الأربعاء، 25 فبراير 2026

صراع الإنسان والحضارة: بين القيم والهيمنة

صراع الإنسان والحضارة: بين القيم والهيمنة
الكاتب: نحن بالكاد جزء من تلك الأطوار المنحنية كالعرجون القديم 

إن أعمال البشر في ميزان لا تبغي أي من كفتيه على الأخرى؛ حيث توضع تارة في دلالات التكليف التي هي محل الاختبار، وتارة أخرى في كفة الإيمان الذي ينخل الأعمال، كل على شاكلته، وبنو آدم على تكليفهم ضمن عالم تتقاطع فيه الرغبة في الأبدية مع خوف الفقد، حيث تصوغ الطبيعة البشرية ماضيها.

ونحن إذ نسبر تلك الحياة المفعمة بالسكون والانحناء، ونتوارى خلف الكلمات بوصفها عناوين تشيخ لها المسافات، وتطوي قصص المحبين وآلام المهمشين، فإننا نعود إلى داخلنا، كأطوار العرجون القديم، حيث تكون الحرب صامتة، والمعاني وافرة؛ لكننا لا نستطيع التعبير عنها ما لم تجرِ الألسنة بالزلل، أو تكتنف الخطايا العمل. فمن كمال البشر أن يقروا بالعجز، ويفتحوا نوافذ الاعتذار والصفح على عتبات شهر رمضان؛ فمثلما للجوارح مواقف، فإن للقلوب عوالم متخيلة وحضارات متباينة.

وهذه الأسطر تنظر في مرابط الأفئدة ومناهل الرغبة، وتقترب بحذر نحو ما تجول به الخواطر وما تصول به السرائر؛ ليس ضربا من ادعاء الغيب، ولا توهما بمعرفته، وإنما استقراء لما توافر من حسن الظن بحضارات البشر، واقترن به من سوء التأويل.

وما هي إلا مقالة تتفقد كلماتها الأحوال، وتعرض صورها كثيرا من الجمال، فلا تنكر حروفها عظيم الأهوال بقدر ما تخبر مقام الاتصال بين الإنسان والإمبراطور في الترك والوصال، وتطرق أبوابا كسرت بها الأقفال، لأولئك الذين أبصروا الود دون إقبال.

قد نتفاضل في اعتقاداتنا والتزاماتنا ومصالحنا، لكنها لا تخرج عن دائرة القيم المشتركة المتعلقة بالطبائع البشرية؛ إذ إن الخوف والجزع، وطلب الأشياء على عجلة، ونكران الفضل فيما بيننا، جبلة رهنت لها ذواتنا

أطوار الأفئدة

من أيسر الأمور أن يتستر بنو آدم بأفعالهم، تلك التي تظهر على جوارحهم، كأنها قدر مكتوب خطه الزمان، وما تلك الأعمال في ظاهرها إلا صورة من أحوالهم، تقص على الآخر سيرة من يتودد إليهم.


عندما نجنح إلى ذواتنا، نتمعن فيمن يتملك أفئدتنا ويتفرد بشغفنا وحبنا؛ إذ ثمة عالم مستتر، مجهول عن كل فاقد ومعتذر.

فالناس في حل ما لم ترابط القلوب مواضع السهر، وتنزل في مقامات جلت معانيها بحسن الأثر، واعتقاد النفس بما يلزمها من واجب، ويدفعها نحوه حقا، إنما هو ارتباط اختياري، متعلق بالرغبة والخوف معا، حيث تتلخص معاني الاشتياق والفقد، واستدعاء ذكريات لا ترسم سوى عبارات الأسى والحسرة، نحو من كان مدعاة للفرح والبهجة.

وحين نعتقد أننا ضمن دائرة تحيط بنا من كل الجوانب، فهذا لا يعني أننا في مركز العالم، أو أننا استحوذنا على خصوصيات الآخر؛ فنحن بالكاد جزء من تلك الأطوار المنحنية كالعرجون القديم، والتي تبدو في ظاهرها مادية تختزل المشاعر في هدايا ولقاءات حميمية، أو تبادل للابتسامات والعبارات الجميلة.

لكنها في حقيقتها- والحقيقة هنا لا تعني قيمة محددة- تفصل بين جوهر الفعل البشري المتعلق بإنسانيته، وتلك الحالات الآدمية المفتعلة للحروب والضغائن والصراعات البدائية.

قد نتفاضل في اعتقاداتنا والتزاماتنا ومصالحنا، لكنها لا تخرج عن دائرة القيم المشتركة المتعلقة بالطبائع البشرية؛ إذ إن الخوف والجزع، وطلب الأشياء على عجلة، ونكران الفضل فيما بيننا، جبلة رهنت لها ذواتنا، وتاريخنا، وحضارتنا.

ربما ندرك أننا جميعا مرهونون لشيء يدعى الماضي؛ ذلك التاريخ الذي يحدد مصائرنا، ويسجن مستقبلنا، ويجعل منا نسخا مشوهة من سردياته الكبرى ومعضلاته.

ولأننا ولدنا عراة، نتلحف الحياة أولا دون النظر إلى مصائر الموت المترصد أزلا، فإن لغتنا الوحيدة في تواصلنا هي تاريخ يمتنع عن صرف ذاكرته نحو الاعتراف بالفشل، والخيبة، والأنانية المفرطة، لمعالجة ما تبقى من مسائل.

وما نحن إلا بشر بألوان الدنيا الزاهية، ولغات الفردوس المنزلة، وحضارات تعاقبت على جور الإنسان من أجل صناعة ماضٍ يتأله فيه التاريخ، وتنفى منه القيم الإنسانية.

حين نعيش واقعا مثخنا بتعابير الحياة العنيفة، أو بالأحرى نشاهد صور خيام أهل غزة كيف تذروها قسوة البشر نحو العدم، أو صراع السياسيين على ما تبقى من طموحات السودانيين، فإننا ندرك يقينا أن معضلتنا الحقيقية مع ذواتنا، حيث صراع الخوف والرغبة يتجاذبان مع انهزامات أكثر قتامة من ذي قبل

من الإنسانية إلى الإمبراطورية

يسبق الفعل ماهية التعريف به؛ فهو يبني لغته الخاصة دون الحاجة إلى مفردات تعيره المعنى، حيث يكون التواصل مرادفا للرغبة المتوارية، وظلا متسامحا مع قسوة الرفض والتخلي.

ولعل حضورنا في مواضع التقارب امتحان لنا، وتقييم، وتحديد لماهيتنا، لا يخرج عن كونه لغة موجهة نحو عالم يصارع لنيل شيء من خصوصيته، ويسعى، بما أوتي من صور مباغتة، إلى تحرير ذاته من الثنائيات المختزلة والتعريفات الجاهزة.

لسنا عنوانا واحدا حشرت فيه الذكريات والتاريخ والهويات، حتى وإن كنا- كما يعتقد البعض- متشابهين لدرجة التطابق؛ لكننا نلتقي في النهايات، حيث تقسو المصائر على هشاشتنا، فتجعل من الذات منتجات يعاد تصنيعها وتصنيفها ضمن لوائح حضارية تدين للسوق أكثر مما تلتزم باستمرارية الجنس البشري.



ولا يفوتنا أن نستذكر المآسي التي تربك الحضارة؛ فحين تستجلب القيم، تتأتى معها الخطابات الأكثر صلابة تجاه الإنسانية، بوصفها الفضاء الخصب لتجريدنا من تاريخنا وهويتنا. ولتحقيق ذلك، تعرض لوحات من قبيل العدالة والحرية والكرامة في مسرح الحضارة المصبوغ بالخداع والاستغلال الموحش.

وعندما يتعلق الأمر بالحضارة، تكون الإنسانية -أعني تلك الذات المتشابكة مع ماضيها الصدئ وذاكرتها المجروحة- في حال إعادة جرد وتقييم ونقد، من أجل الوصول إلى مفاتيح تفك بها لغز الحياة الأبدية؛ حيث يكون الخلود ذكرا لوعي الإنسان تجاه المنفيين والمهمشين.

تتعلق مفاتيح الأفئدة، وتعبيراتها الوافرة- كونها ذاتا أو تاريخا أو حضارة- بحساسيتنا تجاه ذاكرتنا ووعينا وابتكاراتنا؛ فنحن نرفض النظر إلى مستقبل تحدد فيه مصائر شعوب تباد في فلسطين وميانمار وغيرهما، لكننا ننحني عند ضعفنا للماضي، نحفره بمعاول ألسنة الكراهية والحقد لتعزيز تفوق الآخر.

كما أننا لا نخوض أطوار الوعي التي تسمح بفتح مسارات جادة نحو ابتكار يمنح حياتنا لغتها الخاصة، دون الحاجة إلى تأميم التاريخ وتكميم ذاكرتنا. فالبدايات قاسية لاحتمالات النهايات المتباينة، لكنها بالضرورة مفتاح مهم لأعقد المسائل حساسية للحضارة الإنسانية.

حين نعيش واقعا مثخنا بتعابير الحياة العنيفة، أو بالأحرى نشاهد صور خيام أهل غزة كيف تذروها قسوة البشر نحو العدم، أو صراع السياسيين على ما تبقى من طموحات السودانيين، فإننا ندرك يقينا أن معضلتنا الحقيقية مع ذواتنا، حيث صراع الخوف والرغبة يتجاذبان مع انهزامات أكثر قتامة من ذي قبل.

فالإمبراطوريات ما هي إلا ذوات منتفخة بالتاريخ والاقتصاد وصناعة الآخر عدوا، وتتجلى صورتها التأليهية عند اختبار حضاري، تحيد عنه بقيمها المهيمنة القائمة على القهر والاستغلال.

إن الخلاص تفسير نهائي لمفاتيح ما يعتقده الإنسان النجاة؛ فنحن نريد ما بعد الموت لا الحياة فحسب، تلك البعدية- على جمالية تأويلاتها- معلقة بتعريفنا لسؤال المصير؛ حيث الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. أهي ما يصلح أن يكون عالما استثنائيا لأولئك الذين انعزلوا في صوامع وبيع وصلوات، أم إنها رهان يتحدى به الإنسان ذاته؟



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق