‏إظهار الرسائل ذات التسميات السجون في مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السجون في مصر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 29 أغسطس 2025

إنها الحرب.. صناعة الهستيريا في مصر

 إنها الحرب.. صناعة الهستيريا في مصر


وائل قنديل

في بلد يتغذّى على الهستيريا، ذهبت استغاثة حمصرفيد رفاعة الطهطاوي، أحد صنّاع التنوير والعقلانية في مصر الحديثة، أدراج الرياح، إذ ابتلع المناخ المعبّأ بالجنون صيحة السفير محمد رفاعة رئيس ديوان رئاسة الجمهورية الأسبق المحبوس في ظلمات الزنزانة منذ 12 عاماً، والتي يقول فيها: 

"أنا السفير محمد رفاعة الطهطاوي، المحبوس في قطاع 2 بسجن بدر 3، والمضرب عن الطعام منذ أكثر من 45 يومًا مع 58 من زملائي، احتجاجاً على ما نتعرّض له من انتهاكات وتجاوزات جسيمة وحرمان من حقوقنا الطبيعية.

بعد أن نفت وزارة الداخلية وجود إضراب عن الطعام أو محاولات انتحار بين المحبوسين في القطاع، في حين أنّ عدد محاولات الانتحار تجاوز 16 حالة، ومنهم من حاول الانتحار داخل قاعة المحكمة أمام القاضي، كما أنّ كل أفراد القطاع الـ58 مستمرّون في الإضراب عن الطعام منذ 45 يوماً، وبعضهم تمّ نقله إلى العناية المركّزة بعد تدهور وضعه الصحي.

وحتى يقف الرأي العام المحلي والدولي على حقيقة ما يحدُث، أطالب بتشكيل لجنة تقصّي حقائق دولية لزيارة قطاع 2 بسجن بدر 3، ترفع تقريرها إلى المفوضية السامية ومجلس حقوق الإنسان في جنيف، وهذا ليس انتقاصاً من سيادة مصر أو استقواءً بهيئة أجنبية، لأن الأمم المتحدة منظّمة دولية تمثّل الإرادة المشتركة لكلّ الدول الأعضاء فيها، ومصر عضو مؤسّس.

وعندما نطالب بالتحقيق في التزام النظام المصري بأحكام معاهدات حقوق الإنسان، فإننا بالتأكيد نطالب الحكومة باحترام الدستور والقانون. 

وإنني أتوجّه، برجاء خاص إلى الدكتور محمد البرادعي، بحكم وزنه السياسي ومكانته وما هو معروف عنه من نزاهة أصيلة، بأن يتفضّل برئاسة اللجنة المقترحة، وأن يشملها بدعمه ورعايته، كما أرجو أن تضم اللجنة في عضويتها السفير شكري فؤاد وجورج إسحق.

كما أتوجّه برجاء إلى الرجل الشريف عون االخصاونة، رئيس وزراء الأردن الأسبق، والقاضي بمحكمة العدل الدولية بلاهاي، ورئيس مؤتمر فيينا للمعاهدات الدولية، أن يتفضّل برئاسة اللجنة ودعم مطلبنا في تشكيلها، إذا حالت الظروف بين الدكتور البرادعي ورئاسة اللجنة، فما أعلمه عنه أنه من قومٍ لا يردّون رجاءً، ولو كلفهم ذلك جهداً ومشقة عظيمة".

توقّف كثيرون بالأسى والحزن عند الأسماء المقترحة للجنة، إذ لم يصل إلى علم السجين النبيل أنّ كلًا من شكري فؤاد وجورج إسحق رحلا عن الدنيا منذ سنوات، كما رحل محمد البرادعي عن مصر وغادر عون الخصاونة منصبه منذ العام 2012، مع حفظ الألقاب لهم جميعاً، لنكون أمام طرفٍ من حكاية وطن خيّم عليه الظلم والظلام، لكنه يطنطن طوال الوقت بأنّه جنّة الحريات وحقوق الإنسان والعدالة.

كان المتصوّر أنّ رسالة حفيد الطهطاوي المغيّب عن العالم الخارجي تماماً منذ 12 عاماً سوف تحرّك ساكنًا عند البرادعي الذي ألقت به أمواج الاستبداد على الضفة الأخرى من العالم منذ عشر سنوات، أو تستثير فيه غضباً أو فعل استجابة من أيّ نوع لاستغاثة زميل له في سلك الدبلوماسية المصرية، فيُطلق نداءً إلى ضمير العالم، أو يتبنّى محاولة لإنقاذ حياة عشرات من السياسيين الذين شاركوه حلم التغيير، غير أنّ شيئاً من هذا لم يقع.

كان من المتصوّر، كذلك، أن يستشعر النظام بعض الحرج وبعض الخجل، فيردّ أو يشرح أو يوضّح، غير أنه، كالعادة، كان سميك الجلد متين الجدران العازلة، بما لم يجعله يهتز أو يهتم، إذ كان مشغولاً بالجهاد تحت رايات أبطاله المغاوير المُدجّجين بالأسلحة البيضاء للذود عن سفاراته في العواصم الأوروبية ضدّ جيوش "الإخوان" التي تحاصرها وتهاجمها بالصواريخ العابرة للقارّات والمحمّلة برؤوس نووية، والمدعومة من أساطيل بريطانيا وأميركا وإسرائيل ضمن تحالف دولي شرير يستهدف إسقاط مصر.

تختلف هذه الموجة من الهستيريا التي يرفل فيها الوطن هذه المرّة عن سابقاتها، إذ لم يصنعها النظام ويصدّرها إلى جمهوره، كما كان يحدُث من قبل، بل صنعتها مجموعاتٌ من فرسان الوطنية الملوّثة بالجهل والقبح، وصدّرتها إلى السلطة فتبنّتها واحتضنتها باعتبارها مشروعاً نضاليّاً، وسارت خلف صانعيها من أشخاصٍ هم بمقتضى قوانين الدول الموجودين فيها خارجون عن القانون ومتهمون جنائيّاً.

كان مثيراً للسخرية والحزن أنّ الدولة المصرية اعتبرت المحبوسين بتهمة الشروع في ارتكاب أفعال إجرامية بالسلاح الأبيض رموزها الوطنية وأبطالها القوميين، لتنتفي الفوارق في لحظةٍ بين صراخ أحدهم لحظة القبض عليه وخطاب الرجل الأوّل في الخارجية المصرية، التي أعلنت أنها في حالة حربٍ مع متظاهر واحد يهتف ضدّ النظام أمام السفارة المصرية، واستنفرت كلّ قواها الإعلامية والسياسية وجيوشها الإلكترونية.

قبل عشر سنوات، كان هذا النظام يشبه مطرباً بائساً يردّد أغنية وحيدة، بالإكراه، ومع سبق الإصرار والترصّد، على جمهور أكثر بؤساً، لا يملك حقّ الاعتراض، أو المطالبة بالتجديد في الكلمات واللحن والأداء، فالمطرب الذي يعتمد على عضلاته أكثر مما يستخدم صوته يرى في نفسه فنّاناً، وفي الجمهور قطيعًا من الرعاع، ينبغي أن يصفقوا لكلّ هذا السخام المتدفّق من حنجرة أتى عليها الصدأ.

الآن تجاوزنا هذه الحالة وصرنا وكأنّنا أمام وطن وقع على رأسه فاختلت مراكز الإدراك والتفكير فيها، وصار يتخبّط في سيره وفي كلامه، وهو يظنّ أنه ينثر على الناس زهوراً من الحكمة والجدارة.

الخميس، 10 يوليو 2025

المنسيون في السجون المصرية

 

المنسيون في السجون المصرية

حتى سنوات قليلة، كانت محاولة انتحار سجين سياسي في زنزانته خبراً مهمّاً تتناوله عديد الصحف والقنوات التلفزيونية، تأكيداً أو نفياً وتكذيباً، بوصفه موضوعاً يستحقّ التوقّف عنده بالنقاش والتحليل. أمّا وأننا في لحظة باتت فيها جريمة حرق نازحين في مخيّم أو مرضى على أسرّة المشافي خبراً اعتياديّاً تألفه العيون والآذان، فإنّ خبر إقدام عالم اقتصاد مرموق وخبير شاب في البنك الدولي على الانتحار لم يعد يسترعى اهتمام أحد، أو يثير فضوله للنقاش والتحليل، وخصوصاً إذا كان هذا المُقدم على الانتحار من المَنسيين في السجون الذين لا تنزعج حكومات وجماعات ضغط لما يجري لهم فيها.

وعلى هذا النحو، مرّت أنباء وتقارير عن جحيم يعيشه نحو 58 سجيناً ومُعتقلاً سياسيّاً في أحد السجون المصرية، المُسمّاة تهذيباً مراكز إصلاح وتأهيل، يسكنها نزلاء لا سجناء، من دون أن يتوقّف عندها أحد، ربما لكثرة العدد، أو لأنهم سقطوا أو أسقطوا من الذاكرة بالتقادم، حيث مرّ على وجودهم في السجن أكثر من عشر سنوات، وبالتالي، لم تهزّ أحداً صرخاتهم الآتية من سجن بدر 3 قطاع 2، محمّلة بوقائع تتضمن أبشع أشكال التنكيل والعزل والحرمان التي جعلت من السجن أسوأ بقعة في سجون العالم.

 بحسب المنشور نقلاً عن الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، تزداد الأوضاع سوءاً على نحو 58 سجيناً مع مرور عشر سنوات على حرمانهم الزيارة ورؤية الشمس والعزل التام عن العالم، ما أدى إلى وقوع  ثلاث محاولات انتحار بين السجناء خلال الأيّام القليلة الماضية، آخرها في يوم 4 يوليو/ تموز الجاري، حين أقدم الدكتور عبد الرحيم محمد، استشاري القلب المعروف، على محاولة ذبح نفسه على مرأى من المسجونين وأمام كاميرات المراقبة بالسجن، والثانية للأستاذ رضا أبو الغيط الذي قطع شرايينه بسكين، ثم أكمل عليها بأسنانه حين أخذوا السكين منه، والثالثة للدكتور عبد الله شحاتة، الخبير الاقتصادي الدولي المعروف، حين حاول شنق نفسه.

كلّ ما يطالب به هؤلاء السجناء هو حقّ ذويهم في زيارتهم داخل السجن، إذ لم يروا أحداً منذ عشر سنوات، وكذلك لا يرون الشمس، فقط يريدون حقوق السجناء في معاملتهم بشراً داخل الزنازين، الحقّ ّفي الزيارة والحقّ في العلاج والحقّ في الضوء.

هذه الحالة من التجريد الكامل من أبسط الحقوق دفعت زملاءهم في السجن إلى الدخول (عشرة من السجناء على الأقل) في إضراب كامل عن الطعام والدواء، وهم: الدكتور محمد البلتاجي الطبيب المعروف، والنائب السابق والدكتور عبد الرحمن البر، والمحامي أسامة محمد مرسي، الذي لم يرَ ابنه منذ ولادته إلا في زيارة واحدة قبل عشر سنوات، وهو نجل الرئيس محمد مرسي، الذي سقط شهيداً للتنكيل والإهمال الطبي أمام القضاة في قاعة المحكمة، وكذلك الوزير السابق خالد الأزهري، والأستاذ أمين الصيرفي، والمهندس أسعد الشيخة، الأستاذ يسري عنبر، والمهندس عمرو زكي، والنائب البرلماني السابق صبحي صالح. 

وبحسب المعلومات المتوفّرة عمّا يجري، تعدّدت حالات الإغماء ونوبات غيبوبة السكر بين المشاركين في الإضراب، بالنظر إلى تقدّم أعمار غالبية السجناء، إذ يقترب متوسّط الأعمار في السجن من 65 عاماً.

وفي ظلّ هذه الظروف المُخيفة، لم يخرج ردّ فعل السلطات في السجن عن التجاهل والسخرية من المضربين بأنّ أحداً لم يعد يتذكّرهم أو يشعر بهم خارج أسوار السجن، ويبدو أنّ إدارة السجن صَدَقَت في ما قالت، فمن يتذكّر أو يهتم بأمر أسماء نبلاء ومناضلين حقيقيين، مثل رئيس البرلمان السابق والأكاديمي المعروف محمد سعد الكتاتني، والوزير محمد علي بشر، والسفير محمد رفاعة الطهطاوي، والنائب والمحامي عصام سلطان، والمرشّح السابق لرئاسة الجمهورية صلاح أبو إسماعيل، والوزير باسم عودة، وأحمد عارف وحسام أبو البخاري، وعشرات غيرهم من المَنسيين، لأنهم فقط يمثلون طيفاً سياسيّاً وفكريّاً لا يعجب هؤلاء الغارقين في أوهام التصنيف على الشللية، فلا يَنظر لهم أحد سجناء رأي، رغم أنهم هم الرأي نفسه، غير أنّ مفهوم سجناء الرأي تعرّض للعطب والتلف، بحيث صار المقصود بمصطلح سجناء الرأي هو سجين الرأي الذي نفضّله ونعتنقه، بينما سجين الرأي المُخالف، غير مشمول بهذه المظلّة الفئوية التي تتّخذ، في بعض الأحيان، شكلاً من العنصرية والشوفينية.

الجمعة، 30 أبريل 2021

“حلمت بأن أصبح رساماً”

“حلمت بأن أصبح رساماً”

عبد الله بومدين أصغر معتقل في السجون المصرية


ريد مطر - صحافية مصرية
أبريل 30, 2021

"عبد الله حاول أن ينتحر في رمضان الماضي، كما تم احتجازه فترة داخل أحد المستشفيات بسبب ظروف احتجازه غير الانسانية، فقد أصيب بالحكة وبمرض جلدي لأنه ممنوع من الاستحمام".
حكاية عبد الله بومدين لا تشبه حكايات الأطفال الآخرين، إنها ديستوبيا تم تمريرها بكل سوداويتها لحياة طفل حلم بأن يصبح رساماً، أتم بالكاد 12 سنة، حين قُبض عليه في منطقة العريش في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2017، ليتعرض لسلسلة من الانتهاكات والتعذيب والإنهاك البدني والنفسي، وزادت الأجهزة الأمنية في قمعه بالتكتم على مكان احتجازه منذ عام 2019 إلى اليوم. 
عبد الله بومدين، أصبح الآن عنواناً لقصة مفزعة عن الأطفال الذين يحتجزهم النظام الأمني في مصر، ولا نعلم إن كان لا يزال حياً، وإن كان يحتفظ بحلمه القديم بأن يصبح رساماً، أم تمت تصفيته ولا ترغب الأجهزة الأمنية في الإفصاح عن مصيره.


انتزعه الأمن الوطني من حضن والدته 

أتم عبد الله بو مدين نصر الدين عكاشة 12 سنة، قبل أسبوعين من القبض عليه من منزله في العريش، تحركت قوة أمنية من الأمن الوطني  في 31 كانون الأول 2017، “وانتزعته من حضن والدته حرفياً”، كما وصف أحمد سالم مدير مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان لـ”درج”.

 زعمت قوات الأمن الوطني وقتها بأنها ستحتجز عبد الله كـ”رهينة” حتى يأتي شقيقه عبد الرحمن بومدين لتسليم نفسه، لكن المفاجأة كانت توجيه تهم عدة للفتى، منها الانضمام إلى جماعة إرهابية محظورة واستهداف مناطق تابعة للجيش وإحراق مدرعات في سيناء.

يقول سالم: “الأمن الوطني هو من قام بالقبض على عبد الله بومدين و سلّمه للجيش، الذي احتجزه  في الصاعقة، في كتيبة 101، ومنطقة الصاعقة مشهورة في سيناء وتثير الذعر، بسبب ما يتعرض له  المحتجزون  فيها  من أشكال تنكيل”.

تعذيب ومحاولة انتحار

ظهر عبد الله للمرة الأولى بعد عشرة أشهر من احتجازه، وتمكنت والدته من رؤيته والتحدث إليه أثناء استجوابه في إحدى الجلسات في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2018. يقول سالم: “عبد الله روى لوالدته أنه تعرض للتعذيب بداية من الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء وإطفاء السجائر على مناطق متفرقة من جسده، كان بيتحط في أوضة على أرضها مياه ويلقوا عليها سلوك كهرباء ويكهربوه، وتم تقييده على سرير حديدي وأشعلوا النيران تحت السرير، كما تعرض لتعذيب بالتجويع، لا يحصل على الطعام سوى مرة واحدة كل ثلاثة أيام في السجن المركزي، والطعام عبارة عن خبز جاف وفول”.

ويضيف سالم “قبل القبض على عبد الله بومدين بأيام تم القبض على والده في 5 كانون الأول 2017 وغير معلوم مصيره ومكان احتجازه حتى الآن، وعام 2019 تم القبض على شقيقه عبد الرحمن بومدين وتمت تصفيته داخل السجن”.

 بعد تصفية عبد الرحمن بومدين شقيق عبد الله لم يتم الإفراج عن عبد الله، على رغم أن الأمن الوطني قال في البداية إن عبد الله رهينة لحين الوصول إلى شقيقه-  وجد عبد الله نفسه أمام قضية تحمل رقم 570 لسنة 2018، باتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية ومحظورة، على رغم أنه أنكر كل الاتهامات الموجهة إليه،  وانقطع عبد الله عن الدراسة منذ احتجازه وهو بالصف الإعدادي الأول .

مسؤول في مؤسسة “بلادي لحقوق الإنسان” التي وثقت قضية عبد الله بومدين وكانت مسؤولة عن الدفاع القانوني والقضائي عنه، يوضح لـ”درج”  أن عبد الله تعرض للسجن الانفرادي لسنوات بين سجن الأزبكية وقسم العريش ومُنعت عنه الزيارة.

حصل عبد الله على تأييد بإخلاء سبيله في 1 كانون الثاني/ يناير 2019، وتم ترحيله إلى قسم ثانٍ في العريش، يقول أحمد سالم “في 17 كانون الثاني 2019 ذهبت شقيقته لاستلامه من قسم العريش بعد صدور أمر بإخلاء سبيله، وطلب منها الضابط المسؤول عن القسم بتوقيع ورقة تعهد بتسليم عبد الله بعد الإفراج عنه في حال طلبته الشرطة للاستدعاء والاستجواب، لم يسمح لها بقراءة الورقة لكنها وافقت على التوقيع وأقرت بما طلبه منها ضابط القسم.

مسؤول “مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان” يوضح لـ”درج” أنه يُرجح أن الورقة التي أُجبرت شقيقة عبد الله على توقيعها هي ورقة استلامها عبد الله، لكنها في الواقع لم تتسلمه ولم يخرج معها من القسم.

منذ عام من الآن حاول عبد الله بومدين الانتحار داخل السجن بتجرع كميات كبيرة من حبوب دواء السكر، يقول أحمد سالم، “عبد الله حاول أن ينتحر في رمضان الماضي، كما تم احتجازه فترة داخل أحد المستشفيات بسبب ظروف احتجازه غير الانسانية، فقد أصيب بالحكة وبمرض جلدي لأنه ممنوع من الاستحمام”.

أسرة عبد الله من الأسر التي تم تهجيرها وهدم منزلها وفق قرارات الإخلاء الكامل لمنطقة عريش شمال سيناء، تعرض الأب للاعتقال والإخفاء القسري، والابن عبد الرحمن تعرض للاعتقال قبل قتله، وعبد الله اعتقل وتم إخفاؤه، والأم تعيش ثكلى على مصير الأسرة التي حوصرت بكارثة قتل وتصفية أفرادها. 

يقول أحمد سالم أن “مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان” وثقت عشر حالات لأطفال تحت الـ16 سنة واجهوا الاعتقال والإخفاء القسري، أصغرهم عمراً هو عبدالله بومدين.



انتهاكات لقانون حماية الطفل

“مؤسسة بلادي لحقوق الإنسان” تقدمت بدعوى ضد النائب العام ووزير الداخلية ووزير الدفاع تطالبهم بالإفصاح عن مكان احتجاز عبد الله بومدين، وكسبت مؤسسة “بلادي” الدعوى قضائياً، لكن عملياً لم يتم الكشف عن مكان احتجاز عبد الله حتى الآن.

لم تستطع “مؤسسة بلادي” تقديم دعوى ضد وزير الداخلية بشأن التعذيب الذي تعرض له عبد الله داخل السجن، يقول  لـ”درج”، “لا توجد  دعاوى ضد تعذيب سجناء الآن في مصر، فأي محامٍ سيتقدم بمحضر ضد ضابط قام بتعذيب سجين سيتم القبض عليه إلى جانب أن الطفل مختفٍ، فكيف سنتواصل معه للإدلاء بشهادته؟”. 

قانون الطفل في مصر يلزم جهة تنفيذ  الأحكام بتوفير  مكان  احتجاز مناسب للأطفال جيد التهوية، و لا يحبس الطفل حبساً انفرادياً بل في  دار رعاية للأحداث، تحتوي على ملاعب وفصول دراسية، لكن ما تعرض له عبد الله ورفاقه يفتقد لشروط الرعاية، فقد انقطع عبد الله عن التعليم وحُبس انفرادياً وتعرض للتعذيب ومُنعت عنه الزيارة.



أعداد مفزعة لأطفال خلف القضبان
في التقرير السنوي لمركز بلادي لحقوق الإنسان لعام 2020 تم رصد 166 حالة قبض عشوائي واحتجاز لأطفال، بينهم الطفل عبد الله ابراهيم شاهين مواليد 2005، وهو محتجز ومختفي قسرياً منذ ثلاث سنوات”.

يقول التقرير: “واجه معظم المختفين قسرياً من الأطفال، التعذيب النفسي أو البدني أو كليهما، سواء لإجبارهم/هن على الاعتراف أو لمجرد التنكيل بهم/هن وبينما نصت اتفاقية مناهضة التعذيب على كون التعذيب يشمل ذلك المستخدم لانتزاع الاعترافات أو المستخدم لمجرد التنكيل أو عقاب أي مشتبه به/اـ إلا أن المادة 126 من قانون العقوبات المصري لم تصف المعاملة القاسية بلفظ تعذيب” .

ورصدت “مؤسسة بلادي” بشكل مؤكد ممارسة التعذيب على 14 طفلاً قاصراً داخل السجون بهدف انتزاع اعترافات.

إلى الآن هناك 5 أطفال ما زالوا مختفين داخل السجون المصرية وأماكنهم ما زالت مجهولة، كما انتشرت حالات قيام الأمن المصري باختطاف أطفال بهدف إجبار أحد أفراد الأسرة على تسليم نفسه مثلما حدث مع عبد الله بومدين والطفلة خلود مصطفى، التي تم اعتقالها وأسرتها بالكامل لإجبار شقيقها على تسليم نفسه.

السبت، 3 أكتوبر 2020

تسريبات

تسريبات يوميات "الإذلال والتنكيل"

 

الجمعة، 6 ديسمبر 2019

تعرض للتعذيب 'بسبب أردوغان'


تعرض للتعذيب 'بسبب أردوغان'
مواطن تركي يروي الاعتقال الوحشي في مصر

لقد تعرض هذا السائح الشاب ، للضرب والتجويع والإذلال على أيدي السلطات المصرية.


نشر موقع "ميدل ايست آي" تقريرا لمراسله في تركيا راغب سويلو، يقول فيه إن محمد مصطفى، وهو اسم مستعار، وصل الى القاهرة في أيلول/ سبتمبر الماضي، وكان يتطلع بشغف إلى الإجازة التي سيستمتع بها.

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أنه بدلا من ذلك، فإن السائح الشاب وجد نفسه سجينا وعرضة للتعذيب والحرمان من الطعام والماء، وكان ضحية حملة اعتقالات واسعة للمتظاهرين ضد الحكومة، و"ببساطة لأنه تركي".

ويلفت سويلو إلى أن مظاهرات نادرة اندلعت في الفترة ما بين 20 – 27 أيلول/ سبتمبر ضد حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي في أنحاء مصر، أثارتها اتهامات الفساد التي وجهها مقاول وممثل مصري مقيم في إسبانيا.

ويفيد الموقع بأن الحملة التي تلت ذلك شهدت اعتقال 4 آلاف شخص، بحسب المنظمات الحقوقية وليس المصريون فقط، وكان بينهم سودانيون وأردنيون، ولكون تركيا تعد منافسا إقليميا لمصر فإن ثلاثة مواطنين أتراك وجدوا أنفسهم عالقين في تلك الأحداث.

وينوه التقرير إلى أنه تم اعتقال مصطفى في ميدان التحرير وسط القاهرة، حيث يوجد المتحف القومي المصري، مشيرا إلى أن الميدان مشهور بالمظاهرات الحاشدة التي خرجت خلال ثورة عام 2011، التي أطاحت بالديكتاتور حسني مبارك.

وأكد مسؤولون أتراك لـ"ميدل إيست آي" أن مصطفى كان من بين المعتقلين الأتراك، وبأنه كان معتقلا لفترة من جهاز المخابرات سيئ السمعة، وقام ضابط شرطة باعتقاله وأخذه إلى مركز شرطة، ولدى وصوله تم تقييد يديه، وأكره على أن يجلس على أرض إسمنتية ليومين.
وينقل الكاتب عن مصطفى، قوله: "لم يسجلوا اسمي، وكانوا ينادونني باسم الرئيس التركي أردوغان، أو ببساطة التركي"، وأضاف: "ضربوني بعصا، وصفعوا وجهي ولكموه لمدة يومين على فترات متقطعة، وكنت الوحيد في الغرفة المقيد اليدين، وحرمت من الطعام والماء، حتى أنهم عاملوا بقساوة عامل تنظيف أراد أن يعطيني ماء".

ويذكر الموقع أن مصطفى، الذي لا يتدخل في السياسة، كان مصدوما، ليس فقط لعدم وجود أي ميول سياسية علنية أو مشاعر تجاه الحكومة المصرية لديه، بل لكون الشاب التركي لم يسمع بالإخوان المسلمين، الجماعة المحظورة في مصر التي كان ينتمي لها الرئيس محمد مرسي الذي أطاح به السيسي.
ويكشف التقرير عن أن مصطفى نقل من معتقله إلى مجمع من طابقين على بعد 30 دقيقة بالسيارة من مركز القاهرة، وأرغم خلال الرحلة على أن يلف قميصه على وجهه كعصبة لعينيه، مشيرا إلى أن اسمه لم يسجل رسميا هناك أيضا، وتم ضرب الشاب لمدة ثلاثة أيام على الأقل بالعصي على فترات متقطعة.
ويورد سويلو نقلا عن مصطفى، قوله:
"كانوا يضربون الجميع، ويعاقبونهم بالفلقة، ويمكنك أن تسمع الصراخ قادما من أنحاء البناية كلها، وفي بعض الحالات سمعت أصواتا تشير إلى أنهم كانوا يستخدمون الصعق بالكهرباء وسيلة للتعذيب"، وأضاف: "سمح لي في اليوم الثاني بأن استخدم المرحاض هناك، وأعطيت بعض الطعام البسيط مثل الجبنة والخبز، لكني كنت أعاني من جراح بليغة في ظهري وقدمي ووجهي".


ويشير الموقع إلى أنه في الوقت الذي كان فيه مصطفى يقبع في السجن، كانت السلطات التركية تحاول الاتصال بنظيرتها المصرية، في محاولة لتأمين إطلاق سراحه وشخصين تركيين معتقلين في مصر، لكن ذلك كان صعبا، خاصة بسبب الوضع السيئ للعلاقات بين البلدين.

وينقل التقرير عن المسؤول التركي، قوله:
"منذ الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي لم تكن لدينا علاقة جيدة مع القاهرة".
ويذكر الكاتب أنه لم يسمع أي شيء من الأتراك المعتقلين حتى 24 أيلول/ سبتمبر، عندما قام التلفزيون الموالي للحكومة بعرض تسجيل فيديو لشخصين منهم، اتهما بأنهما جاسوسان.
ويورد الموقع نقلا عن مصطفى، قوله إن وضعه تحسن بعد أن تحدث إلى مسؤول أمني كبير يتحدث اللغة الإنجليزية، وأضاف: "توقفوا عن التعذيب، وبعدها قام ضابط آخر بالتحقيق معي، وسألوني عن ميولي السياسية، وإن كنت أحب أردوغان وإن كنت قد صوتت لحزب العدالة والتنمية الذي يرأسه".

ويلفت التقرير إلى أنه في مقابلة منفصلة، اعتذر ضابط أمن كبير لمصطفى على التعذيب وسوء المعاملة التي تلقاها، وقال مصطفى: "كان لطيفا، وقال لي إنه يعتذر لي نيابة عن قوات الأمن المصرية كلها لما حصل معي، وقال إن ذلك كله حصل بسبب أردوغان وتركيا".

ويفيد سويلو بأنه بعد أن أخذ مصطفى إلى مبنى الأمن الوطني، حيث قيدت يداه خلفه، وربط إلى الأرض لمدة أربعة أيام، كانت الظروف لا تزال قاسية، فنام على الأرض دون غسيل وعلى بطانية قذرة.

ويورد الموقع نقلا عن مصطفى، قوله: "أخيرا نقلوني إلى بناية أخرى، التي علمت بعد إطلاق سراحي أنها مركز ترحيل، وأعطوني ملابس نظيفة، ووضعوني في غرفة فيها سرير ومرحاض".

وينوه التقرير إلى أن المسؤولين الأتراك كانوا يحققون تقدما في الوقت ذاته، وأخبروا مرتين بأنه سيتم إطلاق سراح المواطنين الأتراك، إلا أن الحكومة المصرية أجلت تسليمهم لأيام دون تحديد سبب لذلك.

ويقول الكاتب إن من التفسيرات لذلك هي علامات التعذيب، مشيرا إلى أن المسؤولين المصريين كانوا يأخذون صورا لجسد مصطفى كل يوم، ويعتقد أبوه أنهم كانوا ينتظرون التئام جروحه.

وبحسب الموقع، فإن مصطفى بقي في الاعتقال في مصر 23 يوما، حتى تم ترحيله، ولم يعد إليه لا جواز سفره ولا جهاز هاتفه، مشيرا إلى أن رواية مصطفى تتطابق مع تقارير منظمات حقوق الإنسان بالنسبة لظروف السجون في مصر.
وينقل التقرير عن "هيومان رايتس ووتش"، قولها الشهر الماضي بأن مصر مستمرة في التعذيب الممنهج على نطاق واسع، وقال تقريرها: "قامت شرطة الداخلية وقوات الأمن الوطني بإخفاء مئات الناس على مدى السنوات الأخيرة، وأخضعت العديد للتعذيب الشديد، بما في ذلك الصعق بالكهرباء والاغتصاب والتهديد بالاغتصاب".

ويورد سويلو نقلا عن انغيس كالامارد، وهي المقرر الخاص للأمم المتحدة بخصوص القتل خارج القانون، ومعها فريق عمل الأمم المتحدة للاعتقال التعسفي، قولها الشهر الماضي بأن الظروف القاسية في السجون المصرية تسببت بوفاة مرسي في السجن العام الماضي.

ويختم "ميدل إيست آي" تقريره بالإشارة إلى أنه قام بالاتصال بالسفارة المصرية في أنقرة للحصول على تعليق إلا أنه لم يحصل على رد.

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)





السبت، 9 نوفمبر 2019

ثلاث قصص لـ "ميدان" تحكي ما الذي يعنيه أن يُعتقل والدك وأنت طفل!

جدة وأم وطفلة.. ثلاث 
قصص لـ "ميدان" تحكي 
ما الذي يعنيه أن يُعتقل والدك وأنت طفل!
اضغط للاستماع
   


عائشة، وسارة، وسلمى، ثلاثة أسماء مستعارة لحكايات غير مستعارة، الأولى تحكيها عائشة، سيدةٌ على مشارف العقد السادس من عُمرها، اعتُقل والدها لمدة عشر سنوات خلال الفترة 1965-1975، أي في عهد نظام عبد الناصر والسادات. والثانية سارة، شابةٌ في مقتبل عامها الثلاثين، اعتُقل والدها لفترات قصيرة متقطعة خلال فترة مبارك، والثالثة سلمى، طفلة في السابعة، ما زال والدها معتقلا لمدة تقارب العام خلال حكم السيسي، ما يجمعهن هو أن ثلاثتهن عايشن تجربة اعتقال الأب في سن السادسة.[1]



في هذا التقرير، نرصد في "ميدان" حكاياتهن عن كثب، ونسرد على لسان أصحابها مشاعر مكثّفة. ثلاثة أجيال، بثلاث قصص، ومشاهد مشتتة من لقطات تمتلئ بالشاعرية، في مكان لا يمكن وصفه بالشاعريّ؛ في المعتقل، حكاياتٌ أبطالها أطفال دون السابعة، تتنوع ما بين غرفة الزيارة، وقفص المحاكمة، وقضبان السجن، وغرف التفتيش، حكايات تمتد مع الأطفال في نومهم ويقظتهم، وتمتد معهم لحاضرهم، وتستدعيها الذاكرة وتبعثها باستمرار، كأنما حدثت بالأمس.



القصة الأولى: عائشة والقلب الذي ما زال ينبض

"لسه فاكرة يوم الاعتقال ده جدا، البيت مليان عساكر فوق وتحت ومش فاهمة فيه إيه، أوضة المكتبة مقلوبة، الكتب فوق وتحت، صورة الأوضة المقلوبة راسخة في ذهني جدا، وصورة أمي وعمتي وهما بيعيطوا وبابا بينادي علي يقولي تعالي، ويبوسني، كنت مستغربة الموقف ومن كتر ما أنا مستغربة كنت حاسة بتوهان، وطول العشر سنين فضلت أحلم باليوم اللي هيطلع فيه"



هكذا استهلت عائشة حكاياتها لـ "ميدان" عن تجربتها كطفلة لمعتقل حُكم عليه بمؤبد، ليُخفف لاحقا إلى عشر سنوات. تمتلك عائشة ذاكرة من شمع رهيف، منطبعة عليها تجربة اعتقال أبيها في صور لم تنمحِ أبدا، فرغم أنها الأكبر سنا بين إخوتها، فإنها كانت الأكثر استحضارا لتجربة الاعتقال رغم مرور ما يقرب من أربعة عقود عليها، فما زالت دموعها تغالبها حينما تحكي بعض المشاهد.

طيلة فترة اعتقال أبي، كان نومي مضطربا، وكنت أحلم بالكوابيس، أستيقظ فزعة من النوم، لأخبرهم أنه ثمة رجل خلف الباب

عائشة هي الطفلة الأولى لأبيها، رُزق بها على كبر، فقد تزوج في الأربعين، فرح بقدومها كأن لم ينجب أحدٌ فتياتٍ غيره، كان يوقّع كل خطاباته بــ "أبو عائشة"، تعلقت به كثيرا، فمنذ ولادتها لم يكن ينشغل عن اللعب معها وتدليلها، وتقول لـ "ميدان": "بعد اعتقاله بقيت انطوائية، وبقيت لوحدي"، لعائشة أبناءٌ وأحفاد، اعتُقل زوجها وخرج، لديها الكثير من أسباب الانشغال في هذه الحياة، ولكن، لا شيء يُنسي طفلة مرارة حرمان عشرة أعوام، من أب حنون محب.



تسرد عائشة لـ "ميدان" تفاصيل زياراتها وتقول:

"أوضة الزيارة متوسطة مش كبيرة، وفيها كمية من الناس غير طبيعية، زحمة أول مرة أشوفها، ومن كتر الزحمة كل واحد بينادي على أولاده، بابا بينادي بصوت عالي وبعصبية، وأنا مش عارفة أوصل له، لما وصلت كان فيه حاجز سلك بيننا وبينه، وهو واقف فوق عشان أشوفه، وبينادي عشان يناولني البونبوني، وكل اللي كان في ذهني وقتها هو طلع فوق إزاي كده! الموقف ده مش بيروح من دماغي، ولما أفتكره مش بقدر أمنع نفسي من البكاء، وما بحبش أتفرج على فيلم الكرنك لحد دلوقتي لأنه تجسيد مكثف للقطة دي"



ومن ذكريات الزيارة، كنا أنا وإخوتي ثلاثة أطفال "محشورين في أتوبيس زحمة على حجر ماما"، أخي كان عمره عاما ونصفا عند اعتقال أبي، أما أختي الصغيرة، فلم تكن قد أكملت عامها الرابع بعد، وفي إحدى المرات قررت أختي أن تهدي والدنا وردة، لكنها حينما اقتربت منه، خافت من مظهر لحيته وملامحه التي لم تكن قد أدركتها تماما، فابتعدت عنه خائفة، ولم تعطه الوردة.



كنا نتنقل بين سجن طرة وسجن المزرعة والسجن الحربي، أما السجن الحربي فقصته عجيبة، لم أكن أعرف أنه السجن الحربي إلا بعدما كبرت وتزوجت وذهبت مع أبنائي إلى معرض الكتاب، وفي طريقنا إلى زيارة أحد الأقارب بعد المعرض، عرَّجنا إلى مكان لم أتبين ملامحه، فأنا عادة لا أميز معالم الأماكن ليلا، ولكنني حينما اقتربت من هذا المكان، شعرت بارتعاشة في جسدي وبعض الاضطراب وانقبض صدري، فسألتهم: "هنا كان فيه معتقل؟"، فأجابوني: "نعم، السجن الحربي كان هنا"، فعرفت أننا كنا نأتي لزيارة أبي في هذا المكان.
سجن طرة

لم تكن الزيارة بائسة إلى هذا الحد، فقد أحببت الشوكولاتة بفضل المعتقل، حيث كانت تُوزع علينا بسخاء في الزيارة مع الكاسترد المصنوع بمربى العنب الذي كان يعده أبي لنا بنفسه في محبسه. كانت الزيارة صالونا ثقافيا كذلك، حيث دأب شاب صغير من المعتقلين مع والدي على تنظيم لقاءات معنا نحن أطفال المعتقلين، ليعقد لنا حلقات مراجعة وتحفيظ للقرآن ويصحح لنا الأخطاء اللغوية والإملائية، أذكر أنه في إحدى المرات خاطبني قائلا:


"يا عائشة لا تكتبي تحياتي الحارة في مستهل خطابك
لأبيك، فالحارة تحمل في معناها الألم"
 

ولهذا الشاب حكاية، فما زلت أذكر أول لقاء له معنا، عرّفنا بنفسه قائلا: "أنا فلان، طالب"، صُدمت ودُهشت للغاية، فقد كانت المرة الأولى التي أدرك أن المعتقل لا يضم أبي وأقرانه من السن نفسه فقط، ولكنه يضم طلابا مثلي، فقد كنت طالبة في الإعدادي وقتذاك، فازداد ارتباطي بالقضية ورفضي للظلم.



طيلة فترة اعتقال أبي، كان نومي مضطربا، وكنت أحلم بالكوابيس، أستيقظ فزعة من النوم، لأخبرهم أنه ثمة رجل خلف الباب، وفي إحدى الزيارات رأيت مشهدا ظل ملازما لأحلامي فترة طويلة، وهو مشهد أحد الجنائيين وهو يسقط من عربة الترحيلات أمام باب السجن، والكثير من الضوضاء والزحام حوله، سقط الرجل وغاب عن الوعي، لا أعرف مصيره، ولكنني كطفلة، لم أدرك سوى أنه قد مات!



كرهت الانتظار، فما زال عالقا في ذاكرتي مشهد الباب الذي يُفتح ويغلق مع كل رمشة عين، فقد كنا نخرج من الفجر حتى نصل مبكرا ليفتح باب الزيارة، ولكنهم يُبقوننا منتظرين لساعات طِوال، ومع كل مرة يُفتح الباب، نقول سندخل، سندخل، ولا ندخل، فكرهت الترقب، والانتظار، بسبب هذه اللحظات التي أرتقب فيها فتح الباب لرؤية أبي.

أمي.. البطل الخفي وراء تخطينا أزمة الاعتقال



تكمل عائشة رواية قصتها لـ "ميدان": لم تكن فترة المعتقل على صعوبتها لتمر دون صمود أمي، لم نر يوما دمعة لها، ربما كانت تشكو، ولكنّي لم أرها يوما تشكو أمامنا، انقطع راتب أبي بعد دخوله المعتقل مباشرة. حينها، لم يكن أبي وحده، حيث أُلقي القبض على عمي كذلك، لتفقد العائلة المُعيل تماما، امتد الأمر ليُعتقل أصدقاءُ أبي كذلك، وعليه، أصبحنا بمفردنا تماما، بلا عائل. في الشهر الأول، جاءت إحدى زوجات أصدقاء أبي، والذي كان معتقلا أيضا، إلا أن راتبه لم ينقطع بعد، لتقتسم تلك المرأة راتبها مُناصفة مع أمي، رغم أن أولادها يفوقوننا عددا. ما زلت أدينُ لها فضل هذا الموقف.

أما أمي، فقد أخذت قرارا حينذاك أن تعمل بالخياطة، وظلت تخيط ملابس أهل القرية من الطبقات الوسطى، أبناء العمدة وغيرهم، وساعدها في ذلك أنها تحملت مسؤولية إخوتها سابقا بعد وفاة والدها، وتعلمت الخياطة منذ الصغر مع عمتها، فأنفقت علينا وعلمتنا الخياطة وبيع البيض، وأغدقت علينا بعطائها ورعايتها واهتمامها بمظهرنا، مما جعلنا مميزين، فلم نذهب يوما المدرسة بثياب رثة أو حذاء غير نظيف. كنت أذهب إلى امتحانات الصف السادس الابتدائي كل يوم بفستان غير الآخر، مما جعلني مميزة في المدرسة ومعروفة، وذلك عائد لمظهري المُعتنى به، وتفوقي الدراسي.

أغلقت أمي علينا باب الاختلاط بالآخرين، عدا أهلها وأهل والدي، كانت تشد على أخي الأصغر، فلم تكن تسمح لنا باللعب في الشارع كبقية الأطفال لحرصها وخوفها علينا، وحتى لا يقال إننا "تربية ست". مرت والدتي بمواقف صعبة كثيرة خلال فترة اعتقال أبي، فقد تحملت عناء الزيارات من استخراج تصاريح الزيارة، حتى تحضير الطعام وإعداده من الليل حتى يكون باردا في الصباح، لم تغضب أو تحنق، ولم يرتفع صوتها مع إلحاح إخوتي الصغار، كنا نمشي مسافة 2-3 كيلوات في الأتربة حتى نصل لبوابة السجن، فيبكي إخوتي الصغار، فتلهينا، انظروا إلى هذه الطائرات وحركات الجنود في المعسكر القريب من السجن.

تحملت أمي سخافة الجنود، ففي إحدى الزيارات، رفض الضابط أن ندخل دون تصريح الزيارة، لكنها أصرّت على الدخول، ودخلنا. في زيارة أخرى أخبرها أحدهم متعديا عليها بخسة قائلا: "كيف تنفقين على أبنائك؟! ولا تقولي لي إن ربنا بيرزق"، راميا إياها باتهامات، فكانت ترد بثبات: "ربنا بيرزق". أما الأزمة الأشد، كانت حينما سقط بيتنا على رؤوسنا ونحن نيام، تجمع أهل القرية وانتشلونا، لم يُصب أحد بسوء، ولكن أهل القرية شاهدوا صفائح الكتب التي تحت البيت، ولحرصنا على ألا ينقلها أي شخص لا نعرفه، ظن بعضهم أن هذه الصفائح تحتوي على أموال، وراجت هذه الإشاعة في القرية. وبالفعل قام بعض الأشخاص من قريتنا بالانقضاض على عمي وزوجته ومحاولة ذبحهما للحصول على هذه الأموال، اتُّهمت والدتي في هذه الجريمة افتراء وبهتانا، لأنها خاطبت العُمدة بشدة، واستهجنت عدم توفيره الأمن حتى غرق عمي وزوجه بدمائهما، ورغم صعوبة الموقف، عادت إلينا سريعا.



ما زال يتراءى أمامي مشهد والدتي وانا أخاطبها بأن نذهب كالمعتاد لزيارة جدتي في الإجازة الصيفية، ولكنها كانت تؤجل الموعد حتى تبيض الدجاجات، فيكتملَ عدد البيض، لتبيعها لإخوتها دون أن تخبرهم أنها من دجاجات المنزل، حتى لا تُحرج منهم. لم يكن أحد سوى أهل والديها يعرفون قضية والدها وأسباب اعتقاله، فثمة تعتيم إعلامي عن المعتقلين فترة عبد الناصر، ولم يكن كثير من فئات المجتمع تدري شيئا عما يحدث في المعتقلات، فكان بعض من أطفال المعتقلين يقومون بهذا الدور الإعلامي، وعائشة أحد هؤلاء.
جواب لرئيس الجمهورية: كيف كان أطفال المعتقلين جهازا إعلاميا لنقل القضية؟
سنوات من التعب، هكذا وصفت عائشة ما عانته لـ "ميدان"، ولكنّا -بحسب ما تروي عائشة- عرفنا كيف نحمل هم القضية وأن نرفض الظلم، فقد أشركني أبي في القضية، وأخبرني بضرورة أن أنقلها للمدرسة، واظبت فترة على تنفيذ ما يقوله لي بحذافيره، فقد طلب مني الآتي:

ذهبت مرتين لأمن الدولة بسبب جوابي لرئيس الجمهورية، فقد كنا نحن، أطفال المعتقلين، بمنزلة الجهاز الإعلامي الحامل للقضية

أن أترك الطابور المدرسي وأكتب جوابا، وحينما يسألني المدرسون عما أفعل، أخبرهم أنني أكتب جوابا لرئيس الجمهورية، أخبره بأن والدي معتقل ومصاب بالروماتويد وممنوع عنه الدواء، سوى الأسبرين. كان هذا الموقف يثير دهشة المُدرِّسين واستغرابهم، كنت أنا الطالبة، وهم المدرسون، وأنا التي أشرح لهم ما الذي يعنيه الاعتقال، ولماذا اعتُقل أبي.

ظللت طيلة المرحلة الإعدادية أواظب على كتابة الجواب نفسه بالصيغة نفسها، حتى لقيَ صداه عند السادات، وبالفعل، فقد ذكره السادات في إحدى خطبه في مجلس الشعب، قائلا بأن ابنة من أبنائي كتبت لي تخبرني بأن أباها في المعتقل مريض بالروماتيود لا يجد الدواء سوى الأسبرين، الأمر الذي انعكس لاحقا على طبيعة تمرير الدواء للسجناء المرضى. وكنت قد ذهبت مرتين لأمن الدولة بسبب هذا الجواب، فقد كنا نحن، أطفال المعتقلين، بمنزلة الجهاز الإعلامي الحامل للقضية. لم أشعر يوما بالخجل أو العار لأن والدي قابع خلف القضبان. كانت أمي تردد على مسامعنا حكايات عدّة، مثل مواجهات أبي الشُّجاعة، وصموده أمام محاكمة الدجوي، القاضي المعروف بجبروته، فبينما أنكر الكثيرون انتماءهم للإخوان، أخبره أبي بشجاعة أنه وزوجه وأبناءه ينتمون للإخوان.


وبعد حرب أكتوبر ٧٣، ظللنا ننتظر لحظة خروجه، وهي اللحظات التي استمرت لعامين خلال عهد السادات. حينما خرج والدي، كان عصبيا، فلم يكن يعرفنا، كان ذلك طبيعيا، دخل المعتقل ونحن أطفال، وخرج ونحن بالغون، ظن أبي أنني ظللت تلك الطفلة التي تركها قبل اعتقاله، فأخذ يعاملني على هذا الأساس، فينتظرني أمام البيت بعد عودتي من المدرسة ليحضنني، ويسألني: "تعرفين كيف تُلبيسن كيس المخدة؟!". كنت أستغرب من ردود الفعل هذه، أيظنني طفلة! بالطبع أعرف كيف ألبس كيس المخدة! أخذ الأمر عامين أو أكثر قليلا حتى تأقلم على وجودنا، واستعدنا حضوره. استلم أبي وظيفته مرة أخرى، كان عدم عمله ضاغطا على أوضاع الأسرة، مساهما في زيادة عصبيته، ولكن الأوضاع هدأت فيما بعد.

مُدَّ في عُمُر أبي، فرأى أحفاده، وحفيدي الأول، وكان يعاملهم بحنو شديد، معوضا فيهم ما لم يعِشهُ معنا، كأبنائه. مرت السنوات ولم تُمح هذه الذكريات، حينما اعتُقل زوجي منذ فترة قريبة، لم أستشعر الغصَّة نفسها، ففي فترة اعتقال والدي: "كنت حاسة إني طفلة صغيرة تايهة، آلة بتروح المدرسة، وترجع من المدرسة، وأعمل اللي بابا يقول عليه، وأروح الزيارة، مكنش فيه حاجة تشغلك، تحس إنه فيه حاجة ناقصاكي، حتة راحت منك، فين مش عارفة، لما بنكبر ننشغل أكتر".

الفارق بيني وبين والدتي حينما اعتُقل زوجي أننا كنا أفضل في الوضع المادي، فلم اضطر للعمل، ولم تطل مدة اعتقال زوجي سوى أشهر معدودة، بعكس أبي، ولكن الصعوبة في تجربة اعتقال زوجي كانت أن أمضى شهرين مختفيا قسريا لا نعرف أين هو؟ هل يأكل؟ كيف ينام؟، ولكن حينما تعرضت لهذه التجربة مع زوجي، اكتشفت أنني قد تعلمت الثبات من أمي.


ثمة مفارقة أخرى هنا، بين عائشة وابنتها، فبينما رأت عائشة، ولا تزال، أن اعتقال والدها بطولة، وتسرد بحماسة ممزوجة بفخر مآثر أبيها في المعتقل وقدرته على صناعة كل شيء داخل المعتقل من علب الأدوية الفارغة، حتى إنه استطاع عمل جهاز لصديقه باحث الدكتوراه في كلية العلوم، فإن ابنتها لم تر في اعتقال أبيها -زوج عائشة-، وهي الفتاة التي تقف على أعتاب الثلاثينيات، سوى مهانة، وأن التفاعل مع الأحداث الحالية في مصر يعدّ مخاطرة، لا يتحملها الشخص نفسه فقط، ولكن تتحمّلها الأسرة بأكملها. انتهت عائشة من قصتها ولم تنته ظلال التجربة عليها. ومن عائشة ننتقل إلى سارة التي تشاركنا في "ميدان" تجربتها كطفلة صغيرة خلال فترة التسعينيات، وهي التي شاهدت اعتقال والدها لفترات قصيرة متقطعة خلال حكم مبارك.

القصة الثانية: سارة والتسعينيات الأخف وطأة في ظروف الاعتقال

استهلت سارة حديثها لـ "ميدان" بضحكة هادئة ونبرة أكثر عقلانية، كمن يتخذ مسافة من حدث مرَّ به من سنوات مضت، قائلة: إن الحديث عن مِلَف أطفال المعتقلين أضحى رفاهية في الوقت الحالي، في السابق كان ثمة اهتمام بحقوق أطفال المعتقلين وإبراز الجانب الإنساني من حيوات القابعين خلف الأسوار لأسباب سياسية، ولكن حاليا، الأمر أصبح مختلفا، نحن نتحدث عن الأب المختفي قسريا، نتحدث عن الحق في أن نعرف مكانه ونتأكد هل ما زال حيا أم لا؟ سقف التوقعات أصبح شديد الانخفاض، ولكن عن تجربتي كفتاة على مشارف العقد الثالث، ولدت وكَبُرت وعشت في تجربة غياب الأب لفترات متقطعة في المعتقل، فما زلت أذكر بعض التفاصيل وبالتأكيد نسيت تفاصيل أخرى.


ولكني لا أنسى المرة الأولى التي اعتُقل فيها والدي، كان ذلك في 1996، كنت في الصف الأول الابتدائي، أي في عمر السادسة، جلس أبي معنا يحدثنا عن الاعتقال، وسألنا هل نقبل أن يكون "بابا" شيطانا أخرس؟ فقد كان يتوقع أن يتم اعتقاله، وجلس معنا يمهّد لنا ما يعلم أنه سيحدث، ويشركنا في القضية. لم تكن القضية مجرد انتماء تنظيمي، ولكن ما ترسخ في نفسي منذ هذه اللحظة كان أكبر وأعمق أثرا، وهو قضية العدل والظلم، يمكن أن نختلف فكريا وسياسيا وأيديولوجيا، ولكن لا يمكن أن نقبل الظلم. فلا أقبل السكوت عن الحق، وكنت أغضب ممن يفعل ذلك، وأستاء منهم، وحينما كبرت أدركت أن للبشر طاقات واسعة في إعلاء الحق ورفض الظلم، ولكن إن لم يمتلك البعض القدرة على إعلاء كلمة الحق، فلماذا ينكرونه! إنكار الحق ما زال يؤذيني نفسيا.

لم تكن المرة الأولى في الاعتقال الذي لم يستمر سوى بضعة أشهر هي الأصعب، ولكنها المرة التي حُفرت في ذاكرتي بكل تفاصيلها، المرة الأصعب كانت حينما كنت في الجامعة، عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، ما أغضبني فيها أن الجنود الذين اقتحموا المنزل كانوا في مثل عمري، أي إنهم شاهدوا الظلم بأنفسهم وعايشوا الثورة، وصدقوا أن هناك مَن قَتل أصدقاءهم، أخبرتهم -حينما لم أتصور أنهم قد يلقون القبض على الفتيات كذلك- بأن لديهم الحق في البحث عمن قتل صديقهم، ولكنهم لن يجدوا في منزلنا أسلحة، وأننا لم نؤذ أصدقاءهم.
قوات الأمن المركزي في مصر
الواقع بالنسبة إلى سارة كما تروي لـ "ميدان" أشد وطأة، فحجم الاعتقالات الحالية لا يقارن بما كان عليه في فترة مبارك، حاليا، الكثيرون إن لم يكونوا معتقلين فإنهم مطاردون أو مهاجرون، ومن يقطن بالخارج فإنه لا يملك من السعة النفسية التي تسنده للتعامل مع مِلَف مهم كالأطفال. هنا تقول سارة: "ليس السيئ حدوث التجربة، ولكن الأسوأ غياب المحاضن الاجتماعية".

فهذه المحاضن الاجتماعية هي التي يمكن أن تساعد الأطفال على تجاوز أزمة غياب الأب، سواء كان المحضن مُتمثّلا في الأسرة أو العائلة الممتدة أو أصدقاء المسجد أو المدرسة. اليوم، أصبح المجتمع أكثر هشاشة، وروابطه أكثر تفككا، وقيمه الأخلاقية في تدهور مستمر، كما أن الواقع الاقتصادي العام يجعل الناس في حالة من اللهث والجري المستمر للوفاء بالمتطلبات الأساسية، مما يضاعف من تأزم الأطفال. وفي ظل ازدياد حالة الخوف والكراهية السائدة في المجتمع، فلا يشعر أبناء المعتقلين أنهم مقبولون اجتماعيا، ويظهر ذلك إما عبر كراهية فعلية، وإما خوفا من التعامل معك، وهذا الأمر لم يكن موجودا بشكله الحاد والمُكثّف كما في السابق.

تذكر سارة أن ثمة عوامل مؤثرة في وقع تجربة اعتقال الأب على الأبناء، وهي: المرحلة العمرية، وكيف رأيت نفسك في الحدث، هل اعتبرت نفسك جزءا من القضية التي اعتُقل الأب لأجلها، أم تعاملت معه باعتباره حادثا فُرض عليك قسرا من الخارج، وليس أمرا مختارا، وبالتالي فالتفاعل النفسي مع الضرر المترتب على هذا الاختيار سيكون مختلفا. هناك أطفال يرفضون الزيارة لأنهم لا يرون أنفسهم جزءا من القضية، ويشعرون بالحنق والغضب لقرار أبيهم وخياراته التي فرضت عليهم تحمل مسؤوليتها. وكذلك
الكيفية التي تم بها نقل الموضوع، وأسبابه، والتعامل الأسري معه.

بالتسعينيات، كان ثمة أفق متوقع في التعامل مع القضايا، سواءٌ العسكريةُ أم المعروضةُ على القضاء العادي، والمحامون قادرون على التنبؤ بإجراءات التقاضي مثلا، أما اليوم، نحن لا نتوقع شيئا

تؤكد سارة، أن ثمة فرقا بين مدد الانقطاع القصيرة وفترات الاعتقال الطويلة، ويعتمد على طبيعة وحضور الأب داخل الأسرة، هل كان حضوره مؤثرا ومعتادا أم ماذا؟ ففترات الاعتقال الطويلة الممتدة أصعب، أما الخروج والدخول المتقطّع، وعلى رغم صعوبته، وأنه لا يجعلك تعتادين الأمر، ولكنه لا يقارن بالغياب الطويل. فالخروج والدخول المتكرر متعب، حيث يتعرض الفرد للتجربة ذاتها كل مرة، والتكرار هنا لا يجعلها معتادة، لكن ومن جهة ثانية، فإن المعتقل في هذه الحالة لا يخرج ليفاجأ بتغيرات كبيرة طرأت على الواقع من حولِه، فيصبح أكثر قدرة على استيعاب التغييرات والتفاعل معها، فهو مثلا لم يترك أطفاله رضّعا، ليعود ليجدهم في المرحلة الابتدائية مثلا!


ووفقا لسارة، فالتسعينيات تعد فترة رخاء مقارنة بالأوضاع الراهنة، فتقول لـ "ميدان": "خلال فترة التسعينيات وسنوات الألفية الأولى، كان ثمة أفق متوقع في التعامل مع القضايا، سواءٌ العسكريةُ أم المعروضةُ على القضاء العادي، والمحامون قادرون على التنبؤ بإجراءات التقاضي مثلا، أما اليوم، نحن لا نتوقع شيئا، ربما نتوقع الأسوأ فحسب. أغلب القضايا كانت تأخذ أحكاما تتراوح بين 5-7 سنوات، و7 سنوات أقصى مدة، فما زلت أذكر اليوم الذي حكم فيه على أبي بخمس سنوات وكنت أبكي، فخاطبني صديق أبي المجاور له في القفص ضاحكا بسخرية: 5 سنين عربيات رايحة وجاية، عايزاها سنة؟ والبنزين اللي اتصرف؟".

هذه القدرة على التوقع، كانت تساعد على تهيئة الأطفال لما هو قادم، وبالتالي ما يترتب عليه من قدرة على التعامل مع تجربة الاعتقال، أما الوضع غير المفهوم وغير المتوقع يجعل الأسرة في حالة قلق مستمر، وعدم استقرار، الأمر الذي ينعكس على سحب السعة النفسية للتعامل مع الأطفال داخل الأسرة. لا يبدو من تجربة سارة أنها تركت تأثيرا سلبيا عليها بحد تعبيرها، فهي لم تتعرض لهشاشة نفسية نتجت عن غياب الأب مقارنة بتجربة اعتقال أخيها الأصغر، رغم أنها لم تعد طفلة حين اعتقاله. كما أن فترة اعتقال والدها المتقطعة كانت تسمح بالتواصل معه، وما صاحب فترة الاعتقال من إمكانية الزيارة، ومشاركته لكل تفاصيل حياتها.

القصة الثالثة: كيف تدفع النساء والأطفال ثمن اعتقال الرجال؟

ننتقل من التسعينيات، لنصل للفترة الحالية، ففي حديث لـ "ميدان" مع أم لثلاثة أطفال، الكبيرة لم تكمل السابعة من العمر، والثانية 3 سنوات ونصف، والثالثة كانت تبلغ شهرين ونصف وقت اعتقال الأب، ولصعوبة التواصل مع الأطفال مباشرة، فضلنا التواصل مع الأم، وهذه هي التفاصيل كما روتها. تحكي الأم: طفلتي سلمى ذات السبعة أعوام، لم تفهم الأمر منذ اليوم الأول، فقد تعاملت معه ببعض الهدوء، والكثير من الكتمان، الأمر في ذهنها له بداية ونهاية، الأب سيغيب ولكنه سيرجع، ونحن في انتظار عودته، تتعامل مع الحدث بنضج كأنها فتاة كبيرة.


ولأن الأب ظل مختفيا لفترة، فكانت سلمى تُوجه لي الكثير من الأسئلة مثل: كيف ينام؟ ماذا يأكل؟ لماذا لا يجعلك تقابلينه؟ أسئلتها تدور حول التفاصيل الدقيقة، هل أكل؟ وماذا أكل؟ هل هناك سرير لينام عليه بمراتب نظيفة؟ أشعر كأنها أم تسأل بقلق على ابنها. ولكن ثمة ملاحظات أراها في تعامل سلمى مع الأمر، أنها تحيطه بقدر كبير من السرية، يخالطها شعور بالخجل والعار إزاء هذا الاعتقال، أعرف ذلك من عدم رغبتها في الزيارة، لأنها ستضطر للغياب عن المدرسة، وإذا غابت فإنها لن تعرف كيف تجيب على أصدقائها حينما يسألونها عن سبب الغياب، ففي يوم جاءت لتسألني أن صديقتها سألتها عن والدها، فقالت لي: هل أذكر لها الحقيقة؟ فقلت لها وما الحقيقة؟ قالت: "إن بابا في السجن"، فأدركت أنها ترى الأمر باعتباره حدثا له خصوصية لا يجب أن يعرفه الجميع، ولا يمكن الحديث معه مع أي أحد.
  

تحكي الأم لـ "ميدان" عن تفاعل سلمى مع أجواء الاعتقال والزيارات، فهي تخاف من الشرطة والمحاكم، لأنها ترى بعض الجنائيين، وأن مظهرهم يجعلها "مخضوضة". بالتأكيد، لا يقتصر الشعور بالخضة والانقباض على الأطفال وحدهم، ولكن على الكبار كذلك، فما بالك بالأطفال. 
تدرك سلمى أن هذا المكان به الكثير من الممنوعات والمسموحات، فقبل أن تخرج كراستها لترسم بينما ننتظر زيارة الأب، تقول لي: "ماما ينفع أرسم هنا؟ ماما ينفع أطلع آكل؟". 
في المرة الأولى التي رأت فيها سلمى والدها، كان لقاء مؤثرا، لم أكن معها، اللقاء لم يتعدّ الدقيقتين، لأنه لم يكن قد رُحّل بعد. في مدة لا تتجاوز الثواني المعدودة، قابلت سلمى والدها أثناء تسليمه الطعام والملابس في القسم، وحينما عادت، حكت لي الواقعة، كان ممهدا لها أنه لا ينبغي أن تمسك به، وأن تُلقي السلام عليه سريعا، مخافة أن تمسك به وتبكي، فيتأثر والدها. 
جاءت سلمى لتخبرني عقب هذا اللقاء الأول بعد ثلاثة أشهر من غيابه قائلة: "والله ما ممسكتش فيه، هو اللي مسكني ومكنش عايز يسبني وحضني كتير، وقلت له إحنا كويسين يا بابا وماما كويسة، قلت له كده عشان يطمن عليكي".

تشير الأم في حديثها لــ "ميدان" إلى معاناة الزوجات، ففي المرة الأولى التي ذهبتُ للزيارة وجدتُ الحجرة الواسعة تمتلئ بالنساء، عادة مئتا سيدة في الحجرة تقريبا، فالأزواج هم المعتقلون بالداخل، وقليلا ما نصادف أخا أو أبا أو زوجا، فالزوجات والأمهات يأتين لزيارة ذويهم. شاهدت زوجات يحملن أكثر من أربعة أطفال ويتحملن "زنّهم" المستمر في مكان غير آدمي ورغبتهم في النوم أو دخول دورات المياه غير الآدمية كذلك، ويحملن معهن الكثير من الأغراض على أيديهن، ويظهر عليهن ملامح الشقاء، كثيرات منهن من الطبقات الفقيرة، وريفيات

كما أنها تتعامل مع تصورات الأطفال الساذجة عن السجن، فبعضهم يقول لها، كيف تتحدثين مع والدك وهو يقف خلف القضبان، فتخبرهم أنها تلتقي به في غرفة، ولكن الأطفال أصغر من تصور الأمر بواقعيته، فيرون السجن كالصورة المتداولة عنه: رجل يقف خلف قضبان حديدية. ليس هذا السبب الأوحد الذي يجعل سلمى ترفض في بعض المرات الإتيان معنا للزيارة، ولكن لأن الزيارة مجهدة للأطفال، نحن ننتظر بالساعات حتى نلقاه، ونخضع لإجراءات قاسية في التفتيش، وفي إحدى المرات طلب الضابط منها أن تخلع حذاءها كبقية الزائرين منعا لدخول الهواتف أو تسريب أي شيء داخل السجن، فما كان منها إلا أنها بكت بكاء شديدا رافضة أن تخلع حذاءها، ولكن الجندي أصر، فرفضت القدوم معنا في الزيارة التالية

تحكي الأم لـ "ميدان" عن تفاعل سلمى مع أجواء الاعتقال والزيارات، فهي تخاف من الشرطة والمحاكم، لأنها ترى بعض الجنائيين، وأن مظهرهم يجعلها "مخضوضة". بالتأكيد، لا يقتصر الشعور بالخضة والانقباض على الأطفال وحدهم، ولكن على الكبار كذلك، فما بالك بالأطفال. تدرك سلمى أن هذا المكان به الكثير من الممنوعات والمسموحات، فقبل أن تخرج كراستها لترسم بينما ننتظر زيارة الأب، تقول لي: "ماما ينفع أرسم هنا؟ ماما ينفع أطلع آكل؟". في المرة الأولى التي رأت فيها سلمى والدها، كان لقاء مؤثرا، لم أكن معها، اللقاء لم يتعدّ الدقيقتين، لأنه لم يكن قد رُحّل بعد. في مدة لا تتجاوز الثواني المعدودة، قابلت سلمى والدها أثناء تسليمه الطعام والملابس في القسم، وحينما عادت، حكت لي الواقعة، كان ممهدا لها أنه لا ينبغي أن تمسك به، وأن تُلقي السلام عليه سريعا، مخافة أن تمسك به وتبكي، فيتأثر والدها. جاءت سلمى لتخبرني عقب هذا اللقاء الأول بعد ثلاثة أشهر من غيابه قائلة: "والله ما ممسكتش فيه، هو اللي مسكني ومكنش عايز يسبني وحضني كتير، وقلت له إحنا كويسين يا بابا وماما كويسة، قلت له كده عشان يطمن عليكي".

تشير الأم في حديثها لــ "ميدان" إلى معاناة الزوجات، ففي المرة الأولى التي ذهبتُ للزيارة وجدتُ الحجرة الواسعة تمتلئ بالنساء، عادة مئتا سيدة في الحجرة تقريبا، فالأزواج هم المعتقلون بالداخل، وقليلا ما نصادف أخا أو أبا أو زوجا، فالزوجات والأمهات يأتين لزيارة ذويهم. شاهدت زوجات يحملن أكثر من أربعة أطفال ويتحملن "زنّهم" المستمر في مكان غير آدمي ورغبتهم في النوم أو دخول دورات المياه غير الآدمية كذلك، ويحملن معهن الكثير من الأغراض على أيديهن، ويظهر عليهن ملامح الشقاء، كثيرات منهن من الطبقات الفقيرة، وريفيات.
رأيت زوجة في شهور حملها الأخيرة غابت أسبوع الولادة، وأتت لتحمل رضيعها على يديها ليرى والده، ولم تكن قد شُفيت تماما. رأيت أطفالا إناثا في الثامنة والعاشرة، من كن بشعورهن ثم ارتدين الحجاب، يُهدئ أبوهن من روعهن، ويطمئنهن كل مرة بعد ثوانٍ من انتهاء الزيارة. شاهدت زوجة لديها طفلة تبلغ عامين، وفي كل مرة تمسك هذه الطفلة بوالدها وتبكي، فتبكي الأم بعد انتهاء الزيارة على بكاء صغيرتها التي لا تستوعب شيئا سوى أنها لا تريد أن تترك حضن والدها، ورأيت صبيا في الخامسة من العمر، يفتح كل مرة ذراعيه ليحضن والده، وغيرها الكثير من المشاهدات، التي لم أعتدها رغم تكرارها.

 

حينما رأيت هذا البؤس، أشفقت على نفسي، لأنني سأعاني معاناتهن نفسها، وقررت لفترة ألا أحمل أطفالي معي للزيارة حتى لا أتعرض لذات الضغوط، ولإصرار زوجي على عدم القدوم بهم في هذا المكان، رغم اشتياقه لهم. وبالفعل، لم أره يبكي سوى في المرة الأولى التي جاءت فيها الطفلة الأصغر إليه، كان يخشى أن تمسك في حضنه وينتزعونها منه عنوة، ولا يستطيع حينها أن يفعل لها شيئا، فرفض أن تأتي، حتى كانت المحاكمة، وهو داخل القفص، فأدخلتها له، ولم يكن الأمر سيئا كما توقع.

دركت أهمية أن يرى الأبناء والدهم، وضرورة أن يحضر الأب في حديثنا اليومي، فغيابه المفاجئ أثّر عليهن، ففي حديث طفلتي الأصغر مع جدها، حينما سألها ما اسمك، قالت اسمها واسم جدها مباشرة دون ذكر لأبيها، فأخبرها وأين اسم ابيك، فأخبرته لقد كان موجودا في البيت، ولكنه لم يعد يأتي البيت. فغيابه جعلها -وهي الطفلة التي لم تكمل عامها الرابع بعد- تحذفه من اسمها حتى يأتي، ومنذ هذه اللحظة بدأت باصطحابها للزيارة معي.
تشير الأم إلى أهمية التواصل عبر الهاتف، حتى لو لثوانٍ محدودة يوميا، ولكن كثير من السجون لا تسمح بدخول الهواتف، فحينما انتقل زوجها لسجن آخر، مُنع من التواصل عبر الهاتف، فانقطع التواصل معه سوى من خلال ساعة الزيارة، مما جعل الأمر أكثر صعوبة، فتقول:

"التيلفون والمكالمة دقيقتين حاجة يومية بتفرق عن انقطاع التليفون، مفيش تليفونات، فده صعب، عدد التليفونات أقل من عدد الناس المهولة جوه فمش سهل تاخد تليفونات، كنا اتعودنا على التواصل معه وكنا بنحس بقرب معين، منع التليفونات فكرني بفترة الاختفاء، أسبوع كامل غايب، ومش بنتواصل إلا يوم الزيارة، بنقول الحمد لله فيه ناس مختفية من يوم الفض، إحنا أفضل حالا"

   

ترى الأم أن سن الطفل مهم في تلقي تجربة اعتقال الأب، وليس السن فحسب، وإنما شخصية الطفل/ة نفسها، فتقارن بين أعمار أطفالها، إحداهن ما زالت رضيعة فلا تستوعب من الحدث شيئا، ولكن الأصعب في تلقي التجربة طفلتها ذات الثلاث سنوات ونصف، والتي لم تكن تستوعب الأمر تماما في مثل هذه السن، ولكن الطفل يكبر ويتسع إدراكه. في البداية، لم تكن طفلتها ذات الأربع سنوات تستوعب سوى غياب مفاجئ وغير مبرر لوالدها، لم تكن قد رأت العساكر وهم في البيت، كانت نائمة وهذه نقطة مهمة، ثم بدأت تسألها عن هذا الغياب بعد فترة وعن مكانه، ولماذا أخذوه؟ وكيف أخذوه؟
تعامل والدهم السلس مع التجربة ينقل للأطفال هذا الشعور بالأمان، فنحن لا نُخفي عنهن الحقائق ولا نترك أسئلتهن بدون إجابات، ولكن والدهن يعطيهن الإجابات السهلة الممتنعة، فتسأله الأصغر: "بابا هتيجي امتى البيت؟"، فيرد عليها قائلا: "هقعد شوية وآجي". وفي مرة ثانية سألته عن الكلبش الذي في يديه، فيجيب -ببساطة-: "ده عشان أنا وعمو (العسكري) ما نمشيش من بعض"، هذا العسكري يعرض عليه بالطعام والشراب، ويخبرها: "ها شفتي عمو اسمه ايه؟"، وتجري حوارا تلقائيا معه في وضع معتاد حتى لا ينتقل للأطفال أن هذا المكان مأزوم.

الأطفال لا يعبرون عما بداخلهم بتلقائية، علينا أن نمهد لهم ونتحدث في المشاعر التي نظن أنهم يعايشونها كالخوف وفقدان الأمان، ونساعدهم على التعبير عنها، كما أن الهدايا التي يصنعها والدهم لهم تساعدهم على التواصل معه. الطفل يحتاج إلى رؤية والديه حتى لو دقائق معدودة في اليوم، وحتى لا يستسيغ هذا الغياب ولا يعاني فكرة افتقاده، يمكن أن نربطه به دوما، بالحديث عنه، باستدعائه في التفاصيل اليومية في الحياة: أثناء شراء احتياجات المنزل، عند الطعام، عند الخروج للنادي، "هنستأذن بابا في فعل كذا"، وهكذا يحضر معنا. وتبتسم الأم وتواصل قائلة: "لقد ارتبط الدعاء عند صغاري بالدعاء بخروج والدهم، فبعد كل صلاة يقولون: "يلا يا ماما ندعي لبابا ييجي بالسلامة"، وحينما تمطر يهتفون: "يلا ندعي لبابا"، وفي مرة كنت أدعي لشيء تافه مثل ألا تتأخر صديقتي علي، فردت الطفلة الأصغر بتلقائية: "يلا ندعي لبابا يخرج".

من آثار تجربة الاعتقال السلبية عليهن أن طفلتي الأصغر صارت انطوائية قليلا، طعامها ومنامها قلق، لأننا غيرنا المبيت في بيت آخر أول فترة الاعتقال، مما صعب عليها التأقلم في ظل هذه التغيرات الفجائية، فليس سهلا على طفلة أن تستوعب غيابا فجائيا لأب كان يدللها، يقضي معها ساعات معدودة ولكن حضوره مكثف. أما الآن، وبعد التحدث معها والإصغاء إليها ومساعدتها للتعبير عما بداخلها، أصبحت أفضل، ولكنها ما زالت تخاف من فكرة الشرطة.
ومما لاحظته أنه إذا كانت الأم صامدة، بَدَا أطفالها متماسكين، فقد تعرفت على زوجة معتقل صابرة مبتسمة ومتفائلة، فرأيت هذا الهدوء المنطبع على وجهها ظاهرا في أولادها، أما الأم الهشة الجزعة، فإنها تنقل هذا الشعور بالجزع والهشاشة لأبنائها. لكن علينا أن نعي أن الأم تقبع تحت ضغط هائل وتحتاج إلى مساعدات مادية ومعنوية، وتحتاج إلى توعية حول كيفية التصرف، وكيف تجيب عن أسئلة أبنائها، تحتاج إلى من يساعدها في الترفيه عن الأطفال، وفي حال لم تجد زوجة المعتقل من أهلها أو أهل زوجها الدعم الكافي وتضيق بالمكوث في بيوتهم، فإنها ستلزم بيتها حتى تصبح في حالة نفسية أفضل وأكثر استقرارا.
فثبات الأم هو ما يجعل الأطفال أسوياء، ولكن في أول فترة اعتقال زوجي كنت في حالة نفسية سيئة للغاية، كنت مدمرة، ولم أكن أعرف أين هو لمدة شهر ونصف، كنا نتعامل على أنه أمر مؤقت، وأنه سيعود سريعا، هذا الأمل والقلق والانتظار لم يساعدني على التفاعل مع مشاعر الأطفال والاستجابة لها، شعور التعلق بأن القضية الفارغة ستنتهي حتما بعد التجديد لـ 45 يوما أو عند العرض على النيابة، أو بتغيير القاضي، ثم لا جديد يحدث، لا معايير واضحة للمحاكمة ولا أفق عقلانيا يوضح كيف تسير الأمور، فبدأت التعامل بنفسية أنه أمر سيطول، ومن هنا بدأت ألتفت لاحتياجات أطفالي. وكانت هذه إحدى النصائح الجيدة التي تلقيتها من زوجة أحد المعتقلين، حينما أخبرتني: "لا توقفي الحياة، دعي الحياة تستمر كأنه أمر دائم، لا توقفي شيئا انتظارا لعودته، لأن هذا يجعل الأمر أكثر تعقيدا والحياة أكثر صعوبة".

  

ساعدني زوجي كذلك على التعامل بهذه النفسية، ألا أوقف سير الحياة على عودته، ووضع خططا طويلة الأمد لتعليم سلمى الرسم والحساب، كان يصر على هذا، أن الحياة لن تتوقف عندي في محبسي ولا تتوقف عندنا في الخارج، وهذه إستراتيجية ناجحة، فالانتظار مخيف. وبحسب الأم فالأمر صعب، ولكن صعوبة التجربة تختلف بحسب دور الأب، وشكل وجوده قبل الاعتقال في البيت كذلك.

   

لا نريد من خلال رصد هذه التجارب الثلاث الوصول إلى تعميم عن أوضاع الأطفال في حالة غياب الأب، لأن استجابة الأطفال مختلفة في الأسرة الواحدة نفسها، ولكن ثمة تأكيد على أكثر من أمر، وهو أن الطفل يدرك كل شيء حوله، ولغياب الأب تأثير قوي عليه، وأن الأم هي الأساس في تعامل الأطفال وتجاوزهم للأزمة من عدمها، وتقوم الأم في هذه الحالة بأربعة أدوار: دور الأب، ودور الأم، ودور العائل، ودور من يراعي الأب في أزمته. كما أن هذه القصص الإنسانية تسعى لتسليط الضوء على مساحة عادة لا يُنظر لها باهتمام، عن المشاعر التي تغمر أطفال المعتقلين وأهليهم، وعن الطريقة التي يتعاملون بها مع اعتقال والدهم. وتبقى آلاف ومئات الآلاف من القصص التي تحيط بنا، والتي لم تُروَ، ويقاسي أهلها بصمت، بانتظار الفرج، يوما ما.
هوامش:

[1] هذه الأسماء مستعارة للشخصيات الثلاث حفاظا على خصوصيتهن.

الأربعاء، 18 سبتمبر 2019

طفلة مصرية ترعي أشقاءها بعد قتل الأب واعتقال الأم

طفلة مصرية ترعي أشقاءها بعد قتل الأب واعتقال الأم

في قهر مكتوم على أمل عودة أمها، تعيش الطفلة المصرية روضة أيمن الزهيري التي تكمل 16 ربيعا في أكتوبر/تشرين الأول القادم، بعد أن تم توقيف الأم مؤخرا بعد سنوات من قتل الأب في خضم الأزمة السياسية بمصر، لتتحول الطفلة لبطلة في قصة مأساوية تتعدد فيها مشاهد الأوجاع المصرية.
تبدأ مفردات مأساة رضوى من واقع سياسي فرض على أسرتها الأحزان؛ فوالدتها الموقوفة السياسية حاليا سماح فتحي سليمان تنتمي لأسرة يعارض بعضها النظام الحالي، ووالدها هو أيمن الزهيري، الذي كان أمين حزب الحرية والعدالة الحاكم عام 2012 بجنوب سيناء، وأحد ضحايا مذبحة المنصة التي وقعت في 27 يوليو/تموز 2013. ولها من الأشقاء ثلاثة: معاذ (14 عاما) وجنى (عشرة أعوام)، وهنا (سبعة أعوام).
لم تستطع روضة احتضان والدتها أثناء توقيفها في 11 سبتمبر/أيلول الجاري من بيتهم في مدينة الطور بمحافظة جنوب سيناء، حيث لم يفلح نداء أمها "سيبوني (اتركوني) احضنهم قبل ما أمشي"، في تحريك مشاعر قوات الشرطة، ولكن روضة استطاعت أخذ راية المسؤولية من والدتها.
وحسب مصادر حقوقية، تحدثت للجزيرة نت، فقد تم توقيف سماح سليمان تنفيذا لحكم صدر ضدها العام الماضي من الدائرة الخامسة بمحكمة جنايات الزقازيق بالسجن سنة على خلفية اعتراضها في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني على تنفيذ قرار إدارة المركز بترحيل شقيقها المعتقل السياسي لسجن الزقازيق العمومي
أم أخوتها

روضة الزهيري هي أم أخوتها الآن، بحسب ما يصف جيرانها، تقود حملة إنسانية للنشر عن والدتها، كما أوصتها قبل اعتقالها، بجانب رعاية أشقائها الثلاثة من مدينة الطور، حيث حياتهم ومدارسهم البعيدة عن الأهل في محافظة الشرقية، مع الجري خلف أمها تبحث عن مواعيد ترحيلها ومحاولة رؤيتها.
وحدها تعيش روضة التجربة، فأهلها بين معتقل أو مطارد سياسي قد يتعرض أي منهم لخطر التوقيف في سيناء إذا حاول زيارتهم، أو يختلف معهم منذ وفاة والدهم، في حين يظهر الجيران جانبا من التضامن الإنساني معها، وتكتفي هي لإعالة أسرتها بمعاش أبيها وعطايا الأسرة.
وتسجل روضة جانبا من المعاناة في تدويناتها، ومنها حرمانهم من رؤية والدتهم يوم الخميس 12 سبتمبر/أيلول الجاري، وهي في مدينة الطور قبل الترحيل إلى القاهرة.
وسردت روضة تفاصيل خمس ساعات معاناة تحت الشمس في انتظار "حضن والدتهم"، ولكن أبلغتهم قوة أمنية برفض الزيارة لتفاجئ متابعي حملتها بأنها لن تستطيع رؤية أمها قبل سنة، إذ إنها لن تستطيع السفر لزيارتها في سجن النساء بالقناطر الخيرية في محافظة القليوبية.
طفلة مسؤولة
وتعيش روضة مسؤولية مبكرة، بدأتها قبل عامين، مما مكنها من الاستعداد لهذه المحنة الحالية، حيث جرى توقيف والدتها عام 2017 أسبوعا ضمن إجراءات القضية الحالية.
في هذا الأسبوع الملهم -كما تحكي للجزيرة نت مصادر مقربة من الأسرة- قامت روضة بأدوار عدة يساعدها فيها شقيقها معاذ، حيث كانت تقوم مبكرا بتجهيز نفسها وأشقائها للمدرسة، وتوصل كلا منهم لمدرسته، ثم تذهب لمدرستها التي عادة تخرج منها بتصريح حتى تستطيع إعداد طعام الغداء لأشقائها.
"بناء على نصائح موقع يوتيوب"، هكذا تطبخ الطفلة الكبرى روضة بمساعدة أخيها معاذ لإدخال البسمة على أختيها جنى وهنا، وتحاول فيها أن تقلد أمها في المطبخ قدر الإمكان، ولكن المفارقات تلاحقها بين طعام تنجح في إعداده وآخر لا يصلح، وبالكاد تعلمت بمهارة طبخ الأرز والدجاج والمكرونة.

وفي تجربة هذا الأسبوع نجحت روضة في توفيق مواعيدها مع مواعيد أشقائها، وستحاول أن تقوم بذلك في الفترة المقبلة، مع بدء الدراسة خلال الشهر الجاري بمصر.

تجاوب إنساني
التجاوب الإنساني المجتمعي لا زال هو سيد الموقف، وهو ما كان لافتا على صفحة روضة ووالدتها على موقع فيسبوك، ولم تعلق أي جهات رسمية معنية بحقوق المرأة على القصة بعد.
"حاسه (أشعر) أنني شايلة (أحمل) هما كبيرا". هكذا تقول روضة للمقربين منها، ولكنها تؤكد أنها تكتم مشاعرها عن أشقائها، وتحاول أن تصبرهم، وفي سبيل ذلك تكرر على مسامع أشقائها تأكيدات بعودة الأم وأهمية تجنب ما تكره، وفعل ما تحب من تفوق دراسي وحفظ كتاب الله.
المصدر : الجزيرة











الثلاثاء، 12 مارس 2019

وأبو البخاري لا بواكيَ له


وأبو البخاري لا بواكيَ له

الاستاذ علي فريد يكتب :

وأبو البخاري لا بواكيَ له
أجمل ما في حسام أبو البخاري .. حسام أبو البخاري !!
لا شئ في هذا الفتى غير حقيقي !!
مَن عَرَف ظاهره ثم اطلع على باطنه لم يزدد به معرفة !!
هو هو .. ما يقوله ويفعله بين خواصه يقوله ويفعله بين الناس !!
لم أرَ طفلاً في براءته !!
ولا فارساً في شجاعته !!
ولا خصماً في شرفه !!
ولا مناضلاَ في وضوح رؤيته !!
تتفق معه وتختلف .. ثم لا تدري أيحترمكَ أكثر حين الاختلاف أم حين الاتفاق !!
يُذهلكَ حسام بالإنسانية !!
كما يُذهلكَ بالعقائدية !!
لا مجاملة في العقيدة .. ولا تهاون في الإنسانية !!
المعركة ضد (دولة الكنيسة) من أجل وفاء قسطنطين ، .. هي هي ذات المعركة ضد (دولة العسكر) من أجل مينا دانيال وضحايا ماسبيرو !!
لا أعرف مجزرةً في الثورة المصرية لم يكن حسام في الصفوف الأولى منها مدافعاً عن أهلها .. حتى لو لم يكونوا من أهله !!
لن يستطيع علماني أو ليبرالي أو يساري أو نصراني في مصر أن يتهم أبا البخاري _ صادقاً _ بالتحيز في المظالم !!
كما لن يستطيع (ثوريٌ بغل) أن يقول : حسام أبو البخاري باعنا في محمد محمود .. أو باعنا في مجلس الوزراء .. أو باعنا في كشف العذرية !!
كان حسام من القلائل الذين استطاعوا التفريق بين (الأخ الظالم) و (الخصم المظلوم) !!
لسانُ حاله يقول : من اعتبرني واعتبرته خصماً ثم وقع عليه ظلم .. فسيراني أمامه أدفع عنه ظلم الظالم .. حتى لو كان الظالم أخي !!
وحين كان (غالب) الثورجية البغال يتقافزون من قناة فضائية إلى قناة فضائية ؛ ليتاجروا بدماء أصحابهم ورفقائهم .. كان حسام أبو البخاري في الشارع مع أصحابهم ورفقائهم الذين ليسوا أصحابه ورفقاءه !!
أغرب وأقرف ما في الأمر .. أن (غالب) هؤلاء يرى حسام الآن خصماً وعدواً لا مكان له سوى ذلك المكان الذي صار _ في هذا الزمن _ حكراً على الإسلاميين : السجن ، أو حبل المشنقة !!
ولأن إحداثيات الواقع في الماضي والحاضر كالكتاب المفتوح يُدركها من أوتي عقلاً وفهماً .. فلم يكن الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل الوحيد الذي كان يُحسن قراءة الماضي والحاضر ليستشف منه المستقبل !!
حسام كان كذلك !!
وكثرةٌ كاثرةٌ من شباب التيار الإسلامي كانوا كذلك !!
وأنا لا أعرف _ شخصياً _ أحداً من شباب التيار الإسلامي هاجم الإخوان المسلمين وبيَّن أخطاءهم وحذرهم _ صادقاً _ من مغبتها كـ حسام أبو البخاري !!
ولا أعرف _ شخصياً _ أحداً من شباب التيار الإسلامي كان أسبق إلى (رابعة) من حسام أبو البخاري !!
حين قابلته في ( رابعة ) أحببتُ أن أشاكسه كما كان يشاكسني ، فقلت له : من أعاجيب الزمن أن تكون أنت تحديداً هنا الآن !!
فقال لي : بل سيكون من أعاجيب الزمن ألا أكون أنا تحديداً هنا الآن .. أنت تعرف أن هذه نقرة وتلك نقرة !!
لا أدري لماذا تذكرتُ وقتها قولَ الشاعر :
لم أكن من جُناتها عَلِمَ اللهُ
وإني بحرها اليوم صالِ
شرفٌ محض !!
شرفٌ محض !!
كان حسام نَسيجَ وَحْدِهِ _ بين أقرانه _ في هذا الأمر ..
كان نسيجَ وَحْدِهِ بين (صغار البراهمة) الذين غطوا سوأتهم برداء شفافٍ ممزقٍ اسمه : إمامة المتغلب !!
وبين (علمانيي الإسلاميين) الذين (سَافَدَهم) العسكرُ على قارعة الطريق في 30 يونيو ، ثم اغتسلوا من وحل جنابتهم بوحل مصطلحاتٍ مطاطةٍ من قبيل : الأمر الواقع ، وفتح المجال السياسي ، والمعارضة من الداخل .. وغيرها من مصطلحات مقاهي المكلمة التي لا تعني إلا : ( أي حاجة ف كيس بس أبقى رئيس) !!
لم يـندم حسام أو يأسف على علمه بعواقب الأمور!!
لم يكتب : ( للأسف .. كنتُ أعلم ) !!
لقد حَذَّر .. وكَشَفَ .. وقاوم .. وتصدى للانقلاب !!
أما غيره .. فقد ندم لأنه عَلِم .. فتغاضى .. فمهد .. فشاركَ في الانقلاب !!
الآن .. ترتفع الدعوات المطالبة بالحرية لفلان .. والحرية لفلانة ..
ثم لا تسمع اسمَ حسام مِن ألسنةِ مَن كانت أسماؤهم تتردد على لسانه مطالباً بحقوقهم !!
كان أبو البخاري مع الجميع في مظلومياتهم !!
والآن لا أحد مع أبي البخاري في مظلوميته !!
كُلٌ يبكي على رفقائه .. وأبو البخاري لا بواكيَ له !!

الاثنين، 1 فبراير 2016

الطفل مازن تعرض لانتهاكات جنسية خلال اعتقاله بمصر (فيديو)

الطفل مازن تعرض لانتهاكات جنسية خلال اعتقاله بمصر (فيديو)



لندن- عربي21

نشرت محطة"بي بي سي" تقريرا حول وضع الأطفال المعتقلين في مصر، حيث تؤكد تقارير منظمات حقوقية في مصر أن الوضع لا يحتمل، خاصة بعد أن نشرت وسائل الإعلام قصة الطفل مازن.

وقالت القناة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الطفل مازن، تعرض للتعذيب الجسدي والنفسي، بعد أن صعقوه بالكهرباء واعتدوا عليه جنسيا، إضافة إلى اعتقاله في سجن للبالغين.

وقال التقرير، إن القانون المصري يمنع سجن القصّر مع البالغين، غير أن مراكز الشرطة والسجون لا تأبه لذلك، كما أنه يمارس التعذيب والاغتصاب بحق هؤلاء الأطفال.



الخميس، 17 ديسمبر 2015

المقبرة .. نظرة من داخل سجن العقرب



المقبرة .. نظرة من داخل سجن العقرب
هيثم غنيم
باحث مصري
أرسل لي أحد الأصدقاء من المسؤولين عن الملف الحقوقي بالداخل المصري يوم الخميس 10 ديسمبر 2015 رسالة مفزعة عن انتهاكات حدثت بسجن العقرب المصري، تحديدًا فيما يعرف بمبنى H4 وينج 4 وهذا في يومى الثلاثاء والأربعاء 8 و9 ديسمبر في حفلات تعذيب استمرت ليومين ونتج عنها إصابة الكثير من المعتقلين السياسيين وصلت حد الإصابة بالكسور بالإضافة لاعتداءات جنسية.
تواصلت مع مصادر خاصة للتأكد من صحة ما حدث، كانت المفاجأة هي التأكيد مساء نفس اليوم على أكثر مما وصلني من حالات مع أسماء لبعض من تم الاعتداء عليهم من المعتقلين وأسماء لبعض الضباط الذين أشرفوا على تلك الانتهاكات.
دعونا نبدأ القصة من البداية، ماهو سجن العقرب؟
اسمه الرسمي "سجن 992 طرة شديد الحراسة" ونشأت فكرته بعد عودة مجموعة من ضباط جهاز الأمن المصري من دورة تدريبية أمريكية في نهاية الثمانينات.
يقع سجن العقرب في مجمع سجون طرة الواقع بمنطقة طرة جنوب غرب حلوان بجنوب القاهرة، وهو أحدث السجون التى تم إنشاؤها داخل مجموع السجون الذي كان أول سجونه بتاريخ 1928 إبان الفترة الملكية في عهد وزيرالداخلية الوفدي مصطفى النحاس، وكان هناك حرص حينها أن يطل جزء كبير من السجن على مجرى النيل، ثم تم إنشاء سجون أخرى ليصبح مجمع لأكثر من سجن، فكان آخر السجون التي تم إنشاؤها داخله هو سجن العقرب والذي بدأ بناؤه عام 1991 في عهد وزير الداخلية حسن الألفي في فترة حكم محمد حسني مبارك وتم الانتهاء منه في 30 مايو 1993 ثم افتتاحه رسميًا بتاريخ 26 يونيو 1993 بحضور مساعد وزير الداخلية حبيب العادلي.
وصف السجن
اعتمادًا على خرائط القمر الصناعي وشهادات من التقيت بهم بصفة شخصية من بعض أسر المعتقلين الحاليين وبعض المعتقلين السابقين أثناء فترة حكم محمد حسني مبارك أو فترة حكم عدلي منصور وعبد الفتاح السيسي، حاولت رسم صورة للسجن الداخلي، وتم إعادة رسمها لتوضح بهذا الشكل:

1- يقع على بعد 2 كيلو من بوابة منطقة سجون طرة الرسمية وله أسوار إضافية خاصة به.
2- مكون من 4 مبانى احتجاز رئيسية على شكل حرف H باللغة الإنجليزية، بالإضافة لمبنى إداري مكون من طابقين ملحق به مستوصف طبي مصغر ومبنيين بهم استراحة للضباط ومكتبة ومغسلة ومطبخ مركزي.
3- يقع يمين بوابة الدخول مبنى H1 وH2 ومحاطين بسور داخلي له بابان للدخول مكون من شبك حديدي وصاج يحجب رؤية من بالداخل عن باحة السجن من الخارج، وهناك ملعب أمام بوابة الدخول، ثم على يسار بوابة الدخول مبنى H3 وH4 ومحاطين أيضًا بسور داخلي مكون من شبك حديدي وصاج يحجب الرؤية.
4- مباني كل H مكونة من دور أرضي به زنازين الاحتجاز وقبو تحت الأرض تمتد فيه مواسير المياه والصرف وهناك ممر عرضي يربط بين H1 وH2 وممر عرضي يربط بين H3 وH4.
5- كل H مكون من أربع وينجات "عنابر" بكل وينج عدد 20 زنزانة احتجاز أبوابها حديد صب وعدد 3 زنزانة أبوابها أسياخ حديد طولي تسمي "زنزانة مصبع" وعدد 1 زنزانة باب حديد صب تستخدم كمخزن لتخزين أدوات النظافة وغيره، وغرفة استحمام بها من أربعة إلى ستة أماكن استحمام.
6- الزنزانة مساحتها ما يقارب الثلاثة أمتار في ثلاثة أمتار ونصف وبها حمام أفرنجي صغير مغلف بصبة أسمنتية وحوض صغير بجوارها دون ساتر ومصطبة أسمنتية للنوم، والزنزانة بها باب حديدي به فتحة عرضية تسمى "نضّارة" يتم إدخال الطعام للمعتقل من خلالها وبها فتحة تهوية علوية مغطاة بقضبان وشبك معدنى وتطل على ممر خلفي يفصلها عن الفناء الخارجي.
7- فتحات تهوية الزنازين تطل على ممر خلفي بها فتحات تهوية تقع بشكل يعاكس فتحات تهوية الزنازين بحيث يصعب رؤية السماء من خلالها.
8- الممر الداخلي بين الزنازين في كل وينج عرضه ما يقارب مترين وسقف الوينج به ثلاث فتحات يدخل منها أشعة الشمس للمر الداخلي فقط.
9- المبنى بالكامل من حوائط داخلية وخارجية وسقف وأرضية الزنازين وأيضًا القبو مصبوب ومكون من الخرسانة المسلحة.
10- في كل H تقع ساحات للتريض بحيث يتم إخراج المعتقلين بها كي يتعرضوا لأشعة الشمس، وهناك 4 ساحات بين كل ضلعين من أضلع أحرف H يفصلها سور طولي بالطول بدون بوابات بينما السور العرضي به بوابات كي يتم توزيع المعتقلين على الأربع ساحات تريض.
11- هناك ممر خلفي يمر بكل وينج خلف كل الزنازين يتم الصعود إليه ببضعة درجات ويتم من خلاله التجسس على المعتقلين ورصدهم دون أن يشعروا.
12- هناك باب صلب يقع في الممر الخلفي لكل وينج ويفتح على الخارج.
13- هناك موقعين لزيارات المعتقلين عبارة عن غرفة الأولى في الممر الواصل بين H1 وH2 والثانى بين H3 وH4 ولغرفة الزيارة ممر منفصل خارجي لإدخال الأهالي وتتم الزيارة عبر حائلين زجاجيين وعبر الهاتف.
14- لسجن العقرب سور أسمنتي خارجي طوله يقارب الـ 7 أمتار من الخرسانة المسلحة المدعمه وبها أبراج حراسة، وهناك سور آخر من الحديد والسلك الشائك، وهناك خندق حديث يتم حفرة لا يعرف هل هو لسور جديد أم زيادة تأمين، هذا بخلاف منطقة تقارب المترين أو ثلاثة مفروشة بالزلط لإحداث صوت في حالة الحركة عليها.
15- بوابات السجن مصفحة من الداخل والخارج، وتقع جميع مكاتب الضباط والمسؤولين عن السجن خلف قضبان وحواجز حديدية مغلقة.
وهذه أيضًا رسمة توضيحية لغرفة الزيارة:
وهذه صورة لغرفة الزيارة من الداخل حيث تتم رؤية المعتقلين من خلف الحاجز الزجاجي المزدوج:
ويوجد رابط فيديو للمذيع وائل الإبراشي قام فيه بالتجول ببعض مباني السجن بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 كي تكون الصورة كاملة:

ماذا يحدث داخل سجن العقرب؟
شهادات حية
نبدأ أولًا من روايات المعتقلين السابقين الذين استطعت اللقاء بهم وقد انقسموا إلى قسمين:
  1. قسم تم اعتقاله في عهد الرئيس السابق محمد حسنى مبارك.
  2. قسم تم اعتقاله في عهد عدلي منصور وعبد الفتاح السيسي.
أولًا قمت بمقابلة مع اثنين من المعتقلين السابقين بسجن العقرب "م. أ" و"م. س" والذين اعتقلوا فيه منذ أول التسعينات وحتى ما بعد ثورة 25 يناير 2011 وأحد هؤلاء المعتقلين قضي بسجن العقرب فقط 11 سنة حبس خلالها في كل "الإتشات": H1 وH2 وH3 وH4.
روى لي كيف تم نقلهم إلى سجن العقرب وكيف أنهم جردوا من ملابسهم كلها ماعدا "البوكسر" فقط عند نزولهم من سيارة الترحيلات عند بوابة السجن وتم ضربهم بشدة بالهروات وأمرهم بالجري أمامهم.
"عاملونا كالبهائم عند إدخالها الحظائر، لا تعرف طريقها إلا بالمكان الذي تتفادى به الضرب، وهكذا صرنا نجري شبه عرايا بينما تلاحقنا عصيان العساكر من الأجناب والخلف توجهنا يمينًا ويسارًا حتى دخلنا الزنازين، وبعد فترة من دخولنا، حكينا ما حدث لنا من خلال فتحات الزنازين للمعتقلين الذين سبقونا فقالوا لنا أنتم أحسن منا حالًا فنحن قد تم تعريتنا تمامًا وتم إجبارنا على الزحف عرايا على الأسفلت ثم لداخل السجن ونحن يتم ضربنا".
قال لي: "كان من أسوأ من مروا علينا هو مأمور السجن اللواء نبيل عرفة كنا نلقبه بـ (الشيطان)، وندعوا عليه في صلواتنا، كان يصادر الزيارات التي تأتي لنا وما بها من أكل، ويأكل بعض منها أمامنا لإذلالنا، وكان يشارك في حفلات تعذيبنا ويضربنا بيديه العاريتين"، يصمت قليلًا ثم يقول بحزن "كانت المعاملة تعتمد على الإذلال النفسي"، ثم يقول لي: "ثم تم تغييره وتمر الأيام وفي أحد الأيام يصاب أحد المعتقلين واسمه محمد الأسواني بجلطة وينقل لمستشفي القصر العيني فيقابل هناك اللواء نبيل عرفة على سرير المرض مشلولًا".
يكمل "ثم أتى لواء آخر من أمن الدولة ليكون مأمورًا لسجن العقرب وكان اسمه اللواء محمد الفحام، فخفف التعذيب قليلًا وكان يقول لنا: أنا مستغرب أنتوا عايشين لغاية دلوقتى إزاي؟!"، ليكمل قائلًا "السجن ده مصمم إن اللي يقعد فيه فترة طويلة يا إما يموت يا إما يتجنن".
يكمل المعتقل الآخر ويتحدث عن سياسة منع ملح الطعام من الأكل ومنع التريض حتى كان بعضهم تتساقط أسنانه، وانتشرت بينهم أمراض السل والجرب.
ولكي لا يظن أحدهم أنني أبالغ فها هي بعض من شهادة اللواء إبراهيم عبد الغفار مأمور سجن العقرب السابق على قناة الحياة المصرية بعد الثورة:
- سجن لا تدخله شمس ولا هواء، يعنى تقريبًا الهواء على قدر الاستنشاق وأحيانًا في الصيف قوي تلاقي الريحة عفنة، هو متصمم إن اللي يدخله ميرجعش منه تاني إلا ميت.
- أول سجين قابلته كان هشام عبد الظاهر مهندس خريج كليه هندسة أول ما فتحت عليه كان أول مرة يتفتح عليه من 8 سنين.
- ده بتوجيهات من أمن الدولة وتوجيهات وزير الداخلية وحسنى مبارك.
- وكان أمن الدولة ياخد المساجين من عندنا يصطحبهم وده مخالف للقانون خالص، يصطحبهم بدون أي حاجه بتعليمات من وزير الداخلية، ياخدهم يقعدهم عندهم خمسة عشر يومًا، المسجون يرجع مرمي على الأرض أسبوع عشر أيام علشان يقدر يقف من التعذيب اللى هو أتعذبه.
- جوا السجن كانت تيجي حملات من قطاع السجون بإشراف أمن الدولة معاها ضباط أمن الدولة تفتش، الناس تتبهدل، تتضرب، تتمد على رجلها، الكلاب تهبشهم.
رابط اللقاء مسجل:

ثانيًا قمت بمقابلة أحد الشباب الذي تم اعتقاله بعد الثالث من يوليو 2013 وسألته عنماحدث له ليقول "ش. أ" الطالب بكلية هندسة بإحدى الجامعات الحكومية: "اعتقلت في شهر ديسمبر سنة 2013 من كمين شرطة عادة بمنطقة شرق القاهرة ليلًا، حيث تم إيقافي في كمين شرطة وبتفتيشي وتفتيش كاميرتي الشخصية تم العثور على صور بعض المظاهرات؛ فتم القبض عليّ وترحيلي لقسم شرطة، ثم يتم ترحيلي لمقر أمن الدولة بلاظوغلي بوسط البلد أنا وشباب آخرين، هناك تم تغمية أعيننا وضربنا أثناء الاستجواب، بل قام أحد الضباط بإطفاء سيجارة في رأس أحد الشباب بدلاً من طفاية السيجارة كنوع من أنواع الإذلال لا التعذيب فقط".
ثم يضيف الشاب لي "كان أشد الأيام تعذيبًا لي عندما تواصلوا مع كليتي الحكومية ليقول لهم مسؤول الكلية إني كنت ممن ينظمون مظاهرات شباب الثورة في فترة حكم المجلس العسكري بعد الثورة، ويأتي لي ضابط ليقوم بضربي انتقامًا لذلك حتى أن حشو بعض أسناني قد سقط من شدة الضرب في الوجه، ثم بعدها بيوم تم ترحيلنا لنيابة أمن الدولة العليا ليتم إدخالي لوكيل النيابة أحمد عبد العزيز بدون محامٍ، والذي قام باستجوابي ومحاولة الضغط عليّ قبل أن يصدر قرار بحبسي على ذمة التحقيقات ليتم ترحيلي أنا وشباب آخرين لسجن العقرب شديد الحراسة".
يكمل الطالب "ش. أ" ليقول: "هما بيركزوا جدًا في سجن العقرب على إنهم يكسروا معنوياتك، أنت كده كده متكسر ماديًا، بس سجين الرأي أو السجين السياسي أهم حاجه بالنسبة لهم إنهم يكسروه معنويًا لأنهم مش عارفين يغيروا العقلية بتاعتك أو مش عارفين يغيروا طريقة تفكيرك أو اعتراضك على اللى بيحصل في البلد أيًا يكن انتمائك أو أسلوب تفكيرك أو اللى أنت بتفكر تعمله".
"أنا لما روحت هناك لقيت دكاترة ولقيت مهندسين ولقيت رجال أعمال محترمين ولقيت طلبة، هي دي نوعية الناس اللي معتقله هناك، دول اللي هما بيعتبروهم أخطر ناس على الأمن القومي في مصر، اللي هما الطلبة والدكاترة والمهندسين وأعضاء هيئة التدريس في الجامعات والمستشارين".
"طبعًا لما بتوصل بيبقا فيه حفلة استقبال ليك أنت واللي معاك والضرب بيزيد ويقل على حسب أنت جاي في إيه، وطبعًا بيبقا رئيس المباحث في الغالب وضباط المباحث في التشريفة الرسمية اللي بتضربك"، يكمل قائلًا "وهما بيدخلونا شوفنا ملعب كده جوه السجن شكله حلو وعرفنا بعد كده إنه معمول علشان لما يكون في زيارات للمجلس القومي لحقوق الإنسان وأي وفد أجنبي"، يبتسم ساخرًا.
ثم تحدث عن كافتيريا السجن وسياسة منع الزيارات ليقول: "الحاجه فيها زيادة عن قيمتها في الشارع في مصر بحولي 25%، بيستغلوا ظروف إن الناس محبوسة وفي احتياج لذلك يمنعوا الزيارات عشان الناس تجبر تروح تشتري من الكافتيريا عشان الضباط يعملوا بيزنس، وطبعا البيزنس ده بيوزعوه على بعض بداية من المأمور حتى الضباط"، ثم يكمل: "قصاد الكافتيريا في زي مبنى قاعة كبيرة مغطاة هي المفروض زي المستشفى أو المستشفى دي كلمة كبيرة ممكن نقول العيادة، فيها 3 سراير صغيرين ومكان كرسي دكتور أسنان ومكان ليه مكتب عيادة عادية جدًا وطبعًا الدكاترة، تحس أصلاً مفيش دكاترة، تحس إنهم هناك ضباط، الدكتور بيتعامل مع المسجون كأنه عدو، تخيل لما دكتور وبيتعامل معاك إن أنت عدو، فتخيل بيتعامل معاك إزاي يعني".
"الحاجه التانية جنب المستشفى في قاعة كبيرة في الأول كنا بنزور فيها قبل يوم 25 يناير 2014، القاعة الكبيرة كانت فيها زي ترابيزة ممكن 8 يقعدواعليها، وفي حوالي 5 بيقعدواعليها، وفيه تقريبًا حوالي 12 ترابيزة قريبين من بعض، وجوه فيه المكتبة المفروض مكتوب عليها قاعة امتحانات الطالبة والمفروض الطلبة بيدخلوا جوه يمتحنوا بس الكلام ده كان موجود زمان جدًا بيدخلو يمتحنوا، وعندهم مكتبة ممكن يبصوا على الكتب وكده بس طبعًا المكتبة دي كانت مقفولة، أكيد طبعا بتتفتح للجنة حقوق الإنسان بيجوا يشوفوا الحقوق المقفولة بتتقتح وقتها، جنب المكتبة عيادة جنبها المبني الإداري، المبني الإداري ده بقا ليه قصة تانية كبيرة، أول ما بتدخل هو عامل زي المربع كده في النص هو عبارة عن دورين، الدور التاني تقريبًا فيه شوية أمانات يعني الناس وهما جايين يشيلوا لبسهم، ساعات بيحطوهم في الأمانات أو ساعات بيدهوم لأي حد، وفيه بعض المكاتب موجودة فوق، الدور الأرضي فيه مكتب المأمور ونائب المأمور ومكتب رئيس المباحث ومكتب مش مكتوب عليه يافطة بس بتوع أمن الدولة بيحققوا فيه وفي مكتب اللي هو جهاز المعاون اللي هو اللاسلكي اللي هو الناس اللي بيمسكوا لاسلكي دول".
"جنب المربع ده فيه مبني صغير كده جنبيه بيحصل فيه التعذيب، بياخدوا الناس هناك والناس مش عارفين هما فين والناس دي مش مكشوفة على أي حد يعني مش أي حد يقدر يشوفهم وحد من إدارة السجن يروح هناك، المنطقة دي جوه سجن العقرب بس ملهاش دعوة باللي بيحصل جوه سجن العقرب، أنا هتكلم فيه عن حاجات كتيرة جدًا في سجن العقرب بس اللي بيحصل في المكان ده يظل مجهول، اللي بيحصل فيه حاجة مجهولة جدًا وناس أتكلمت عن التعذيب اللي بيحصل، عن تعذيب حصل هناك أو استكمال تحقيقات لقواضي اتحالت للمحكمة خلاص فلازم يكملوا بعض التحقيقات ويخلصوها قبل ما الناس تنزل جلسة محكمة، ودخلت في مرة هناك لسبب معين فلقيت ناس قاعدين وكانوا خايفين جدًا، وطبعا المخبر اللي دخلنا بالغلط هناك اتبهدل يعني بعد كده، بس يعني حتى انا شوفتهم نص دقيقة بس كان باين عليهم الخوف الشديد جدًا وكأنهم مستنيين مين اللي هيدخل عليهم عشان يعذبهم".
وجبات الطعام داخل سجن العقرب
الإفطار:
قطعة جبن وكبشة فول صغيرة و3 أرغفة عيش، ماعدا يوم الجمعة والأحد يتم استبدال كبشة الفول بعدد 2 بيضة مسلوقة.
الغذاء:
هناك يومين لحمة ويومين فراخ، كان بعض الشباب لا يستطيعون أكلها فيرمونها للقطط المتجولة في المرات فترفض أكلها، وهناك ثلاث وجبات للغذاء ما يسمى بالطبخة السوداء وهي باذنجان بالصلصة أو سبانخ بالصلصة أو كوسة بالصلصلة أو عدس مع كبشة أرز وكبشة سلطة غير نظيفة.
الطلبة ودخول الكتب داخل السجن
يقول أحد الشباب الذي تم اعتقالهم وخرج مؤخرًا:
"كان في نقطة إن طلبة كتيرة موجودة في السجن ودكاترة كمان ومهندسين عامة، من الحاجات اللي بتحسس الإنسان بقيمة يعني ليه إن الإنسان بيقرأ، لا هو بيمنع عنك الكتب خالص رغم إن في مكتبة بس المكتبة دي معموله لحقوق الإنسان، بتوع حقوق الإنسان بييجوا يشوفوا الملعب ويشوفوا المكتبة ويطمنوا عليهم ويمشوا، المكتبة ذات نفسها بتبقى مقفولة، بيمنعوا خالص الكتب تدخل، أيا كانت الكتب دي شكلها إيه؟ في مرة فتحوا دخلوا كتب بتبقى مثلاً بتتكلم عن حاجات خليعة، عن روايات فيها ناس بيكرهوا الروايات، فبيبقا إيه.. هديلك كتب بس هديلك كتب معينة، أنا بضطهدك فكريًا يعني، كمان أنا عارف إن اتجاهك كذا فهبعتلك كتب أنت ضد الفكر بتاعها، والموضوع مش بس كدخه، انا هفتحلك كتب اه لكن الفتحة دي قعدت أسبوع أو أسبوع ونص، بعد كده سحبوا الكتب تاني فيعني بتبقا حاجة مسخرة، حتى لما طلبة كتير بتتكلم إن عاوزين نقدم لامتحاناتنا يدخل الظابط ويقول: امتحانات إيه؟ أنتوا طلبة؟ أنتوا مش طلبة! أنتوا إرهابيين، يعني مفيش حاجة اسمها امتحانات والكلام الفاضي ده، يعني مستقبلكوا ضاع خلاص والدنيا انتهت، أنتوا هتقعدوا طول عمركوا هنا أو هتتعدموا".
"مع الوقت الطلبة ابتدت لما تنزل قصاد قاضي يكتبوا بلاغات ويعملوا مشاكل وكده، فعشان هما بيحاولوا يمشوا بالشوكة والسكينة، بالقلم واللوايح فسمحوا للطلبة إنهم يروحوا الامتحانات، ومن هنا ابتدت المشاكل اللي هو حتى لما سمحله منع يدخله كتب الدراسة، مثلا يبقا دكتور فبيدخله 3 أو 4 كتب؟ وكتب بالإنجليزي، لو دخل كتاب بالإنجليزي دي بتبقا مشكله بقا، بعد ما يدخلوه يقعدوا يفحصوه وبعد ما يفحصوه يدوهولك تاني، قصة ولفة طبعًا عشان يدخلك الكتب".
"كان في مشكلة إن الناس تمتحن وبعديها بشهرين تلاتة كانوا بيتكلموا إنهم يدخلوا البتاع ده وبعد كده إنت ليك قلم واحد بس وهيسألك على القلم ده، يعني لو دخلنا وملقاش معاك القلم ده يسألك عليه، انت وديت القلم فين؟ حتى لو القلم أنت خلصت الحبر لازم القلم يكون موجود، هما بيخافو جدًا أى حد يكون معاه ورقة وقلم، الورقة والقلم كأنك شايل سلاح بالظبط قدامهم، في مرة دخلوا لقوا قلم وورقة فالظابط أتجنن، أنتوا دخلتوا قلم وورقة إزاي؟ وحصل مشكلة وأزمة كبيرة، والقلم ما يطلعش من الزنزانة، وقعدوا المخبر كده في الممر عشان يبص لو حد راح أدى لحد تاني كان الناس قعدت تربط الحاجة وترميها للباب التاني ف بيمسكوها وياخدو الحاجة كده، طبعًا بالنسبالهم القلم والورقة كانوا مشكلة كبيرة".
معاناة الأهالي
نتناول توثيق شهادة والدة أحد المعتقلين وشهادة زوجة أحد المعتقلين:
تقول الأستاذة "أ. ح":
يجب أن نصل لبوابة مجمع سجون طرة في الصباح الباكر؛ حيث يبدأ فتح الباب من الساعة 6 والنصف صباحًا وحتى الساعة الـ 11 صباحًا، حيث يتكدس الأهالي ولا يتم السماح سوى بعبور خمسة أشخاص ثم خمسة أشخاص.
لندخل لننتظر "الطفطف" الداخلي وهو وسيلة المواصلات الداخلية التي تصطحبنا لسجن العقرب مقابل أجرة جنيه للفرد الواحد، ويأتي في حوالي الساعة السادسة صباحًا لنصل لبوابة سجن العقرب لننتظر ما بين الساعة الـ 10 للواحدة ظهرًا، حيث يخرج إلينا ضابط ليأخذ منا تصاريح الزيارة الصادرة من النيابة ثم يدخل مرة أخرى.
ثم قد يتم السماح لبعضنا بالزيارة أو لا يتم السماح لأحد، فإذا تم السماح لبعضنا فإننا ندخل لنقوم بترك الأكل ليفتش ونسلمه ثم نمر على بوابات كشف المعادن ثم غرفة جانبية للسيدات وغرفة جانبية للرجال للتفتيش الذاتي والتي يتعرض فيها البعض منا لانتهاكات أثناء التفتيش الذاتي من قِبل الحراس المسؤولين، ثم يتم تركنا في غرفةاإنتظار لمدة ساعة أو ساعتين ليتم بعدها اصطحابنا داخل السجن لغرفة الزيارة والمكونة من كبائن وحائل زجاجي حيث تم تقليص عدد كبائن الزيارة من 8 كبائن إلى عدد 4 فقط؛ حيث يقوموا بإدخال المعتقل ليقف دون أن يجلس على كرسي في حين وفروا لنا كرسي واحد فقط ليجلس فرد واحد من الأسرة ويقف الباقي.
كانت الزيارة قديمًا مدتها من 10 دقائق لـ 15 دقيقة، ولكن الآن صارت من دقيقة إلى 3 دقائق، إن سمحوا لنا بالزيارة في الأساس.
هناك معتقلون منعوا أهاليهم من الزيارة حتى في الزيارة الاستثنائية لـ H2 بعد زيارة المجلس القومي لحقوق الإنسان الأخيرة؛ حيث منعوا أسر الدكتور عبد الله شحاتة ومحمد الظواهري والمستشار حسن النجار.
هناك أسر ممنوعة من الزيارة نهائيًا لأن المستشار السابق هشام بركات حصر استخراج التصاريح من نيابة أمن الدولة العليا والتي ترفض إعطاء تصريحات زيارة لبعض الأسر مثل أسرة الدكتور عبد المنعم أمين التي لم تزوره منذ 10 شهور ولا يعرفون عنه شيء حتى الآن.
ثم أنتقل هنا لشهادة أخرى وهي شهادة الأستاذة ثناء شاهين والدة الطالب المعتقل عمرو ربيع المعتقل بسجن العقرب بعد تعذيب في سجن العازولي العسكري ومقر أمن الدولة بلاظوغلي لتحكي عن معاناتها في الزيارة قائلًا:
"الأمهات لن ييأسن مهما طالت مدة اعتقال أبنائهن أو أزواجهن، ولكن تجمدت الدموع في العيون والقلب يبكي دمًا وخاصة عند رؤية الأبناء لمدة دقيقتين أو ثلاث دقائق بعد منع الزيارة لعدة أشهر، نخرج التصريح وراء التصريح ويأخذوه منا بعد الوقوف خمس أو ست ساعات على البوابة الرئيسية لطول الطابور، صورة لا أستطيع أن أصف فيها معاناة الأمهات فمنهن من تأتي في الثالثة صباحًا حتى تستطيع أن تدخل مبكرًا، وأخرى في الرابعة، وعند الثامنة صباحًا يكون الطابور وصل للشارع ناهيك عن خناقات أهالي الجنائيين لدرجة أن إحداهن كادت أن تعتدي على إحدى أهالي العقرب بمطواة حتى تدخل قبلها وفكوا الاشتباك بأعجوبة ونجاها الله".
هذا بالنسبة للطابور الخارجي، علمًا أن ميعاد آخر تصريح يسلم في العقرب في العاشرة، لكن الحقيقة أن من الممكن أن يغلق الباب ولا يخرج أحد لاستلام التصريحات حتى تمر العاشرة، ثم يقول فات الميعاد، بعد هذا الشقاء فات الميعاد، ومن هؤلاء من يأتي من سفر، حدث أمامي أم أتت من الأقصر وبعد انتظارها ساعات قال ليس لابنك زيارة اليوم، قالت له قلت لي ذلك أمس وجئت اليوم ورغم بكائها لم يدخلها وكان ذلك عندما كانت الزيارة مفتوحة".
وهذا فيديو تم تصويره مع الأستاذة ثناء شاهين من قِبل جريدة المصري اليوم وتحكي فيه معاناتها ومعاناة ابنها داخل العقرب:

التعذيب
يحكي أحد المعتقلين عن التعذيب فيقول:
"عند حدوث أي تذمر من سوء المعاملة تقوم إدارة السجن بالدخول بالقوة الضاربة ليجردونا مما نلبسه ماعدا البنطلون وينزعوا عنا البطاطين لنجلس في وسط البرد من غير بطانية ومن غير لبس، ولو حدثت أي مقاومة أو اعتراض فالقوات الخاصة بتدخل بالشوت جن والخرطوش وبيهددوك وأنت محبوس ومقيد، ثم يقوم بإطلاق طلق صوت عليك، وطبعًا طلق الصوت لما بيطلع في حاجات كده زرقا صغيرة تدخل في عنيك أو في وشك وتسيب أثر صغير، وفي ناس الآثار دي قعدت معاها شهر وأكثر، وفي واحد إحدى عينيه شبه راحت ومش عارف يشوف منها خالص وحتى وقت خروجي، ورغم ذلك المعتقلين بيطالبوا بحقوقهم وهما عارفين طبعًا إن الناس دي مفيش حقوق عندهم بس هما بيحاولوا يعملوا على أد ما يقدروا، على الأقل يطلعوا بأقل أقل حاجة من حقوقهم".
"المعتقلون مصممون يقاوموا الظلم والاستبداد اللى موجود في السجن، ساعات كذا مرة دخلوا القوة الضاربة دي ويقوموا ساحبين كذا واحد ومجرجرينه قدام المعتقلين كلهم، وطبعًا يبقي فيه عرض في الممر الصغير اللي قدام الزنازين كلها ويشدوا المعتقل، مابيراعوش كبير أو صغير ممكن يكون عنده السكر أو عنده الضغط، مبيراعوش الحاجات دي خال، مابيميزوش بين دكتور وبين واحد عادي".
"بعد كده بيقفلوا الزنزانة لمدة أسبوع أو أسبوعين، ممنوع التريض وممنوع أي حاجة وبيدخلك الأكل كده بالعافية، حتى الجنائيين بيبقوا يا عيني الواحد منهم عاوز يعيط وبيبقا مثلاً إيه يعرف إن فلان تعبان وعلاجه كذا، فيكون مخبي العلاج بطريقه معينة بحيث إن المخبر ما يشوفهوش وهو بيدخله، فيدخلهوله وسط الأكل كده، يعني الجنائي اللي هو أصلاً مش صاحاب قضية ومش صاحب أي حاجة، كان يقعد يشتم في الظباط وأنتوا مش عارفين إيه، كان بيحترموا جدًا الناس اللي مسجونة سياسي وكده وكانوا بيحاولوا يعملوا أى حاجة بحيث إنهم يساعدونا وكده، فده موضوع التشكيلات الخاصة، والحاجات دي كانت بتحصل في وجود مساعد وزير الداخلية، محمد راتب، ورئيس المصلحة محمد الخلوصي  والمأمور هشام، وبالذات رئيس المباحث اسمه تامر جاد، في أسماء كده مع إنهم ساعات بيتنقلوا بس يعني الناس دي اتعاملوا بطريقة وحشة جدًا حتى حاطين واحد بيفتش العناصر تبع أمن الدولة اسمه محمد عبد الحفيظ، بردو ده بيتابع الحالة وبيشرف أنتوا اتعاملوا مع الشخص ده كذا والشخص ده كذا واتعاملوا مع القيادات بطريقة معينة ومع الناس الصغيرين بطريقة معينة، فيعني ده بالنسبة للموضوع القوات اللي كانت بتدخل، ساعات كانوا بيدخلوا بكلاب عشان يخوفوا الناس، كانوا بيحاولوا يعملوا أي حاجة عشان يخوفوا الناس وساعات بيقوموا مطلعينهم برة ويبعدوا مسافه معينة ويضربوا عليهم خرطوش عشان الخرطوش ممكن يقعد معاك يومين تلاتة، قاعد موجوع مش عارف تنام، مش عارف تنام على ضهرك، فساعات كانوا بيعملوا الحاجات دي يعني، غير طبعًا جزء إحنا محتاجين نتكلم فيه كتير جدًا، يعني أنا شوفت حوالي 30 حالة كل حالة مختلفة عن التانية، غير إنهم بيحكوا عن الحالات الموجودة هناك موجودة في السجون العسكرية، الناس الجايين من العازولي ومن س 8 ومن الكتيبة 101 بشمال سيناء".
"هتكلم بقى عن السجون العسكرية والمعاملات اللي فيها وشكل الناس كانوا جايين متبهدلين ومكسرين يعني، قصدي مش متكسرين ضرب، قصدي العضم متكسر وساعات بيبقي كسر مضاعف وبيتعاملو عادي إيه المشكلة؟! مفيش أي نوع من أنواع الرحمة طبعًا، وشكل التعذيب وأسلوب التعذيب".
"حاجة من الحاجات اللي خلتني أصلا أدخل في موضوع توثيق التعذيب اللي أنا شوفت آثاره على الناس، أنا يمكن ما شوفتش الناس دي أتعذبت إزاي، بس أنا قعدت معاهم 6 شهور تقريبًا في سجن العقرب، يعني حسيت جدًا بيهم وكنت شايف دايمًا في عنيهم حزن شديد جدًا آثار من التعب والإرهاق، أنا مش عارف إيه الكلمة المناسبة اللي ممكن أقولها في حاجة زي كده بس كل أما عنيا تيجي في عين واحد منهم بشوف فيه قهر وظلم شديد جدًا ورغم كده يعني تلاقي الواحد منهم بيبتسم وراضي بالمكتوب وهو فرحان إن هو بيقول كلمة وقف قصاد استبداد وقف قصاد ظلم، فهو مش فارقة معاه حتى لو هو هيموت يعني، كرامته وبلده ووطنه وبيته وحريته، حريته وحرية بلده فوق كل حاجة".
"المجموعه اللي أنا عشت معاهم أو اللي عاشرتهم في المدة دي، مهما قولت كلمة مش هعرف أجيب حقهم، مجموعه فعلاً يعني هما عمدان الثورة لا عليهم دوشة إعلامية ولا عليهم ضغط دولي ولا في حد بيتكلم عليهم ولا في منظمات حقوقية بتتكلم عنهم، وهما مش عاوزين الكلام ده ومش بيفكروا في الموضوع ده أو بيسعوا ليه حتى، هو بيبص للموضوع كشخصه أو ذاته أو ضميره، هو شايف الموضوع إزاي، ولا فارق معاه أصلاً أي حاجة من الحاجات اللي هو شايفها أصلاً نوع من أنواع المسرحية، اللي خلاني أشارك في حاجة زي كده إنى كنت عاوز أنقل الحقيقة للناس، كنت عاوز أخليهم يبصوا على حاجات، يعني أنا شوفت بس أثرها، انا مشوفتهومش وهما بيتعذبوا بس شوفت أثره".
"أنا يمكن دخلت أمن الدولة قعدت فيه يومين تلاتة، بس ده لا يذكر بالنسبة لناس قعدت شهور في السجون العسكرية والمعتقلات الحربية، يعني كل ما أحاول أفتكر، أو بسمع بس كلامهم أو بفتكر كلام حد منهم ألاقي جسمي بيقشعر أو كل ما أفتكر القهر اللي هما كانوا شايفينه بحس بقهر شديد جدًا كأن واحد جواه استاد بيهتف من الظلم اللي شافه في الناس دي، يعني أنا لو حاولت اتكلم عن أوضاع السجون، فوضع المعتقلات الحربية ده مهما أتكلمت مش زي ما تروح تقعد كأنك قاعد فيه، يعني لو حكيت بس بعض الحالات اللي أنا شوفتها زي ما حكولي وآثار التعذيب عليهم".
سجن العازولي
"مجرد بس ما واحد منهم ييجي من العازولي ويبقي فيه كسور وآثار تعذيب فظيعه جدًا وبعضهم جاي فيه شلل وكدمات وجروح فظيعة بيتعالجوا منها شهور بعد ما التعذيب وقف، والتعذيب ده كله عشان يجبروهم على أقوال معينة أو يطلعوا منهم اعترافات، بس يعني أفتكر في واحد - أنا مش عارف مصيره دلوقتي - كان جاي مع مجموعة جت من العازولي، هو محبش يحكي التفاصيل أو الحاجات اللي اتعرضلها بس هو كان بيحكي على واحد مسكوه وجابوا 3 ولاده قدامه، فالظابط يقوله مش هتتكلم؟ يقوله: لا مش هتكلم، فقتل ابنه الأول ويسيبه لتاني يوم، تخيل لما يقتل ابنه قصاده! ويجيبو ابنه التاني، مش هتتكلم؟ لا مش هتكلم، يقتلوه، ويجيبو التالت، مش هتتكلم؟ لا مش هتكلم، يقتلوا التالت فالراجل يجيله شلل كامل مبيعرفش يتحرك خالص، فالناس كانوا بيساعدوه عشان يودوه الحمام أو ينضفوه".
"أنا مش هتكلم على النضافة هناك لأن مفيش حاجة اسمها نضافة هناك أصلاً، حتى الحمام اللي بيتكلموا عليه أنت بالظبط بتستخدمه 5 دقايق في اليوم، اليوم كله من أوله لآخره بتستخدمه 5 دقايق مهما كان الاستخدام اللي هتستخدمه في الـ 5 دقايق دول، كان في ناس بيضحوا بالـ 5 دقايق دول عشان يشيلوه ويودوه للحمام، طبعًا هما بيضربوا وهما داخلين وهما طالعين، كان في شباب بيشيلوه يودوه لغاية الحمام ياخدوه ينضفوه ويرجعوا بيه وهما ميروحوش الحمام وكان بيعملوا زي مين عليه الدور أو مين اللي هيعمل الموضوع ده".
"الظابط بيجيله علطول، لو أنت مش هتتكلم أنا هسيبك كده علطول لغاية لما إيه؟ لو أنت عاوز تموت أنا مش هخليك تموت، أنا هسيبك كده لغاية ما تتكلم، وأول ما تتكلم أنا هرحمك".
"تخيل واحد زي ده، أقوى أمنياته إنه يتقتل ومع ذلك هو قال لا محدش يقتلني ومش هنتحر ولوهتقتل هتقتل على إيديهم، دي حالة من مئات الحالات الموجودة هناك، بيبقا فيه دكاترة ومهندسين وأعضاء هيئة تدريس في جامعات، منهم دكاترة كبار جدًا معروفين كقامة علمية على مستوي دولي، أنا مش بتكلم على أي حد كده بعضهم كانوا بيجيبوا لغاية دلوقتي أطفالهم وحابسينهم انفرادي جوة سجن العازولي لمجرد بس يبتزوهم عشان أهاليهم يسلموا نفسهم، تخيلوا لما يمسكوا أطفال عمرهم 8 سنين لـ 10 سنين لـ 11 سنة ويحبسوهم انفرادي في سجن العازولى عشان يبتزوهم عشان أهاليهم ييجوا يسلموا نفسهم".
"لما واحد منهم يموت كان الزنزانة مساحتها 8 متر لـ 9 متر تقريبًا بيقعد فيها 50 واحد، تخيلوا 50 واحد في مساحة صغيرة زي دي، لما ييجي بس الشاويش ينادي على اسم واحد منهم مبيكونش عارف هو رايح فين، رايح التحقيق ولا هيتعذب ولا هيتقتل ولا هيترحل ولا إيه مصيره؟ لمجرد بس إن اسمه بيتنده، مجرد ما الأسامي بتتنده وبيسمعوا صوت رجله وهو ماشي بس بيبقوا في قمة، كل واحد بيستنى مصيره يبقا إزاى وبعضهم بيقولي يعني إحنا اتكتبلنا حياة جديدة، بمجرد ما اتنقلنا من السجن وروحنا سجن العقرب اللي هو حكيت فيه مشاكل أد كده لا هو بالنسبالهم سجن العقرب ده كأنه حياة، كأنه اتولد من جديد، في الكتيبة 101 في ناس كانوا بيحكوا عنها، في 3 آبار  موجودة هناك بمجرد ما بيخلصوا تعذيب فيهم يقوموا قاتلينهم ويرموهم في الكتايب، نقلاً عن الناس كانت بتقول في مدافن جماعية في 3 آبار كانت الكتيبة 101 بيقتلوا الناس ويرموهم هناك".
هذه نبذة مختصرة عن أحد أسوأ السجون المعروفة في جمهورية مصر العربية فتخيلوا معي ماذا يحدث في السجون السرية؟
بدأت هذا التحقيق بعد حادثة التعذيب التي تمت بتاريخ الثلاثاء والأربعاء 8 و9 ديسمبر 2015 والتي تمت بـ H4 بوينج 4 والتي نتج عنها إصابات وكسور وجروح شديدة للكثير من المعتقلين في هذا العنبر، والتي نظم أهالي المعتقلين على أثره وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحفيين بتاريخ الأحد 13 ديسمبر 2015 لتلتقط عدسات الصحفيين تلك الصورة لابنة أحد المعتقلين بسجن العقرب وهي تبكي أباها التي لا تعلم ماذا حدث له:
وهذه بعض المنشورات التى كتبها ويكتبها أهالي المعتقلين منذ شهور وتوثق معاناتهم (1) (2) (3) (4)
أختم الآن وأنا أتذكر صور الراحلين الذين توفوا في سجن العقرب نتيجة الإهمال الطبي ومنهم:
  1. فريد إسماعيل.
  2. نبيل المغربي.
  3. مرجان سالم.
  4. عصام دربالة.
  5. وأخيرًا عماد حسن والذي توفي متأثرًا بإصابته بسرطان المعدة داخل سجن العقرب وتم إهماله حتى توفى في ثاني أيام عيد الأضحى عام 2015.