‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستعمار. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاستعمار. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 يناير 2026

هل نسي ماكرون ما فعلته فرنسا؟

 هل نسي ماكرون ما فعلته فرنسا؟


كاتبة وصحفية أميركية ومؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم".

ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا- ذلك التجمع السنوي للنخبة العالمية في جبال الألب- ليعلن أن "الوقت ليس مناسبا لاستعمار جديد أو إمبريالية جديدة".

وكان ذلك، بطبيعة الحال، إشارة إلى طموحات نظيره الأمريكي دونالد ترمب، الذي لم يكتفِ مؤخرا باختطاف رئيس فنزويلا، وتهديده المتكرر بالاستيلاء على قناة بنما، بل جعل من احتلال غرينلاند الدانماركية المتمتعة بالحكم الذاتي محورا لصخبه الإمبريالي المتزايد.

وفي اليوم التالي، اعتلى ترمب نفسه منصة المنتدى في دافوس ليلقي خطابا طويلا متقطعا كعادته، تحدث فيه عن توربينات الرياح، وسخر من نظارات ماكرون الشمسية "الجميلة" العاكسة، وأعلن أنه لن "يستخدم القوة" في استحواذه على غرينلاند- رغم أنه اختلط عليه الأمر وأشار إليها خطأ بـ"آيسلندا".

لقد أثارت نوايا ترمب بشأن الجزيرة حفيظة أوروبا، إذ أعلن البرلمان الأوروبي إدانته القاطعة لتصريحات الإدارة الأمريكية بخصوص غرينلاند، مؤكدا أنها "تمثل تحديا صارخا للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وسيادة ووحدة أراضي أحد حلفاء الناتو".

وعقب تصريح ماكرون، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن قادة أوروبيين "اصطفوا" لمعارضة "الاستعمار الجديد" الذي ندد به الرئيس الفرنسي.

من أفريقيا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط وما بعده، يكاد لا يوجد شبر من الأرض لم يطله النهب الأوروبي، أو لم يدنس بالاستعباد والقتل الجماعي وسواها من الفظائع

ولا حاجة للتأكيد على أن ترمب، لا ينبغي تشجيعه بأي حال على مغامراته الدولية المفترسة. لكن من الجدير أن نذكر بأن أوروبا- حين يتعلق الأمر بالاستعمار والإمبريالية- ليست في موقع يسمح لها بإلقاء الدروس.

فلنبدأ بفرنسا، التي لا تزال تحكم أكثر من اثني عشر إقليما منتشرا في أنحاء العالم- كثير منها يسوق كوجهات سياحية غريبة- مثل جزر غوادلوب في الكاريبي، وأرخبيل مايوت في المحيط الهندي.

ورغم أن هذه الأقاليم قد خرجت رسميا من التصنيف "الاستعماري" لتصبح "مقاطعات فرنسية" بحق، ومن ثم جزءا من الاتحاد الأوروبي، فإن فرنسا لم تتخل عن ذهنيتها الإمبراطورية المتعالية، ولا عن عقدة تفوقها المصاحبة لها.

وحين انتقد سكان مايوت- أفقر أقاليم فرنسا- في ديسمبر/كانون الأول 2024، رد فعل الحكومة على إعصار مدمر ضرب الجزيرة، أجابهم ماكرون بلهجة استعلائية قائلا: "لولا فرنسا، لكنتم في ورطة أكبر بعشرة آلاف مرة".

أليست هذه صورة مثلى لـ"الاستعمار الجديد"؟

أما الاستعمار "القديم"، ففرنسا تحمل سجلا مروعا فيه، لا سيما في الجزائر، حيث قتل نحو 1.5 مليون جزائري في حرب الاستقلال بين عامي 1954 و1962. ورغم أن ماكرون سبق أن اعترف بأن استعمار فرنسا للجزائر كان "جريمة ضد الإنسانية"، إذ اتسم بالتعذيب الوحشي وغيره من الفظائع، فإنه لا يزال يرفض إصدار اعتذار رسمي باسم فرنسا.

وليس الأمر مقتصرا على فرنسا. فكثير من القوى الأوروبية التي تجاهر الآن بعدائها للاستعمار تحمل في تاريخها إرثا داميا من الوحشية والاستغلال حول العالم.

من أفريقيا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط وما بعده، يكاد لا يوجد شبر من الأرض لم يطله النهب الأوروبي، أو لم يدنس بالاستعباد والقتل الجماعي وسواها من الفظائع.

لقد قضى الإسبان على شعوب أصيلة في القارتين الأمريكيتين، وعبثت بريطانيا في كل رقعة وقعت تحت نفوذها، أما الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، فقد أشرف على مقتل نحو 10 ملايين كونغولي بدءا من عام 1885، حين أعلن "الدولة الحرة في الكونغو" ملكية شخصية له.

وفي عام 2022، عبر فيليب ملك بلجيكا عن "أعمق أسفه" للفظائع المرتكبة في الحقبة الاستعمارية، دون أن يقدم اعتذارا رسميا. وقد أشار أحد المقالات آنذاك إلى أن الحياة في دولة الكونغو الحرة كانت على نحو أن "القرى التي أخفقت في جمع حصصها من المطاط كانت تجبر على تقديم أيد مقطوعة بدلا منها".

أما في إثيوبيا، فيقدر المؤرخ البريطاني إيان كامبل أن ما بين 19% إلى 20% من سكان العاصمة أديس أبابا أبيدوا خلال ثلاثة أيام فقط، أثناء الاحتلال العسكري الإيطالي لشرق أفريقيا عام 1937.

ولا تنتهي قائمة الفظائع الأوروبية.

وبالطبع، لا يعني ذلك أن على ترمب أن يطلق يده في ارتكاب الفظائع كيفما شاء. بل هو تذكير ودي بأنه لا يمكن رفض الاستعمار بطريقة انتقائية. (بالمناسبة، كانت غرينلاند مستعمرة دانماركية صريحة حتى وقت قريب).

وإذا ما ذكرنا الفظائع الاستعمارية، فلا بد من الإشارة إلى أن أوروبا- على مدار أكثر من عامين من الإبادة الجارية في قطاع غزة- لم تظهر الغضب الكافي إزاء المذبحة، بل اختارت مسار الانتقادات الشكلية والتواطؤ بحكم الأمر الواقع.

وها هي المجازر مستمرة تحت ستار "وقف إطلاق نار" بوساطة أمريكية، بينما يخطط الآن، وفق الرؤية الترمبية، لإدارة غزة عبر ما يسمى "مجلس السلام"، يرأسه- ومن غيره؟- ترمب نفسه. 

وسيشارك في هذا المجلس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بات أحد أبرز رموز الإبادة الجماعية في عصرنا، الأمر الذي ينذر بـ"استعمار جديد" من النوع الأكثر خبثا ودهاء.

ولكن، ويا للأسف!، فإن النفاق الملطخ بالدماء ليس أمرا جديدا في هذا العالم.



الاثنين، 25 أغسطس 2025

كيف تُحذّر أوروبا الأفارقة من الصين.. بينما تعيش على استثماراتها؟

 كيف تُحذّر أوروبا الأفارقة من الصين.. بينما تعيش على استثماراتها؟

إدريس آيات

باحث “نيجيري”.. مختص في الشؤون الشرق أوسطية-الأفريقية والدراسات الاستراتيجية


منذ سنوات، يملأ الخطاب الغربي فضاءات الإعلام والمنتديات الدوليّة بالتحذيرات من “الخطر الصيني” في أفريقيا. فالدول الأوروبيّة وأمريكا تنصح الأفارقة، بل تحذّرهم، من الارتماء في أحضان بكين، تحت شعاراتٍ مثيرة مثل: «لا نغادر سيّدًا لنخضع لآخر». لكن المفارقة أنّ هذا التحذير يصدر في وقتٍ تُعمِّق فيه فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا شراكاتها الاقتصاديّة مع الصين، وتفتح أبوابها على مصاريعها للاستثمارات والشركات والطلاب الصينيين. 

وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: 

لماذا يُسمح لأوروبا بما يُمنع على أفريقيا؟

 

أوروبا تستفيد من الصين بلا حرج

صار معلومًا للجميع، أنّ الصين أضحت الشريك التجاريّ الأكبر للاتحاد الأوروبيّ في مجال السلع منذ عام 2020، متجاوزةً الولايات المتحدة. كما أنّ أوروبا نفسها تمثّل الشريك التجاري الأول للصين، ما يجعل الطرفين في علاقة تبادليّة متينة. تشير الأرقام إلى أنّ أكثر من 20% من وارداتِ أوروبا تأتي من الصين، تشمل الإلكترونيات، والآلات، والمواد الكيميائية، والدوائية. 

أيّ أنّ أوروبا تعتمد اعتمادًا جوهريًّا على الصين في حياتها الاقتصاديّة اليوميّة.

تُعدّ فرنسا تحديدًا نموذجًا صارخًا لهذه العلاقة. ففي قطاع الطاقة، تتشارك شركة توتال إنرجي الفرنسية مع عملاق النفط الصينيّ ساينوبك في تشغيل مصافٍ للنفط في فرنسا. بل ذهبت الشراكة أبعد: ففي مارس 2024 أعلنت الشركتان عن مشروع لإنتاج وقود طيران مُستدام، باستخدام تقنية صينيّة متقدّمة تسمى SRJET، بينما تقتصر مساهمة فرنسا على خبرتها في مجال التوزيع. أيّ أنّ التقنية ملك للصين، وفرنسا تتحوّل إلى وكيل توزيع!

وفي مجال الأدوية، تسيطر الصين على ما يقرب من 80–90% من المواد الفعالة المستخدمة عالميًّا في صناعة العقاقير، بما فيها المضادات الحيويّة

كثير من الأدوية التي تُباع في الصيدليات الأفريقيّة على أنّها “فرنسية” الصنع، مصدرها الحقيقيّ مصانع صينيّة. فدواء يُباع في أفريقيا بألف فرنك إفريقي لا تتجاوز كُلفته في الصين عشرة فرنكات. ورغم وضوح هذه الحقيقة، يُمنع الأفارقة من التعامل المباشر مع بكين، بينما لا تجد باريس وبروكسل أيّ حرجٍ في الاعتماد الكامل على المصانع الصينية.

 

الغزل الفرنسي للصين: اقتصاد بعبارات رومانسية

مَن يراجع تاريخ العلاقات الفرنسيّة–الصينيّة في العقد الماضي يكتشف حجم الغزل السياسيّ والاقتصاديّ بين الطرفين. ففي يوليو 2015، وأثناء زيارة رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ إلى تولوز، وقف مانويل فالس (رئيس وزراء فرنسا آنذاك) وإيمانويل ماكرون (وزير الاقتصاد حينها) يطلقان عبارات تشبه عروض الحبّ العاطفي. قال فالس حينها: “الرحلة الجويّة فرنسا–الصين لها مستقبل ينظر إليه الجميع بغيرة”. وردّ عليه نظيره الصينيّ قائلًا: “يجمع الفرنسيين والصينيين حبّ المطبخ: براغماتية الصينيين ورومانسية الفرنسيين.”.

لكن خلف هذه العبارات الحالمة، كان هناك اقتصادٌ بارد: إذْ وقّعت الصين على صفقة لشراء 75 طائرة إيرباص A330، وحضر أكثر من 200 رجل أعمال صينيّ لتوقيع أكثر من 20 اتفاقية شراكة. بل وصل الأمر إلى تأسيس غرفة تجارة وصناعة صينية–فرنسية في باريس، وإلى خطّ ائتمان بقيمة مليار يورو من بنك الصين الصناعيّ والتجاريّ لدعم الشركات الفرنسية الراغبة في دخول السوق الصينيّة.

فليتخيل القارئ الأفريقي المشهد معكوسًا: لو دعا رئيس وزراء الكاميرون نظيره الصينيّ إلى مدينة بافوسام وأقنعه بتمويل رجال الأعمال الكاميرونيين بمليارات الدولارات لفتح مشاريع في الصين، لقامت الدنيا في الصحف الغربية عن “الخطر الصيني”! أمّا في أوروبا فهو تعاونٌ طبيعيّ ومرغوب.

لا يقتصر التعاون على الاقتصاد الصلب. ففي سبتمبر 2014، نشرت صحيفة ليزيكو تقريرًا بعنوان: “حين تغازل فرنسا الطلاب الصينيين”. الحكومة الفرنسيّة وضعت هدفًا واضحًا: استقطاب 80 ألف طالب صيني بحلول 2020، وتحويلهم لاحقًا إلى “سفراء محبّة لفرنسا” داخل الصين. وبالفعل امتلأت الجامعات الفرنسية – من ليون إلى ليل وكليرمون فيران – بالطلاب الصينيين، الذين يدرسون في المدارس العليا للإدارة والاقتصاد والسياسة. لكن حين اقترح أحد الخبراء في الكاميرون فكرة استقبال ألف طالب صينيّ سنويًّا لتعلم الإنجليزية في جامعات محليّة، وُوجه الاقتراح بالرفض ووُصف بأنّه “ميل مؤيد للصين”! لماذا يُسمح لفرنسا بما يُحرَّم على النيجر أو السنغال مثلًا؟

 

ألمانيا وإيطاليا وبريطانيا: الوجه الأوروبي ذاته

فرنسا ليست وحدها. فاقتصاد ألمانيا –الأقوى أوروبيًّا– يعتمد على السوق الصينيّة بشكلٍ بالغ، خاصّة في قطاع السيارات الفاخرة والآلات الصناعيّة. شركات مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو ومرسيدس تحقق في الصين نسبًا ضخمة من مبيعاتها وأرباحها، وقد ضغطت مرارًا على برلين للحفاظ على علاقات جيّدة مع بكين. إيطاليا من جهتها وقّعت في 2019 مذكرة تفاهم للانضمام إلى مبادرة الحزام والطريق، لتطوير موانئها واستقطاب الاستثمارات الصينية. ورغم أنّها انسحبت تحت ضغطٍ أوروبيّ وأمريكيّ لاحقًا، فإنّ التجربة أظهرت أنّ دول أوروبا الجنوبيّة تبحث عن منافذ اقتصادية مع الصين دون تردد.

أمّا بريطانيا، فقد استقبلت استثمارات صينيّة بمليارات في مجالات الطاقة النووية (مشروع هينكلي بوينت) والبنية التحتية، فضلًا عن عشرات الآلاف من الطلاب الصينيين الذين يساهمون في تمويل جامعاتها. ومع ذلك، لا يصف أحد في لندن هؤلاء بأنّهم “غزاة”، بل يعتبرهم مصدر قوة. بينما تنفتح أوروبا بلا حرج على الصين، تستمر في إلقاء محاضراتها على الأفارقة عن مخاطر “الاستعمار الجديد”. وزيرة الخارجيّة الأمريكيّة السابقة هيلاري كلينتون قالت بوضوحٍ في زامبيا عام 2011: “لا نريد رؤية استعمار جديد في أفريقيا”، في إشارة واضحة إلى الصين. ومنذ ذلك الحين، صار كلّ مشروعٍ صينيّ في أفريقيا – من خطّ سكة حديد إلى ميناء – يُوصف بأنّه “فخّ ديون” أو “حصان طروادة”.

 

خطاب الغرب لأفريقيا: استعمار جديد؟


أظهرت الدراسات المستقلة -التي راجعتها أثناء إعدادي للمقال- أنّ معظم ديون أفريقيا ليست للصين، بل للمؤسسات الغربيّة وصناديق النقد والبنوك الأوروبية. ومع ذلك يُصرّ الخطاب الغربي على تصوير الصين كعدوٍ متربص. وكأن الغرب يخشى على أفريقيا أكثر ممّا يخشى على نفسه! هذا الخطاب ليس جديدًا

فقد أشار فرانز فانون في كتابه “العام الخامس للثورة الجزائريّة” (1959) إلى أنّ فرنسا اعتادت تصوير الشعب الأفريقيّ كعاجزٍ عن إدارة شؤونه، يحتاج دومًا إلى وصيّ يرشده. ويبدو أنّ هذه العقليّة لم تتغير كثيرًا: الغرب اليوم يقول للأفارقة من يحقّ لهم أن يحبّوا ومن يجب أن يتجنبوا. لكنّه لا يُطبِّق المعايير ذاتها على نفسه.

تكشف بعض الأرقام عن حجم التناقض الغربيّ في التعامل مع الصين. ففي سبتمبر 2025، تنازلت فرنسا بهدوءٍ عن أكبر منجم للثوريوم لديها لصالح شركة صينيّة، بعدما عجزت عن تطوير التقنية اللازمة لتكريره بنفسها. المفارقة هنا أنّ باريس، التي تواصل تحذير الدول الأفريقيّة من التعاون مع بكين بدعوى الحفاظ على مواردها، لم تتردد هي ذاتها في تسليم أحد أهم مواردها الاستراتيجية للصينيين.


أمّا على مستوى الاستثمارات، فقد أقرّ وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لو مير في يوليو 2023 بأنّ الاستثمارات الصينيّة المباشرة في فرنسا أسهمت في خلق خمسين ألف وظيفة. وهذا الرقم وحده كفيل بتوضيح كيف ترى باريس في الشريك الصينيّ فرصة لتعزيز اقتصادها وخلق فرص عمل لشبابها، بينما تُصَوِّرُ التعاون نفسه في أفريقيا كتهديدٍ أو استعمارٍ جديد.

وتتضح المفارقة أكثر في ملف الهجرة والإقامة. إذ يبلغ عدد الصينيين المقيمين في فرنسا نحو 750 ألف شخص، وهو تقريبًا نفس عدد الصينيين المنتشرين في كامل القارة الأفريقية التي تضم أكثر من مليار نسمة و54 دولة. ومع ذلك، لا يُقدَّم وجود الصينيين في باريس أو مرسيليا على أنّه “غزو” أو “استعمار”، بل يُعتبر جزءًا طبيعيًّا من التبادل الاقتصادي والثقافي. بينما يُصوَّر وجودهم في مدن مثل لاغوس أو نيروبي كخطرٍ داهم على السيادة الأفريقية.

 

خاتمة: ما يزعج الغرب ليس “خطر الصين” على أفريقيا، بل خطر الصين على نفوذ الغرب التقليديّ في أفريقيا. فحين نرى باريس وبرلين تستجديان الاستثمارات الصينيّة بلا حرج، بينما يُمنع على باماكو ونيروبي أن تفعلا الشيء نفسه، يتضح أنّ المسألة ليست أخلاقيّة، بل جيوسياسية. 

ما يزعجني في جميع ما سبق -على المستوى الشخصي- هو بروز مثقفين وقنوات إعلاميّة أفريقيّة، بل مرشّحين رئاسيين في أفريقيا، تصرخ في كلّ محفلٍ على أنّ من مشاريعها الانتخابيّة وقف الزحف الصينيّ تجاه أفريقيا. 

لا يقرأ أيّ مراقب مثل هذه التصريحات إلا ويخرج بقناعةٍ أنّ لدينا في أفريقيا قيادات أقلّ ما يقال عنهم: سذّج في أبجديّات الجيوبوليتيك. 

أمّا الغرب، فعليه أن يعترف أنّ لغة التخويف لم تعد تقنع أحدًا. فمن الأفارقة من يعرفون أنّ الاستعمار الحقيقي انتهى شكلًا، لكن وصايته الفكريّة ما زالت حاضرة في الخطاب الغربي – خطاب ينهار يومًا بعد يومٍ أمام وعي شعوب قارة تبحث عن نهضتها بشروطها هي، أمّا الإعلام الأفريقيّ المُوالي للغرب، فنعلم جميعًا من يمولّه والغرض من ورائه.

الاثنين، 18 أغسطس 2025

الساحل بين الشرق والغرب: استعمار جديد أم شراكة استراتيجية؟

الساحل بين الشرق والغرب: استعمار جديد أم شراكة استراتيجية؟

إدريس آيات
باحث “نيجيري”.. مختص في الشؤون الشرق أوسطية-الأفريقية والدراسات الاستراتيجية


في ظل تغيرات عالمية، تسعى دول أفريقية لإعادة تحديث تحالفاتها، ما يُنظر إليه على أنه استبدال نفوذ قديم بآخر جديد. هذا المقال يستكشف ما إذا كانت هذه العلاقات الجديدة تُعتبر استعمارًا جديدًا أم شراكات متوازنة، ويُقدم تحليلًا لكيفية تأثير القوى العالمية في هذه التغييرات.  

المقال مقسم إلى قسمين: 

يتناول الأول تحليل المصطلح “انتقال من استعمار إلى آخر” الشائع في الإعلام الغربي والعربي مؤخرًا، مستكشفًا دلالاته وأبعاده الخفية. والقسم الثاني يفحص الأسباب الموضوعية وراء تغير التحالفات في الساحل، والمنافع المادية التي تقود هذه السياسات، مؤكدًا على النهج الواقعي الذي يحكم السياسة الدولية بعيدًا عن الأمنيات المثالية.


في العام 2018، تبنت جمهورية أفريقيا الوسطى سياسة جديدة، متحولة نحو الاتحاد الروسي للتعاون الأمني، وذلك بعدما قطعت خيوط التحالف مع فرنسا، دولة الاستعمار القديمة التي كانت تتميز بأدائها المزدوج؛ إذ كانت تُساند حكومات وجماعات تمرد في أوقات متفاوتة. وفور قرار الحكومة الأفرو-وسطية تنوّع تحالفاتها، لم تلبث القنوات الفرنسية، والغربية التي تتصارع مع روسيا، أن بدأت بإذاعة عناوين وعبارات من قبيل، “الخروج من استعمار إلى استعمار” و”الانتقال من سيد إلى آخر”. هذه العبارات وجدتْ صداها حتى في القنوات الفضائية الأفريقية التي تتبنى الروايات الغربية المختلفة. ومع تبني دول الساحل الأفريقي، وخاصة تلك التي شهدت انقلابات عسكرية مؤخرًا، لسياسات تنوع التحالفات، أصبح استخدام هذه التعابير شائعًا في العديد من الأوساط، بما في ذلك العالم الإسلامي، دون إدراك أن هذا يُعزز الدعايات الغربية.

تتجلّى براعة الغرب، بكل ما تحمله من زخم استراتيجي، في ترسيخ أنماط فكرية وتعابير معينة عبر العقود، بما يشمل تفسيراته للأزمات في مناطق متفاوتة كالساحل وفلسطين وأوكرانيا. 

هذه الهيمنة الفكرية، التي تبدو وكأنها رياح تحرك سفينة الرأي العام عبر البحار الدولية، ليست مجرد نتاج عفوي للثقافة الغربية، بل هي منهجية متأصلة تمتد عبر العقود.

فالاستراتيجيون الغربيون، بمكر سياسي، يُحركون أدواتهم اللغوية ليس فقط لشيطنة خصومهم، بل أيضًا لتلميع صورتهم كحماة للقيم العالمية. 

وهذه الممارسات ليست إلا دليلاً على استمرارية نهج استعماري مبطن، يسعى للسيطرة على العقول قبل الأراضي. 

ولتحليل هذا المنحى الدقيق، أدعوكم، لنتأمل معاً في بعض النصوص التي تشرح كيفية إدارة التعابير، في: كتاب “تجار الأخبار: مقالة عن النزعات الشمولية في وسائل الإعلام”، الذي يقع في 513 صفحة والمنشور في أكتوبر 2018، توضح فيه الناقدة الفرنسية الشهيرة “إنغريد ريوكرو” بدقة متناهية تحيزّ اللغة في الاختيارات الصحفية، بتسليط الضوء على الميل الدائم للصحفيين الفرنسيين -وبالتالي الغربيين- نحو فرض مواضيعهم التي هم يرودونها على الجماهير، سواءً أكان ذلك في فرنسا أو في مستعمراتها السابقة في أفريقيا، مع أن الإعلام الغربي يُصور ذاته كمفتاح لفهم الأحداث ومضيء للعقول، ومن خلال شعارات مثل “فك رموز القضايا”. إلا أن اللغة الصحفية وخياراتها التحريرية أثبتت أن هناك تحيزًا يهدف إلى تمرير أيديولوجيات الغرب تحت ستار المعلومات الموضوعية بجرعة مفرطة للغاية، ولذا باتت الجماهير تنأى بنفسها عن تصديقها.

تقول إنغريد: “يكشف التحيز في اللغة الإعلامية الغربية، بوصفها مصانع للرأي أن: الهدف ليس فقط توجيه الأفراد حول ما يجب أن يفكروا به، بل أيضًا تحديد ما ينبغي عليهم الاعتقاد به.” 

وكلمة السر بالنسبة لي في مقولة إنغريد هنا هي “تحديد ما يجب أن يعتقده الناس”. جملة تُظهر تسيّد اللغة الإعلامية الغربية في الفضاء العام، حيث نجد أنها قد تمكنت من تحديد ما يجب علينا الاعتقاد به والتفكير فيه، وذلك بفرض النقاشات التي يجدر بنا خوضها يوميًا. وقد تمكن هذا النهج الإعلامي من السيطرة على ما يُعرض ويُناقش، محددًا الأحداث التي تستحق الظهور كـ “حدث اليوم”، وأكثر من ذلك، فرض نمطين فقط للتفكير لا ثالث لهما، مما يدفع الجمهور للانقسام إلى معسكرين: مؤيد ومعارض.


ففي الأزمة الأوكرانية مثلاً،تم فرض عبارة ” نُدين روسيا وندعم أوكرانيا”، وأي تعبير عن موقف آخر غيرها سيُعتبر دعمًا لـ”لاستعمار الروسي والحكم الديكتاتوري” بل تم منع تراخيص القنوات الروسية كي لا تطغى لغاتها الصحفية على عقول الجماهير الأوروبية. حتى في إفريقيا، لم يكن “عدم الاهتمام” خيارًا متاحًا، بل كان يجب فرض “أنماط تعبير محددة” في الأسئلة الموجهة إلى القادة الأفارقة من الصحافيين الأوروبيين، ولم يكن مقبولًا الحياد الأفريقي أو عدم التعليق.

بالمثل، في العدوان الإسرائيلي على فلسطين، فُرضت لغات وتعابير “تُدين حركة حماس وتجرّم احتجاز الرهائن، وتُعلن عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وفي الوقت نفسه يُبعد كل تعبيرٍ أو لغةٍ من شأنها أن تثبت ارتكاب إسرائيل جرائم حرب أو إبادة جماعية. 

ومن يُحيد عن هذه الخطوط ويُحاول طرح نقاط منطقية بديلة، يُعاد سريعًا إلى الإطار الذي يُسيطر عليه الغرب باستخدام عبارات مثل تلك التي أطلقها بيرس مورغان: “لكن، هل تدين حماس؟” حتى وسائل الإعلام التي تحاول فرض لغات وتعابير مختلفة تُستهدف بتدابير قانونية قمعية أو حتى بالعنف، كما فعلت إسرائيل مع قناة الجزيرة.

وأيضًا الآن، في دول الساحل، التي تسعى للتحرر من الهيمنة الغربية التي تستنزف مواردها، لا يُسمح لها بمناقشة فشل التعاون مع الغرب لمدة تقرب من 60 عامًا في تحقيق التنمية أو حتى الاستقرار، أو الأسباب الحقيقية للنفور من الغرب. 

الشيء الوحيد المسموح به هو طرح سؤال “هل التعاون مع روسيا والصين استعمار جديد؟” ومن الضروري أن يُكرر أتباعهم وأبناء الطبقة المستفيدة من النهب الغربي هذا السؤال وراء كل قرار تتخذه دول الساحل، وكثيراً ما يَكتبُ أولئك الذين تم التلاعب بهم فكريًا ولغويًا، عبارة “ما الفائدة إذا كان الأمر يتعلق بالخروج من استعمار إلى استعمار؟” حتى وإن لم يكن للموضوع علاقة مباشرة بروسيا أو الصين. هذا يُظهر الاستعمار العقلي الذي يعيشه الكثيرون في عالمنا الإسلامي والأفريقي بسذاجة وحسن نية في الغالب.

مع الإشارة هنا، أن هذا النمط الغربي في التلاعب اللغوي يذكّرني باستراتيجية النازيين في إصمات الخصوم. 

ففي مذكراته الشخصية من 1939 إلى 1942، كتب وزير الدعاية النازية جوزيف جوبلز، الصديق المقرّب لأدولف هتلر، عبارة شهيرة له يقول: “نحن لا نريد إقناع الناس بأفكارنا فقط، بل نريد تقليص اللغة بطريقة تجعلهم غير قادرين على التعبير إلا عن أفكارنا.” 

وهي استراتيجية تكشف عن توجه نحو احتكار الفكر وتوجيه العقلية الجمعية، وتفسر كيف أن رؤية الإعلام للسيطرة الفكرية، ليس فقط من خلال الإقناع، ولكن بالأحرى عبر إعادة تشكيل القدرات التعبيرية للجماهير، محددًا بذلك حدود فكرهم ولغتهم، تمامًا كنهج الإعلام الغربي اليوم.

ولجميع ما سبق، لديّ مشكلتين رئيسيتين مع هذه التعابير:

أولًا، لا تدرك القنوات الغربية أنها، من خلال تبني هذه التعابير، تُدين الغرب نفسه أولًا وقبل كل شيء. ففي الجملة “انتقال من استعمار إلى آخر” يكمن اعتراف ضمني بأن العلاقة التي كانت تحظى بها فرنسا وبريطانيا وأمريكا وغيرها من الدول الأفريقية كانت “علاقة استعمارية”، على الرغم من تكرار ادعائهم بالتحالف أو الصداقة مع تلك الدول، وأن الاستعمار قد انتهى منذ عهود الاستقلال. 

وبالتالي، إذا كان التحالف الجديد مع روسيا في عام 2018 يُعتبر استبدالًا لاستعمار بآخر، فهذا يعني ضمنيًا أن أفريقيا الوسطى، مالي، وحلفائها لم تكن مستقلة حقًا ولا للحظة، وقبل الانتقال مما يسمونه ” إلى استعمار آخر” كانت تحت استعمار، وهذا يُقوي -دون إدراكٍ منهم- الروايات الأفريقية التي تُشير إلى أن العلاقة مع الغرب لم تخرج يومًا من الاستعمارية.

ثانيًا، تعبير “استبدال سيد بآخر” يُعتبر عنصريًا. فالغرب لا يزال يرى الأفارقة كـ “خدم” يبحثون عن سيدٍ جديد، وليس كبشر أحرار يبنون تحالفاتهم بوعي وتقدير، موازنين بين الخيارات المتاحة واختيار الأفضل لهم. ويتعمد الغرب اتخاذ لغة إعلامية مزدوجة في توصيف العلاقات مع أفريقيا، فعندما يتعلق الأمر بأفريقيا السوداء، تتحول التحالفات إلى “انتقال من سيد إلى سيد آخر”، بينما في مشهد السياسة الدولية خارج هذا الإطار، تُصاغ المصطلحات بدقة لتعكس شراكات استراتيجية وتحالفات. نجد هذا الازدواج في التعبير حيث توصف العلاقة بين روسيا وبشار الأسد مثلاً بأنها “تحالف”، والقواعد الأمريكية في الخليج بأنها “تعاونات عسكرية”. ولا تقتصر هذه الظاهرة على العلاقات الروسية السورية فحسب، بل تمتد لتشمل حالات أخرى كالتحالف العميق بين الجزائر وروسيا منذ الثورة على فرنسا، حيث لم يوصف بأن الجزائر استبدلت سيدًا بآخر، بل ظلت العلاقات توصف بـ”الحليف الجزائري، روسيا”.

مثال آخر يظهر في أوكرانيا، التي أصبحت بعد ثورة الميدان لعام 2014 أكثر اعتمادًا على الغرب وتجلى في الحرب الأوكرانية بوضوح، دون أن يُطلق على هذه العلاقة وصف “استبدال السيد الروسي بالغربي “. كذلك الحال مع كوريا الجنوبية واليابان التي تحتمي بالولايات المتحدة كليًا ضد الصين، ولا يُنظر إلى هذه العلاقات كعلاقات خضوع، بل كتحالفات استراتيجية.

ختامًا: إنّ الانتقاء الغربي في اللغة ليس إلا دلالة على توظيف الامبرياليين عبء التاريخ الاستعماري والعنصري الذي ما زال يلقي بظلاله على كيفية تقديم الإعلام الغربي لعلاقات أفريقيا مع الخارج. 

إذْ تُقدمها حين تكون في صالحها باعتبارها “تحالفات”، لكن إذا كان ضدها فهو “استعمار وسيد جديد”. محاولاً بذلك تأكيد صورة نمطية عنقودية تُحصر الأفارقة في دائرة الخضوع والاستلاب. 

فهل يدرك عالمنا الإسلامي والأفريقي هذا التلاعب اللغوي وما يحمله من دلالات استعلائية؟ 

ومؤكدٌ، أنّ الاستخدام الواسع لهذين التعبيرين يُعزز النظرة العنصرية كما يريدها الغرب تجاه الأفارقة، سواء كان ذلك بوعي أو بدونه.


السبت، 9 أغسطس 2025

الكريدور المحلي.. والاستعمار القديم

  الكريدور المحلي.. والاستعمار القديم

صفوت بركات

أستاذ علوم سياسية واستشرافية

لم يخرج الاستعمار بشكله القديم إلا بعد أن شيّد كريدور محلّيّ مرتبط به، وفي بعض دول العالم الثّالث تجد في بعضها ٣٠ كريدور ينتمي كلّ واحد منهم لدولة أخرى.

في بادئ الأمر يسحقون أهل تلك الدولة ثقافيًّا وتشريعيًّا.

ويبذرون الفُرقة بين أهلها الأصليّين، ويشُنُّون الحرب على تُراثها، حتى لا يجتمعوا، ثم يسرقون إرادتها الوطنيّة بعد إعادة تعريف المعايير والقيم المحلية ومصالحها الحقيقيّة وأمنها القوميّ..

ثم يجري الصّراع بينهم على النُّفوذ بعد سحقهم للقُوَى الوطنيّة في تلك الدول،

ولا تستقر تلك البلاد إلا بعد الوصول إلى معادلة التوازن بين كافّة الكريدورات ولحقب قصيرة لا تطول، فيُخدع المحلّيّون بأنهم في استقرار ثم يندلع الصّراع مرّة أخرى بين الكريدورات حسب مراكزها الخارجيّة ومصالحها الذاتيّة أو التفاوض عليها كأوراق في لعبة أكبر.

وهذا هو الاستعمار الحديث والمالتي ناشونال، والذي يتحكّم في العالم الثالث من مائتي عام وإلى اليوم.

 وكلُّهم يُغنّي وطنيّة وطنية، وعربيّة عربيّة، وشرقيّة شرقيّة، وفرنكونيّة فرنكونيّة؛ وهكذا حيثما صلح الشعار كان!

الكريدور

ممر ضيق مر عبره الخونة من علماء دين أو مبتعثين للاستزادة من العلم في كل فن وتم تجنيدهم أو سقطوا في الدهشة وفتنتهم الرحلة بالمشاهدات دون إدراك وفهم المآلات.

 وأيضًا دبلوماسيون أو ممن منحوا جوائز لتخليد انحرافهم ويستخدم لصناعة طوائف الخونة (الحاكمة والمتحكمة والمحصنة ضد الولاء الوطني والعقيدة والأعراف والعادات الأصيلة والمحلية)

ما تفعله الإمبراطوريات والدول المستعمرة لدول من العالم الثالث، صناعة الكرديدور المالي والسياسي والثقافي لينتج بعد ثلاثة عقود نصف مجتمع تابع يدير الصراع الداخلي بنفسه مع النصف الآخر عبر الإعلام والسينما والمسرح والصحافة والسوشيال ميديا والتشريع والتحكم في مفاصل الحكم ليكونوا هم الاسوة والقدوة لسحق النصف الآخر من المجتمع ولهذا تتبنى الدول صاحبة والمصلحة الغرض تمويل الجيوش والفنون والمؤسسات الثقافية والقضائية وحتى الصحية والتعليمية(واضعوا المناهج وطرق التدريس)

وتحصن الجماعات المسماة جماعات حقوقية ومؤسسات النسوية والطفولة لإعادة صياغة أو صبغة المجتمع ثقافيا وتشريعيا واجتماعيا وسياسيا بصبغة الكرديكور الذي نشأ في أول الأمر بحفنة من الناس الفقراء..

والفارق الوحيد للرواد الأوائل من بين من يعمل موظفاً فقيراً وبين من يحصل على راتبٍ أجنبي في منظمة دولية لا علاقة له بـ«القدرات» و«الإنتاج» والمعايير الرأسمالية، الموضوع سياسي أساساً والمال سياسي بحت؛ والفارق بين المصيرين حاسمٌ وفائق.

 وحين يكون لعنصرٍ وحيدٍ هذا القدر من التأثير على حياتك، تصبح غالبية العلاقات الاجتماعية متمحورة حوله، وحول من هو في «الداخل» و«الخارج»؛ وهذه الأهمية ستزداد في دولٍ تنهار فيها الدولة الوطنية والاقتصاد المحلّي، فيما يزداد باطّراد التمويل الأجنبي والاستثمار السياسي للدول الثرية، فيصبح لها مجتمع صغير مؤثّر في كلّ بلد. وهذا ما حصل ويحصل في العالم الثالث بلا استثناء

الأحد، 19 يناير 2025

معركة أنوال وسحق جيوش الإسبان

 

معركة أنوال وسحق جيوش الإسبان

 . أحمد الظرافي

 

تعتبر أكبر هزيمة يمنى بها الإسبان في تاريخهم الاستعماري في المغرب، بل ربما في تاريخهم العسكري كله، ليس من الناحية العسكرية فحسب، ولكن أيضاً من الناحية المعنوية

الغزو الإسباني للمغرب:

بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس عام 1492م، باشر الإسبان حروبهم الصليبية على المسلمين في شمال إفريقيا، ولحقوا في ذلك بجيرانهم البرتغاليين الذين كانوا قد بدؤوا تلك الحرب في عام 1415م، وهو العام الذي احتلوا فيه ثغر سبتة، وهكذا اندفع الإسبان والبرتغاليون، كلٌّ من موقعه، في شن حملات ضارية على ثغور شمال إفريقيا، حيث بدأت أساطيلهم تراوح هذه الثغور وتغاديها من طرابلس شرقاً حتى مليلة غرباً، وذلك استمرار لمعركتهم ضد المسلمين في الأندلس، وفي عام 1497م نجح الإسبان في احتلال ثغر مليلة. وفي عام 1508م احتلوا جزيرة بادس على ساحل الريف الأوسط، وانتهت هذه المرحلة بانتزاعهم لثغر سبتة من البرتغاليين عام 1640م، وبذلك يكونون قد أكدوا سيطرتهم على ضفتي خليج الزقاق (مضيق جبل طارق) في شمال المغرب الأقصى. بَيْدَ أن محاولاتهم المستمرة لتوسيع نفوذهم في الداخل باءت كلها بالفشل؛ بل ظلت سيطرتهم على ثغور شمال المغرب غير مستقرة حتى مطلع القرن العشرين؛ وذلك بسبب مقاومة القبائل المغربية لهم، وانتفاضاتها المتوالية ضدهم، وضرباتها الموجعة لقواتهم ولمصالحهم. وفي مطلع العقد الثاني من القرن العشرين قرر الإسبان وضع حدٍّ لتلك الانتفاضات الشعبية الجهادية في ريف المغرب، فأرسلت الحكومة الإسبانية مزيداً من القوات إلى شمال المغرب لقمعها، ثم لم تلبث أن استدعت جيشها الاحتياطي لتزج به في تلك الحرب للسيطرة على الريف المغـربي كله، تعويضاً عن خسارتها لمستعمراتها في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا (الفلبين)، وهزائمها المخزية هناك على أيدي الأمريكان، وتنازلاتهـا المذلة لهم، وبحلول عام 1912م، وهو العام الذي احتلت فيه فرنسا وسط المغرب، ونتيجة لهذا الاحتلال نجح الإسبان في احتلال الجزء الشمالي من المغرب الأقصى، ومع ذلك لم تهدأ مقاومة القبائل المغربية لهم، وكانت هذه المقاومة بقيادة محمد أمزيان بطل حرب الريف الأولى (1909 - 1912م)، ثم بقيادة أحمد الريسوني (1871 - 1925م)، إلا أن هذه المقاومة لم تكن مقاومة منظمة، وكانت تنقصها الأسلحة والذخائر والخبرة القتالية في مواجهة جيش نظامي عتيد ومحترف في القتل والإجرام وسياسة الأرض المحروقة كالجيش الإسباني، كما أن المنافسات والحروب القبلية الدموية، كانت تعمـل عملها بين القبائل في الريف المغربي، بتأثير دسائس الأعداء أولاً، ونتيجة للجهل ثانياً. وبعد احتلال فرنسا لوسط المغرب وجنوبه، وتقاسم النفوذ فيه مع الإسبان، وطبقاً لمؤامرة باريس بين فرنسا وإسبانيا عام 1912م تجددت مطامع الإسبان في مدِّ نفوذهم في الجبهة الشرقية، وبخاصة بعد التقدم الذي أحرزوه في الجبهة الغربية، ولكنهم كانوا مدركين لخطورة هذه المغامرة وجسامة الخسائر التي ستترتب عليها، نظراً للمقاومة الشديدة التي كانت تواجههـم، ولذلك فقـد ترافقت إجراءاتهم العسكرية في هذه المرحلة بالتدابير السياسية لاحتلال هذه المنطقة، وظلوا لبضع سنوات يتقدمون ببطء وحذر متبعين أسلوب القضم وأسلوب شراء ولاءات الخونة وضعفاء النفوس من رؤساء القبائل، واتخـاذ بعض أتباعهم جنوداً ليقاتلوا تحت لوائهم، ولكن بينما كان الإسبان متفائلين بنجاح هذه السياسة إذا بهم يتفاجؤون باندلاع ثورة الريف المبـاركة، بقيـادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهنا بدأت مرحلـة جديد من مراحل الجهاد ضد الصليبية الإسبانية في شمال شرقي المغرب، لم تعرف لها المنطقة مثيلاً من قبل، وذلك في عام 1921م.

شخصية الأمير الخطابي:

ولد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي عام 1882م في بلدة (أجدير) في شمالي المغرب، حيث كان والده زعيماً لقبيلة (ورياغل) إحدى قبائل الريف البربرية، وبعد أن حفظ القران وألمَّ بمبادئ الدين وأساسيات اللغة العربية في مسقط رأسه. أرسله والده إلى جامعة القرويين بفاس، فقضى هناك ثلاث سنوات، كما قضى مثلها في جامعة شلمنقة الإسبانية حيث درس القانون، وبعد ذلك التحق بمهنة التدريس في مدينة مليلة، ولكنه لم يلبث أن تحول إلى القضاء تابعاً للمحتل الإسباني الذي كان يحتل منطقته أيضاً، وإلى جانب ذلك عمل مراسلاً لجريدة (تلغرام الريف) التي أصدرها بعض التقدميين الإسبان في مليلة، والتي أخذت تنشر مقالاته عن أوضاع المغرب وتحليلاته للعلاقات الدولية، وبخاصة بين دول العالم الثالث والدول العظمى. وقد عُرِفَ الخطابي منذ بداية شبابه بشجاعته، وجرأته، وحسن رأيه، إلى جانب قوة إرادته وعزيمته، وشخصيته القيادية الفذة التي لا تقبل الضيم أو الخضوع، ولا تساوم على الدين والكرامة مهما كان الثمن، كما عُرِف بسعة إطلاعه على قضايا أمته وعلى ما يجري في العالم، والانفتاح على ثقافة العصر. وقد اعترف له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء؛ فقد وصفه العقيد الإسباني رامون سانشيت أثناء إقامته بمليلة، فقال: «كان ذا عقل ثاقب، وذكاء حادٍّ، ومنطق صارم، وإدراك حصيف، وحدس سليم، وبعد نظر؛ فقد عُرف في هذه الرحلة بآرائه السديدة وحنكته وفطنته، فقد فرض نفسه على القواد الإسبانيين، فكان صاحب مبادىء راسخة، ذا قدرة على التحليق في سماء المثل العليا؛ إذ اتخذها دليلاً لطموحه السياسي ووسيلة ناجعة للثورة على الجهل، فتسلح بنور الفكر الإسلامي وثقافة العصر». وقد مكنته إقامته بمليلة واحتكاكه بالموظفين الإسبان من التعرف على خبايا السياسة الإسبانية، وعلى عقلية السلطة الإسبانية، ونواياها تجاه بلاده. هذه السلطة الاستعمارية الغاشمة التي قامت باعتقاله عام 1915م كونه أظهر التعاطف تجاه العثمانيين الذين انخرطـوا في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان، ولجرأته فقد حاول الهرب، وقفز من فوق أسوار السجن شاهق الارتفاع بصورة أدت إلى تهشم رأسه وكسر رجله، ومن ثَمَّ القبض عليه وإعادته إلى السجن مرة أخرى. وفي عام 1920م توفي والده، وكان ذلك بعد خروجه من السجن وعودته إلى قريته بزمن قليل، وكان والده حينها يُعِدُّ العدة للتصدي للإسبان بعد أن أنذرهم من مغبة التوغل في البلاد. ولذلك فقد تصدر الخطابي الواجهة في قبيلته بمساعدة أخيه وعمه، فعمل على جمع شمل القبائل وإزالة ما بينها من فرقة واختلاف، وحثِّها على توجيه بأسها نحو العدو المشترك، وهو العدو الإسباني المحتل، وتخليص البلاد منه، معتبراً الحرب ضده حرباً دينية وحضارية. وقد توَّج جهودَه في هذا المجال بتنظيم مؤتمر عامٍّ لرؤساء القبائل، نجح خلاله في تحقيق مصالَحة عامة بينهم، واعترفوا به زعيماً عليهم، بعد أن تعاهدوا على رفع راية الجهاد ضد الإسبان. ولم يكن الخطابي قائداً عسكرياً فحسب؛ وإنما كان إلى جانب ذلك مصلحاً اجتماعياً، وداعية إسلامياً، يدعو إلى الله على علم وبصيرة، وكانت دعوته تقوم على تجديد ما اندرس من تعاليم الإسلام، ومحاربة الجمود، ونشر العلم، والأخذ بأسباب التقدم والتمدن، في إطار العقيدة الإسلامية.

الجنرال سيلفستري وثورة الريف:

وفي ربيع عام 1921م، وهو العام الذي اندلعت فيه ثورة الريف بقيادة الأمير الخطابي، حشد الإسبان في مليلة جيشاً ضخماً قوامه 30 ألف مقاتل، ومثلهم تقريباً من خونة الأهالي، ولم يلبثوا أن تقدموا في المنطقة، بقيادة الجنرال مانويل فرنانديز سيلفستري، قائد القيادة العليا لجيش الاحتلال الإسباني بناحية مليلة، وكان هذا الجنرال معروفاً بصلفه وعناده، ونوزاعه الاستعمارية، وشدة ولائه للتاج الإسباني، وكان يحظى بالدعم المطلق من قبل الفونسو الثالث عشر، ملك إسبانيا (1902 - 1931م) الذي وضع كل ثقته فيه لوضع حدٍّ لثورة ابن عبد الكريم، ومن ثَمَّ إحكام السيطرة الكاملة، على بلاد الريف كلهـا، حيث كان الإسبان يعتقدون في البداية أن هذه الثورة ليست سوى حركة مؤقتة كالحركات التي سبقتها؛ وبخاصة أن هذا الجنرال بعد تعيينه قائداً عسكرياً لهذه الجبهة عام 1920م، كان قد احتل عدة مواقع متقدمة دون أن يجابَه بمقاومة تذكر، ودون أن يخسر أيَ جندي إسباني، فقد كان الضحايا في هذه المرحلة كلهم من الريفيين الخونة العاملين تحت اللواء الإسباني، كما أن كلاً من إسبانيا وفرنسا كانتا قد منعتا وصول السلاح إلى الريفيين، وجرَّمتا حمله من قبلهم، على اعتبار أنهم (متشددون) وأعداء لرسالتهما الحضارية التي يحملانها إلى الشعوب المتخلفة، بزعمهم. ولذلك فقد استمر الجنرال سيلفستري في اندفاعه حتى منطقة أنوال على مشارف قبيلة (ورياغل) التي ينتمي إليها ابن عبد الكريم، قائد الثورة، حيث كان يتخندق فيها إلى جانب مقاتليه وقتذاك، وكان الجنرال الإسباني المغرور قد أقسم أنه سيشرب الخمر في بيت ابن عبد الكريم. ولكن شاء الله تعالى أن يجعل كيدَه في نحره، وتدميرَه في تدبيره؛ فعند وصوله إلى هذه المنطقة بدأت الأمـور تتخـذ منحىً آخر، لم يحسب له حساباً؛ فبينما كان ذلك الجنرال، يواصل احتلال مناطق الريف فوجىء بانقضاض المجاهدين الريفيين على مركز (أبران) أحد المراكز الإسبانية المهمة في المنطقة وإبادة من وجدوا فيه من جنود إلا قلة قليلة ممن استطاعوا الهرب، والاستيلاء على جميع الأسلحة والذخائر التي كانت فيه، وكانت هذه أول لطمة مؤلمة لهذا الجنرال المتعجرف في المغرب، وكانت بالمقابل أول انتصار للخطابي، وهو الانتصار الذي ذاع صيته في نواحي المنطقة كلها. وعلى إثر ذلك الانتصار الذي جاء بعد عقود من الهزائم والنكسات، وفي وقت كان فيه العالم الإسلامي كله يرزح تحت نير الاستعمار، سرى الحماس في عروق أبناء قبائل الريف، ودبَّت الحميــة في نفوسهم، وتذكروا أمجاد وبطولات أسلافهم فاتحي الأندلس، وبخاصة أن هذا الانتصار قد وقع في العشر الأواخر من رمضان 1339هـ، ومن هنا فقد تداعوا للثورة على الغزاة الإسبان، ولم تلبث أن دوت صيحة الجهاد ضدهم في المنطقة كلها، وانخرط المئات من أبنائها في صفوف كتائب الخطابي، وأخذت الضربات الموجعة تسدَّد للإسبان من كل الاتجاهات، وتم القضاء على العديد من الفرق الإسبانية الموجودة بالمنطقة والاستيلاء على أسلحتها، كما باتت الفرق الإسبانية الأخرى شبه محاصرة، وبات المجاهدون على مشارف أنوال، مركز تجمع القوات الإسبانية، وعلى أهبة الاستعداد لخوض المعركة الفاصلة ضدها، وهي المعركة التي سيتردد صداها في الشرق والغرب، وسيخلدها التاريخ باسم (معركة أنوال).

أهمية معركة أنوال:

لقد كانت معركة أنوال معركة فريدة من نوعها في التاريخ العسكري العالمي، وهي تعد من أهم المعارك في العصر الحديث في القرن العشرين بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما تعتبر أكبر هزيمة يمنى بها الإسبان في تاريخهم الاستعماري في المغرب، بل ربما في تاريخهم العسكري كله، ليس من الناحية العسكرية فحسب، ولكن أيضاً من الناحية المعنوية؛ فقد كانت هزيمتهم في هذه المعركة هزيمة ساحقة ماحقة، حيث فقدوا فيها جميع الجيوش التي كانت في منطقة أنوال وغيرها من مناطق الريف، سواء بالقتل أو الأسر، وبسلاحهم نفسه بعد أن انتزعه المجاهدون الريفيون من أيديهم. ولم يسبق لمستعمر أن مني بهزيمة نكراء مزلزلة مثلها في أي مكان من العالم، اللهم إلا إذا استثنينا من ذلك هزيمة البرتغاليين القاصمة في معركة وادي المخازن، المعروفة أيضا بمعركة الملوك الثلاثة، وذلك عام 1571م على أيدي المغاربة أيضاً. ولذلك فقد أطلق المؤرخون والقادة العسكريون الإسبان على معركة أنوال اسم (كارثة أنوال)؛ فقد لقنهم محمد بن عبد الكريم الخطابي ورجاله البواسل فيها درساً لم ينسوه أبداً، وتركت الهزيمة في الوجدان الشعبي الإسباني جرحاً غائراً لن يندمل على مرِّ الزمن، وما زال اسم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي يشكل شبحاً مرعباً للإسبان حتى اليوم. وبالمقابل فإنه لم تسجل حركة جهادية مسلحة في أي بلد من العالم انتصاراً باهراً يماثل الانتصار الذي حققته الحركة الجهادية في ريف المغرب ضد الإسبان في معركة أنوال الخالدة بقيادة البطل الفذ محمد بن عبد الكريم الخطابي، وبتلك الصورة التي أدهشت العالم مثلما أدهشه أيضاً قائدها وخبرته العسكرية الفذة التي ارتكزت على أسلوب حرب العصابات والتنظيم العسكري والإداري، وذلك رغم أنه لم يتخرج من أي مدرسة أو أكاديمية عسكرية؛ ذلك أن الانتصار الباهر الذي تحقق في هذه الملحمة العظيمة بقيادة هذا الرجل الكفء المحنك، تحقق أساساً على أيدي جماعة من المغاربة الريفيين، لا يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف مقاتل، ولا يملكون سوى أسلحة خفيفة وبدائية، في مواجهة جيش نظامي مجهز بترسانة ضخمة من الأسلحة الحديثة الثقيلة شديدة الفتك والتدمير، إضافة إلى الأسلحة المتوسطة والخفيفة، ويتجاوز عدد أفراده ثلاثين ألف مقاتل، إلى جانب مثل هذا العدد تقريباً من خونة الأهالي المارقين. وما كان لهذا الانتصار الباهر أن يتحقق لولا تأييد الله سبحانه وتعالى للخطابي ورجاله البواسل، الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم دفاعاً عن دينهم وأمتهم وبلادهم، وأيضاً لولا براعة الخطابي في التخطيط والتنظيم عسكرياً وإدارياً، إلى جانب إيمانه ومن معه بعدالة القضية التي كانوا يجاهدون لأجلها.

كان انتصاراً اهتز له العالم كله، وزلزل أركان الاستعمار في العالم الإسلامي، ولذلك فقد حظيت المعركة بأهمية كبيرة لدى المؤرخين الأجانب، وقد صدر حولها حتى الآن حوالي مئة كتاب باللغات الأجنبية الحية، فضلاً عن الكتب التي صدرت عنها باللغة العربية. ومعركة أنوال في حقيقتها معركتان: الأولى معركة (أبران) وجرت في 1/6/1921م، والثانية معركة (أنوال) وجرت في 21/7/1921م، ولكن المعركة الأخيرة اشتهرت لأنها كانت هي المعـركة الحاسمة التي كان فيهـا النصر الكبير للخطابي وجنوده، وكانت فيها الهزيمة الساحقة الماحقة للجيش الإسباني المحتل. 

معركة أنوال وأبرز نتائجها:

وهكذا أدت حملة الجنرال سيلفستري على بلاد الريف إلى اشتداد ثورة الريف بدلاً من وَأْدها، وفي غضون ذلك زج هذا الجنرال بالمزيد من القوات لمجابهة تلك التطورات الخطيرة، بَيْد أن ذلك قد زاد الطين بِلَّة، لأن المجاهـدين الريفيين كانوا يترصدون لتلك القوات إينما ذهبت، وباتت أكثر المناطق التي يحتلها الإسبان في الريف محاصرة، كما باتت محـرومة من التزود بالماء الذي بات تحت سيطرة جيش الخطابي، بما فيها المنطقة التي كان يتمركز فيها الجنرال سيلفستري. هذا الأخير الذي لم يلبث أن فقد السيطرة على زمام الموقف؛ إذ صار ذلك الزمام بيد الخطابي، ونتيجة لذلك فقـد اشتد عطش الجنود الإسبان إلى درجة أوصلتهم إلى شرب أبوالهم، وإلى تعريض أرواحهم للقتل نتيجة لمغامرة بعضهم للوصول إلى مصدر الماء الوحيد في المنطقة، الأمر الذي كان يجعلهم هدفاً سهلاً للمجاهدين الريفيين، لدرجة أن كل قطرة ماء كان يحصل عليها الإسبان كانوا يدفعـون ثمنها قطرة دم. وقد باءت كل محاولات الجنرال سيلفستري في فك طوق الحصار المضروب حول قواته، أو بالأحرى الخروج من المصيدة التي وقع فيها بتدبير من الخطابي، بالفشل. وفي 21/7/1921م أصدر أوامره لقواته بالاشتباك مع جيش الخطابي، فنشبت بين الجيشين معركة هائلة لم تعرف لها المنطقة مثيلاً من قبل؛ إذ كان حوالي 3500 مقاتل مغربي في مواجهة حوالي 30 ألف جندي إسباني ومثلهم من خونة الأهالي، فقد هاجم الريفيون بخيلهم ورَجِلهم جميع المواقع الإسبانية في بلاد الريف في وقـت واحد، وقطعوا خطوط الاتصال وأسلاك الهاتف بينها، وعزلوا تلك المواقع عن بعضها، واستمرت المعركة خمسة أيام، دارت خلالها الدائرة على الجيش الإسباني؛ إذ أوقع به جيش الخطابي هزائم قاسية، ومزقه شر ممزق، وأجبر من تبقى منه على الفرار من أنوال، وتعقبت جيوش الخطابي فلول المقاتلين الإسبان الهاربة حتى مشارف مليلة، مُوقِعة بها مزيداً من القتلى، بحيث بلغت أعداد القتلى الإسبان في هذه المعركة حوالي 15 ألف مقاتل بينهم قادة كبار، على رأسهم الجنرال سيلفتسري الذي وجدت جثته فيما بعد بين ركام القتلى، والذي قيل إنه انتحر خوفاً من الشماتة والعار، وهذا بجانب آلاف الجرحى، ومئات من الأسرى، إضافة إلى الخسائر المالية الضخمة التي تكبدتها الخزينة الإسبانية. كما نجم عن هزيمة الجيش الإسباني على ذلك النحو المخزي والشنيع حدوث أزمات سياسية عميقة في الداخل الإسباني، ووقوع فجوة كبرى بين قادة الجيش ورجال السياسة الإسبان؛ إذ نشبت بين الطرفين خلافات مستعصية حول الأسلوب الناجع لغزو قبيلة ورياغل، القلب النابض للحركة الجهادية في ريف المغرب، لإلحاق الهزيمة الحاسمة بها، وكانت المعركـة بين الطرفين حامية الوطيس في الصحافة الإسبانية. وأدت المعركة على الجانب المغربي إلى تحرير جميع مناطق الريف من الاحتلال الإسباني عدا مليلة، وإلى غُنْم مئات المدافع الثقيلة والرشاشات، والآلاف المؤلفة من البنادق، وأطنانٍ من القذائف، وعشرات الشاحنات العسكرية، وغير ذلك من الأثاث والمؤن. وقد سارع الخطابي بعد انتصاره الباهر إلى تنظيم المناطق المحررة إدارياً ومالياً، وإلى تأسيس مجلس سياسي لإدارة شؤون البلاد، كما قام بتأسيس جيش نظامي لحماية انتصاراته، واستمر ذلك الجيش يحقق الانتصارات حتى نهاية عام 1924م.

التدخل الفرنسي والحرب الكيميائية:

شعرت القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى بالخطر من الانتصار الذي حققه الخطابي في أنوال وما تلاه من انتصارات وإنجازات في كافة المجالات، وبخاصة فرنسا التي كانت حينـذاك تسيطر على القسم الأعظم من شمال إفريقيا، فقررت التحالف مع الإسبان ودخول المعركة إلى جانبهم ضد الخطابي، وذلك في نيسان 1925م بعد أن حصلت على الدعم من إيطاليا التي كانت تحتل ليبيا آنذاك، وفي الوقت نفسه شدد الإنجليز، الذين كانوا يحتلون الجزيرة الخضراء، الحصار البحري على شمال المغرب للحيلولة دون وصول السلاح إلى أيدي المجاهدين الريفيين، بَيْدَ أن المجاهدين الريفيين ردوا الجيوش الفرنسية على أعقابها، وألحقوا بها هزائم ساحقة كالتي ألحقوها بالإسبان من قبل، واستردوا كثيراً من المواقع التي كانت تحتلها فرنسا في بلاد الريف الجنوبية، وذلك في الأشهر الأولى من الحرب، وكادوا في إحدى غزواتهم أن يحرروا مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، رغم أن هؤلاء المجاهدين كانوا يقاتلون في جبهتين، ورغم أن كلاً من الفرنسيين والإسبان كانوا قد حشدوا طاقتيهما لوأد ثورة الريف، وتصفيـة الخطابي.  

وعلى إثر تلك الانتصارات الجديدة وما تكبده الفرنسيون من خسائر فادحة، وأيضاً نتيجة لحالة الغليان التي عمت المغرب كله واحتمال نشوب الثورة الشاملة ضدهم في البلاد استجابةً لدعوات الخطابي.جن جنون السلطتين الاستعماريتين في باريس ومدريد، فلجأت كلٌّ منهما إلى سلاح غير تقليدي يستخدم لأول مرة في تاريخ الحروب، ألا وهو أسلحة التدمير الشامل؛ فقد استخدمت الجيوش الفرنسية والإسبانية مختلف أنواع الغازات السامة، والأسلحة الكيمائية في عدوانها المشترك على جيش الخطابي، وذلك عن طريق قصفه بها من الجو بواسطة الطيران، وكان ذلك في صيف عام 1925م، وقد شمل ذلك القصف القرى الآهلة بالسكان، والحقول الزراعية، ومصادر المياه، إلى جانب الطرق والمخابئ، ونتيجة لذلك فقد كانت أعـداد الضحايا المدنيين الريفيين بالجملة، وفقد الخطابي في غضون أشهر قليلة الآلاف من خيرة جنوده، فكان طبيعياً - والحال هذا - أن يقبل بمبدأ التفاوض مع السلطتين الاستعماريتين الفرنسية والإسبانية، غير أنه فوجىء في مؤتمر (وجدة) في نيسان 1926م بشروطهما التعجيزية والمجحفة والمذلة التي تشترطانها عليه، وهي: تنحيته وأسرته عن الريف، والسماح لهما بإقامة نقاط إسترتيجية في بلاد الريف، ونزع سلاح رجال الريف... إلخ، ولم تكن هذه المفاوضات حقيقة إلا لكسب الوقت، ولمعرفة نقاط ضعف الخطابي؛ إذ إنه قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به تلك الشروط، كان هناك حوالي نصف مليون جندي فرنسي وإسباني، مزودين بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة، يحتشدون في شمال وجنوب بلاد الريف على أهبة الاستعداد لاجتياح البلاد، كما نجح الفرنسيون أيضاً في استثارة الطرق الصوفية ضد الخطابي.

وفي مطلع مايو 1926م بدأ الطرفان الفرنسي والإسباني عدوانهما المشترك الشامل على بلاد الريف، فنجحا في إلحاق الهزيمة بالمجاهـدين الريفيين، واجتياح المنطقة بعد ثلاث حملات ضخمة، ومن ثَمَّ القضاء على ثورة الريف التي أتعبتهم وأنهكتهم، وقد انتهت تلك الثورة رسمياً باستسلام قائدها محمد بن عبد الكريم الخطابي للفرنسيين لتجنيب شعبه الإبادة الجماعية، التي كان يخطط لها الفرنسيون والإسبان، وكان ذلك في 27/5/1926م، وكان هذا اليوم من أشد الأيام سواداً وحزناً في تاريخ الأمة الإسلامية الحديث.                    








الأربعاء، 20 نوفمبر 2024

معركة أنوال وسحق جيوش الإسبان

 

معركة أنوال وسحق جيوش الإسبان




"تعتبر أكبر هزيمة يمنى بها الإسبان في تاريخهم الاستعماري في المغرب، بل ربما في تاريخهم العسكري كله، ليس من الناحية العسكرية فحسب، ولكن أيضاً من الناحية المعنوية"


الغزو الإسباني للمغرب:

بعد سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس عام 1492م، باشر الإسبان حروبهم الصليبية على المسلمين في شمال إفريقيا، ولحقوا في ذلك بجيرانهم البرتغاليين الذين كانوا قد بدؤوا تلك الحرب في عام 1415م، وهو العام الذي احتلوا فيه ثغر سبتة، وهكذا اندفع الإسبان والبرتغاليون، كلٌّ من موقعه، في شن حملات ضارية على ثغور شمال إفريقيا، حيث بدأت أساطيلهم تراوح هذه الثغور وتغاديها من طرابلس شرقاً حتى مليلة غرباً، وذلك استمرار لمعركتهم ضد المسلمين في الأندلس، وفي عام 1497م نجح الإسبان في احتلال ثغر مليلة. وفي عام 1508م احتلوا جزيرة بادس على ساحل الريف الأوسط، وانتهت هذه المرحلة بانتزاعهم لثغر سبتة من البرتغاليين عام 1640م، وبذلك يكونون قد أكدوا سيطرتهم على ضفتي خليج الزقاق (مضيق جبل طارق) في شمال المغرب الأقصى. بَيْدَ أن محاولاتهم المستمرة لتوسيع نفوذهم في الداخل باءت كلها بالفشل؛ بل ظلت سيطرتهم على ثغور شمال المغرب غير مستقرة حتى مطلع القرن العشرين؛ وذلك بسبب مقاومة القبائل المغربية لهم، وانتفاضاتها المتوالية ضدهم، وضرباتها الموجعة لقواتهم ولمصالحهم. وفي مطلع العقد الثاني من القرن العشرين قرر الإسبان وضع حدٍّ لتلك الانتفاضات الشعبية الجهادية في ريف المغرب، فأرسلت الحكومة الإسبانية مزيداً من القوات إلى شمال المغرب لقمعها، ثم لم تلبث أن استدعت جيشها الاحتياطي لتزج به في تلك الحرب للسيطرة على الريف المغـربي كله، تعويضاً عن خسارتها لمستعمراتها في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا (الفلبين)، وهزائمها المخزية هناك على أيدي الأمريكان، وتنازلاتهـا المذلة لهم، وبحلول عام 1912م، وهو العام الذي احتلت فيه فرنسا وسط المغرب، ونتيجة لهذا الاحتلال نجح الإسبان في احتلال الجزء الشمالي من المغرب الأقصى، ومع ذلك لم تهدأ مقاومة القبائل المغربية لهم، وكانت هذه المقاومة بقيادة محمد أمزيان بطل حرب الريف الأولى (1909 - 1912م)، ثم بقيادة أحمد الريسوني (1871 - 1925م)، إلا أن هذه المقاومة لم تكن مقاومة منظمة، وكانت تنقصها الأسلحة والذخائر والخبرة القتالية في مواجهة جيش نظامي عتيد ومحترف في القتل والإجرام وسياسة الأرض المحروقة كالجيش الإسباني، كما أن المنافسات والحروب القبلية الدموية، كانت تعمـل عملها بين القبائل في الريف المغربي، بتأثير دسائس الأعداء أولاً، ونتيجة للجهل ثانياً. وبعد احتلال فرنسا لوسط المغرب وجنوبه، وتقاسم النفوذ فيه مع الإسبان، وطبقاً لمؤامرة باريس بين فرنسا وإسبانيا عام 1912م تجددت مطامع الإسبان في مدِّ نفوذهم في الجبهة الشرقية، وبخاصة بعد التقدم الذي أحرزوه في الجبهة الغربية، ولكنهم كانوا مدركين لخطورة هذه المغامرة وجسامة الخسائر التي ستترتب عليها، نظراً للمقاومة الشديدة التي كانت تواجههـم، ولذلك فقـد ترافقت إجراءاتهم العسكرية في هذه المرحلة بالتدابير السياسية لاحتلال هذه المنطقة، وظلوا لبضع سنوات يتقدمون ببطء وحذر متبعين أسلوب القضم وأسلوب شراء ولاءات الخونة وضعفاء النفوس من رؤساء القبائل، واتخـاذ بعض أتباعهم جنوداً ليقاتلوا تحت لوائهم، ولكن بينما كان الإسبان متفائلين بنجاح هذه السياسة إذا بهم يتفاجؤون باندلاع ثورة الريف المبـاركة، بقيـادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وهنا بدأت مرحلـة جديد من مراحل الجهاد ضد الصليبية الإسبانية في شمال شرقي المغرب، لم تعرف لها المنطقة مثيلاً من قبل، وذلك في عام 1921م.

شخصية الأمير الخطابي:

ولد الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي عام 1882م في بلدة (أجدير) في شمالي المغرب، حيث كان والده زعيماً لقبيلة (ورياغل) إحدى قبائل الريف البربرية، وبعد أن حفظ القران وألمَّ بمبادئ الدين وأساسيات اللغة العربية في مسقط رأسه. 

أرسله والده إلى جامعة القرويين بفاس، فقضى هناك ثلاث سنوات، كما قضى مثلها في جامعة شلمنقة الإسبانية حيث درس القانون، وبعد ذلك التحق بمهنة التدريس في مدينة مليلة، ولكنه لم يلبث أن تحول إلى القضاء تابعاً للمحتل الإسباني الذي كان يحتل منطقته أيضاً، وإلى جانب ذلك عمل مراسلاً لجريدة (تلغرام الريف) التي أصدرها بعض التقدميين الإسبان في مليلة، والتي أخذت تنشر مقالاته عن أوضاع المغرب وتحليلاته للعلاقات الدولية، وبخاصة بين دول العالم الثالث والدول العظمى. وقد عُرِفَ الخطابي منذ بداية شبابه بشجاعته، وجرأته، وحسن رأيه، إلى جانب قوة إرادته وعزيمته، وشخصيته القيادية الفذة التي لا تقبل الضيم أو الخضوع، ولا تساوم على الدين والكرامة مهما كان الثمن، كما عُرِف بسعة إطلاعه على قضايا أمته وعلى ما يجري في العالم، والانفتاح على ثقافة العصر. وقد اعترف له بذلك الأعداء قبل الأصدقاء؛ فقد وصفه العقيد الإسباني رامون سانشيت أثناء إقامته بمليلة، فقال: «كان ذا عقل ثاقب، وذكاء حادٍّ، ومنطق صارم، وإدراك حصيف، وحدس سليم، وبعد نظر؛ فقد عُرف في هذه الرحلة بآرائه السديدة وحنكته وفطنته، فقد فرض نفسه على القواد الإسبانيين، فكان صاحب مبادىء راسخة، ذا قدرة على التحليق في سماء المثل العليا؛ إذ اتخذها دليلاً لطموحه السياسي ووسيلة ناجعة للثورة على الجهل، فتسلح بنور الفكر الإسلامي وثقافة العصر». وقد مكنته إقامته بمليلة واحتكاكه بالموظفين الإسبان من التعرف على خبايا السياسة الإسبانية، وعلى عقلية السلطة الإسبانية، ونواياها تجاه بلاده. هذه السلطة الاستعمارية الغاشمة التي قامت باعتقاله عام 1915م كونه أظهر التعاطف تجاه العثمانيين الذين انخرطـوا في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان، ولجرأته فقد حاول الهرب، وقفز من فوق أسوار السجن شاهق الارتفاع بصورة أدت إلى تهشم رأسه وكسر رجله، ومن ثَمَّ القبض عليه وإعادته إلى السجن مرة أخرى. وفي عام 1920م توفي والده، وكان ذلك بعد خروجه من السجن وعودته إلى قريته بزمن قليل، وكان والده حينها يُعِدُّ العدة للتصدي للإسبان بعد أن أنذرهم من مغبة التوغل في البلاد. ولذلك فقد تصدر الخطابي الواجهة في قبيلته بمساعدة أخيه وعمه، فعمل على جمع شمل القبائل وإزالة ما بينها من فرقة واختلاف، وحثِّها على توجيه بأسها نحو العدو المشترك، وهو العدو الإسباني المحتل، وتخليص البلاد منه، معتبراً الحرب ضده حرباً دينية وحضارية. وقد توَّج جهودَه في هذا المجال بتنظيم مؤتمر عامٍّ لرؤساء القبائل، نجح خلاله في تحقيق مصالَحة عامة بينهم، واعترفوا به زعيماً عليهم، بعد أن تعاهدوا على رفع راية الجهاد ضد الإسبان. ولم يكن الخطابي قائداً عسكرياً فحسب؛ وإنما كان إلى جانب ذلك مصلحاً اجتماعياً، وداعية إسلامياً، يدعو إلى الله على علم وبصيرة، وكانت دعوته تقوم على تجديد ما اندرس من تعاليم الإسلام، ومحاربة الجمود، ونشر العلم، والأخذ بأسباب التقدم والتمدن، في إطار العقيدة الإسلامية.

الجنرال سيلفستري وثورة الريف:

وفي ربيع عام 1921م، وهو العام الذي اندلعت فيه ثورة الريف بقيادة الأمير الخطابي، حشد الإسبان في مليلة جيشاً ضخماً قوامه 30 ألف مقاتل، ومثلهم تقريباً من خونة الأهالي، ولم يلبثوا أن تقدموا في المنطقة، بقيادة الجنرال مانويل فرنانديز سيلفستري، قائد القيادة العليا لجيش الاحتلال الإسباني بناحية مليلة، وكان هذا الجنرال معروفاً بصلفه وعناده، ونوزاعه الاستعمارية، وشدة ولائه للتاج الإسباني، وكان يحظى بالدعم المطلق من قبل الفونسو الثالث عشر، ملك إسبانيا (1902 - 1931م) الذي وضع كل ثقته فيه لوضع حدٍّ لثورة ابن عبد الكريم، ومن ثَمَّ إحكام السيطرة الكاملة، على بلاد الريف كلهـا، حيث كان الإسبان يعتقدون في البداية أن هذه الثورة ليست سوى حركة مؤقتة كالحركات التي سبقتها؛ وبخاصة أن هذا الجنرال بعد تعيينه قائداً عسكرياً لهذه الجبهة عام 1920م، كان قد احتل عدة مواقع متقدمة دون أن يجابَه بمقاومة تذكر، ودون أن يخسر أيَ جندي إسباني، فقد كان الضحايا في هذه المرحلة كلهم من الريفيين الخونة العاملين تحت اللواء الإسباني، كما أن كلاً من إسبانيا وفرنسا كانتا قد منعتا وصول السلاح إلى الريفيين، وجرَّمتا حمله من قبلهم، على اعتبار أنهم (متشددون) وأعداء لرسالتهما الحضارية التي يحملانها إلى الشعوب المتخلفة، بزعمهم. ولذلك فقد استمر الجنرال سيلفستري في اندفاعه حتى منطقة أنوال على مشارف قبيلة (ورياغل) التي ينتمي إليها ابن عبد الكريم، قائد الثورة، حيث كان يتخندق فيها إلى جانب مقاتليه وقتذاك، وكان الجنرال الإسباني المغرور قد أقسم أنه سيشرب الخمر في بيت ابن عبد الكريم. ولكن شاء الله تعالى أن يجعل كيدَه في نحره، وتدميرَه في تدبيره؛ فعند وصوله إلى هذه المنطقة بدأت الأمـور تتخـذ منحىً آخر، لم يحسب له حساباً؛ فبينما كان ذلك الجنرال، يواصل احتلال مناطق الريف فوجىء بانقضاض المجاهدين الريفيين على مركز (أبران) أحد المراكز الإسبانية المهمة في المنطقة وإبادة من وجدوا فيه من جنود إلا قلة قليلة ممن استطاعوا الهرب، والاستيلاء على جميع الأسلحة والذخائر التي كانت فيه، وكانت هذه أول لطمة مؤلمة لهذا الجنرال المتعجرف في المغرب، وكانت بالمقابل أول انتصار للخطابي، وهو الانتصار الذي ذاع صيته في نواحي المنطقة كلها. وعلى إثر ذلك الانتصار الذي جاء بعد عقود من الهزائم والنكسات، وفي وقت كان فيه العالم الإسلامي كله يرزح تحت نير الاستعمار، سرى الحماس في عروق أبناء قبائل الريف، ودبَّت الحميــة في نفوسهم، وتذكروا أمجاد وبطولات أسلافهم فاتحي الأندلس، وبخاصة أن هذا الانتصار قد وقع في العشر الأواخر من رمضان 1339هـ، ومن هنا فقد تداعوا للثورة على الغزاة الإسبان، ولم تلبث أن دوت صيحة الجهاد ضدهم في المنطقة كلها، وانخرط المئات من أبنائها في صفوف كتائب الخطابي، وأخذت الضربات الموجعة تسدَّد للإسبان من كل الاتجاهات، وتم القضاء على العديد من الفرق الإسبانية الموجودة بالمنطقة والاستيلاء على أسلحتها، كما باتت الفرق الإسبانية الأخرى شبه محاصرة، وبات المجاهدون على مشارف أنوال، مركز تجمع القوات الإسبانية، وعلى أهبة الاستعداد لخوض المعركة الفاصلة ضدها، وهي المعركة التي سيتردد صداها في الشرق والغرب، وسيخلدها التاريخ باسم (معركة أنوال).

أهمية معركة أنوال:

لقد كانت معركة أنوال معركة فريدة من نوعها في التاريخ العسكري العالمي، وهي تعد من أهم المعارك في العصر الحديث في القرن العشرين بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، كما تعتبر أكبر هزيمة يمنى بها الإسبان في تاريخهم الاستعماري في المغرب، بل ربما في تاريخهم العسكري كله، ليس من الناحية العسكرية فحسب، ولكن أيضاً من الناحية المعنوية؛ فقد كانت هزيمتهم في هذه المعركة هزيمة ساحقة ماحقة، حيث فقدوا فيها جميع الجيوش التي كانت في منطقة أنوال وغيرها من مناطق الريف، سواء بالقتل أو الأسر، وبسلاحهم نفسه بعد أن انتزعه المجاهدون الريفيون من أيديهم. ولم يسبق لمستعمر أن مني بهزيمة نكراء مزلزلة مثلها في أي مكان من العالم، اللهم إلا إذا استثنينا من ذلك هزيمة البرتغاليين القاصمة في معركة وادي المخازن، المعروفة أيضا بمعركة الملوك الثلاثة، وذلك عام 1571م على أيدي المغاربة أيضاً. ولذلك فقد أطلق المؤرخون والقادة العسكريون الإسبان على معركة أنوال اسم (كارثة أنوال)؛ فقد لقنهم محمد بن عبد الكريم الخطابي ورجاله البواسل فيها درساً لم ينسوه أبداً، وتركت الهزيمة في الوجدان الشعبي الإسباني جرحاً غائراً لن يندمل على مرِّ الزمن، وما زال اسم الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي يشكل شبحاً مرعباً للإسبان حتى اليوم. وبالمقابل فإنه لم تسجل حركة جهادية مسلحة في أي بلد من العالم انتصاراً باهراً يماثل الانتصار الذي حققته الحركة الجهادية في ريف المغرب ضد الإسبان في معركة أنوال الخالدة بقيادة البطل الفذ محمد بن عبد الكريم الخطابي، وبتلك الصورة التي أدهشت العالم مثلما أدهشه أيضاً قائدها وخبرته العسكرية الفذة التي ارتكزت على أسلوب حرب العصابات والتنظيم العسكري والإداري، وذلك رغم أنه لم يتخرج من أي مدرسة أو أكاديمية عسكرية؛ ذلك أن الانتصار الباهر الذي تحقق في هذه الملحمة العظيمة بقيادة هذا الرجل الكفء المحنك، تحقق أساساً على أيدي جماعة من المغاربة الريفيين، لا يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف مقاتل، ولا يملكون سوى أسلحة خفيفة وبدائية، في مواجهة جيش نظامي مجهز بترسانة ضخمة من الأسلحة الحديثة الثقيلة شديدة الفتك والتدمير، إضافة إلى الأسلحة المتوسطة والخفيفة، ويتجاوز عدد أفراده ثلاثين ألف مقاتل، إلى جانب مثل هذا العدد تقريباً من خونة الأهالي المارقين. وما كان لهذا الانتصار الباهر أن يتحقق لولا تأييد الله سبحانه وتعالى للخطابي ورجاله البواسل، الذين حملوا رؤوسهم على أكفهم دفاعاً عن دينهم وأمتهم وبلادهم، وأيضاً لولا براعة الخطابي في التخطيط والتنظيم عسكرياً وإدارياً، إلى جانب إيمانه ومن معه بعدالة القضية التي كانوا يجاهدون لأجلها.

كان انتصاراً اهتز له العالم كله، وزلزل أركان الاستعمار في العالم الإسلامي، ولذلك فقد حظيت المعركة بأهمية كبيرة لدى المؤرخين الأجانب، وقد صدر حولها حتى الآن حوالي مئة كتاب باللغات الأجنبية الحية، فضلاً عن الكتب التي صدرت عنها باللغة العربية. ومعركة أنوال في حقيقتها معركتان: الأولى معركة (أبران) وجرت في 1/6/1921م، والثانية معركة (أنوال) وجرت في 21/7/1921م، ولكن المعركة الأخيرة اشتهرت لأنها كانت هي المعـركة الحاسمة التي كان فيهـا النصر الكبير للخطابي وجنوده، وكانت فيها الهزيمة الساحقة الماحقة للجيش الإسباني المحتل. 

معركة أنوال وأبرز نتائجها:

وهكذا أدت حملة الجنرال سيلفستري على بلاد الريف إلى اشتداد ثورة الريف بدلاً من وَأْدها، وفي غضون ذلك زج هذا الجنرال بالمزيد من القوات لمجابهة تلك التطورات الخطيرة، بَيْد أن ذلك قد زاد الطين بِلَّة، لأن المجاهـدين الريفيين كانوا يترصدون لتلك القوات إينما ذهبت، وباتت أكثر المناطق التي يحتلها الإسبان في الريف محاصرة، كما باتت محـرومة من التزود بالماء الذي بات تحت سيطرة جيش الخطابي، بما فيها المنطقة التي كان يتمركز فيها الجنرال سيلفستري. هذا الأخير الذي لم يلبث أن فقد السيطرة على زمام الموقف؛ إذ صار ذلك الزمام بيد الخطابي، ونتيجة لذلك فقـد اشتد عطش الجنود الإسبان إلى درجة أوصلتهم إلى شرب أبوالهم، وإلى تعريض أرواحهم للقتل نتيجة لمغامرة بعضهم للوصول إلى مصدر الماء الوحيد في المنطقة، الأمر الذي كان يجعلهم هدفاً سهلاً للمجاهدين الريفيين، لدرجة أن كل قطرة ماء كان يحصل عليها الإسبان كانوا يدفعـون ثمنها قطرة دم. وقد باءت كل محاولات الجنرال سيلفستري في فك طوق الحصار المضروب حول قواته، أو بالأحرى الخروج من المصيدة التي وقع فيها بتدبير من الخطابي، بالفشل. وفي 21/7/1921م أصدر أوامره لقواته بالاشتباك مع جيش الخطابي، فنشبت بين الجيشين معركة هائلة لم تعرف لها المنطقة مثيلاً من قبل؛ إذ كان حوالي 3500 مقاتل مغربي في مواجهة حوالي 30 ألف جندي إسباني ومثلهم من خونة الأهالي، فقد هاجم الريفيون بخيلهم ورَجِلهم جميع المواقع الإسبانية في بلاد الريف في وقـت واحد، وقطعوا خطوط الاتصال وأسلاك الهاتف بينها، وعزلوا تلك المواقع عن بعضها، واستمرت المعركة خمسة أيام، دارت خلالها الدائرة على الجيش الإسباني؛ إذ أوقع به جيش الخطابي هزائم قاسية، ومزقه شر ممزق، وأجبر من تبقى منه على الفرار من أنوال، وتعقبت جيوش الخطابي فلول المقاتلين الإسبان الهاربة حتى مشارف مليلة، مُوقِعة بها مزيداً من القتلى، بحيث بلغت أعداد القتلى الإسبان في هذه المعركة حوالي 15 ألف مقاتل بينهم قادة كبار، على رأسهم الجنرال سيلفتسري الذي وجدت جثته فيما بعد بين ركام القتلى، والذي قيل إنه انتحر خوفاً من الشماتة والعار، وهذا بجانب آلاف الجرحى، ومئات من الأسرى، إضافة إلى الخسائر المالية الضخمة التي تكبدتها الخزينة الإسبانية. كما نجم عن هزيمة الجيش الإسباني على ذلك النحو المخزي والشنيع حدوث أزمات سياسية عميقة في الداخل الإسباني، ووقوع فجوة كبرى بين قادة الجيش ورجال السياسة الإسبان؛ إذ نشبت بين الطرفين خلافات مستعصية حول الأسلوب الناجع لغزو قبيلة ورياغل، القلب النابض للحركة الجهادية في ريف المغرب، لإلحاق الهزيمة الحاسمة بها، وكانت المعركـة بين الطرفين حامية الوطيس في الصحافة الإسبانية. وأدت المعركة على الجانب المغربي إلى تحرير جميع مناطق الريف من الاحتلال الإسباني عدا مليلة، وإلى غُنْم مئات المدافع الثقيلة والرشاشات، والآلاف المؤلفة من البنادق، وأطنانٍ من القذائف، وعشرات الشاحنات العسكرية، وغير ذلك من الأثاث والمؤن. وقد سارع الخطابي بعد انتصاره الباهر إلى تنظيم المناطق المحررة إدارياً ومالياً، وإلى تأسيس مجلس سياسي لإدارة شؤون البلاد، كما قام بتأسيس جيش نظامي لحماية انتصاراته، واستمر ذلك الجيش يحقق الانتصارات حتى نهاية عام 1924م.

التدخل الفرنسي والحرب الكيميائية:

شعرت القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى بالخطر من الانتصار الذي حققه الخطابي في أنوال وما تلاه من انتصارات وإنجازات في كافة المجالات، وبخاصة فرنسا التي كانت حينـذاك تسيطر على القسم الأعظم من شمال إفريقيا، فقررت التحالف مع الإسبان ودخول المعركة إلى جانبهم ضد الخطابي، وذلك في نيسان 1925م بعد أن حصلت على الدعم من إيطاليا التي كانت تحتل ليبيا آنذاك، وفي الوقت نفسه شدد الإنجليز، الذين كانوا يحتلون الجزيرة الخضراء، الحصار البحري على شمال المغرب للحيلولة دون وصول السلاح إلى أيدي المجاهدين الريفيين، بَيْدَ أن المجاهدين الريفيين ردوا الجيوش الفرنسية على أعقابها، وألحقوا بها هزائم ساحقة كالتي ألحقوها بالإسبان من قبل، واستردوا كثيراً من المواقع التي كانت تحتلها فرنسا في بلاد الريف الجنوبية، وذلك في الأشهر الأولى من الحرب، وكادوا في إحدى غزواتهم أن يحرروا مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، رغم أن هؤلاء المجاهدين كانوا يقاتلون في جبهتين، ورغم أن كلاً من الفرنسيين والإسبان كانوا قد حشدوا طاقتيهما لوأد ثورة الريف، وتصفيـة الخطابي.  

وعلى إثر تلك الانتصارات الجديدة وما تكبده الفرنسيون من خسائر فادحة، وأيضاً نتيجة لحالة الغليان التي عمت المغرب كله واحتمال نشوب الثورة الشاملة ضدهم في البلاد استجابةً لدعوات الخطابي.جن جنون السلطتين الاستعماريتين في باريس ومدريد، فلجأت كلٌّ منهما إلى سلاح غير تقليدي يستخدم لأول مرة في تاريخ الحروب، ألا وهو أسلحة التدمير الشامل؛ فقد استخدمت الجيوش الفرنسية والإسبانية مختلف أنواع الغازات السامة، والأسلحة الكيمائية في عدوانها المشترك على جيش الخطابي، وذلك عن طريق قصفه بها من الجو بواسطة الطيران، وكان ذلك في صيف عام 1925م، وقد شمل ذلك القصف القرى الآهلة بالسكان، والحقول الزراعية، ومصادر المياه، إلى جانب الطرق والمخابئ، ونتيجة لذلك فقد كانت أعـداد الضحايا المدنيين الريفيين بالجملة، وفقد الخطابي في غضون أشهر قليلة الآلاف من خيرة جنوده، فكان طبيعياً - والحال هذا - أن يقبل بمبدأ التفاوض مع السلطتين الاستعماريتين الفرنسية والإسبانية، غير أنه فوجىء في مؤتمر (وجدة) في نيسان 1926م بشروطهما التعجيزية والمجحفة والمذلة التي تشترطانها عليه، وهي: تنحيته وأسرته عن الريف، والسماح لهما بإقامة نقاط إسترتيجية في بلاد الريف، ونزع سلاح رجال الريف... إلخ، ولم تكن هذه المفاوضات حقيقة إلا لكسب الوقت، ولمعرفة نقاط ضعف الخطابي؛ إذ إنه قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به تلك الشروط، كان هناك حوالي نصف مليون جندي فرنسي وإسباني، مزودين بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة، يحتشدون في شمال وجنوب بلاد الريف على أهبة الاستعداد لاجتياح البلاد، كما نجح الفرنسيون أيضاً في استثارة الطرق الصوفية ضد الخطابي.

وفي مطلع مايو 1926م بدأ الطرفان الفرنسي والإسباني عدوانهما المشترك الشامل على بلاد الريف، فنجحا في إلحاق الهزيمة بالمجاهـدين الريفيين، واجتياح المنطقة بعد ثلاث حملات ضخمة، ومن ثَمَّ القضاء على ثورة الريف التي أتعبتهم وأنهكتهم، وقد انتهت تلك الثورة رسمياً باستسلام قائدها محمد بن عبد الكريم الخطابي للفرنسيين لتجنيب شعبه الإبادة الجماعية، التي كان يخطط لها الفرنسيون والإسبان، وكان ذلك في 27/5/1926م، وكان هذا اليوم من أشد الأيام سواداً وحزناً في تاريخ الأمة الإسلامية الحديث.