملة، لاحظتُ أن الهامش الذي حقَّقه الناس خلال العقد الماضي من خلال تفاعلهم وضغطهم، بدأ بالضيق والتململ، ولاحظتُ أن أكبر ضحية في تلك الحملات التي تمتد حتى اليوم، هو المجال العام.
المجال العام، هو تلك المساحة التي حفرها الناس بتجربتهم ونشاطاتهم الحرة ونقاشاتهم وتفاعلاتهم مع الناشطين المختلفين في القطاع الديني والثقافي والاقتصادي والسياسي، والأهم في المجال العام أنه ليس مجالاً حكوميّاً بمعنى أنه ليس دائرة حكومية ولا وزارة، وأن الناشطين والفاعلين فيه ليسوا موظفين حكوميين ولا مُعَينين من قِبل جهة معينة تُنصِّبهم متى شاءت وتعزلهم متى أرادت، ولكنهم شريحة واسعة متنوعة من الشعراء والفقهاء والتجار والعلماء والحرفيين. وإذا أراد حاكم أو سياسي أن يتحرش بشخصية فرضت نفسها في المجال العام فإنه يتحرش بالمجال العام نفسه، ويحاول أن يسيطر عليه ويغلق منافذ التنفس الطبيعية فيه.
ولذلك، فإن أهم صفتين تجعلان شكلاً معيناً من أشكال القمع يستهدف المجال العام هما:
أولاً: إلغاء كل الجالسين في المنتصف بين المجال الخاص (البيت مثلاً) وبين المجال الحكومي (الوزارة مثلاً)، وبالتالي إشعال الحرب على كل أحد يريد تأسيس علاقة مباشرة مع المجتمع لاتمر عبر الدولة ولاتتوقف عند البيت.
ثانياً: الاستهداف المتعدد والمحدد أيضاً لمن لايقبل الرضوخ، لأن عدم الرضوخ معناه أن الشخصية التي تقبل التحدي تقف مباشرة أمام السياسي الذي يريد إغلاق هذا المجال العام وتحويله إلى مزرعة شخصية لحاشيته.
في التاريخ الإسلامي القديم، كان نموذج الإمام أحمد بن حنبل فريداً وملهِماً، ليس بسبب شخصية الإمام أحمد الفقهية والعلمية فحسب، بل بسبب موقفه تجاه قضية "خلق القرآن" التي تجاوزت التحدِّي الفقهي والسنِّي لعلم الكلام، إلى صراع بين المجال العام الذي يمثِّله أحمد بن حنبل الذي يريد أن يرفض فكرة "خلق القرآن" في مسجده وحلقته، وبين المأمون الذي يريد استخدام سلطته السياسية لفرض رأيه ومذهبه.
منذ عقود طويلة، وموضوع "محنة الإمام أحمد" يحتلّ مكاناً مهمّاً ومميزاً في أروقة البحث الحديث.
عبد الله العودة
منذ عقود طويلة، وموضوع "محنة الإمام أحمد" يحتلُّ مكاناً مهمّاً ومميزاً في أروقة البحث الحديث.
البحوث الحديثة الاستشراقية والعربية حاولت دراسة المحنة من أوجهٍ مختلفة؛ لأن موضوع "خلق القرآن" له بعد ديني مدرسي خاض فيه المختلفون جدلاً عاليَ الأهمية عند كثير منهم، فبعض الباحثين درسوا المحنة من جهة سياسية واجتماعية لفحص علاقة "الديني بالسياسي"، وبعضهم من جهة أخرى حاول دراسة دور الفقهاء في السياسة والاجتماع (المجال العام).
جاءت دراسات بعض العرب مثل فهمي جدعان ومحمد الجابري بافتراضات مسبقة حول "عقلانية" الاعتزال، ومحاولة تقديم الأقلية الاعتزالية كرواد العقل والفكر الحر والتنوير المبكر في الإسلام؛ لذلك، جاءت هذه الدراسات لتنفي دور الاعتزال في ترسيخ الطغيان السياسي وفرض الرأي الديني وتديين المجتمع بشكل فجٍّ في قضية مُخْتَرعة.
وبشكل منحاز حاولت دراسة جدعان والجابري غسل أيدي الفكر الاعتزالي من دماء أهل الحديث ومحاولة تزويقها، وتقديم الاعتزال كما قدمه بعض المستشرقين من قبلُ كمدرسة عقلانية حرة خارجة عن المألوف وناسفة لكل ما اعتبروه "اتجاهاً جموديّاً نقليّاً تلقينيّاً".
المعتزلة أقلية محدودة نخبوية جدّاً ليس لها رصيد شعبي ولا حضور أو دعم عام مقابل الأغلبية الساحقة من مدارس الفقهاء المختلفة.
عبد الله العودة
المعتزلة هنا كأقلية محدودة نخبوية جدّاً ليس لها رصيد شعبي ولاحضور أو دعم عام مقابل الأغلبية الساحقة من مدارس الفقهاء المختلفة، ورغم قلة الإنتاج الذي وصل ونجا من التراث المعتزلي، فإن اهتمام بعض المستشرقين والباحثين بهذا الإنتاج وقراءته ودراسته ومحاولة تقديمه بشكل ترويجي طغى على دراسة الواقع العام للمجتمع الإسلامي بمدارسه المختلفة ومذاهبه المؤثرة وتراثه المتعدد.
وفي ملاحظة صادمة وطريفة في ذات الوقت، يرى إدوارد سعيد أن اهتمام الاستشراق بفكر بعض الأقليات شبه المنقرضة في التاريخ الإسلامي -مثل رواد فكرة وحدة الوجود- هو جزء من محاولة طمس المعالم العامة للفكر الإسلامي والتراث الإسلامي أو التشويش عليه والشغب على مدارسه الأساسية، من خلال التركيز على بعض الشخصيات التي خرجت بشكل فجٍّ عن السياق العام. وإدوارد سعيد يضرب لهذا مثلاً مهمّاً بدراسة ماسينيون الطويلة جدّاً للحلاج؛ إذ يرى فيها محاولة ماكرة من ماسينيون لتجاهل التيار العام في الإسلام وإلغاء الفكرة الأساسية فيه من خلال التركيز على الحلاج.
المهم، حينما نعود إلى قصة المحنة نجد أن المجال الأهم فيها هو دور الإمام أحمد نفسه ودور أتباعه، وهو الشيء الذي لم يأخذ ذات القدر من الاهتمام والبحث على يد بعض المستشرقين إلا مؤخراً جدّاً، ولعل أهم بحث تم تقديمه في هذا السياق هو دراسة "نمرود هيرفيتز" التي كتبها قبل أكثر من عشر سنوات حول المحنة ثم ألَّف فيها كتاباً تُرجم مؤخراً إلى العربية.
فكرة هيرفتز الأساسية تقول بأن الإمام أحمد مارس نضالاً أسَّس فيه لمبدأين أساسيين تقريباً:
الأول: رفض وصاية الدولة دينيّاً على الأمة والعلماء؛ فالأمة تعايشت مع مذاهب ورؤى وعقائد تبنت مدارس مختلفة في الإسلام ما دامت تلك المذاهب لم يتم فرضها على الناس، خصوصاً حينما تستفزُّ التيار العام.
الثاني: ترسيخ -أو ربما تأسيس- المجال العام في المجتمع الإسلامي، ذلك المجال الذي يخوض فيه العلماء والفقهاء والباحثون دون وصاية الدولة ودون سيطرتها ودون رقابتها وشروطها الجاهلة. وهذا يعني أن هؤلاء العلماء لم يكونوا مُعَينين من قِبل السياسي، ولا موظفين لديه، ولا عاكفين عند بلاطه أو سائلين أُعطياته؛ فهم لهم مدارسهم المستقلة وأوقافهم التي تُؤَمِّن لهم -حتى- الاستقلال الاقتصادي عن السياسي.
هذا الطرح، اهتمَّ به أكثر من باحث وقدَّموا دور الإمام أحمد بشكل غير تقليدي تجاوز طرح أكثر الباحثين الحداثيين العرب في العقود السابقة من أحمد أمين إلى فهمي جدعان والجابري.
ضمن دراسة هيرفتز وآخرين، أحمد بن حنبل أسَّس بطريقته الخاصة "مجالًا عامّاً" أصرَّ فيه على استقلال "مؤسسات المجتمع المدني" عن تحكم السياسي.
عبد الله العودة
ضمن دراسة هيرفتز وآخرين، أحمد بن حنبل أسَّس بطريقته الخاصة "مجالًا عامّاً" أصرَّ فيه على استقلال "مؤسسات المجتمع المدني" عن تحكم السياسي، وحاول تأمينها ضد تدخُّل السلطة في التعليم والبحث الديني، ولم يكن يرسِّخ دور الفقهاء السياسي كما يرى بعض الباحثين، ولكنه رسَّخ دور الفقهاء والعلماء في المجال العام كمؤسسات رقابة مستقلة تمارس دورها العلمي خارج وصاية السياسي، وكان ذلك انتصاراً مهمّاً أشار فيه الباحثون إلى عراقة المؤسسات المستقلة عن السياسي في المجتمع الإسلامي ودور العلماء والفقهاء في حماية ذلك الاستقلال الاجتماعي والعلمي والديني، ودور قيمٍ وقواعدَ إسلامية وفقهية في تأمين دور مستمر ومطَّرد للعلماء والفقهاء في المجال العام، حافظ فيه هؤلاء العلماء والفقهاء على دورهم في حماية "الإسلام الشعبي" وحماية القيم الدينية من تدخُّل السياسي.
بالطبع، لن يكون بوسع مقال متواضع مثل هذا الحديث عن بحوث مختلفة حول المحنة والدراسات المختلفة في هذا المجال، ولكن دراسة هيفتز وآخرين تقدِّم قراءة مهمة ومختلفة لدور الإمام أحمد والمحنة، قراءة لم تنحَز -هذه المرَّة- لليد الملطخة بالدماء.

المصدر: TRT عربي

الخميس، 19 يوليو 2018

ولي عهد السعودية يعود بالمملكة إلى عصور الظلام

ولي عهد السعودية يعود بالمملكة إلى عصور الظلام



عبد الله العودة

منذ أن تأسس النظام الحالي للملكة العربية السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي، وعد عدد متعاقب من الملوك وأولياء العهد بوضع أو حاولوا وضع نوع من الآليات الديمقراطية موضع التنفيذ.

إلا أن ولي العهد الحالي الأمير محمد بن سلمان، الذي برز من بين أقرانه من أبناء الجيل الجديد داخل العائلة الحاكمة كزعيم للمملكة، يبدو عازما على إعادة المملكة إلى أعراف حقبة ما قبل المملكة العربية السعودية، حيث إنه بز كل أسلافه في ترسيخ دعائم النظام الملكي المطلق. 

في مقابلة مع ذي أتلانتيك، صرح محمد بن سلمان بأن "الملكية المطلقة ليست خطرا على أي بلد." ثم أضاف: "لولا الملكية المطلقة لما كانت لديكم الولايات المتحدة، حيث إن الملكية المطلقة في فرنسا هي التي ساعدت على إيجاد الولايات المتحدة من خلال مساندتها. الملكية المطلقة ليست عدوا للولايات المتحدة، بل هي حليف لها منذ وقت طويل جدا".

أخفق محمد بن سلمان في الإشارة إلى أن المستعمرات كانت ثائرة على الملكية المطلقة. من خلال إعلانه ذلك، يتبنى محمد بن سلمان بشكل كامل الموقف السابق على الحداثة، الذي تخلى عنه تقريبا جميع أسلافه، بما في ذلك جده الملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية في شكلها الحالي. ثم إن محمد بن سلمان من خلال ترويجه للملكية المطلقة وتخليه حتى عن مجرد الوعد بالديمقراطية، يكشف عن أن نظرته إلى الملكية أشد تخلفا من نظرة جده. 

في عام 1924، عندما غزا الملك عبد العزيز الحجاز، وهي أهم منطقة على الإطلاق في شبه جزيرة العرب؛ نظرا لوجود مكة المكرمة فيها، وعد بإنشاء مجلس منتخب وبالسماح بالمشاركة السياسية انطلاقا من مفهوم الشورى في الإسلام، ووعد بتوفير الحرية المطلقة. وكان الملك عبد العزيز قد ندد بالانتخابات الزائفة وبالبرلمان الصوري وبالوعود التي تقطع للناس ولا يتم الوفاء بها. وكان يفترض في المجلس المنتخب الذي اقترح تشكيله، أن يملك أعضاؤه المنتخبون السلطة للرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وإقرار الميزانية واقتراح التشريعات. وفي عام 1926، صاغ الملك عبد العزيز وثيقة تشبه الدستور، تضمنت الإطار النظري لمستوى ما من المساءلة والمشاركة في السلطة. 

رغم أن هذا التوجه نحو الدستورية لم يتحقق في نهاية المطاف، إلا أن الأمل ظل قائما، وكذلك الإطار النظري للديمقراطية. وفي عهد الملك سعود، أول أبناء عبد العزيز جلوسا على العرش، كاد مقترح تحويل النظام إلى الملكية الدستورية يجد طريقه للتطبيق، حينها نشر الأمير طلال بن عبد العزيز "خطابا إلى المواطن"، اشتمل على العناصر الأساسية للملكية الدستورية المقترحة التي كان من المفروض أن تطبق بحلول عام 1960. نص الدستور المقترح على حماية حقوق الإنسان والحريات العامة، كما وفر الدستور المقترح حماية لحق إنشاء النقابات والجمعيات المهنية، وهو حق لم يتسن النص على حمايته في أي تشريع سعودي لاحق. ولكن ما أن نصب الملك فيصل رسميا في عام 1964، حتى أجهض مشروع الدستور نهائيا. 

في عام 1975 أكد ولي العهد فهد الأساس الديمقراطي في الإسلام، وعندما أصبح ملكا في عام 1982 وعد بإنشاء مجلس يشبه البرلمان وبإجراء انتخابات شعبية، ولكن شيئا من ذلك لم يتحقق بتاتا. ثم بادر شقيق فهد، ولي العهد الأمير عبد الله، في عام 2003 إلى إحياء الوعود القديمة بالتحول نحو الديمقراطية ونحو الملكية الدستورية، وذلك بعد أن قام عدد من المفكرين والنشطاء من أطراف الطيف السياسي كافة بالتوقيع على عريضة موجهة له بعنوان "رؤية لواقع ومستقبل الأمة".

طالبت العريضة بإجراء انتخابات وبالفصل بين السلطات وبضمانات لحماية حقوق الإنسان ووضع حد للاعتقالات التعسفية في المملكة. وعندما التقى ممثلون عن المجموعة مع ولي العهد عبد الله، علق على عريضتهم تلك بالقول: "رؤيتكم هي رؤيتي، ومشروعكم هو مشروعي."

تبعت ذلك عدة عرائض أخرى مشابهة، كان أشهرها تلك التي عرفت باسم "نحو دولة الحقوق والمؤسسات" التي قدمها والدي، العالم الشهير سلمان العودة (الذي ما لبث يقبع في السجن منذ شهر أيلول/سبتمبر الماضي)، ومعه بعض أصدقائه بعد أن وقع عليها عدة آلاف من المواطنين بما فيهم أنا شخصيا وعدد من أفراد عائلتي، وكانت العريضة علامة على ذروة النشاط الشعبي في المملكة العربية السعودية، للمطالبة بملكية دستورية وبالديمقراطية في المملكة العربية السعودية.

ما من شك في أن الظاهرة التي باتت تعرف بالربيع العربي هي التي ربما حفزت أصحاب العريضة، وأدت إلى اكتسابها شهرة واسعة، ولكن هذه المرة لم يقدم عبد الله، الذي كان يتربع على عرش المملكة، ولكنه توفي بعد ذلك، أي وعود بالديمقراطية.

أما محمد بن سلمان البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاما، فلم يعد سوى بعهد طويل من الملكية المطلقة والقبضة الحديدية على السلطة. والمفارقة أنه بينما وعد بمستقبل اقتصادي براق ضمن مبادرته لإقامة مدينة عصرية باسم نيوم، وعد أيضا بتراجع ديني إلى الأوضاع نفسها التي نجم عنها أسوأ حادث إرهابي تعرضت له البلاد في عام 1979. 

لم يكن الملوك وأولياء العهود السابقون كذلك حريصين على اعتناق الديمقراطية، ولربما لم يتحركوا قيد أنملة تجاهها، إلا أن مناوراتهم مع الشعب التي كانت تتضمن القول بأنهم يقبلون بالديمقراطية كغاية، سمحت بحدوث تفاعل صحي بين الناس والملوك، وكان مثل هذا التفاعل تصاحبه باستمرار فرصة عظيمة لقيام عقد اجتماعي ذي معنى بين الشعب والعائلة الحاكمة، الأمر الذي كان يؤسس لمستقبل ديمقراطي أكثر استقرارا. 

إلا أن التغير في الذهنية، الذي تجلى بوضوح من خلال توجه محمد بن سلمان نحو التشبث بسلطة مطلقة أبدية، يشير إلى انتقال دراماتيكي بعيدا عن الوعود الديمقراطية، التي كانت تعطي بعض الأمل للناس بمستقبل أفضل رغم أن أيا منها لم يتحقق. حصلت الإدارة السعودية الجديدة على تغطية إعلامية إيجابية في الولايات المتحدة بفضل خطابها الذي يتحدث عن مستقبل تكنولوجي، بما في ذلك الحديث عن مدينة تدار آليا، وكذلك بسبب سماحها للنساء بقيادة السيارات.

ولكن ينبغي ألا ينخدع بذلك أحد، فنحن نشهد عودة إلى ماضي المملكة العربية السعودية، ومن خلال تخليه عن الوعد بالديمقراطية، لربما يتجه ولي العهد فعليا نحو العودة بالمملكة العربية السعودية إلى عصور التخلف والظلام.  

* عبد الله العودة زميل دراسات عليا في القانون الإسلامي والحضارة بكلية القانون في جامعة ييل، وزميل مخضرم في مركز التفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون.