هل نسي ماكرون ما فعلته فرنسا؟
ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا- ذلك التجمع السنوي للنخبة العالمية في جبال الألب- ليعلن أن "الوقت ليس مناسبا لاستعمار جديد أو إمبريالية جديدة".
وكان ذلك، بطبيعة الحال، إشارة إلى طموحات نظيره الأمريكي دونالد ترمب، الذي لم يكتفِ مؤخرا باختطاف رئيس فنزويلا، وتهديده المتكرر بالاستيلاء على قناة بنما، بل جعل من احتلال غرينلاند الدانماركية المتمتعة بالحكم الذاتي محورا لصخبه الإمبريالي المتزايد.
وفي اليوم التالي، اعتلى ترمب نفسه منصة المنتدى في دافوس ليلقي خطابا طويلا متقطعا كعادته، تحدث فيه عن توربينات الرياح، وسخر من نظارات ماكرون الشمسية "الجميلة" العاكسة، وأعلن أنه لن "يستخدم القوة" في استحواذه على غرينلاند- رغم أنه اختلط عليه الأمر وأشار إليها خطأ بـ"آيسلندا".
لقد أثارت نوايا ترمب بشأن الجزيرة حفيظة أوروبا، إذ أعلن البرلمان الأوروبي إدانته القاطعة لتصريحات الإدارة الأمريكية بخصوص غرينلاند، مؤكدا أنها "تمثل تحديا صارخا للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وسيادة ووحدة أراضي أحد حلفاء الناتو".
وعقب تصريح ماكرون، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن قادة أوروبيين "اصطفوا" لمعارضة "الاستعمار الجديد" الذي ندد به الرئيس الفرنسي.
من أفريقيا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط وما بعده، يكاد لا يوجد شبر من الأرض لم يطله النهب الأوروبي، أو لم يدنس بالاستعباد والقتل الجماعي وسواها من الفظائع
ولا حاجة للتأكيد على أن ترمب، لا ينبغي تشجيعه بأي حال على مغامراته الدولية المفترسة. لكن من الجدير أن نذكر بأن أوروبا- حين يتعلق الأمر بالاستعمار والإمبريالية- ليست في موقع يسمح لها بإلقاء الدروس.
فلنبدأ بفرنسا، التي لا تزال تحكم أكثر من اثني عشر إقليما منتشرا في أنحاء العالم- كثير منها يسوق كوجهات سياحية غريبة- مثل جزر غوادلوب في الكاريبي، وأرخبيل مايوت في المحيط الهندي.
ورغم أن هذه الأقاليم قد خرجت رسميا من التصنيف "الاستعماري" لتصبح "مقاطعات فرنسية" بحق، ومن ثم جزءا من الاتحاد الأوروبي، فإن فرنسا لم تتخل عن ذهنيتها الإمبراطورية المتعالية، ولا عن عقدة تفوقها المصاحبة لها.
وحين انتقد سكان مايوت- أفقر أقاليم فرنسا- في ديسمبر/كانون الأول 2024، رد فعل الحكومة على إعصار مدمر ضرب الجزيرة، أجابهم ماكرون بلهجة استعلائية قائلا: "لولا فرنسا، لكنتم في ورطة أكبر بعشرة آلاف مرة".
أليست هذه صورة مثلى لـ"الاستعمار الجديد"؟
أما الاستعمار "القديم"، ففرنسا تحمل سجلا مروعا فيه، لا سيما في الجزائر، حيث قتل نحو 1.5 مليون جزائري في حرب الاستقلال بين عامي 1954 و1962. ورغم أن ماكرون سبق أن اعترف بأن استعمار فرنسا للجزائر كان "جريمة ضد الإنسانية"، إذ اتسم بالتعذيب الوحشي وغيره من الفظائع، فإنه لا يزال يرفض إصدار اعتذار رسمي باسم فرنسا.
وليس الأمر مقتصرا على فرنسا. فكثير من القوى الأوروبية التي تجاهر الآن بعدائها للاستعمار تحمل في تاريخها إرثا داميا من الوحشية والاستغلال حول العالم.
من أفريقيا إلى آسيا إلى الشرق الأوسط وما بعده، يكاد لا يوجد شبر من الأرض لم يطله النهب الأوروبي، أو لم يدنس بالاستعباد والقتل الجماعي وسواها من الفظائع.
لقد قضى الإسبان على شعوب أصيلة في القارتين الأمريكيتين، وعبثت بريطانيا في كل رقعة وقعت تحت نفوذها، أما الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا، فقد أشرف على مقتل نحو 10 ملايين كونغولي بدءا من عام 1885، حين أعلن "الدولة الحرة في الكونغو" ملكية شخصية له.
وفي عام 2022، عبر فيليب ملك بلجيكا عن "أعمق أسفه" للفظائع المرتكبة في الحقبة الاستعمارية، دون أن يقدم اعتذارا رسميا. وقد أشار أحد المقالات آنذاك إلى أن الحياة في دولة الكونغو الحرة كانت على نحو أن "القرى التي أخفقت في جمع حصصها من المطاط كانت تجبر على تقديم أيد مقطوعة بدلا منها".
أما في إثيوبيا، فيقدر المؤرخ البريطاني إيان كامبل أن ما بين 19% إلى 20% من سكان العاصمة أديس أبابا أبيدوا خلال ثلاثة أيام فقط، أثناء الاحتلال العسكري الإيطالي لشرق أفريقيا عام 1937.
ولا تنتهي قائمة الفظائع الأوروبية.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن على ترمب أن يطلق يده في ارتكاب الفظائع كيفما شاء. بل هو تذكير ودي بأنه لا يمكن رفض الاستعمار بطريقة انتقائية. (بالمناسبة، كانت غرينلاند مستعمرة دانماركية صريحة حتى وقت قريب).
وإذا ما ذكرنا الفظائع الاستعمارية، فلا بد من الإشارة إلى أن أوروبا- على مدار أكثر من عامين من الإبادة الجارية في قطاع غزة- لم تظهر الغضب الكافي إزاء المذبحة، بل اختارت مسار الانتقادات الشكلية والتواطؤ بحكم الأمر الواقع.
وها هي المجازر مستمرة تحت ستار "وقف إطلاق نار" بوساطة أمريكية، بينما يخطط الآن، وفق الرؤية الترمبية، لإدارة غزة عبر ما يسمى "مجلس السلام"، يرأسه- ومن غيره؟- ترمب نفسه.
وسيشارك في هذا المجلس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بات أحد أبرز رموز الإبادة الجماعية في عصرنا، الأمر الذي ينذر بـ"استعمار جديد" من النوع الأكثر خبثا ودهاء.
ولكن، ويا للأسف!، فإن النفاق الملطخ بالدماء ليس أمرا جديدا في هذا العالم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق