‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيلين فرنانديز. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بيلين فرنانديز. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 27 يناير 2026

هل نسي ماكرون ما فعلته فرنسا؟

 هل نسي ماكرون ما فعلته فرنسا؟


كاتبة وصحفية أميركية ومؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم".

ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا- ذلك التجمع السنوي للنخبة العالمية في جبال الألب- ليعلن أن "الوقت ليس مناسبا لاستعمار جديد أو إمبريالية جديدة".

وكان ذلك، بطبيعة الحال، إشارة إلى طموحات نظيره الأمريكي دونالد ترمب، الذي لم يكتفِ مؤخرا باختطاف رئيس فنزويلا، وتهديده المتكرر بالاستيلاء على قناة بنما، بل جعل من احتلال غرينلاند الدانماركية المتمتعة بالحكم الذاتي محورا لصخبه الإمبريالي المتزايد.

وفي اليوم التالي، اعتلى ترمب نفسه منصة المنتدى في دافوس ليلقي خطابا طويلا متقطعا كعادته، تحدث فيه عن توربينات الرياح، وسخر من نظارات ماكرون الشمسية "الجميلة" العاكسة، وأعلن أنه لن "يستخدم القوة" في استحواذه على غرينلاند- رغم أنه اختلط عليه الأمر وأشار إليها خطأ بـ"آيسلندا".

لقد أثارت نوايا ترمب بشأن الجزيرة حفيظة أوروبا، إذ أعلن البرلمان الأوروبي إدانته القاطعة لتصريحات الإدارة الأمريكية بخصوص غرينلاند، مؤكدا أنها "تمثل تحديا صارخا للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وسيادة ووحدة أراضي أحد حلفاء الناتو".

وعقب تصريح ماكرون، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن قادة أوروبيين "اصطفوا" لمعارضة "الاستعمار الجديد" الذي ندد به الرئيس الفرنسي.

من أفريقيا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط وما بعده، يكاد لا يوجد شبر من الأرض لم يطله النهب الأوروبي، أو لم يدنس بالاستعباد والقتل الجماعي وسواها من الفظائع

ولا حاجة للتأكيد على أن ترمب، لا ينبغي تشجيعه بأي حال على مغامراته الدولية المفترسة. لكن من الجدير أن نذكر بأن أوروبا- حين يتعلق الأمر بالاستعمار والإمبريالية- ليست في موقع يسمح لها بإلقاء الدروس.

فلنبدأ بفرنسا، التي لا تزال تحكم أكثر من اثني عشر إقليما منتشرا في أنحاء العالم- كثير منها يسوق كوجهات سياحية غريبة- مثل جزر غوادلوب في الكاريبي، وأرخبيل مايوت في المحيط الهندي.

ورغم أن هذه الأقاليم قد خرجت رسميا من التصنيف "الاستعماري" لتصبح "مقاطعات فرنسية" بحق، ومن ثم جزءا من الاتحاد الأوروبي، فإن فرنسا لم تتخل عن ذهنيتها الإمبراطورية المتعالية، ولا عن عقدة تفوقها المصاحبة لها.

وحين انتقد سكان مايوت- أفقر أقاليم فرنسا- في ديسمبر/كانون الأول 2024، رد فعل الحكومة على إعصار مدمر ضرب الجزيرة، أجابهم ماكرون بلهجة استعلائية قائلا: "لولا فرنسا، لكنتم في ورطة أكبر بعشرة آلاف مرة".

أليست هذه صورة مثلى لـ"الاستعمار الجديد"؟

أما الاستعمار "القديم"، ففرنسا تحمل سجلا مروعا فيه، لا سيما في الجزائر، حيث قتل نحو 1.5 مليون جزائري في حرب الاستقلال بين عامي 1954 و1962. ورغم أن ماكرون سبق أن اعترف بأن استعمار فرنسا للجزائر كان "جريمة ضد الإنسانية"، إذ اتسم بالتعذيب الوحشي وغيره من الفظائع، فإنه لا يزال يرفض إصدار اعتذار رسمي باسم فرنسا.

وليس الأمر مقتصرا على فرنسا. فكثير من القوى الأوروبية التي تجاهر الآن بعدائها للاستعمار تحمل في تاريخها إرثا داميا من الوحشية والاستغلال حول العالم.

من أفريقيا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط وما بعده، يكاد لا يوجد شبر من الأرض لم يطله النهب الأوروبي، أو لم يدنس بالاستعباد والقتل الجماعي وسواها من الفظائع.

لقد قضى الإسبان على شعوب أصيلة في القارتين الأمريكيتين، وعبثت بريطانيا في كل رقعة وقعت تحت نفوذها، أما الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، فقد أشرف على مقتل نحو 10 ملايين كونغولي بدءا من عام 1885، حين أعلن "الدولة الحرة في الكونغو" ملكية شخصية له.

وفي عام 2022، عبر فيليب ملك بلجيكا عن "أعمق أسفه" للفظائع المرتكبة في الحقبة الاستعمارية، دون أن يقدم اعتذارا رسميا. وقد أشار أحد المقالات آنذاك إلى أن الحياة في دولة الكونغو الحرة كانت على نحو أن "القرى التي أخفقت في جمع حصصها من المطاط كانت تجبر على تقديم أيد مقطوعة بدلا منها".

أما في إثيوبيا، فيقدر المؤرخ البريطاني إيان كامبل أن ما بين 19% إلى 20% من سكان العاصمة أديس أبابا أبيدوا خلال ثلاثة أيام فقط، أثناء الاحتلال العسكري الإيطالي لشرق أفريقيا عام 1937.

ولا تنتهي قائمة الفظائع الأوروبية.

وبالطبع، لا يعني ذلك أن على ترمب أن يطلق يده في ارتكاب الفظائع كيفما شاء. بل هو تذكير ودي بأنه لا يمكن رفض الاستعمار بطريقة انتقائية. (بالمناسبة، كانت غرينلاند مستعمرة دانماركية صريحة حتى وقت قريب).

وإذا ما ذكرنا الفظائع الاستعمارية، فلا بد من الإشارة إلى أن أوروبا- على مدار أكثر من عامين من الإبادة الجارية في قطاع غزة- لم تظهر الغضب الكافي إزاء المذبحة، بل اختارت مسار الانتقادات الشكلية والتواطؤ بحكم الأمر الواقع.

وها هي المجازر مستمرة تحت ستار "وقف إطلاق نار" بوساطة أمريكية، بينما يخطط الآن، وفق الرؤية الترمبية، لإدارة غزة عبر ما يسمى "مجلس السلام"، يرأسه- ومن غيره؟- ترمب نفسه. 

وسيشارك في هذا المجلس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بات أحد أبرز رموز الإبادة الجماعية في عصرنا، الأمر الذي ينذر بـ"استعمار جديد" من النوع الأكثر خبثا ودهاء.

ولكن، ويا للأسف!، فإن النفاق الملطخ بالدماء ليس أمرا جديدا في هذا العالم.



الأربعاء، 17 ديسمبر 2025

أميركا في حالة حرب

 أميركا في حالة حرب

كاتبة وصحفية أميركية ومؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم".

يوم الأربعاء 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، اختطفت الولايات المتحدة ناقلة نفط قبالة ساحل فنزويلا، في خطوة جديدة ضمن العدوان المستمر على الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية من قبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وخلال الأشهر الأخيرة، دأبت الولايات المتحدة على تفجير قوارب صغيرة في البحر الكاريبي مع ركابها، والذين استنتج ترامب عبر "قدراته التخاطرية" أنهم مهربو مخدرات.

أعلن ترامب يوم الأربعاء أن السفينة المحتجزة كانت "ناقلة ضخمة، ضخمة جدا، في الواقع أكبر ناقلة تم احتجازها على الإطلاق".

الحرب الأميركية على فنزويلا تسبق بكثير موجة الإعدامات خارج القانون، وترويع الصيادين المحليين التي شهدها هذا العام

وعندما سُئل في مؤتمر صحفي عن وجهة السفينة التي جرى تغييرها، نصح ترامب الصحفيين بأن "يحصلوا على مروحية ويتابعوا الناقلة"، رغم أن الناس قد يكون لديهم سبب وجيه للحذر من التحليق فوق فنزويلا، نظرا لقرار ترامب الأحادي في نوفمبر/تشرين الثاني الذي أعلن فيه أن المجال الجوي للبلاد "مغلق بالكامل".

ومع ذلك، لم ينجح إغلاق المجال الجوي في منع رحلات الترحيل الأميركية المستمرة إلى فنزويلا.

وفيما يتعلق بمصير محتويات الناقلة القيمة، قال ترامب: "أفترض أننا سنحتفظ بالنفط".

ولا يفعل هذا التعليق الكثير لدعم الادعاء الأميركي بأنها لا تسعى إطلاقا وراء الاحتياطيات النفطية الهائلة لفنزويلا، بل تحاول فقط حماية نصف الكرة الأرضية من إرهابيي المخدرات الفنزويليين الأشرار الذين يسعون لإغراق الوطن بالفنتانيل ومنتجات فتاكة أخرى.

وبحسب خيال ترامب، فإن زعيم عملية الإرهاب المرتبط بالمخدرات ليس سوى الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو نفسه.

لا يهم أن فنزويلا لا علاقة لها تقريبا بالمخدرات التي تدخل الولايات المتحدة، ولا تنتج الفنتانيل أصلا.

وفي مثل هذه الأوقات، لا يسع المرء إلا أن يتذكر سلوك الولايات المتحدة تجاه دولة أخرى غنية بالنفط في مطلع القرن، عندما أشرف الرئيس جورج دبليو بوش على حملة قتل جماعي في العراق استنادا إلى ادعاءات مختلقة حول أسلحة دمار شامل.

ولكن في ثنايا الحديث عن احتمال نشوب حرب أميركية ضد فنزويلا- وهو ما ظل ترامب يهدد به منذ أشهر- فإن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة تشن بالفعل حربا على البلاد.

وقد اعترف وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي أُعيدت تسميته مؤخرا "وزير الحرب"، بذلك حين عزا جرائم الحرب الأميركية ضد البحارة في منطقة الكاريبي إلى "ضباب الحرب".

لكن في الواقع، فإن الحرب الأميركية على فنزويلا تسبق بكثير موجة الإعدامات خارج القانون، وترويع الصيادين المحليين التي شهدها هذا العام.

فبعد دعمها انقلابا فاشلا عام 2002 ضد سلف مادورو، هوغو شافيز -الأيقونة الاشتراكية والشوكة في خاصرة الإمبراطورية- فرضت الولايات المتحدة عقوبات قاسية على فنزويلا في عام 2005.

وبحسب مركز البحوث الاقتصادية والسياسية في واشنطن العاصمة، فإن هذه العقوبات تسببت بأكثر من 40 ألف وفاة في البلاد في عامي 2017-2018 وحدهما.

وأي شخص يشك في القتل المتعمد الذي تنطوي عليه التدابير الاقتصادية القسرية، يكفيه أن يتذكر رد السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة حينها، مادلين أولبرايت، عام 1996 عندما سُئلت عن تقدير يفيد بأن نصف مليون طفل عراقي قضوا حتى ذلك الحين نتيجة نظام العقوبات الأميركي: "نعتقد أن الثمن يستحق ذلك".

وقد شُددت العقوبات على فنزويلا بشكل كبير من قبل ترامب في عام 2019، بنية مساعدة خوان غوايدو- تلك الشخصية اليمينية المجهولة نسبيا التي نصبت نفسها فجأة رئيسا مؤقتا لفنزويلا- في جهوده للإطاحة بمادورو.

لم تنجح تلك الجهود، وانتهى الأمر بغوايدو في ميامي، لكن العقوبات واصلت إلحاق دمار هائل. ففي مارس/آذار 2019، تفاخر وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو أمام الصحافة ببلاغة حول فاعلية الحرب الاقتصادية: "الدائرة تشتد. والأزمة الإنسانية تتفاقم كل ساعة… بإمكانكم رؤية الألم والمعاناة المتزايدين اللذين يعاني منهما الشعب الفنزويلي".

وبالفعل، بينما تقول الرواية الرسمية إن العقوبات تستهدف أصحاب السلطة، فإن الشعب هو الذي يدفع الثمن. ففي السنوات التي أعقبت فشل غوايدو في انتخاب نفسه، أصبح "الألم الذي يعاني منه الشعب الفنزويلي" أكثر وضوحا.

وبحلول عام 2020، قدر المقرر الأممي السابق ألفريد دي زاياس أن 100 ألف فنزويلي قد ماتوا بسبب العقوبات.

في عام 2021، أفادت خبيرة الأمم المتحدة ألينا دوهان بأن الحصار الاقتصادي جعل أكثر من 2.5 مليون فنزويلي يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي. وهذا دون التطرق إلى تفشي أمراض كانت تحت السيطرة سابقا، وتوقف نمو الأطفال، ونقص المياه والكهرباء.

وفي سياق يمكن تصنيفه بسهولة ضمن فئة "لا يمكنك اختلاق مثل هذا الهراء"، فإن ترامب، في اللحظة نفسها التي يلاحق فيها مزعومين بتجارة المخدرات في فنزويلا، اختار أن يمنح العفو لخوان أورلاندو هيرنانديز، الرئيس اليميني السابق لهندوراس والمتهم نفسه بالتجارة بالمخدرات، والذي أدين العام الماضي في محكمة فدرالية أميركية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول، فوض ترامب وكالة المخابرات المركزية (CIA) لتنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا، وهي الوكالة نفسها، للتذكير، المتورطة حتى أذنيها في تجارة المخدرات منذ الأزل. والآن، مع عملية اختطاف الناقلة، أكدت الإدارة احتقارها الشديد أي شيء يشبه الدبلوماسية المتحضرة.

قبل أيام تحدثتُ مع شاب فنزويلي التقيته في أدغال دارين عام 2023 وهو في طريقه إلى الولايات المتحدة- أحد ملايين الفنزويليين الذين أُجبروا على مغادرة منازلهم؛ بحثا عن حياة اقتصادية قابلة للاستمرار.

بعد أن كاد يغرق في النهر أثناء عبوره من المكسيك إلى الولايات المتحدة، تم اعتقاله لمدة شهر، ثم أُفرج عنه مؤقتا داخل البلاد. وبعد عامين، ألقي القبض عليه مجددا من قبل عناصر ICE في كاليفورنيا، واحتجز عدة أشهر أخرى، ثم رُحل إلى كاراكاس.

وعندما سألته عن رأيه في تحركات ترامب الحالية في فنزويلا، قال ببساطة: "لا أملك كلمات".

ومع اندفاع الولايات المتحدة نحو حرب سريالية جديدة مسلحة بأكاذيب فاضحة، تصبح الكلمات بالفعل عصية على البوح.

الجمعة، 12 سبتمبر 2025

نتنياهو يعلن الحرب على العالم

 

نتنياهو يعلن الحرب على العالم



كاتبة وصحفية أميركية 


ها هي إسرائيل تضرب مجددا.

في يوم الثلاثاء الماضي، شن المعتدي الأبدي المفضل في الشرق الأوسط صواريخ على العاصمة القطرية، الدوحة، مستهدفا قادة من حركة حماس كانوا منخرطين في مفاوضات حول مقترح أميركي لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين نتيجة الإبادة الجماعية الإسرائيلية الرسمية حاجز الـ64 ألفا خلال أقل من عامين.

وإن كانت إسرائيل قد أظهرت مرارا عدم رغبتها في أي تهدئة -حتى تلك المقترحة من القوة العظمى العالمية الراعية الأوفى لجرائمها- فذلك لأن كيانها ذاته قائم على محو الفلسطينيين، والعيش في حالة من العدوان الدائم.

لكن، بينما اعتبر ذوو الفطرة السليمة إسرائيل منذ زمن بعيد دولة مارقة، فإن الهجوم غير المسبوق على قطر قد أيقظ أعينًا في المجتمع الدولي على مدى انفلات الحكومة الإسرائيلية من كل ضابط.

فعلى سبيل المثال، تمكنت قوى كبرى مثل بريطانيا، وفرنسا، والهند -رغم مشاركتها بدرجات متفاوتة في التواطؤ مع الإبادة في غزة وسواها من جرائم الجيش الإسرائيلي في المنطقة- من إصدار إدانة غير معهودة بعد ضربة الدوحة.

وهذا لا يعني، بالطبع، أن استهداف قادة حماس في بلد يستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، هو أمر أشد فظاعة أخلاقيا من قتل عشرات آلاف الفلسطينيين في غزة، أكثرهم من النساء والأطفال.

إنما هو إقرار بأن حتى أشد المدافعين عن تهور إسرائيل الإجرامي قد وضعوا خطا أحمر جديدا: لا يحق لإسرائيل قصف من تشاء، وأينما تشاء وفق أهوائها.

وقد جاء رد البيت الأبيض، على لسان المتحدثة كارولين ليفيت، بالإعلان أن "قصف قطر بشكل أحادي- وهي دولة ذات سيادة وحليف مقرب للولايات المتحدة تبذل جهودا شجاعة للمساعدة في إحلال السلام- لا يخدم مصالح إسرائيل ولا أميركا".

لكن، قبل أن نعزو لموقف البيت الأبيض أي منطق أو اتساق، أضافت ليفيت: "لكن القضاء على حماس، التي استفادت من معاناة سكان غزة، هو هدف يستحق السعي إليه".

أما الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فقد طمأن القطريين وفق تعبير ليفيت، بأن "أمرا كهذا لن يتكرر على أراضيهم".

ومع ذلك، يحق لقطر أن تشعر بأن "الطمأنة" ليست سوى سراب، إذ بات من الواضح أن ترامب قد تخلّى فعليا عن السيطرة على ما تقوم به إسرائيل في أراضي الآخرين أو لا تقوم به.

وقد أكد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، هذا الواقع عندما نشر على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الأربعاء ما يلي: "ذراع إسرائيل الطويلة ستلاحق أعداءها أينما كانوا. لا مكان يمكنهم الاختباء فيه".

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فقد هدّد قطر صراحة، قائلا: "أقول لقطر وكل الدول التي تؤوي إرهابيين: إما أن تطردوهم، أو تحاسبوهم… فإن لم تفعلوا، فنحن من سيفعل".

وكما هي العادة، فإن الكيان الذي يحتكر اليوم الإرهاب الإقليمي، بعد ما يقارب الثمانية عقود من التطهير العرقي الإسرائيلي والتهجير والمجازر بحق الفلسطينيين، لا يجد حرجا في تحديد من يُعتبر "إرهابيا"، ثم شن الهجمات عليه وفق هواه.

وبالنظر إلى التعريف الإسرائيلي الكاذب والمخادع لمفهوم "الإرهاب"، فإن الخطر لا يحدق بقطر وحدها. فبحسب نتنياهو نفسه، فإن "كل الدول التي تؤوي إرهابيين" مشمولة في قائمة من يمكن أن تنالهم "عدالة" إسرائيل، والتي تعني، في الغالب، جرائم حرب وانتهاكات فجة للقانون الدولي.

وقد ذكرت قناة الجزيرة، يوم الأربعاء، أن إسرائيل نفّذت عمليات عسكرية في ست دول خلال 72 ساعة فقط. فإلى جانب فلسطين وقطر، شملت الضربات الأراضي اللبنانية، والسورية، والتونسية، واليمنية، حيث قتلت إسرائيل 35 شخصا في اليمن بعد يوم واحد فقط من قصف الدوحة.

وبهذا، فإن أحدا لا يستطيع الجزم بمن سيكون في مأمن من "ذراع إسرائيل الطويلة" مستقبلا، لكن قائمة الآمنين تبدو ضئيلة جدا. فمنذ عقود، أثبت جهاز الموساد الإسرائيلي استعداده الكامل لاغتيال الفلسطينيين حتى على الأراضي الأوروبية.

واليوم، في ظل الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة، فإن كل "إرهابي"- حسب تصنيف إسرائيل- يمكن رصده في الخارج، هو مكسب لإسرائيل؛ لتبرير جرائمها، وتشتيت الانتباه عنها.

وإذ تغرق إسرائيل في نشوتها بالحصانة المطلقة التي تحظى بها، وبقدرتها على إحداث الدمار أينما شاءت، فإن إعلان نتنياهو غير المباشر للحرب على العالم بأسره يجب أن يكون، في أقل تقدير، جرس إنذار أخير لأولئك الذين لا يزالون مخدوعين بسراب "العدالة الإسرائيلية" القاتلة.

الاثنين، 2 يونيو 2025

اعتقلوه أمام ابنه.. الشاب الذي دمرت أميركا حياته بترحيله إلى بلده

اعتقلوه أمام ابنه.. الشاب الذي دمرت أميركا حياته بترحيله إلى بلده


تم احتجاز أبريغو غارسيا، المتزوج من المواطنة الأميركية جينيفر فاسكيز سورا، أثناء قيادته في ماريلاند برفقة ابنهما البالغ من العمر خمس سنوات والمصاب بالتوحد، الذي شهد اعتقال والده من قبل قوات إنفاذ القانون الأميركية، مما تسبب له في صدمة نفسية شديدة.

في إفادة خطية لاحقة، ذكرت فاسكيز سورا أن ابنها، الذي لا يستطيع التحدث، كان "منزعجًا جدًا" من "الاختفاء المفاجئ لوالده"، وكان يبكي أكثر من المعتاد، و"يبحث عن قمصان عمل كيلمير ويشمها، ليتنشق رائحة والده المألوفة".

بالطبع، تمزيق العائلات وترويع الأطفال كان منذ فترة طويلة جزءًا من السياسات المعتمدة في "أرض الأحرار"، على الرغم من أن ترامب جعل منها عرضًا أكثر إثارة من سلفَيه الديمقراطيَين: جو بايدن، وباراك أوباما. على أي حال، لا شيء يشبه زرع الخوف والصدمة النفسية باسم الأمن القومي، أليس كذلك؟

تم ترحيل أبريغو غارسيا إلى السلفادور مع أكثر من 200 شخص آخر، الذين شاركوا في "شرف" أن يكونوا فئران تجارب شيطانية في تجارب إدارة ترامب الحالية في سياسة مكافحة الهجرة السادية.

تم احتجاز المرحّلين بسرعة في مركز احتجاز الإرهاب (CECOT)، السجن الضخم الشهير الذي بناه نجيب أبوكيلة، الذي يصف نفسه بأنه "أروع دكتاتور في العالم". يضم هذا المرفق آلاف الأشخاص الذين تم اعتقالهم بموجب "حالة الطوارئ" الوطنية، التي أُعلنت في عام 2022 ولا تظهر أي علامة على التراجع.

تحت ذريعة محاربة العصابات، قام أبوكيلة بسجن أكثر من 85 ألف سلفادوري – أكثر من 1٪ من سكان البلاد – في مجموعة من السجون التي غالبًا ما تعمل كثقوب سوداء من حيث اختفاء البشر إلى أجل غير مسمى، بالإضافة إلى غياب أي مفهوم للحقوق الإنسانية والقانونية. والآن، بعد أن عززت الأموال الأميركية والمرحلون مكانةَ السلفادور الدولية في مجال السجون إلى جانب صورة أبوكيلة كرجل قوي، لا يوجد اندفاع لإنهاء "حالة الطوارئ".

في غضون ذلك، قدمت قضية أبريغو غارسيا على وجه الخصوص فرصة ممتدة لكل من ترامب وأبوكيلة لعرض شغفهما المشترك وازدرائهما للقانون. كما اتضح، حدث ترحيل أبريغو غارسيا إلى السلفادور في انتهاك مباشر لحكم صادر عن قاضي هجرة أميركي في عام 2019، والذي بموجبه لا يمكن ترحيله إلى بلده الأصلي؛ بسبب المخاطر التي قد تتعرض لها حياته.

في الواقع، فرّ أبريغو غارسيا إلى الولايات المتحدة كمراهق، تحديدًا خوفًا على حياته بعد تهديدات العصابات لعائلته. وعلى الرغم من أن الحكومة الأميركية اضطرت بسرعة للاعتراف بأن ترحيله في مارس/ آذار حدث "بسبب خطأ إداري"، فإن فريق ترامب- أبوكيلة لا يزال مصممًا على عدم تصحيحه.

بعد كل شيء، سيشكل هذا سابقة خطيرة تشير إلى أن إمكانية اللجوء إلى العدالة موجودة بالفعل، وأن طالبي اللجوء في الولايات المتحدة يجب ألا يعيشوا في رعب من أن يتم اختفاؤهم فجأة إلى السلفادور بسبب "خطأ إداري".


وفقًا لمقال حديث في صحيفة نيويورك تايمز يكشف تفاصيل النقاش داخل إدارة ترامب حول كيفية إدارة الجانب الإعلامي من خطأ أبريغو غارسيا قبل أن يصبح علنيًا، ناقش مسؤولو وزارة الأمن الداخلي الأميركية (DHS) "محاولة تصوير السيد أبريغو غارسيا كـ "قائد" لعصابة الشوارع العنيفة MS-13، على الرغم من أنهم لم يتمكنوا من العثور على أي دليل يدعم هذا الادعاء".

لكن نقص الأدلة لم يمنع ادعاء أولئك الذين لا يهتمون بالحقائق والواقع في المقام الأول، حيث استمر مسؤولو ترامب في الإصرار على انتماء أبريغو غارسيا إلى MS-13، بينما استشهد الرئيس نفسه بلا خجل بصورة معدلة للوشوم على مفاصل الرجل.

كما اعتمدت الإدارة بشكل كبير على حقيقة أنه، في عام 2019، قررت شرطة مقاطعة برينس جورج في ماريلاند أن أبريغو غارسيا كان عضوًا في عصابة؛ لأنه كان يرتدي قبعة شيكاغو بولز، من بين سلوكيات أخرى "مدانة جدًا".

بالتأكيد، فإن التكرار الذي تستشهد به وكالات إنفاذ القانون الأميركية لبضائع شيكاغو بولز كدليل مزعوم على عضوية العصابات سيكون مضحكًا نظرًا للقاعدة الجماهيرية الضخمة للفريق في الداخل والخارج – إذا لم تكن هذه الاتجاهات السخيفة في التنميط، تؤدي مباشرة إلى العذاب الجسدي والنفسي لأبريغو غارسيا والعديد من الأفراد الآخرين.

في أبريل/ نيسان، أمرت المحكمة العليا الأميركية إدارة ترامب بـ "تسهيل" عودة أبريغو غارسيا إلى الولايات المتحدة. بالإضافة إلى فشلها حتى الآن في الامتثال لهذا الأمر، ذهبت الإدارة إلى أطوار سخيفة لتحدي أمر منفصل من قاضية المحكمة الجزئية الأميركية بولا زينيس بأن تقدم تفاصيل حول ما تفعله بالضبط لتأمين إطلاق سراح أبريغو غارسيا.

يبدو أن مسؤولي إدارة ترامب، الذين أزعجهم إلحاح القاضية زينيس، لجؤُوا بعد ذلك إلى عذر "أسرار الدولة" القديم، والذي سيمكن من حجب المعلومات المتعلقة بقضية أبريغو غارسيا من أجل حماية "الأمن القومي" و"سلامة الشعب الأميركي"، كما قالت المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي تريشيا ماكلولين.

من جانبه، تعامل أبوكيلة مع وضع أبريغو غارسيا بمزاجية وانتقامية تتناسب مع "أروع دكتاتور في العالم"، حيث لجأ إلى منصة إكس للسخرية من الرجل الذي تم اختطافه وسجنه ظلمًا. خلال زيارة في أبريل/ نيسان في المكتب البيضاوي في واشنطن، أوضح أبوكيلة للصحفيين أنه لن يرفع إصبعًا نيابة عن أبريغو غارسيا: "كيف يمكنني تهريب إرهابي إلى الولايات المتحدة؟".

بالحديث عن الإرهاب، من الجدير بالذكر أنه، قبل فترة طويلة من "حالة الطوارئ" الحالية في السلفادور، كان للولايات المتحدة دور كبير في دعم الإرهاب الحكومي اليميني في البلاد، حيث أسفرت الحرب الأهلية من 1979 إلى 1992 عن مقتل أكثر من 75 ألف شخص.

تم ارتكاب غالبية الفظائع في زمن الحرب من قبل الجيش السلفادوري المدعوم من الولايات المتحدة وفرق الموت المتحالفة معه، وفر عدد لا يحصى من السلفادوريين شمالًا إلى الولايات المتحدة، حيث تشكلت عصابات مثل MS-13 كوسيلة للدفاع الجماعي عن النفس. بعد انتهاء الحرب، قامت الولايات المتحدة بترحيل جماعي لأعضاء العصابات إلى دولة مدمرة حديثًا، مما مهد الطريق لمزيد من العنف والهجرة والترحيل، وبلغت ذروتها، بالطبع، في أروع "دكتاتورية في العالم".

كما يُقال، لا شيء يُسهم في تعزيز السلطة وتقويض الحقوق الفردية بفعالية مثل وجود "عدو إرهابي" قوي ومزعوم — وفي هذه اللحظة، يجد كيلمَر أبريغو غارسيا نفسه في موقع من يتحمل هذا الدور، ليس في نظر رئيس واحد فحسب، بل في نظر رئيسين يتمتعان بنزعة سلطوية واضحة. ومع ذلك، فإن أبريغو غارسيا ليس شخصية بارزة في تنظيم مسلح أو متورطًا في عمليات كبرى؛ بل هو مجرد مواطن عادي، تُستخدم قضيته لتوجيه رسالة ردعية لكل من يظن أن العدالة والقانون قد يحميانه دومًا.

اقترح ترامب بالفعل إرسال مواطنين أميركيين إلى السلفادور للسجن أيضًا – ولتذهب أي مظاهر للشرعية إلى الجحيم. لتحقيق هذه الغاية، اقترح الرئيس أن يبني أبوكيلة المزيد من السجون، وهو مشروع من المفترض أنه لن يتطلب الكثير من الإقناع.

الآن، بينما تمضي الحكومة الأميركية قدمًا في القضاء على حقوق الأجانب والمواطنين القانونيين على حد سواء، من الآمن أن نفترض أنه لا أحد في مأمن.

الثلاثاء، 20 مايو 2025

ما هو "مشروع إستير" الخطير الذي تبناه ترامب؟ وما علاقته بحماس؟

ما هو "مشروع إستير" الخطير الذي تبناه ترامب؟ وما علاقته بحماس؟

كاتبة وصحفية أميركية 
ومؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم"


في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، بعد مرور عام كامل على الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة بدعم من الولايات المتحدة، والتي أودت بحياة أكثر من 53 ألف فلسطيني، أصدرت مؤسسة "هيريتيج فاونديشن" (Heritage Foundation) ومقرها واشنطن، ورقة سياسية بعنوان "مشروع إستير: إستراتيجية وطنية لمكافحة معاداة السامية".

هذه المؤسّسة الفكرية المحافظة هي الجهة ذاتها التي تقف خلف "مشروع 2025″، وهو خُطة لإحكام السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، ولبناء ما قد يكون أكثر نماذج الديستوبيا اليمينية تطرفًا على الإطلاق.

أما "الإستراتيجية الوطنية" التي يقترحها "مشروع إستير" المسمى نسبةً إلى الملكة التوراتية التي يُنسب إليها إنقاذ اليهود من الإبادة في فارس القديمة، فهي في جوهرها تتلخص في تجريم المعارضة للإبادة الجماعية الحالية التي تنفذها إسرائيل، والقضاء على حرية التعبير والتفكير، إلى جانب العديد من الحقوق الأخرى.

أوّل "خلاصة رئيسية" وردت في التقرير تنصّ على أن "الحركة المؤيدة لفلسطين في أميركا، والتي تتسم بالعداء الشديد لإسرائيل والصهيونية والولايات المتحدة، هي جزء من شبكة دعم عالمية لحماس (HSN)".

ولا يهم أن هذه "الشبكة العالمية لدعم حماس" لا وجود لها فعليًا – تمامًا كما لا وجود لما يُسمى بـ"المنظمات الداعمة لحماس" (HSOs) التي زعمت المؤسسة وجودها. ومن بين تلك "المنظّمات" المزعومة منظمات يهودية أميركية بارزة مثل "صوت اليهود من أجل السلام" (Jewish Voice for Peace).

أما "الخلاصة الرئيسية" الثانية في التقرير فتدّعي أن هذه الشبكة "تتلقى الدعم من نشطاء وممولين ملتزمين بتدمير الرأسمالية والديمقراطية"- وهي مفارقة لغوية لافتة، بالنظر إلى أن هذه المؤسسة نفسها تسعى في الواقع إلى تقويض ما تبقى من ديمقراطية في الولايات المتحدة.

عبارة "الرأسمالية والديمقراطية"، تتكرر ما لا يقل عن خمس مرات في التقرير، رغم أنه ليس واضحًا تمامًا ما علاقة حركة حماس بالرأسمالية، باستثناء أنها تحكم منطقة فلسطينية خضعت للتدمير العسكري الممول من أميركا لما يزيد عن 19 شهرًا. ومن منظور صناعة الأسلحة، فإن الإبادة الجماعية تمثل أبهى تجليات الرأسماليّة.

وبحسب منطق "مشروع إستير" القائم على الإبادة، فإنّ الاحتجاج على المذبحة الجماعية للفلسطينيين، يُعد معاداة للسامية، ومن هنا جاءت الدعوة إلى تنفيذ الإستراتيجية الوطنية المقترحة التي تهدف إلى "اقتلاع تأثير شبكة دعم حماس من مجتمعنا".

نُشر تقرير مؤسسة "هيريتيج" في أكتوبر/ تشرين الأول، في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، والتي وصفتها المؤسسة بأنها "معادية لإسرائيل بشكل واضح"، رغم تورّطها الكامل والفاضح في الإبادة الجارية في غزة. وقد تضمّن التقرير عددًا كبيرًا من المقترحات لـ"مكافحة آفة معاداة السامية في الولايات المتحدة، عندما تكون الإدارة المتعاونة في البيت الأبيض".

وبعد سبعة أشهر، تُظهر تحليلات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" أن إدارة الرئيس دونالد ترامب -منذ تنصيبه في يناير/ كانون الثاني- تبنّت سياسات تعكس أكثر من نصف مقترحات "مشروع إستير". من بينها التهديد بحرمان الجامعات الأميركية من تمويل فدرالي ضخم في حال رفضت قمع المقاومة لعمليات الإبادة، بالإضافة إلى مساعٍ لترحيل المقيمين الشرعيين في الولايات المتحدة فقط لأنهم عبّروا عن تضامنهم مع الفلسطينيين.

علاوة على اتهام الجامعات الأميركية بأنها مخترقة من قبل "شبكة دعم حماس"، وبترويج "خطابات مناهضة للصهيونية في الجامعات والمدارس الثانوية والابتدائية، غالبًا تحت مظلة أو من خلال مفاهيم مثل التنوع والعدالة والشمول (DEI) وأيديولوجيات ماركسية مشابهة"، يدّعي مؤلفو "مشروع إستير" أن هذه الشبكة والمنظمات التابعة لها "أتقنت استخدام البيئة الإعلامية الليبرالية في أميركا، وهي بارعة في لفت الانتباه إلى أي تظاهرة، مهما كانت صغيرة، على مستوى جميع الشبكات الإعلامية في البلاد".

ليس هذا كل شيء: "فشبكة دعم حماس والمنظمات التابعة لها قامت باستخدام واسع وغير خاضع للرقابة لمنصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك، ضمن البيئة الرقمية الكاملة، لبث دعاية معادية للسامية"، وفقاً لما ورد في التقرير.

وفي هذا السياق، تقدم الورقة السياسية مجموعة كبيرة من التوصيات لكيفية القضاء على الحركة المؤيدة لفلسطين داخل الولايات المتحدة، وكذلك على المواقف الإنسانية والأخلاقية عمومًا: 
من تطهير المؤسسات التعليمية من الموظفين الداعمين لما يسمى بمنظمات دعم حماس، إلى تخويف المحتجين المحتملين من الانتماء إليها، وصولًا إلى حظر "المحتوى المعادي للسامية" على وسائل التواصل، والذي يعني في قاموس مؤسسة "هيريتيج" ببساطة المحتوى المناهض للإبادة الجماعية.

ومع كل هذه الضجة التي أثارها "مشروع إستير" حول التهديد الوجودي المزعوم الذي تمثله شبكة دعم حماس، تبين – وفقًا لمقال نُشر في ديسمبر/ كانون الأول في صحيفة The Forward- أنَّ "أيَّ منظمات يهودية كبرى لم تُشارك في صياغة المشروع، أو أن أيًّا منها أيدته علنًا منذ صدوره".

وقد ذكرت الصحيفة، التي تستهدف اليهود الأميركيين، أن مؤسسة "هيريتيج" "كافحت للحصول على دعم اليهود لخطة مكافحة معاداة السامية، والتي يبدو أنها صيغت من قبل عدة مجموعات إنجيلية مسيحية"، وأن "مشروع إستير" يركز حصريًا على منتقدي إسرائيل من اليسار، متجاهلًا تمامًا مشكلة معاداة السامية الحقيقية القادمة من جماعات تفوّق البيض والتيارات اليمينية المتطرفة.

وفي الوقت نفسه، حذر قادة يهود أميركيون بارزون -في رسالة مفتوحة نُشرت هذا الشهر- من أن "عددًا من الجهات" في الولايات المتحدة "يستخدمون الادعاء بحماية اليهود ذريعةً لتقويض التعليم العالي، والإجراءات القضائية، والفصل بين السلطات، وحرية التعبير والصحافة".

وإذا كانت إدارة ترامب تبدو اليوم وكأنها تتبنى "مشروع إستير" وتدفعه قدمًا، فإن ذلك ليس بدافع القلق الحقيقي من معاداة السامية، بل في إطار خطة قومية مسيحية بيضاء تستخدم الصهيونية واتهامات معاداة السامية لتحقيق أهداف متطرفة خاصة بها. ولسوء الحظ، فإن هذا المشروع ليس إلا بداية لمخطط أكثر تعقيدًا.

الأربعاء، 14 مايو 2025

لماذا لن يزور ترامب إسرائيل في جولته في المنطقة؟

 لماذا لن يزور ترامب إسرائيل في جولته في المنطقة؟

كاتبة وصحفية أميركية ومؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم


وصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط في مستهلّ جولة إقليمية تبدأ من المملكة العربية السعودية، وتشمل لاحقًا كلًا من الإمارات العربية المتحدة وقطر.

وتُرافق هذه الزيارة تعهدات استثمارية ضخمة من دول الخليج الثلاث في مجالات تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والتعدين والصناعات الثقيلة وغيرها.

في خلفية هذه الزيارة، تُثار تساؤلات حول تقاطع المصالح السياسية والاقتصادية الشخصية، لا سيما وأن منظمة ترامب تملك وتدير مشاريع عقارية وتجارية في الدول الثلاث التي تشملها الزيارة. وهو ما يعيد إلى الواجهة الجدل المستمر بشأن حدود الفصل بين الوظيفة العامة والمصالح الخاصة في إدارة ترامب.

ومع ذلك، تغيب دولة واحدة بشكل لافت عن جدول الجولة الإقليمية، رغم أنها تُعدّ "الصديقة الوفية" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي إسرائيل، التي تنفّذ منذ 19 شهرًا إبادة جماعية في قطاع غزة، بدعم هائل من الأموال والأسلحة الأميركية. وقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين وفقًا للأرقام الرسمية نحو 53 ألفًا، ولا يزال الرقم في تصاعد.

ورغم أن الإبادة الجماعية بدأت في عهد سلفه، الرئيس جو بايدن، فإن ترامب لم يتردد في تبني هذا القتل الجماعي أيضًا، إذ أعلن بعد فترة وجيزة من عودته إلى الحكم أنه "سيرسل لإسرائيل كل ما تحتاجه لإنهاء المهمة" في غزة.

ومع ذلك، يبدو أن إسرائيل تستغرق وقتًا أطول مما يرغبه الرئيس الأميركي، لا سيما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعا مؤخرًا إلى تصعيد الهجوم على القطاع الذي بات مدمّرًا إلى حدّ كبير.

المشكلة، بالطبع، ليست أن ترامب يكترث لما إذا كان الأطفال والبالغون الفلسطينيون يُقتلون جوعًا وقصفًا، بينما تستغرق إسرائيل وقتها في "إنهاء المهمة"، بل إن الإبادة الجماعية الجارية تُعيق ببساطة رؤيته لما يسميه "ريفيرا الشرق الأوسط"، والتي يُفترض أن تنبع من أنقاض غزة، وهو مشروع أوضح ملامحه بقوله: "الولايات المتحدة ستتولى أمر قطاع غزة، وسنقوم بعمل رائع هناك. سنملكه".

وبينما قد يكون للحرب منافع تجارية – اسألوا فقط قطاع صناعة الأسلحة – يبدو أن الإفراط في الحرب قد يُعدّ استثمارًا غير مجدٍ في نهاية المطاف، على الأقل من منظور ترامب العقاري.

وفي الفترة التي سبقت جولة ترامب في الشرق الأوسط، تزايدت التقارير عن توترات بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي – وليس فقط فيما يتعلق بغزة. فقد ذكرت شبكة "NBC News" يوم الأحد أن نتنياهو "فوجئ بشدة – واغتاظ – الأسبوع الماضي من إعلان ترامب أن الولايات المتحدة أوقفت حملتها العسكرية ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن".

وما يُزعج نتنياهو على ما يبدو بدرجة أكبر هو رفض ترامب تأييد ضربات عسكرية ضد إيران.

أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة، حسب التقارير، تخلّت عن مطلب تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل كشرط لدعم واشنطن برنامج المملكة النووي المدني.

فما الذي تعنيه إذًا العلاقة المتوترة بين ترامب ونتنياهو لما يسمى بـ"العلاقة الخاصة" والمقدسة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟

وفقًا لمقال نشره موقع "واينت نيوز" الإسرائيلي: "رغم التوترات، يصرّ المسؤولون الإسرائيليون على أن التنسيق من وراء الكواليس مع إدارة ترامب لا يزال وثيقًا، دون وجود أي خلاف سياسي فعلي".

ويطمئن التقرير القرّاء بأن السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، "نفى الشائعات التي تفيد بأن ترامب قد يعلن دعمًا لدولة فلسطينية خلال زيارته إلى الدول الخليجية الثلاث".
وطبعًا، من غير الواضح تمامًا ما نوع "الدولة الفلسطينية" التي يمكن أن يروّج لها شخص يقترح امتلاك الولايات المتحدة قطاع غزة وطرد السكان الفلسطينيين الأصليين منه.

ورغم تهميش إسرائيل في هذه الجولة، فإن ذلك لا يعني أنها لن تواصل لعب دور أساسي في السلوك العدائي الأميركي بشكل عام.
ففي الشهر الماضي فقط، استضاف مسؤولون جمهوريون وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير – صاحب المقولة الشهيرة: "لا يوجد سبب لإدخال غرام واحد من الطعام أو المساعدات إلى غزة" – في منتجع مارالاغو الخاص بترامب في فلوريدا.
وبعد عشاء أقيم على شرفه، تفاخر بن غفير بأن الجمهوريين "أعربوا عن دعمهم لموقفي الواضح جدًا حول كيفية التصرف في غزة، وأنه يجب قصف مستودعات الطعام والمساعدات".

وعليه، وبينما تنشغل العناوين الإعلامية بالصفقات الكبرى والاستحقاقات الدبلوماسية، يمكن القول إن إدارة ترامب لا تزال تواصل تعاملها مع التطورات الميدانية في غزة من منظور يخدم أولوياتها الإستراتيجية، حتى وإن بدا ذلك تغاضيًا عن الانتهاكات الإسرائيلية الواضحة.

الجمعة، 4 أكتوبر 2024

هؤلاء قتلهم الموساد فاشتدت المقاومة

هؤلاء قتلهم الموساد فاشتدت المقاومة

بعد اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في غارة جوية مدمرة على حي الضاحية في بيروت، ذهب الجيش الإسرائيلي إلى منصة "إكس" ليعلن بفخر أن نصر الله "لن يتمكن بعد الآن من إرهاب العالم".

قد يُغتفر للمراقب الموضوعي إذا لم يستطع أن يكتشف كيف يمكن أن يكون نصر الله مسؤولًا عن الإرهاب الأرضي، في حين أنه ليس من يقود إبادة جماعية في قطاع غزة منذ ما يقرب من عام. وبالطبع، هو ليس من قتل أكثر من 700 شخص في لبنان في أقلّ من أسبوع.

تتفاخر إسرائيل بكل ذلك، كما تتفاخر بتدمير العديد من المباني السكنية وسكانها في سعيها لقتل نصر الله، وهو مثال جيد على "إرهاب العالم".

وبينما تروج إسرائيل لاغتيال نصر الله كضربة قاضية ضد التنظيم، تكشف لمحة سريعة في التاريخ أن مثل هذه الاغتيالات لا تقتلع المقاومة، بل تزيدها شدة.

خير مثال على ذلك هو عباس الموسوي، المؤسس المشارك لحزب الله وثاني أمين عام له، والذي تم اغتياله في عام 1992 في جنوب لبنان بواسطة مروحيات إسرائيلية، ما أسفر أيضًا عن مقتل زوجته وابنه البالغ من العمر خمس سنوات.

إعلان

في هذه المناسبة أيضًا، كانت إسرائيل سريعة في تهنئة نفسها على إنجازها الدموي، لكن الاحتفال كان مبكرًا بشكل مأساوي. بعد اغتيال الموسوي، تم انتخاب نصر الله أمينًا عامًا، واستطاع أن يحول حزب الله إلى قوة هائلة ليس فقط في لبنان، بل في جميع أنحاء المنطقة.

تحت قيادته، طرد حزب الله إسرائيل من الأراضي اللبنانية في عام 2000، منهيًا بذلك احتلالًا وحشيًا دام 22 عامًا، ونجح في ردع الجيش الإسرائيلي خلال حرب الـ 34 يومًا على لبنان في عام 2006، مُلحِقًا بالجيش الإسرائيلي ضربات مهينة.

وفي غضون ذلك، لم يؤدِ الهوس المستمر لإسرائيل بقتل شخصيات حزب الله إلى إضعاف التنظيم. فمثلًا، أدى الاغتيال المشترك للموساد وCIA في سوريا، قائدَ العمليات العسكرية لحزب الله، عماد مغنية، في عام 2008، إلى رفع مكانة الرجل إلى مستوى أسطوري في قاعة مشاهير حزب الله.

وبطبيعة الحال، هناك العديد من الاغتيالات التي استهدفت قادة فلسطينيين على مدار عقود، والتي لم تثنِ الفلسطينيين عن الرغبة في الاستمرار في الوجود. ووفقًا لتقارير "أسوشيتد برس"، قُتل العديد من قادة منظمة التحرير الفلسطينية (PLO) في شققهم في بيروت عام 1973 على يد كوماندوز إسرائيليين في غارة ليلية بقيادة إيهود باراك، الذي أصبح فيما بعد قائد الجيش الإسرائيلي ورئيس الوزراء.

ووفقًا للتقرير، قُتل كمال عدوان، المسؤول عن عمليات منظمة التحرير في الضفة الغربية المحتلة، ومحمد يوسف النجار، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وكمال ناصر، المتحدث باسم المنظمة، وهو كاتب وشاعر كاريزمي.

وقعت هذه الأحداث بعد عام من اغتيال غسان كنفاني، الأديب والشاعر الفلسطيني البارز، والمتحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على يد الموساد في بيروت مع ابنة أخته البالغة من العمر 17 عامًا.

لم تساهم هذه الاغتيالات وغيرها من الشخصيات الفلسطينية البارزة في كبح حركة المقاومة الفلسطينية. وكما أظهرت الانتفاضتان الأولى والثانية في الثمانينيات والألفينيات، يمكن للفلسطينيين إطلاق انتفاضات شعبية جماهيرية حتى دون قادة سياسيين أو عسكريين لتنظيمها.

وكما سعت إسرائيل إلى القضاء على جماعات المقاومة التقليدية، ظهرت مجموعات جديدة. كان هذا هو الحال مع حماس، التي كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي في غزة سعيدة بتشجيعها في البداية كقوة موازية لمنظمة التحرير.

وفي النهاية، وجدت حماس نفسها أيضًا هدفًا لإستراتيجية الاغتيال الإسرائيلية، التي فشلت كالمعتاد في تحقيق أهدافها المعلنة. في عام 1996، قتلت إسرائيل مهندس حماس يحيى عياش بزرع متفجرات في هاتفه المحمول – ربما تمهيدًا لما قامت به إسرائيل مؤخرًا من تفجير أجهزة النداء وغيرها من الأجهزة الإلكترونية في جميع أنحاء لبنان.

ثم كان هناك اغتيال الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حماس، في مارس/آذار 2004 في غزة عبر ضربة من مروحية. وخلفه عبد العزيز الرنتيسي، الذي اغتيل أيضًا في غارة جوية إسرائيلية بعد أقل من شهر.

إعلان

ومع ذلك، وعلى الرغم من تحمل ثلاث حروب مدمرة، بالإضافة إلى الهجمات العسكرية الإسرائيلية المستمرة والاغتيالات المتكررة، تمكنت حماس من بناء قدرات كافية لتنفيذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول على إسرائيل.

والآن، لم يفعل اغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، في يوليو/تموز 2024 – أحد المفاوضين الرئيسيين على صفقة لوقف إطلاق النار في غزة والذي كان يُعتبر دوليًا "معتدلًا" – شيئًا لتقليص المقاومة الفلسطينية، لكنه أكد التزام إسرائيل بإفشال أي فرصة لوقف القتل الجماعي.

أما بالنسبة لموت نصر الله، فيجدر التذكير بأن وجود حزب الله نفسه هو نتيجة نزعة إسرائيل للقتل الجماعي، وتحديدًا الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين.

كان هذا الغزو، الذي أُطلق عليه عملية "سلامة الجليل"، يهدف إلى القضاء على المقاومة المناهضة لإسرائيل في لبنان، لكنه زادها قوة. كانت الذريعة المستخدمة لتبرير العملية هي محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في المملكة المتحدة، شلومو أرغوف. وقد نجا أرغوف، وهو امتياز لم يُمنح للضحايا اللبنانيين والفلسطينيين لعملية "سلامة الجليل".

إذا كان مجرد محاولة اغتيال فاشلة ضد دبلوماسي قد قدمت لإسرائيل ذريعة لذبح جماعي، فمن العجب أن الإدارة الإسرائيلية لا تفكر في نوع الانتقام الذي قد ينجم عن اغتيال شخصيّة عربيّة بارزة مثل نصر الله، لا سيما في ظل إبادة جماعية مستمرّة للعرب الآخرين.

إعلان

ومع ذلك، فإن تمهيد الطّريق لحرب دائمة وأكثر جنونًا هو بلا شكّ الهدف الأساسي.

إعلان

الأربعاء، 24 يوليو 2024

بايدن خارج السباق.. لكن حكم الأثرياء مستمر

بايدن خارج السباق.. لكن حكم الأثرياء مستمر

مؤلفة كتاب "المنفى: رفض أميركا واكتشاف العالم"

 انسحب رئيس الولايات المتحدة جو بايدن من السباق الرئاسي، رضوخًا لضغوط زملائه الديمقراطيين الذين كانوا يخشون أن يؤدي إخفاقه في المناظرة الرئاسية التي جرت في يونيو/حزيران مع المرشح الجمهوري دونالد ترامب – من بين أمور أخرى – إلى جعل ابن الثمانين عامًا أقل جاذبية للناخبين الأميركيين.

كان القرار ضخمًا وصعبًا، ويمكن القول إنه لولا "إرادة الله" لما استطاع رفاق الرئيس إقناعه بالانسحاب من السباق.

ولا شك أن زملاء بايدن الديمقراطيين كانوا على حق، وليس هذا لأنّ مرشحًا أفضل من الآخر في دولة يحكمها الأثرياء الملتزمون، حيث تتراوح خيارات التصويت بشكل عام، سواء كان الرئيس جمهوريًا أو ديمقراطيًا، بين شخصيات تتسم بسلوكيات معادية للمجتمع بدرجات متفاوتة من الوضوح.

بينما يتجادل المحللون والمفكرون حول مناقب هاريس في وسائل الإعلام الرئيسية، فإنّ السؤال الرئيسي الذي يشغل الحزب هو عن مصير وإمكانية انتقال تمويل يقدر بـ 96 مليون دولار جمعته حملة بايدن، إلى هاريس أو مرشح ديمقراطي آخر

غير أنّ زلات لسان بايدن الأخيرة – بما في ذلك تأكيداته على أن "أول امرأة سوداء تعمل مع رئيس أسود" في الولايات المتحدة – تشي بأنه ربما لم يكن في وضع مناسب يمكِّنه من الاستمرار قائدًا للقوة العظمى العالمية، من وجهة نظر لغوية، أو غيرها.

وبموضوعية، أيضًا، نقول إن أقل ما يوصف به أداؤه لمهامه خلال الأشهر التسعة الماضية – باعتباره المحرض الرئيسي على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة – أنه لم يكن مثيرًا للإعجاب.

ولكن في منشوره الذي أعلن فيه انسحابه من السباق الرئاسي في 21 يوليو/تموز على منصة التواصل الاجتماعي "إكس"، فضَّل بايدن النظر إلى الجانب المشرق، مؤكدًا لـ "الرفاق الأميركيين" أن الولايات المتحدة "قامت باستثمارات تاريخية في إعادة بناء أمتنا، وفي خفض تكاليف الأدوية الموصوفة طبيًا لكبار السن، وفي توسيع نطاق الرعاية الصحية بأسعار معقولة لعدد قياسي من الأميركيين".

وللسخرية، فإنّ هذا التصريح يمثل خبرًا جديدًا لأميركيين كُثر ما زالوا يعانون من الفواتير الطبية والأدوية الباهظة الثمن. وكان من الممكن أن يكون والدي أحدهم، وهو مواطن أميركي ولد في تكساس وتوفي بسرطان البروستاتا في العاصمة واشنطن في أغسطس/آب 2023 عن عمر يناهز 72 عامًا، بعد أن أغراه أطباؤه بالعلاج الكيميائي المربح، الذي لم يجدِ نفعًا سوى التعجيل بوفاته.

بالإضافة إلى ذلك، فقد وُصف لوالدي عقَّار "إكستاندي" (Xtandi) علاجًا لسرطان البروستاتا، وهو دواء تم تطويره بأموال دافعي الضرائب الأميركيين، ولكن ليس بغرض "خفض تكاليف الأدوية الموصوفة لكبار السن"، فقد كان على والدي سداد فاتورة لا تقلّ عن 14,579 دولارًا للشهر الواحد.

على أية حال، هذه هي الرأسمالية الأميركية، وهي للأسف ليست شيئًا يمكن معالجته عبر مسرحية انتخابات ديمقراطية.

البديل المحتمل لبايدن في السباق الرئاسي هي نائبته الحالية، كامالا هاريس. وبينما يتجادل المحللون والمفكرون حول مناقبها في وسائل الإعلام الرئيسية، فإنّ السؤال الرئيسي الذي يشغل الحزب هو عن مصير وإمكانية انتقال تمويل يقدر بـ 96 مليون دولار جمعته حملة بايدن، إلى هاريس أو مرشح ديمقراطي آخر؛ أو بصياغة أخرى: ما الذي سيحدث لكل تلك الأموال التي جُمعت لصالح أحد الأثرياء دون الآخر؟

وكما نوَّه مقال نشرته قناة الجزيرة في أعقاب انسحاب بايدن إلى أن "عدم وجود سابقة للوضع الحالي، طرح أسئلة حول مصير صندوق حملة بايدن. ففي الولايات المتحدة، على أية حال، يمكن أن يصل الإنفاق على الانتخابات إلى ملايين الدولارات، إن لم يكن المليارات منها".

ومع وجود الملايين والمليارات التي تُتداول في الانتخابات، فمن الواضح أنه ليس ثمة احتمال كبير؛ لأن تكون هناك ديمقراطية فعلية. هذا على الرغم من ادعاء بايدن العاطفي في منشوره على منصة "إكس" أنه "لم يكن من الممكن القيام بأي شيء من هذا القبيل بدونكم، أيها الشعب الأميركي. لقد تغلبنا معًا على جائحة تحدث مرة كل قرن، وعلى أسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد الكبير. لقد قمنا بحماية ديمقراطيتنا والحفاظ عليها".

وبينما يتراجع بايدن عن محاولته لإعادة انتخابه، إلا أنه لا يتنحى عن منصب الرئاسة. لقد أوضح جليًا أنه يعتبر إكمال بقية فترة ولايته "في مصلحة حزبي والبلد"، وأنه سيركز على "واجباته كرئيس".

ومن بين "واجباته" الرئاسية التي يتعين عليه إنجازها في الوقت الحاضر، استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع في البيت الأبيض – لأن الإبادة الجماعية هي بالتأكيد "في مصلحة حزبي والبلد".

وفي حين يمضي الأميركيون قدمًا في عملية تحول انتخابي شامل، فإنهم يحسنون صنعًا لو أنهم تأملوا في المشهد المتعلق بحكم الأثرياء لبلادهم.

في رسالة الوداع، وقّع بايدن بالكلمات التالية: "أنا أؤمن اليوم بما كنت أؤمن به دائمًا: أنه لا يوجد شيء لا تستطيع أميركا فعله، عندما نقوم بذلك معًا. علينا فقط أن نتذكّر أننا الولايات المتحدة الأميركية".

ولعلّ هذا ما يجب على الجميع أن يتذكّروه في النهاية: أنّ الولايات المتحدة هي الولايات المتحدة، بغض النظر عمّن يتولى القيادة، ولا يوجد "شيء لا تستطيع أميركا فعله" لتضيف المزيد من الفواجع للعالم.

ربما يكون بايدن خارج السباق، لكن حكم الأثرياء، الذي يسمّونه "الديمقراطية" الأميركية، مستمرّ.