‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ماهر البنا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات ماهر البنا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 12 مايو 2025

رقصة سالومي.. المصير الأمريكي (4)

 رقصة سالومي.. المصير الأمريكي (4)

   ماهر البنا   

"عصابة مرعبة تمتص المال وفرص العمل ومقومات النجاح من حياة الناس، 
وتبيع لهم الفقر والديون مقابل وعود وهمية بالرفاهية الزائفة والربح السهل السريع"


قبل أسابيع قليلة أصدر ترامب عفوا عن مسؤولين فاسدين، ومجرمي حرب، وتجار مخدرات، ومحكومين مدانين اعترفوا أثناء التحقيقات بارتكاب جرائم غسل أموال واحتيال وتضليل العدالة والتلاعب بالقانون، وكشفت سجلات تمويل الحملة الانتخابية لترامب أن بعضهم مثل تريفور ميلتون (مالك شركة نيكولا موتور) نال العفو مقابل تبرع بقيمة 1.8 مليون دولار لصالح حملة ترامب!

القضية تتجاوز استثمار الصلاحيات الدستورية في المجاملات والاتجار بالعدالة، وتندرج ضمن عوامل أو مظاهر "انهيار الإمبراطورية"، فهكذا سقطت روما، وهكذا سقطت بيزنطة، وهكذا تسقط الدول التي تفسح للفساد مكانا داخل بيت الحكم وتستهين بدعم نشاط "السوس" في بنية النظام السياسي، مما يؤدي إلى تقويضه على المدى الطويل.

قرار العفو الذي أثار الكثير من الجدل في الإعلام الأمريكي أعادني إلى فترة ترامب الأولى للنظر في قائمة العفو الرئاسي التي أصدرها في شباط/ فبراير 2020 (قبل أقل من عام على انتهاء ولايته)، تضمنت القائمة اسم مايكل ميلكن.. الشخصية الأكثر إثارة وشهرة وثراء في حقبة الثمانينات والتسعينات، وهو إلى جانب روي كون، وجيفري بريشتاين، وروبرت مردوخ، وإيفان بوسكي، وروبرت فريمان، وتيرن بيزر، ودينيس ليفين، لويل، وجون موليرين، ومارتن سيجل، ومئات المحتالين في أوكار وول ستريت ودهاليز العملات المشفرة ومخابئ "الأوف شور"، يندرجون فيما أسماه الخبير المالي جيمس ستيوارت "وكر اللصوص".. عصابة مرعبة تمتص المال وفرص العمل ومقومات النجاح من حياة الناس، وتبيع لهم الفقر والديون مقابل وعود وهمية بالرفاهية الزائفة والربح السهل السريع.

الجرائم التي ارتكبها مثل هؤلاء ليست "فردية"، لكنها "سياسات" لها جذورها وشبكتها العميقة داخل النظام الأمريكي، ولها كذلك امتداد وآثار عظيمة فيما بعدها


لماذا أؤجل الحديث المباشر عن أسباب ونتائج قرار رفع الرسوم الجمركية وعلاقته بانحدار أمريكا، وأحكي عن جرائم فردية لشخصيات مثل روي كون ومايكل ميلكن؟

أولا، لأن الجرائم التي ارتكبها مثل هؤلاء ليست "فردية"، لكنها "سياسات" لها جذورها وشبكتها العميقة داخل النظام الأمريكي، ولها كذلك امتداد وآثار عظيمة فيما بعدها.. كون مثلا أفرز حالة ترامب وصار يحكم البيت الأبيض من قبره، حسب التعبير الشائع بين النخبة في أمريكا، حيث يطبق ترامب قواعد كون ويفرض على أمريكا والعالم أفكار وأساليب مصاص الدماء الذي صنعه ووضعه على العرش. والمثال مأخوذ من رواية أمريكية (لا يحضرني الآن اسم مؤلفها) تصور روي كون مصاص دماء لا يموت أبدا ويواصل حياته بتكرار من خلال الحلول في أجساد أخرى، مشيرا إلى أن ترامب مجرد جثة يسكنها عقل وأسلوب روي كون.

أما مايكل ميلكن، فهو شيطان الغواية الذي صعد على مسرح وول ستريت ورقص "رقصة سالومي" تمهيدا لقطع رأس الاقتصاد الأمريكي، ونقل الثروة على صينية ذهبية من قطاع التصنيع إلى قطاع السمسرة المالية ومضاربات البورصة، والتمويل الربوي ورفاهية الاستدانة في زمن الانحراف الكبير..

ماذا فعل ميلكن ليدخل السجن؟ وماذا فعل ليخرج بعفو رئاسي؟

بعد نجاح مالي ساحق وتحصيل ثروة ضخمة في وقت قياسي لم يكسره أي إنسان حتى الآن، تم القبض على ميلكن في عام 1989 واتهامه بـ98 تهمة تتعلق بالاحتيال والتلاعب وتعريض أسواق المال للخطر، ما جعلها أكبر قضية جنائية في تاريخ وول ستريت، وبعد جولات طويلة من التحقيقات اعترف ميلكن في عام 1990 بمسؤوليته عن 6 تهم فقط، منها الاحتيال في الأوراق المالية والاحتيال الضريبي، وتم الحكم بحبسه 10 سنوات وتغريمه 600 مليون دولار (أكبر غرامة يدفعها إنسان حتى ذلك الوقت)، لكنه خرج من السجن بعد أقل من عامين (22 شهرا).

وبدأت تتضح أساليب التأثير والتلاعب في مجال الإعلام والقضاء، وسارع بإنشاء مؤسسات علمية وطبية وخيرية لإعادة تحسين صورته والتحايل على الحكم بمنعه من التداول المالي والعمل في أسواق المال، حتى نال العفو الكامل من ترامب في 18 شباط/ فبراير 2020، وصدر بيان من البيت الأبيض يبرر قرار العفو ويصف ميلكن بأنه "أحد أعظم الممولين في أمريكا"، و"عبقري" و"مبتكر"، و"ساعدت جهوده في إنشاء صناعات كاملة، مثل الاتصالات اللاسلكية وتلفزيون الكيبل، وثورة بناء المنازل"، بينما اقتصر توضيح ترامب على الجهود الخيرية ودعم البحث العلمي عن طريق المؤسسات التي أنشأتها عائلة ميلكن.

أصار القرار ضجة سياسية وإعلامية وتم الكشف عن تفاصيل كثيرة توضح آليات العمل في البيت الأبيض وقوة الدفع الخفية التي تصنع القرار وتضع الأسماء في قائمة العفو. وفيما يخص ميلكن، تحمس أقطاب كبار في "وكر اللصوص" للعفو عنه، أبرزهم من كبار ممولي ترامب وأصدقائه والعاملين في حملته والداعمين له، مثل كيفن مكارثي، وروبرت مردوخ، وشيلدون أديلسون، وإيلين تشاو، والمحامي الخاص رودي جولياني الذي أدان ميلكن في التحقيقات الجنائية في مطلع التسعينات، حيث كان حينها في وظيفة المدعي العام الفيدرالي، لكنه انقلب على تاريخه كما انقلب على ترامب نفسه وصار صديقا لميلكن، أو بالأدق لأموال وتبرعات ميلكن.

العلاقة النفعية "المشتراة" هي القاعدة التي ركز الإعلام الأمريكي على فضحها، من خلال أسماء المتبرعين الكبار لحملة ترامب


وهذه العلاقة النفعية "المشتراة" هي القاعدة التي ركز الإعلام الأمريكي على فضحها، من خلال أسماء المتبرعين الكبار لحملة ترامب؛ مثل ملك الكازينوهات شيلدون أديلسون، والملياردير نيلسون بيلتز الذي جمع ثروته من خلال التعاون الاحتيالي مع ميلكن في مجال السندات الساقطة أو ما يسمي "جانك بوند"، وهي سندات غير موثوقة خسرت الكثير من قيمتها، لكن ميلكن صنع لها سوقا للتعامل تحت شعار "الديون أصول"، مما خلق سوقا وهمية لا تحتاج إلى ضمانات تمويل. وكشف الإعلام ان ترامب نفسه جمع 675 مليون دولار عن طريق إصدار سندات من هذا النوع لاستكمال تشييد كازينو خاص به في أتلانتيك سيتي، ثم أفلس الكازينو بعد عام من افتتاحه، لكن أساليب جمع الثروات بالاحتيال لا تفلس، تظل نشطة ومحمومة ما دام "وكر اللصوص" يبتكر ويتضامن ويتفنن في جمع الثروة من جيوب الناس.

مغامرة ميلكن كانت موضوعا لأفلام ومسرحيات ومؤلفات من كل نوع، وتحتاج هذه النقطة إلى كتابة أخرى توضح لنا كيف ترصد الفنون والكتب مظاهر الفساد في رأي وقلب الإمبراطورية. وقد ظلت جريمة ميلكن غامضة وصعبة الفهم بالنسبة لي، ولم أدرك تأثيرها المدمر ولا خطورتها إلا من خلال هذا النوع من المسرحيات والمؤلفات، وفي مقدمتها مسرحية "جانك" للأديب المتميز عياد أختر، وأعماله كلها تعد وثائق فنية لتشريح الحالة الأمريكية وكشف عوامل التفكك والخلل في جسد وعقل المجتمع الأمريكي.

وعياد كاتب مولود في أمريكا، لكنه من أصول باكستانية، وقضية العنصرية وصعوبة التجانس بين مكونات المجتمع الأمريكي هي جوهر مؤلفاته التي تستند على تجربة شخصية ورؤية ناقدة لمجتمع تتصادم حقيقته القبيحة مع صورته الجميلة المزيفة.

أثناء محاولاتي لكشف غموض "سندات الخردة" انتبهت لرأي صديق أمريكي يعيش في ولاية ميتشيجان، كنت أسأله عن مسرحية أختر: هل تفهم موضوع هذه المسرحية، وهل تعرف شخصية حقيقية باسم "روبرت ميركن" الذي تتناوله المسرحية باعتباره أسطورة اقتصادية مشهور في أنحاء أمريكا؟

أخبرني الصديق أن شخصية "روبرت ميركن" في المسرحية تشير إلى الخبير المالي مايكل ميلكن، وفي الغالب غيرت اسمه لعدم الدخول في ملاحقات قضائية أو طلب إذن مسبق، لكن القضية بتفصيلاتها واقعية تماما.

سألته: هل هذه القضايا الاقتصادية والأسهم وعمل البورصة عموما يمس حياتكم في شيء؟

قال: حدثت تحولات أثرت كثيرا على معيشتنا، وقلبت حياتنا تماما، أنت تعرف أنني فنان، لكنك لا تعرف أنني نشأت في عائلة من الطبقة العاملة، وكان أمل والدي منذ طفولتي أن أصير مهندسا، وقبل أن ألتحق بالجامعة كان كل شيء قد تغير، بما في ذلك أحلام والدي ونظرته للحياة، وبالتجديد في الفترة التي تتناولها المسرحية (أواخر الثمانينات/ أوائل التسعينات) بدأت مظاهر الإفلاس والركود وغرق المجتمع كله في أزمة الديون، كانت ديون السندات السيئة التي تتحدث عنها المسرحية موضوعا للحديث بين الناس بسبب علاقتها بأماكن العمل ومشاكل إفلاس الصناعات، لكن وباء الديون أصاب حياتنا من خلال التوسع في استخدام الاقتراض ببطاقات الائتمان، والشراء بالأقساط المؤجلة، والرهن العقاري، وإغراء البعض بشراء ذلك النوع من الأسهم الساقطة للاستثمار فيها كرهان للربح السريع. انتشرت هذه الحالة كوباء مزلزل، ارتبطت حياة الناس واهتوت علاقتها بكل الثوابت: العائلة.. الوظيفة.. المنزل.. التطلع للمستقبل، حدث نوع من الجنون والحلم بالثراء المفاجئ عن طريق الأسهم، وعليك أن تتخيل تأثير هذا التغيير على عائلة نشأت في مدينة فولاذية، وتعيش حياتها بإيقاع منتظم، وفجأة تهب رياح مرعبة تعصف بكل الثوابت..

هكذا حدثت الأزمة المالية في 2008، لكن الأخطر منها ما حدث للناس ولم يهتم به أحد.. الحياة مع الوحش.. العيش مع الديون، هذه الحالة تغير طبيعة الإنسان، تجعله غير آمن، وخائفا ومتوترا


فقدَ الناس الإحساس بالرضا، وشعروا بعدم جدوى العمل في تحقيق الأحلام: لماذا أنتظر سنوات طويلة أكافح وأدخر لأشتري سيارة أو أبني منزل الأحلام، وأنا أرى جاري الفاشل أنجز ذلك بالفعل عن طريق الاقتراض أو الرهن العقاري أو ضربة حظ في سعر السندات الساقطة؟ من يستطيع البقاء على حاله القديم والاستمرار في برنامج الحلم بإيقاع الماضي؟ إذا كان المطلوب مجرد مقدم بسيط وتوقيع أوراق بالأقساط المتبقية، فلماذا لا أشترى الآن وأنا لا أملك شيئا، بدلا من الانتظار سنوات طويلة لجمع المبلغ؟..

هكذا حدثت الأزمة المالية في 2008، لكن الأخطر منها ما حدث للناس ولم يهتم به أحد.. الحياة مع الوحش.. العيش مع الديون، هذه الحالة تغير طبيعة الإنسان، تجعله غير آمن، وخائفا ومتوترا، وتشرق سعادته مقابل التملك المديون، أو تقضي على أخلاقه وطبيعته السوية وتجعله متبلدا ومتهربا ومحتالا، يسرق متعته وحلمه ثم يعلن إفلاسه وينتظر قرار السلطات بتسوية الأزمة، خصوصا لو كانت جماعية، مما يجعل القانون عاجزا عن معاقبة شعب بأكمله.

هكذا شرح لي صديقي جريمة ميلكن والذين معه، وفي المقال المقبل ننتقل مباشرة إلى علاقة هذه الحالة بقرار ترامب رفع الرسوم الجمركية، وهل يعد حلا لمشكلة أم تحولا جديدا يزيد الخراب الذي أصاب عمق المجتمع الأمريكي، كما أوضح صديقي في شرحه البسيط لما حدث لعائلته.

في المقال المقبل نفتش عن جوانب أخرى في الحقيقة المموهة.

maher21arabi@gmail.com


أي الملوك دام؟!.. المصير الأمريكي (1)


الخوف من الذئب.. المصير الأمريكي (2)


وكر اللصوص.. المصير الأمريكي (3)







السبت، 3 مايو 2025

وكر اللصوص.. المصير الأمريكي (3)

 وكر اللصوص.. المصير الأمريكي (3)

ماهر البنا

لا تسقط الإمبراطوريات فجأة، تعيش لفترة طويلة في مظهر القوة بينما يأكلها الصدأ من الداخل، وعندما تظهر علامات الصدأ على السطح، غالبا ما يكون العلاج بالطلاء الخارجي وتلميع الصورة بشعارات ديماجوجية، تزيد من قناعة الأغلبية المخدوعة بعدم تصديق تحذيرات الانهيار، وتصرفها عما يحدث من خراب هيكلي وأزمات معيشية تضرب الأغلبية نفسها، لكنها تظل تعتبر الأزمات أشياء عادية، وسياسات مختلف عليها بين الحزبين المتنافسين، أو أخطاء فردية لا تنتقص من عظمة وقوة الإمبراطورية التي تملك أدوات الهيمنة على العالم كله..

في ظل هذا التصور الذي يحكم العموم وأنصار النظام الحاكم (أي نظام) تعاني الأقلية البصيرة من مصير "كاسندرا" التي تتنبأ بالمستقبل وتحذر من أهوال قادمة، لكن أحدا لا يصدق نبوءاتها..

في الأسطورة الغربية كانت قدرة كاسندرا الجميلة على التنبؤ الصحيح منحة من الإله أبوللو، تقربا لها، وكانت لعنة عدم التصديق عقابا من نفس الإله بعد أن رفضت الاقتران به. الأمر يبدو أكثر إنسانية في الحكاية الشرقية عن "زرقاء اليمامة" التي تنبأت بزحف جيوش الأعداء على القبيلة مستترين بأغصان الشجر، لكنها قوبلت بالسخرية من الجموع اللاهية التي لا ترى أبعد مما تعرفه من أفكار مسطحة، لذلك فإن الرؤية العميقة والبعيدة، تظل غريبة ومنكورة حتى تتحقق النبوءات مصحوبة بلعنة النهايات المأساوية بعد أن فات وقت الإصلاح.

المشكلة الأصلية التي نتناولها هنا ليست في قرار الرسوم، ولا تقتصر على مرحلة صدوره، المشكلة أعمق وأكثر شمولا وتعقيدا، لأن السقوط مسار، وليس لحظة انهيار


لن أتناول (بشكل مباشر وتقليدي) علاقة "المصير الأمريكي" بقرار ترامب المثير للجدل بشأن الرسوم الجمركية ومظاهر الحرب التجارية الدولية التي تقرع طبولها، فالمشكلة الأصلية التي نتناولها هنا ليست في قرار الرسوم، ولا تقتصر على مرحلة صدوره، المشكلة أعمق وأكثر شمولا وتعقيدا، لأن السقوط مسار، وليس لحظة انهيار.

واسمحوا لي أن أقلل من الأرقام والإحصائيات والرسوم البيانية ولغة الاقتصاد الجافة، وأن أقدم القصة في شكل حكاية قد تكون طويلة، لكنها لن تكون غامضة ولا مملة.

في منتصف الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي كنت مفتونا بالكومبيوتر الذي يتم تحديثه بشكل متسارع ومذهل على مستوى البرامج والألعاب (سوفت وير)، وكذلك على مستوى التصنيع (هارد وير)، وكانت أمريكا هي القبلة التي يتوق إليها عشاق هذه التكنولوجيا الجديدة الساحرة، ربطتني صداقة تكنولوجية بمهندسة اتصالات ومحررة في "بي سي ماجازين" تتنقل بين القاهرة ودبي ونيويورك، ذات يوم سألتني: عاوز حاجة من أمريكا؟.. سأسافر في مهمة عمل إلى "IBM".

واو.. شركة الأحلام وأمل المتعلقين بالتكنولوجيا.. عاوز كيت وكيت، وفي قلب الاحتياجات كان "هارد ديسك" بسعة كبيرة (أيامها لم يكن يزيد عن جيجا واحدة)، وعندما عادت المهندسة وحصلت على الهارد ديسك شعرت بصدمة مذهلة. اتصلتُ بصديقتي وعاتبتها على وجود خطأ محبط، فالهارد ديسك ليس أمريكيا، إنه مزيف ومسجل عليه عبارة "صنع في الصين"..

أفهمتني المهندسة أنه فعلا مصنوع في الصين، لكن بمواصفات أمريكية تختلف عن النوعية الرديئة التي نستوردها في مصر.

استوعبت الصدمة بفهم، لكن بحزن واستياء وخيبة أمل شرخت في ذهني حلم اقتناء منتج عالي الجودة مصنوع في أمريكا العظيمة المبهرة..

في تلك السنوات كانت أمريكا تتغير بشدة وتنزلق بالرأسمالية إلى اتجاه يركز على الربح بطرق جديدة لا تهتم بالتصنيع، حيث نمت أساليب الاستيراد والتسويق والمضاربات المالية وتحقيق الثروات بطرق أيسر وأسرع، حتى لو تم تزييف كل شيء وخفض جودته. فالقصية أكبر من "الهارد ديسك" الذي كنت أحلم به وأصابني بخيبة الأمل.. القضية كانت في تعميم خيبة الأمل الاقتصادية لدى ملايين الأمريكيين في الداخل، ولدى الملايين الذين صدمهم الفارق بين صورة أمريكا الإعلامية وحقيقتها الواقعية. ولهذا الاكتشاف حكاية من المثير أن أربطها بمسيرة دونالد ترامب حتى لا تتوه منا القضية..

كان ترامب شاب نيويوركي من عائلة ميسورة تعمل في العقارات، ويحلم على المستوى الشخصي بالثراء السهل عن طريق مشروعات ريعية لا علاقة لها بالإنتاج، وفي سبيله لذلك سعى للاشتراك في الأندية الليلية المغلقة على النخبة المالية والسياسية مثل "إل موركو" و"لو كلوب"، لأن السهر في هذه الأماكن يتيح الاقتراب من الأثرياء ويوفر الفرص للدعم والشراكة وتسهيل الأعمال، في "لو كلوب" تعرف ترامب على المحامي اليهودي المثير للجدل "روي كون" وبدأ رحلة الصعود الميكيافيلي الذي لا يعترف بقانون ولا عقبات، ومن هذا التعارف المصيري دخل ترامب "وكر اللصوص"، حسب عنوان الكتاب الشهير للمحامي والخبير المالي جيمس ستيورات؛ الذي اهتم بالكتابة عن النخبة المالية والسياسية الفاسدة التي هيمنت على الاقتصاد الأمريكي وقادت التحول التخريبي من "التصنيع"، إلى "التمويل بالاحتيال، والتوسع في أساليب التلاعب المالي الذي أنتج خيبة أملي الخاصة في الحصول على هارد ديسك أمريكي، وخيبة أمل أمريكا في ذاتها، وخيبة أمل المعجبين بها في أنحاء العالم، وأنتجت كذلك قرار الرسوم الجمركية الذي انتهى بالدولة القائدة للنظام الرأسمالي والمروجة للعولمة إلى دولة تشكو من الاختراق، وتعتمد على الاستيراد، وتسعى لتعويض خسارتها في التصنيع بقرارات تشبه "فرض إتاوة مرور" للحصول على عوائد مالية من الدول الصناعية التي تستورد منها احتياجاتها، ولا تتحرج من اتخاذ إجراءات تقيد التجارة الحرة التي طالما اعتبرتها أساس نظامها الرأسمالي المعولم!

ما الذي وصل بأمريكا إلى هذا الدرك؟ وما الأسباب الاضطرارية التي أوقعتها في تلك التناقضات التي تشعل الصراعات والانقسامات داخلها؟!

الإجابة مثيرة ومتشعبة، وأبدأها بتوضيح مبسط لاصطلاح "وكر اللصوص" الذي نقله ستيورات من الإنجيل عن قيام المسيح بطرد الصيارفة والباعة والمرابين من هيكل بيت المقدس بعد توبيخه لهم بأنهم جعلوا من بيت الرب "وكر لصوص"، أطلق ستيوارت رصاصة الإسقاط الديني على ما يحدث من النخبة الفاسدة في البيت الأبيض وهيكل "وول ستريت".

أدرك ترامب مبكرا أن النوادي الليلية تحولت إلى مطابخ مركزية تحكم عالم المال والسياسة في أجواء من الجموح الغريزي والمتع الشاذة المتحررة من القانون والأخلاق والأديان، لهذا سعى بكل الوسائل الممكنة للاشتراك في هذه النوادي، ثم امتلاك واحد منها والتوسع في دمج الفساد مع الاقتصاد، والأعمال مع الإعلام، وبعد مسيرة من الفضائح والاستعانة بالمافيا ورجال العصابات استثمر ذلك كله في الصعود السياسي بطريقة تفوقت على خيال ماريو بوزو وفرانسيس كوبولا صناع ثلاثية "الأب الروحي"، حيث تم تقديم شخصية الضابط مايكل كورليوني (نجل الزعيم)، باعتباره ممثلا للنظام الأمريكي، فبدلا من العمل ضد القانون كعصابة، تتحول العصابة إلى مؤسسة قانونية، عن طريق الترشح للكونجرس وسن القوانين التي تحتاجها العصابة ليتحول نشاطها بالتدريج إلى أعمال مشروعة، بل تقوم الدولة بحماية نوادي القمار وتجارة الخمور وغيره من الأنشطة الممنوعة من قبل!

هذه الفكرة الرمزية في "الأب الروحي" تشير إلى "النظام الأمريكي" كله بوصفه عصابة تستخدم القانون لحماية أعمال السرقة والنهب، وهو ما ظهر في شعار "احنا الـ99 في المئة" الذي أطلقته حركة "احتلوا وول ستريت" احتجاجا على أعمال العصابة المالية والسياسة التي تحتكر وتنهب الثروات وتتمادى في توسيع الفجوة في الدخل: مزيد من الثروة للنخبة الفاسدة ومزيد من الفقر للجموع.

الفكرة الرمزية في "الأب الروحي" تشير إلى "النظام الأمريكي" كله بوصفه عصابة تستخدم القانون لحماية أعمال السرقة والنهب، وهو ما ظهر في شعار "احنا الـ99 في المئة" الذي أطلقته حركة "احتلوا وول ستريت" احتجاجا على أعمال العصابة المالية والسياسة التي تحتكر وتنهب الثروات وتتمادى في توسيع الفجوة في الدخل


أقتبس مقتطفات سريعة من شهادات التفاخر التي أوردها ترامب في كتابه "فن الصفقة" لتوضيح جانب بسيط من عالم النوادي الليلية وتأثيرها في إدارة الشؤون المالية والسياسية لأمريكا.

في الكتاب يصف ترامب محاولاته العديدة الفاشلة للانضمام إلى نادي "لو كلوب"، حتى نجح أخيرا في الحصول على العضوية، فأصبح منغمسا تماما في الأجواء كل ليلة. وعن وصفه للنادي في إحدى الفقرات يقول: "ضمّ النادي أنجح رجال الأعمال والإعلام والقانون والرياضة والسياسة، وضم بالطبع أجمل نساء العالم، كان من الطبيعي أن ترى ثريا في الخامسة والسبعين من عمره يدخل برفقة ثلاث شقراوات من السويد، وأن تجلس بالقرب من شخصيات تهيمن على كل شيء في البلاد".

ترامب الذي كان يجمع الإيجارات لشركة والده تسلل إلى النادي بمساعدة أحد معارفه من سماسرة العقارات في نيويورك يدعى "بيل جادسون"، وقد تحدثت سكرتيرة جادسون لإحدى الصحف النيويوركية عن ترامب في تلك الفترة فقالت: "كان شعره بنيا ويُصففه بكريم "بريل" ويتصرف كمتطفل معظم الوقت، كان يتصل ويسأل بيل: هل يمكنني الحضور ومساعدتي في الدخول؟ يرد عليه بيل: أعتقد ذلك، تعال يا دونالد سأتوسط لك.

بعد المكالمة يقف بيل جادسون ويخاطب الفتيات مازحا بصوت مرتفع: دونالد ترامب قادم!.. كنا نضحك ونتجه جميعا إلى الحمام أو أي مكان بعيد عن القاعة العامة، كان ترامب يدخل ويقول: أين الحسناوات؟ يرد عليه بيل: لقد حذرتهن من قدومك، اجلس هنا معي!

في إحدى الليالي من عام 1973 جلس ترامب على طاولة مجاورة لمائدة "روي كون"، وبدا فضوليا وملفتا فاستدعاه "روي" الذي كان يحيط به نخبة من الأسماء المخيفة، مثل أنتوني ساليرنو وكارمين جالانتي (من أباطرة الجريمة المنظمة وزعماء عصابات مافيا)، وروبرت مردوخ (إمبراطور الإعلام)، الملياردير دانيال كيث لودفيج (إمبراطور الشحن البحري)، وأباطرة آخرين في مجالات متشعبة..

سأله روي: ما اسمك أيها المختال؟

- دونالد ترامب؟

* ما عملك؟

- العقارات.

* انت ابن المشاكس فريد ترامب؟

- نعم.

* هل أنت متاح للأعمال؟

- أعمل نائبا لرئيس الشركة.

* لا أقصد هذا، أقصد أي نوع من الشواذ أنت؟

تتضارب الأقلام التي كتبت عن النقاط الغامضة التي واكبت تلك الليلة، فقد كان روي كون يعلن كراهيته للشواذ ويهاجمهم علنا، حتى بعد اكتشاف ميوله المثلية وإعلان إصابته بالإيدز، وفي النهايات كشفت مسيرة كون عن شبكة مصالح ضخمة توظف الجنس والمال والقانون والعمل الخيري والعلاقات المريبة في إدارة الأعمال والانتخابات والقضايا الكبرى في البلاد.

وقد نعود لتفكيك هذا الموضوع لاحقا، لكننا الآن نركز في لقاء التعارف الأول الذي استغله ترامب ليعرض على روي كون مشكلة الدعوى القضائية التي رفعتها وزارة العدل ضد شركتهم بتهمة العنصرية وانتهاك قانون الإسكان العادل، قائلا إن الشركة مهددة بالإفلاس والمحامون لا يقدمون حلا إلا التوصل إلى تسوية مع وزارة العدل بأي غرامات أو خسائر. يرد كون بعجرفته الجامحة في تلك الفترة: 

لا تذهب إلى التسوية.. هاجم، قل للفيدراليين أن ينكحوا أنفسهم ولا تستسلم لهم.

يسأله ترامب: كيف؟

يقول: ارفعوا دعوى قضائية ضد الحكومة.

يرد ترامب مندهشا: لكن القانون..

يقاطعه كوي: لا تحدثني عن القانون.. حدثني عن القاضي الذي يتلاعب بذلك القانون.

توسل ترامب لكوي أن يقبل القضية، ووافق كوي بعد "إعجاب غامض الأسباب بترامب"، وتوصل كون بالفعل إلى اتفاق جيد بين الشركة والحكومة، وساعد ترامب في قضايا كثيرة لخفض الضرائب والتملص منها، وكذلك في شراء وهدم المباني التي شيد على أنقاضها برج ترامب. وتوطدت العلاقة القانونية والإنسانية بين ترامب وروي كون الذي تحول إلى "عراب" لقن ترامب الأسس الثلاثة التي بني بها إمبراطوريته في العقارات وفي السياسة وفي سلوكيات أخرى: هاجم دائما.. أنكر دائما... ادّعِ النصر دائما ولا تعترف بالهزيمة أبدا.

ظل روي كون راعيا لترامب، ومستشارا في كل خطوة، وقناة اتصال مع أعلى مستويات السلطة العامة والسرية، لكن ترامب تنكّر لأستاذه بعد مسيرة صاخبة مثيرة للجدل، على عكس ما حدث مع النجم الجديد الصاعد في سماء المال في ذلك الوقت من نهاية الثمانينات "مايكل ميلكن" الذي حظي بعفو ترامب، ودعم أفراد من الشلة نفسها التي كانت تجلس على مائدة روي كون في تلك الليلة المصيرية من عام 1973.

وفي المقال المقبل نتعرف على بقية القصة..

maher21arabi@gmail.com


أي الملوك دام؟!.. المصير الأمريكي (1)


الخوف من الذئب.. المصير الأمريكي (2)

الاثنين، 21 أبريل 2025

الخوف من الذئب.. المصير الأمريكي (2)

 الخوف من الذئب.. المصير الأمريكي (2)

ماهر البنا


فكرة سقوط أمريكا عن عرش العالم ليست جديدة، لكنها تأتي هذه المرة مصحوبة بأعراض واقعية وعملية تكشف الشروخ والمخاطر، وتجعل الحديث التحذيري من السقوط ممكنا ومقلقا، وليس في مدار الأمنيات بعيدة المدى.


التحذيرات والنبوءات القديمة ارتبطت بأحداث تم وصفها بأنها مؤقتة وعارضة، وترتبط بمخاوف نفسية عميقة منذ نشأة أمريكا، جعلت من فرضية انهيارها "مرضا نفسيا جماعيا"، لا تكف الطبقة الوسطى القلقة عن الثرثرة بشأنه مع كل أزمة ولو صغيرة تتعرض لها بلادهم.

وقد كتب المفكر المعروف صموئيل هنتنجتون مقالا شهيرا في مجلة الشؤون الخارجية نهاية الثمانينيات، استنكر فيه تلك الأحاسيس وتلك المخاوف التي لا تستند إلى الواقع، موضحا أن موضوع "تراجع أمريكا" تحول إلى إشكالية ثابتة في الثقافة والسياسة الأمريكية منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي على الأقل، وبالتحديد يوم 4 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1957، عندما استيقظ العالم على خبر إطلاق الاتحاد السوفييتي لأول قمر اصطناعي في مدار الأرض (سبوتنيك1)، ثم توالت عدة موجات رئيسية كثر فيها الحديث عن نفس الموضوع، أشهرها ردود الفعل الداخلية على المعاناة الأمريكية في حرب فيتنام، ثم أزمة النفط على خلفية حرب أكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل، وكلما تصاعدت لغة التهديدات المتبادلة في الحرب الباردة مع السوفييت.

وأضاف محللون كثيرون مناسبات تالية لنظرية هنتجنتون عن "الموجات"، منها صعود اليابان، وأزمة كارتر الصحية وفشله في محاولة إنقاذ الرهائن الأمريكيين في طهران بعد الثورة الإسلامية، ثم هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، والأزمة المالية عام 2008 وحالة الركود الكبير التي استمرت بعدها، ثم فيروس كورونا وتبعات الخوف والإغلاق، حتى جاء التنين الصيني ليعيد الحديث بقوة داخل المجتمع الأمريكي وخارجه عن احتمالية وضع حد لسيطرة أمريكا على العالم..

لكن المتفائلين الواثقين من "عظمة أمريكا"، ظلوا عبر تلك الأزمات وحتى الآن، يرددون حججهم لمواجهة المخاوف، ويؤكدون أن التراجع المؤقت للولايات المتحدة في بعض المواقف لا يعني الانهيار النهائي، بقدر ما يعني إعادة تنظيم وتجديد لضمان التفوق وتعظيم القدرة على حماية المصالح الأمريكية في أنحاء الأرض.

لكن المتفائلين الواثقين من "عظمة أمريكا"، ظلوا عبر تلك الأزمات وحتى الآن، يرددون حججهم لمواجهة المخاوف، ويؤكدون أن التراجع المؤقت للولايات المتحدة في بعض المواقف لا يعني الانهيار النهائي، بقدر ما يعني إعادة تنظيم وتجديد لضمان التفوق وتعظيم القدرة على حماية المصالح الأمريكية في أنحاء الأرض.

في مقابل سدنة التفاؤل الأمريكي، حذر محللون آخرون من أخطاء فادحة ارتكبتها الإدارة الرأسمالية، مدفوعة بمزيج من الجشع والغباء، وكتب أحدهم ساخرا من رفض مناقشة فكرة التراجع: عليهم أن يقرؤوا قصة الراعي والذئب في حكايات إيسوب، فعدم حدوث التراجع النهائي نتيجة أخطاء وأزمات سابقة، لا يعني أن هذا الاحتمال ممكن الحدوث، فربما كان الإنذار بانقضاض الذئب على الغنم خاطئا في الموجة الأولى أو الثانية أو الثالثة، لكن الاستمرار في عدم تصديق إمكانية الانهيار، ستصل بنا إلى الارتكان وعدم التحرك عندما ينقض الذئب بالفعل على الغنم، بينما نتغاقل نحن عن ذلك تحت زعم أننا بخير

هكذا استمر السجال خلال العقود الثلاثة الماضية بين المحذرين والمطمئنين، ونُشرت الآراء المتباينة عن الانهيار الأمريكي في مئات المقالات وعشرات الكتب والدراسات، التي تتناول مظاهر وأشكال السقوط الأمريكي، بعضها تحدث عن زوال دراماتيكي يشبه غرق تيتانيك المفاجئ والصادم، وتلك كانت الدراسات التي أغوتها المقارنة التاريخية مع سقوط الإمبراطورية الرومانية القديمة، ودراسات أخرى تحدثت عن تفكك للولايات وانهيار صيغة الاتحاد الفيدرالي، ودراسات أكثر واقعية تحدثت عن تراجع بطيء ونسبي في مجال التأثير الجيوسياسي والعسكري، مع تفاقم أزمات مالية وتجارية تؤثر بشكل خطير على المكانة الاقتصادية لأمريكا في الداخل وفي التعاملات الخارجية.

في الداخل، تتسارع مظاهر الغضب والاحتجاج ضد الفقر وخلل توزيع الثروة، وتدني خدمات الرعاية الصحية، وحوادث العنصرية المتغلغلة في بنية الإدارة والمجتمع، كما تظهر مشكلات التنافر السكاني وأزمات المهاجرين وعسر عملية الاندماج الاجتماعي، وما يتبعه من أزمات ثقافية وأخلاقية ودينية تعكس ثقافات انتقلت من حالة التباين والتنوع إلى حالة التعارض والصراع. ويرى كثير من المحللين والمتابعين، أن درجة الصراع الأخلاقي والثقافي وصلت ذروتها في تظاهرات دعم غزة، وفضح الدور الأمريكي الداعم لجريمة الإبادة التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد السكان الفلسطينيين.

هذا بإيجاز سريع ما يخيف ويزعج في الداخل. أما في الخارج، فتتجلى مشكلات أمريكا في مجال حرية التجارة الدولية، وتعارض قراراتها وسياساتها مع أسس مركزية في النهج الرأسمالي ومبدأ الأسواق المفتوحة، فلم يعد المبدأ الرأسمالي الشهير "دعه يعمل.. دعه يمر" مقبولا في دولة تسعى للاحتكار والإغلاق وفرض الرسوم المعطلة لحركة التجارة؛ بغية تحصيل إتاوات أسهل من المضي في تحقيق الأرباح من المنافسة المفتوحة. ولذلك؛ فإن أزمة الرسوم الجمركية التي فرضتها أمريكا ليست أزمة وقتية، لكنها أزمة طريق، وسياسة مضادة للنهج الرأسمالي، لها ما بعدها من تأثيرات على العملة الأمريكية وعلى المكانة التجارية والاقتصادية.
مئات المقالات وعشرات الكتب والدراسات، التي تتناول مظاهر وأشكال السقوط الأمريكي، بعضها تحدث عن زوال دراماتيكي يشبه غرق تيتانيك المفاجئ والصادم، وتلك كانت الدراسات التي أغوتها المقارنة التاريخية مع سقوط الإمبراطورية الرومانية القديمة، ودراسات أخرى تحدثت عن تفكك للولايات وانهيار صيغة الاتحاد الفيدرالي، ودراسات أكثر واقعية تحدثت عن تراجع بطيء ونسبي في مجال التأثير الجيوسياسي والعسكري، مع تفاقم أزمات مالية وتجارية تؤثر بشكل خطير على المكانة الاقتصادية لأمريكا في الداخل وفي التعاملات الخارجية.


كما أن الصراع الدولي في مجال التكنولوجيا يضيف على هذه الأزمة أبعادا ومخاطر أكثر ضررا، ولعلنا نتابع تواتر مشاكل الإدارة الأمريكية مع شركات التكنولوجيا، خاصة في الصين وكوريا واليابان أيضا، والقرارات المقيدة التي ارتبطت بشركات مثل "هواوي"، وتطبيقات مثل "تيك توك"، ومحركات ذكاء اصطناعي مثل "ديب سيك"، وأثر ذلك على خسائر البورصات الأمريكية، بالإضافة إلى ارتباك الإدارة الأمريكية في معالجة التعارض بين قضايا معاصرة ملحة، مثل علاقة التصنيع بمخاطر البيئة، والتخبط بين قرارات إبعاد بعض الصناعات لمناطق خارج الحدود مثل ماليزيا والهند وشرق آسيا، وأماكن أرخص في العمالة وأكثر تساهلا مع الشروط البيئية، وبين الرغبة في الهيمنة المطلقة على الأسواق الدولية، وتعظيم الربح بأقل استفادة للمنافسين والشركاء أيضا.

ولعل أزمة إغلاق مصانع الصلب في بنسلفانيا أشهر مؤشر على الارتباك الأمريكي في معالجة أزمة التصنيع بين الداخل والخارج، في الوقت الذي تتعاظم فيه مكانة الصين كقوة تجارية وصناعية قادرة على تحدي مكانة الولايات المتحدة.

إذا راجعنا التقديرات الكلاسيكية العتيقة التي تتناول الحالة الإمبراطورية لأمريكا، يمكن تلخيصها في أربع ركائز أساسية وبعض العوامل الفرعية المساعدة، أما الركائز الأساسية التي سنعرض لها ببعض التفصيل في المقالات فهي:

1- مجتمع داخلي منتج متماسك يتسم بالكفاية والإشباع ويعمل كماكينة عمل اقتصادية، مقابل حياة رغدة منضبطة على دستور يقدس الحريات الفردية وعدالة القوانين.

2- قوة اقتصادية هائلة تضمن التمويل والسيطرة والتفوق في المنافسة والسيطرة على الأسواق الدولية.

3- قوة عسكرية رادعة ومهددة، تفرض مظاهر الحكم على أنحاء الأرض بالتعاون مع شركاء عسكريين، سواء كانوا أعضاء في "ناتو" أو تابعين من خارجه، يقدمون الخدمات اللوجستية ويستضيفون القواعد، ويصوتون كأدوات حشد في قاعات الأمم المتحدة عند اللزوم، ويقدمون أحيانا جنودا للقتال إذا استدعى الأمر.

4- أخيرا، قوة ناعمة تمارس الهيمنة الثقافية والسلوكية على العالم من خلال السينما والموسيقى والأفكار.

لم أهتم بترتيب الركائز حسب أهميتها؛ لأنها من وجهة نظري ضفيرة عضوية بلا ترتيب، تعمل بتكامل وتجانس، ويصعب فصل إحداها عن الأخرى أو وضع ترتيب ثابت لها، لكنني اخترت أن أبدأ في المقالات التالية بمناقشة الوضع الاقتصادي والأزمة التجارية التي أشعلها ترامب بقرار الرسوم الجمركية، وما يرتبط بالقرار من أزمات عميقة أدت إليه، ونتائج مسيئة تترتب على صدوره، وبعد ذلك أتطرق إلى أزمات المجتمع الأمريكي ومشاكل المعيشة في الداخل، ثم نناقش البعد الثقافي وانقلاب القوة الناعمة، وأخيرا أختم بوضعية وتحديات القوة العسكرية والسياسية التي وصلت إليها الحالة الأمريكية بعد 70 عاما تقريبا من الهيمنة العسكرية، نصفها تقريبا استمر كهيمنة أحادية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وفي المقال المقبل نواصل...

maher21arabi@gmail.com

الاثنين، 14 أبريل 2025

أي الملوك دام؟!.. المصير الأمريكي (1)

 أي الملوك دام؟!.. المصير الأمريكي (1)

ماهر البنا

"شعار ترامب عن ضرورة العمل من أجل عودة أمريكا عظيمة مرة أخرى يتضمن اعترافا بسقوط أمريكي جزئي"


مات جالتونج ولم تمت أمريكا..

لكن هل دام قيصر؟

وهل يبقى سرمديا إقرار سيارتاكوس (اليائس المستنكر) في قصيدة أمل دنقل: لا تحلموا بعالم سعيد، فخلف كل قيصر يموت، قيصر جديد؟

مسافة هائلة بين تشاؤم سبارتاكوس وهو معلق على مشانق الصباح، وبين نبوءة يوهان جالتونج التحذيرية التي أعلنت سقوط الإمبراطورية الأمريكية هذا العام (2025).

جالتونج عالم رياضيات في الأساس، لكنه اتجه لعلم الاجتماع وأسس مدرسة علمية مختصة بسبل إقرار السلام في العالم، واعتبر أن أمريكا تجسد نموذجا لشيطان الحرب الذي يهدد السلام العالمي، وفي مقال شهير نشر عام 2009 تنبأ جالتونج بسقوط أمريكا عن عرش العالم في عام 2025، ومع تولي ترامب رئاسة أمريكا في الفترة الأولى عجل جالتونج بموعد الموت الأمريكي إلى عام 2020، مرجحا أن سياسات ترامب وأفكاره الشعبوية اليمينة الحمقاء ستشعل فتيل النهايات بوتيرة أسرع، مؤكدا تراجع القوة العالمية للولايات المتحدة وظهور بودار التفكك داخل بنية النظام الأمريكي قبل انتهاء ولاية ترامب، ولما أوشكت الفترة الرئاسية الأولى على الانتهاء وظلت أمريكا تهيمن على العالم سئل العالم الذي توقع قبل سنوات بأحداث بارزة مثل تفكك الاتحاد السوفييتي وانتفاضة ميدان "تيان ان من" في الصين، فقال إن السقوط ليس لحظة فاصلة، لكن الشواهد تؤكد أنه يحدث بالفعل داخل النظام الأمريكي.

وأورد جالتونج حيثيات حكمه تفصيلا في كتاب "سقوط الإمبراطورية الأمريكية.. ثم ماذا؟"، الذي أشار فيه إلى صعود الفاشية داخل أمريكا كمؤشر واضح لتراجعها وانحلالها، واستشهد بتصريحات وسياسات ترامب عن المناهضة للمهاجرين والمنتقدة بجهل استراتيجي لمكونات حلف الناتو والدول الأعضاء لأسباب مالية وليس عسكرية أو استراتيجية.

للانهيار وجوه متعددة، منها نظرة الدول الأخرى للاستمرار في التعاون لأنها تكتشف أنك لست حليفا جيدا، وتبدأ المشاكل مع الشركاء ويستمر التباعد حتى تضطر لخوض حروبك ونزاعاتك في العالم وحدك أو من خلال مرتزقة ودول سيئة السمعة


وأوضح جالتونج أن الانهيار لا يحدث بصورة ثابتة مثل تفكك الولايات كما حدث مع الاتحاد السوفييتي، أو الزوال والانقسام المتشظي كما حدث لنموذج الإمبراطورية الرومانية القديمة، لكن للانهيار وجوه متعددة، منها نظرة الدول الأخرى للاستمرار في التعاون لأنها تكتشف أنك لست حليفا جيدا، وتبدأ المشاكل مع الشركاء ويستمر التباعد حتى تضطر لخوض حروبك ونزاعاتك في العالم وحدك أو من خلال مرتزقة ودول سيئة السمعة.

وأوضح جالتونج أن المتابع الجيد يمكن أن يلاحظ بوادر هذا كله، فأمريكا تكتفي في السنوات الخيرة بالقصف من ارتفاعات عالية، واستخدام طائرات بدون طيار تُدار بواسطة أجهزة كمبيوتر من مكاتب خفية مكيفة، وتجنب الحروب النظامية بالاعتماد على شركات مرتزقة وقوات خاصة تقتل في كل مكان بأسوب القتلة المأجورين. وباستثناء دول شمال أوروبا، التي تدعم الحروب الأمريكية، فإن بقية العالم لا تتورط مع أمريكا في جرائمها العسكرية المسيئة للسلام العالمي. ورجح جالتونج ألا يستمر الدعم الأوروبي لمغامرات أمريكا العسكرية بعد عام 2020.

ربما تأخر الموعد الذي حدده جالتونج (رحل عن عالمنا العام الماضي) بعد أن أكد أن اقتحام المتطرفين اليمينيين لمقر الكونغرس الأمريكي هو الإعلان الأوضح لسقوط النظام الأمريكي، حتى لو لم يكتمل السقوط شكليا، لكن الفكرة طرحت نفسها، وكان من الممكن أن ينال السوس من عصا سليمان فيبدو الموت معلنا، لكن النظام مات وإن ظلت جثته واقفة استنادا على عصا مؤقتة.

التشبيه بحالة سليمان يخصني، لكنه يعبر عن المعنى الذي شرحه جالتونج بكلمات واستشهادات كثيرة.

المقال لا يركز على عرض كتاب جالتونج ولا سيرته العلمية، لكنه يركز على سؤال "المصير الأمريكي"، ويستخدم في ذلك محتوى الكتاب ونبوءة العالم النرويجي الذي ظل مرشحا طويل الأمد لجائزة نوبل دون أن يحصل عليها لأسباب مفهومة. ومن المعروف أن الحديث عن موعد السقوط الأمريكي قديم ومتكرر، وهناك أبحاث ودراسات كثيرة ناقشت ذلك، لكنها ظلت لفترة طويلة تعتمد على افتراضات نظرية ومقارنات تاريخية، وأحيانا أمنيات فكرية للمعارضين والمحذرين لنموذج الهيمنة الأمريكي، كما أن عددا من مستودعات الأفكار ومراكز الدراسات الاستخباراتية داخل أمريكا اهتمت بأسئلة المصير لتجنب التعجيل بالسقوط.

فالقوة البراجماتية التي تحكم أمريكا تعرف أن لكل دولة دورة معروفة؛ تبدأ بالميلاد والطفولة ثم الفتوة والشباب وصولا إلى الشيخوخة والوهن، لذلك انشغلت تلك المراكز البحثية في مهمة مد فترة القتوة والشباب وتأجيل الشيخوخة لأقصى مدى، عن طريق آليات التجديد والإحلال وامتصاص الدماء من الشعوب الأخرى، وإضعاف دول العالم لتظل أمريكا الأقوى والأكثر سيطرة

القصة الواقعية للحال الأمريكي الآن وللمصير الأمريكي المنتظر خلال سنوات قليلة أكثر إثارة من حديث الافتراضات النظرية في السنوات السابقة


عاد ترامب إلى البيت الأبيض مجددا بعد فترة هزلية مأساوية أظهر فيها المرشح الجمهوري جو بايدن الصورة الحقيقية للنظام، على طريقة الصورة الحقيقية لدرويان جراي في رواية أوسكار ويلد، كشاب ارستقراطي مستهتر يبيع روجه للشيطان مقابل صفقة يظل فيها على جمال مظهره وشبابه بينما تتحمل صورته كل جرائمه وآثامه، ويظل دوريان يخدع الناس ويحرص على إخفاء صورته القبيحة في قبو مظلم أسفل القصر، لكن درجة القبح وصلت إلى درجة لا تحتمل وتهدد بفضح حقيقته في يوم ما، فيقرر التخلص منها، وهو لا يدرك أنه يساعد بنفسه في التخلص من نفسه.

ومن هنا تتكشف لنا القصة المأساوية العميقة خلف شعار ترامب عن ضرورة العمل من أجل "عودة أمريكا عظيمة مرة أخرى". الشعار يتضمن اعترافا بسقوط أمريكي جزئي، والادعاء بأن دوريان جراي وحده هو القادر على حل كل المشكلات واستعادة العظمة المفقودة والمجد الضائع..!

القصة الواقعية للحال الأمريكي الآن وللمصير الأمريكي المنتظر خلال سنوات قليلة أكثر إثارة من حديث الافتراضات النظرية في السنوات السابقة، ومن استشهادات الأدب وأفلام الغزو الفضائي للأرض، خاصة بعد الدعم الأمريكي الوقح للإبادة في فلسطين عموما (غزة والضفة أيضا)، وانكشاف الصورة القبيحة للوجه الأمريكي في التعامل مع مفارقة (غزة/ أوكرانيا)، وترحيل مقيمين ومهاجرين يدرسون في الجامعات الأمريكية لاسباب تتعلق بالتظاهر الاحتجاجي السلمي والإدانة الإنسانية للإبادة، كذلك حديث ترامب عن ضم جرينلاند والتعامل المتغطرس مع العالم كله وليس أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط فقط.

فالرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على العالم أعادت للأذهان أسلوب الجزية الرومانية التي مهدت مع عوامل داخلية وخارجية بسقوط روما، وهو ما تناقشه هذه السلسلة من المقالات للتعرف العلمي والواقعي على المصير الأمريكي.

وفي المقال المقبل نواصل..

maher21arabi@gmail.com

الثلاثاء، 8 أبريل 2025

مشكلة "الخلفية" عند الأستاذ سعد.. يوميات معتقل (20)

 مشكلة "الخلفية" عند الأستاذ سعد.. يوميات معتقل (20)

ماهر البنا

تعرفت على الأستاذ سعد الديناري ونشأت بيننا علاقة مودة واحترام، لكنها ظلت علاقة متحفظة ومقيدة بالتكاليف الرسمية الجامدة. بعد صلاة العصر في الأيام الأولى للعلاقة مددت يدي بتلقائية وصافحته قائلا: تقبل الله.

رد بعد لحظة صمت وتردد: منا ومنكم.

لم يترك يدي، ظل قابضا على كفي وتحرك صامتا باتجاه مكان إقامته، وعندما وصلنا أجلسني وهو مستمر في صمته، ثم نطق بعد لحظات بلهجة تقريرية: هعزمك على حاجة بتحبها، وأنا متأكد إنك هتحس أنها أول مرة تشرب هذا المشروب.

احتسينا الشاي بالقرنفل، وكانت نكهة ومذاق القرنفل في الشاي مميزة ورائعة بالفعل. شكرته وتبادلنا الحديث قرابة الساعة بكلمات محسوبة ولقب "لأستاذ" كأننا في أحد الفصول الدراسية.

بعد انتهاء جلسة العصاري فكرت في صمت الأستاذ سعد وتردده في الرد على دعاء "تقبل الله"، وعقب صلاة المغرب قلت له: حرما، فغمغم بكلمة لم أسمعها واعتبرتها في مقام "الرد المتردد".

تكررت طريقته الغريبة في الرد بعد أكثر من صلاة فسألته: هل توجد لديك مشكلة فقهية في تبادل التحية والدعاء بعد الصلاة؟

قال: أغلب الرأي أنها بدعة، لذلك أتجنبها، وإن كنت أرد عليك احتراما لقدرك عندي، ومنعا للحرج أمام الغرباء!

غرباء؟! هل تعتبر بقية الزملاء المسجونين معنا غرباء عنا؟

قال بحماس سريع: نعم غرباء.. هذا القرب قسري يضطرني إليه المكان الذي يجمعنا رغما عنا، فالمؤكد أنني لم أكن أعرفهم وألتقي بهم لو كنت حرا..

أنهيت الحوار متذرعا بنداء الزملاء لتناول الطعام: اتفضل معانا على العشا يا أستاذ سعد.

سبقتكم الحمد لله، وأضاف وهو يقبض على كفي بطريقته القيادية: منتظرك نكمل كلامنا بعد العشا، وما تشربش حاجة مع الشباب.. الشاي عندي.

كنت قبل أيام قد توصلت بعد تفكير سطحي إلى تفسير صمت الأستاذ سعد وتباطؤه في الرد عليّ بعد الصلاة لانشغاله في السر بالتسبيح وأدعية ختام الصلاة، لكن مع الوقت بدأت أغير طريقة تفكيري لأتفهم الأستاذ سعد وسلوكياته الغامضة.

في تلك الأيام بدأ الزملاء في العنبر يتعجبون ويتندرون على التغير الاجتماعي الذي طرأ على الأستاذ سعد، فلأول مرة يجلس مع سجين ويتسامر ويحكي، وكانت الأسئلة الفضولية تلاحقني بعد كل عزومة شاي: بيقول لك إيه؟.. عاوز منك إيه؟.. خللي بالك من الراجل الغريب ده..

كنا في النصف الثاني من شهر آذار/ مارس، والشتاء يلملم برودته وأسقاعه ليرحل تاركا سلطته للربيع، وذات صباح مشمس خرجت للتريض بصحبة جاسر، وأثناء التمشية قلت له: الجو تحسن كثيرا ويمكنني الآن أن أنتقل إلى سرير عُلوي بجوار النوافذ للحصول على نصيب أكبر من الأكسجين وتجنب أزمات التنفس.

استجاب جاسر ورتب لي سريرا عُلويا كان قريبا من الأستاذ سعد، فكان يراني أنزل وأصعد متسلقا الحديد من وإلى الطابق الثالث، فأبدى اعتراضه وتخوفه من ذلك قائلا بود ومتخليا لأول مرة عن لقب أستاذ: بلاش المخاطرة دي يا شيخ ماهر.. كبرنا ولا نتحمل هذه المشقة.

رددت شاكرا: ما تقلقش يا أستاذ سعد.. احنا لسه شباب.

في جلسة الشاي ذلك اليوم ركز الأستاذ سعد حديثه للتأكيد على أنه لا يزال شابا، كأنه يريد أن يمحو أو على الأقل يصحح تصريح "احنا كبرنا.. ولا نتحمل...":

أنا قلت كده خوفا عليك من الطلوع والنزول.. أنا عاوز أقول لك إني خرجت معاش مبكر بناء على طلبي، لأني عاوز أبعد عن الفساد والمؤامرات وأتفرغ لأعمالي الخاصة.. أنا عندي "معاذ" عمره 5 سنوات من زوجة تانية.. زوجتي الأولى أم العيال كبرت وصحتها لم تعد تتحمل شبابي وطلباتي الشرعية وهي التي ألمحت لي بالزواج: "ما تشوف لك شابة عفية تتحمل طلباتك".. قالتها مداعبة أو لوضع حد لطلباتي، لكني ألزمتها بكلمتها، وخلال شهرين كنت قد عثرت على بنت الحلال وتزوجتها، وكنت.. وكانت.. و..

ومنذ ذلك اليوم ظل الأستاذ سعد يستثمر كل الفرص للحديث عن فحولته وعنفوانه وقدراته الشبابية.

تغير الأستاذ سعد كثيرا، فالصامت العظيم بدأ الاعتراض على سلوكيات كثيرة في العنبر، موعد إطفاء المصابيح في الليل، ونداء الشباب على بعضهم البعض بصوت مرتفع خاصة في الليل، وتجمعات اللعب والسمر والغناء، وجمع صلاة المغرب مع العشاء، لأسباب تتعلق بظروف السجن ومشكلات تيسير الوضوء لعدد كبير في الوقت الضيق بين الصلاتين..

في السجن يتعود السجناء على سماع الكثير من الملاحظات والآراء المختلفة، وفي الغالب تتحول الملاحظات إلى فقرة ترفيهية تتضمن المزاح والتعليقات المرحة، والتعبير عن الرأي واستعراض الثقافة


لم ينزعج أحد من ملاحظات الأستاذ سعد، ففي السجن يتعود السجناء على سماع الكثير من الملاحظات والآراء المختلفة، وفي الغالب تتحول الملاحظات إلى فقرة ترفيهية تتضمن المزاح والتعليقات المرحة، والتعبير عن الرأي واستعراض الثقافة، لكن حالة الأستاذ سعد كانت مختلفة، فقد حملت معها فضول البحث عن أسباب التغيير المفاجئ، كما كشفت عن صراع خطير ومتفجر بين الأستاذ سعد والشيخ عامر الذي يؤم العنبر دينيا ويتحكم في تنظيم الصلوات الجماعية وجلسات قراءة القرآن، وأشياء أخرى منحته سلطة التدخل في طريقة معيشة السجناء.

كانت طريقة الشيخ عامر في فرض سلطته تثير المشاكل أحيانا، لكن السجناء تدربوا على تفادي المشاكل لعدم الاصطدام بأمور تتعلق بالدين، وكذلك لعدم الدخول في خلاف مع شيخ كبير في السن.

المؤسف أن الأستاذ سعد لم يكن من النوع الذي يتجنب الاصطدام في خلافات دينية، بل من النوع الذي يحب ذلك ويسعى إليه، لإثبات أنه الأحق والأجدر بالقيادة والإمامة، كما أنه لم يكن يخشى الاصطدام بالشيخ عامر، بل بدأ يجاهر بعزله واختيار عدد من الشباب المتدين وتوزيع إمامة الصلوات بينهم، وعدم احتكار الإمامة والوعظ لصالح شخص واحد.

بدأ الصراع يشتد ويتحول إلى قضية تشغل العنبر، وبدأت الوساطات للتقريب بين وجهات النظر وتجنب الاستمرار في الصراع، لما له من تبعات مزعجة إذا وصلت الأخبار لإدارة السجن، والمعتاد في مثل هذه الأمور أن يحدث تفريق وتغريب و"فركشة" سكان العنبر، وهذا أمر مزعج ومتعب للسجين وللأهل الذين يأتون للزيارة، فقد يتم نقل السجين إلى سجن آخر لم يعلم به الأهل بعد، أو يتم منعه من الزيارة، ومشاكل أخرى.

نشط السباب العاقل في مساعي التهدئة، واقترح هشام الحسيني أن يقوم زميلنا المبتسم دائما "حسين سعد" بمهمة إقناع الأستاذ سعد بالعودة للصمت والانعزال وراحة دماغه من شؤون العنبر، عملا برأيه الشهير أن كل هؤلاء "شوية وضعاء رقعاء جهلة لا يستحقون اهتمامه!

وكان حسين ينادي الأستاذ سعد بكلمة "بابا" لتشابه اسمه أبيه مع اسم الأستاذ سعد، وتم إقناع حسين بالمهمة وتدريبه على حيلة إقناع "بابا سعد" بالعودة إلى حالته السابقة وتجنب التصعيد.

وذهب حسين لتنفيذ الخطة، وعاد بعد أكثر من ساعة والابتسامة تضيء وجهه الأبيض..

-  هيييه يا حسين عملت إيه؟.. طمنا.. قول يا حسين..

رد حسين وهو يضحك: بصراحة يا اخوانا الراجل عنده حق وكلامه مقنع.

- خير يا ابني.. عنده حق في إيه؟ وتوصلت معاه لإيه؟!

كان حسين قبل السجن محاميا وناشطا حقوقيا ويملك بالا طويلا وطريقة لطيفة في التعامل مع الناس من مختلف الثقافات والطبقات، لذلك كان العشم كبيرا في توصله لحل ناجح ونهائي مع الأستاذ سعد، لكنه غاد من المهمة ليقول لنا انسوا الحل وفكروا هنعمل إيه في المشاكل اللي هتحصل؟

- طيب كنت بتقول الراجل عنده حق في إيه؟

قال حسين: بعد ساعة من المناقشات والمجاملات والدعوة للطيب، لقيت الراجل بيقول لي: إذا كان عندك عشر أسباب تخليني أبعد وأسيب الشيخ عامر منفردا بإمامة الصلاة، فأنا عندي 100 سبب لعزله وتوزيع مهمته على الشباب.

- قلت له مش عاوز أسمع المائة سبب يا بابا، اختر سبب واحد يقنعني وأنا معاك، فقال: كفاية إن عنده مؤخرة كبيرة.. بذمتك فيه حد يسجد أمام عينك بالمنظر ده وتسيبه؟

ساعتها اتصدمت واتكتمت وما عرفتش أرد.. أكيد طبعا كان بيهزر، بس الصدمة ضيعت كل الكلام من دماغي، وعرفت أننا داخلين حقل ألغام وربنا يسترها معانا.

انتهت مهمة حسين بمهزلة عبثية، وتسربت العبارة سرا في أنحاء العنبر، ويبدو أنها وصلت إلى الشيخ عامر نفسه، وهو ما أكدته الأيام بعد ذلك، وبدأ الخلاف يتخذ مسارا منفلتا، لكنه بعيد عن المباشرة، بدأت حالة من الغمز واللمز، والتحزب إلى فريقين، وافتعال الخلاف في قضايا فرعية أخرى، حتى تسربت إلينا أخبار مقلقة عن التحضير لنقلنا من السجن إلى سجن آخر، وبدأت مرحلة جديدة من القلق والاستفسار عن المجهول الذي يخبئه لنا الغد.

وفي المقال المقبل أواصل حكايات السجن.

maher21arabi@gmail.com