‏إظهار الرسائل ذات التسميات اهل غزة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اهل غزة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 3 فبراير 2026

الكرامة الضائعة على معبر رفح

 الكرامة الضائعة على معبر رفح

وائل قنديل

   "خرجت للعلاج بجسدي المريض، وعدت وأنا أشعر بأنّ كرامتي تُركت              هناك على الطريق".       

يلخّص فلسطيني عائد إلى غزّة مأساة معبر رفح بمنتهى الوضوح والدقة: 

هذا المعبر المصري الفلسطيني تحوّل، بموافقة عربية إسلامية، إلى مركز تعذيب إسرائيلي، بعد إعادة فتحه، المزعومة، بشروط وضعها بنيامين نتنياهو.

أرقام اليوم الأوّل لفتح المعبر، دخولاً وخروجاً! تقول إنّ 12 مريضاً وجريحاً، جميعهم من الأطفال والنساء، وصلوا إلى قطاع غزّة الليلة قبل الماضية، في حين رفض الاحتلال دخول 38 مسافراً آخرين وأعادهم إلى الصالة المصرية، في حين قالت وزارة الداخلية في غزّة إنّ ثمانية فلسطينيين من المرضى ومرافقيهم غادروا قطاع غزّة، أول أمس الاثنين.

يروي العائدون إلى غزّة أهوالاً من الجحيم الذي استقبلتهم به سلطات الاحتلال الصهيوني، صاحبة الأمر والنهي والمنع والسماح، والمُهيمنة بشكل كامل على كلّ كبيرة وصغيرة في معبر رفح، الذي احتلته إسرائيل قبل نحو عشرين شهراً، وصار بالفعل معبراً إسرائيلياً تُرتكب فيه فظائع مهينة مثل تلك التي تحدث في المناطق التي يداهمها ويسيطر عليها الاحتلال في قطاع غزّة ومدن الضفة الغربية، وعلى الرغم من ذلك يصرّ  الوسطاء والضامنون على أنّنا بصدد إنجاز تاريخي لمصلحة الشعب الفلسطيني المحاصر.

السيادة على معبر رفح انتقلت عملياً من مصر والحكومة الفلسطينية إلى حكومة نتنياهو ومليشيات العملاء التي تمارس كلّ أشكال الامتهان والتنكيل بحقّ نساء غزة العائدات إلى قطعة غزّة صحبة أطفالهن، فيما يتقلّص الدور المصري، صاحب السيادة الأصلي، إلى تقديم المساعدة الأمنية للجانب الصهيوني، من خلال فرز أسماء العائدين ورفعها إلى جهاز الشاباك الإسرائيلي للبتّ في دخول أو رفض دخول من يشاء.

تلك الشروط التي وضعها بنيامين نتنياهو من أجل بدء التشغيل التجريبي للمعبر تمثّل إهانة لكلّ الأطراف، وعلى الرغم من ذلك تتفنّن الأوساط السياسية والإعلامية الصهيونية في تصدير صورة زائفة عن أنّ فتح المعبر هو منتهى التنازلات التي تمسّ بالسيادة الإسرائيلية، لأنّه لم يتم تدمير المقاومة الفلسطينية بعد.

إجمالاً، يمكن القول إنّ النافذة الوحيدة التي يطلّ منها فلسطينيو قطاع غزّة إلى الخارج صارت خاضعة للهيمنة الإسرائيلية التي باتت تنظر إلى غزّة باعتبارها منطقة نفوذ للاحتلال بعد سلخها عن الإطار العام للقضية الفلسطينية، ويتجسّد ذلك في رفض بنيامين نتنياهو رفع أيّة أعلام أو شعارات تقول إنّ غزة جزء من مشروع الدولة الفلسطينية، التي ترفضها إسرائيل، حيث شنّ هجوماً على اللجنة الوطنية لإدارة غزّة بسبب قرارها تحديث شعارها ليُطابق شعار السلطة الفلسطينية، والتي هي، شئت أم أبيت، رمز المشروع الوطني الفلسطيني أمام العالم، بصرف النظر عن أنّ أداءها السياسي والأمني الذي يجعلها جزءاً من المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

في هذه الأثناء، يواصل الاحتلال تكريس مليشياته العميلة في غزّة بديلاً أمنياً لسلطة محمود عباس، ويمنحها أدواراً رئيسة في تصفية المقاومة والتنكيل بالبيئة الشعبية الحاضنة لها، وهو ما يعني إجرائياً توسيع وتعزيز السيادة الإسرائيلية على القطاع، من معبره إلى عمقه، في الوقت الذي لا يملك فيه الوسطاء والضامنون العرب والمسلمون غير مناشدة "الرئيس القدوة" دونالد ترامب وإدارته الضغط على نتنياهو للتوقّف عن انتهاك ما تمّ الاتفاق عليه، على الرغم من أنّهم جميعاً يعلمون أنّ المبدأ الحاكم للاستراتيجية الإسرائيلية هو أنّ الاتفاقات تُبرم لكي تنتهكها إسرائيل.

الحاصل فعلياً الآن أنّ ما توصف بالمرحلة الثانية من اتفاق غزّة حصرت المسألة الفلسطينية في جوانب إنسانية تتعلّق بدخول وخروج جرحى العدوان، وإدخال المساعدات، بعيداً عن أصل الموضوع وجوهر الصراع: 

إنهاء الاحتلال وليس تلطيف ممارسات الاحتلال، في ظلّ صمت عربي مُشين، تقطعه تصريحات للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، يبدو فيها عربياً أكثر من الأمين العام للجامعة العربية وإسلامياً أكثر من رئيس منظّمة التعاون الإسلامي، فيعلن أنّ 

"الاحتلال يجب أن ينتهي وحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة      للتصرّف يجب أن تتحقّق، وأنّ غزّة جزء من الدولة الفلسطينية ويجب أن تبقى كذلك".                            

قالها غوتيريس حين صمت العرب.

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

ائتلاف المآذن

  ائتلاف المآذن

د. أسامة الأشقر

مؤرخ وروائي فلسطيني



1- هناك وحشةٌ في النزوح لا يدركها إلا الواقع فيها، فكل شيء بين الخيام والأنقاض أو بين البيوت المؤقتة يدفع المرء إلى الكآبة، وكل فراغ كان المرءُ يجد فيه السعةَ يغصّ بالقاطنين اللاجئين، فلا يجدُ المرءُ المَكْدود ما يختلي به لينفّس عن ألمه، فهو مشغول الحواسّ دائماً بصياح الصغار، ومطارق الأدوات المكوّمة على بعضها، ولا توجدُ خيمةٌ تكتمُ الكلام داخلَها، فكل كلمة فيها مسموعة في الخيام التي تحيط بها.

2- وبعد أن تهدّمت مئات المساجد، وخرّت سقوفها وجدرانها، وانتقَضت المآذنُ المرتفعة، وهالت القباب المستديرة، أصبحتَ تسير ساعات طويلة بين هذا الوجع الممتدّ فلا تكاد موضعاً تصلي فيه جماعةً، أو تجلس فيه لسماع موعظة، أو تختلي فيه لتناجي ربّك، وتدعوه.

3- وأحسب أن من أهم مشروعات الدعم النفسي اليوم أن نؤسس المصلّيات بين البيوت، وأن نخصص مواضع نعيد فيها رفع المآذن، يأوي إليها العابدون الباحثون عن السكينة وراحة البال ونقاش الأحوال، وتعزيز الشراكات الميدانية بين المانحين والمحتاجين؛ فهلّا ابتدَر القائمون على أمر النزوح والطوارئ، والمبادرون في الإيواء إلى إصلاح بال الناس بخصيص مواضع للمساجد الصغيرة والمصلّيات المؤقتة ذات الكلفة المحدودة حتى تَعْمُر القلوب، وتستعيد حريّتها وإرادتها واستقلالها!

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2025

وصاية دولية على المقاس الإسرائيلي.. قراءة في القرار الأمريكي/ الدولي لتصفية فلسطين

وصاية دولية على المقاس الإسرائيلي.. 
قراءة في القرار الأمريكي/ الدولي لتصفية فلسطين
ساري عرابي






""منح إسرائيل الحق في احتلال أجزاء من غزّة بلا نهاية واضحة"              

 تحيي الأمم المتحدة عبر مجلس الأمن، وبدعم من الدول العربية، نظام الوصاية من جديد، باعتماد مشروع قرار أمريكي يفرض مجلسا للسلام لإدارة قطاع غزّة، ويتمتع بقوة إنفاذ مسلحة في إطار صلاحيات مجلس السلام. هدف مجلس السلام هذا بقوّته المسلحة، نزع سلاح المقاومة، وتدمير بناها التحتية، التي سماها بنى إرهابية، وتنظيم الانسحاب الإسرائيلي طويل الأمد من قطاع غزّة؛ وفق الرضا الإسرائيلي عن مستوى عمليات التدمير الممنهج للمقاومة في غزة، مع ضمان استمرار الاحتلال الإسرائيلي لما سماه القرار بالمحيط الأمني، الذي لا تحكمه أيّ أجندة واضحة لإنهائه، سوى القول إنّه "سيظل قائما إلى حين تأمين غزة على نحوٍ كافٍ من أي تهديد إرهابي متجدد"، مما يعني منح "إسرائيل" الحق في احتلال أجزاء من غزّة بلا نهاية واضحة.

ترتيبات الانسحاب مشروطة بالتقييم الإسرائيلي، والقوّة التابعة لمجلس السلام مشروطة بالعمل مع "إسرائيل" ومصر، وبالضرورة فإنّ القوة الشُرطية الفلسطينية، المزمع إنشاؤها، ستكون خاضعة للمنظومة نفسها، بما في ذلك لمبدأ العمل مع "إسرائيل".

ترتيبات الانسحاب مشروطة بالتقييم الإسرائيلي، والقوّة التابعة لمجلس السلام مشروطة بالعمل مع "إسرائيل" ومصر، وبالضرورة فإنّ القوة الشُرطية الفلسطينية، المزمع إنشاؤها، ستكون خاضعة للمنظومة نفسها، بما في ذلك لمبدأ العمل مع "إسرائيل"

القرار يفرض الوصاية على مجال السلطة الفلسطينية كله لا على غزة، إذ يربط استئناف أيّ مسار سياسي بالإصلاحات المطلوبة من السلطة، ويجعل هذا الاستئناف غير مؤكد بحسب صيغة القرار التي كانت بهذا النحو: "وبعد تنفيذ برنامج إصلاح السلطة الفلسطينية على نحوٍ أمين وتقدّم أعمال إعادة تطوير غزة، قد تتوافر الشروط أخيرا لبلورة مسار موثوق نحو تقرير المصير وقيام دولة فلسطينية". وهذا المسار غير المؤكد استئنافه، حتى بعد حصول شروطه: "تنفيذ السلطة لبرنامج الإصلاح المطلوب منها، وتقدم إعادة تطوير غزة"؛ يستند في مرجعياته إلى خطة ترامب لعام 2020، التي سميت إعلاميّا "خطة القرن"، وهي الخطة التي رفضتها السلطة الفلسطينية في حينه، والمقترح السعودي الفرنسي، وبالرغم من ذلك فإنّ سفير الجزائر في الأمم المتحدة، وهي عضو مؤقت في مجلس الأمن، وممثل للمجموعة العربية، تحدث عن تعديلات عربية على القرار الأمريكي وصفها بأنها "تعديلات أساسية لضمان التوازن والنزاهة في النص"، منوها إلى دعم الدول العربية والإسلامية ودعم السلطة الفلسطينية لهذا القرار.

التعديلات العربية لا تطال أبدا المقترح الأمريكي بخصوص تصفية المقاومة في قطاع غزة، وتثبيت الهيمنة الإسرائيلية على قرارات مجلس السلام والقوّة المسلحة الملحقة به، وترتيب الانسحاب الإسرائيلي المنقوص وفق القناعات الإسرائيلية، ولكنه بالدرجة الأولى يتعلق بتضمين القرار نصوصا عن خطة سلام وعن تقرير المصير والدولة الفلسطينية، دون أن تتسم هذه النصوص بالجزم والإلزام، مع جعل الأمر محتملا، ومنوطا بالالتزام الفلسطيني بقرارات الوصاية الدولية، وهو الأمر الذي تحكم فيه "إسرائيل" حصرا، مما يجعل هذا التضمين كله محض شكليّ، وبما يحسّن الصورة العربية عند موافقتها على قرار من هذا النوع، ويحقق الغرض العربي/ الإسرائيلي المشترك بتصفية المقاومة في غزة، وهو قرار بالضرورة تدعمه باكستان، العضو المؤقت الآن في مجلس الأمن، وإحدى الدول الثماني الداعمة لخطة ترامب الأصلية، وإندونيسيا وهي واحدة من تلك الدول الثماني، وكذلك تركيا.

إنّ أحسن ما تمكنت الدول العربية والإسلامية مجتمعة من الوصول إليه هو تصفية المقاومة في قطاع غزة، بقرار دولي، وفي هذه الحالة ستُعزل المقاومة إقليميّا ودوليّا إن عاندت هذا القرار الدولي، وذلك بعد سنتين من الإبادة الواقعة على جميع الغزيين، وسنتين من الصمود الأسطوري للمقاومة الغزية المحاصرة، التي كانت بمجرد هذا الصمود تفيد الدول العربية والإسلامية بأنّ بالإمكان رفض الاستسلام للإبادة الإسرائيلية، ورفض الخضوع للهيمنة الأمريكية. بيد أنّ الواقع العربي والإسلامي كانت استفادته من الإبادة، والمقاومة الصامدة في قلبها؛ هي العكس تماما، فقد اتجه إلى تصفية المقاومة، وفصل قطاع غزّة عن الضفة الغربية، مقابل وقف الإبادة.

ما تمكنت الدول العربية والإسلامية مجتمعة من الوصول إليه هو تصفية المقاومة في قطاع غزة، بقرار دولي، وفي هذه الحالة ستُعزل المقاومة إقليميّا ودوليّا إن عاندت هذا القرار الدولي، وذلك بعد سنتين من الإبادة الواقعة على جميع الغزيين

منذ طرح ترامب خطته في أيلول/ سبتمبر الماضي لوقف الإبادة في غزة وتبنيها من الدول العربية والإسلامية الثماني، والمسار معلوم المآل، وخطته هذه هي مرجعية التنفيذ لمجلس السلام وقوته المسلحة بحسب القرار الأمريكي الذي جرى إقراره أخيرا في مجلس الأمن. لكن ومع وضوح هذا الأمر -أي تراوح الموقف العربي/ الإسلامي بين العةجز والتواطؤ- فقد تفاخرت دول عربية وإسلامية بدعمها للشعب الفلسطيني، وجهودها للتصدي لـ"إسرائيل" أثناء الإبادة، وتجند لترويج هذا الفخر العديد من الشخصيات والكيانات، وهو ما كان واضحا في الدعاية المصرية بخصوص مؤتمر "شرم الشيخ"، أو الدعاية السعودية بخصوص المقترح السعودي/ الفرنسي، أو الدعاية التركية التي تجد عادة في أوساط العرب والإسلاميين من يتكفل بالترويج لها. ومن اللافت أن تركيا دخلت متأخرة إلى صفّ الوساطة، مما يعني أنها ساهمت، مقابل مكاسب تحصلها لذاتها، في تسهيل تمرير الخطة الأمريكية على الفلسطينيين.

بالضرورة يتأكد التواطؤ الآن بدعم قرار مجلس الأمن، بحيث يبدو أنّ الغالب على الدول العربية والإسلامية المراوحة في نواياها بين الرغبة في التخلص من المقاومة في فلسطين، حيث إنّ الأمر ليس منحصرا في غزة، وإخراج الموضوع الفلسطيني من الاهتمام الجدّي، وأنّ رضا الولايات المتحدة وإراحة الرأس من هذا الضجيج أهمّ من حقوق الفلسطينيين وآلامهم وأوجاعهم.

لكن وبما أنّ ثمّة مراجعة عكسية لعملية السابع من أكتوبر، بسبب الإبادة التي اقترفتها "إسرائيل" والمآلات السياسية محلّ الحديث، وبنحو يعزز مواقع السلطات السياسية في البلاد العربية؛ بحيث تتطابق في هذه البلاد السلطة مع الدولة، فإنّ ما ينبغي قوله، ليس فقط إنّه لولا هذه المراوحة ما بين العجز والتواطؤ ما كان أبدا لهذه المآلات أن تكون بهذا النحو، بل أيضا الطعن في شرعية هذه السلطات المتعاقبة على هذه الدول، لأنّها لم تنجح طوال عقود في أن تؤسس لنفسها ذوات إمّا متحررة بقدر معقول من الهيمنة الأمريكية، وإمّا قادرة على الفعل، وهو ما يعود بالتحليل إلى القول إنّ هذه الدول بسلطاتها المتعاقبة عليها؛ ما تزال في طور الحالة الاستعمارية بالفعل والخضوع والوكالة.

x.com/sariorabi      


رحلة غامضة لفلسطينيين إلى جنوب أفريقيا.. ما قصتها؟

  رحلة غامضة لفلسطينيين إلى جنوب أفريقيا.. ما قصتها؟

على متن رحلات غامضة نظمتها جهة مجهولة نسبيا تدعى "المجد أوروبا"، وجد مئات الفلسطينيين من قطاع غزة أنفسهم يعبرون الحواجز والحدود بلا وجهة معروفة، قبل أن يهبطوا في جنوب أفريقيا، الدولة التي فوجئت بوصولهم كما فوجئوا هم تماما، كما جاء في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ومن هؤلاء أحمد شحادة، طبيب غزّي تلقّى اتصالا من شخص زعم أنه يعمل لدى منظمة إنسانية قادرة على تأمين مخرج آمن لعائلته من حرب لا تنتهي. بدا العرض أقرب إلى احتيال: 1600 دولار للشخص تودع في محفظة عملات مشفّرة، دون أي تفاصيل واضحة، لكن عندما علم أن صديقا تمكن من المغادرة بالطريقة نفسها، قرر المجازفة.

هكذا بدأت رحلة محفوفة بالقلق استمرت 24 ساعة، تحركت خلالها العائلة في حافلتين منفصلتين، بنوافذ مغلقة وتعليمات صارمة بعدم استخدام الهواتف، مع توجيه غريب بأن يصرحوا للقوات الإسرائيلية بأنهم ضمن "إجلاء فرنسي".

عند معبر كرم أبو سالم، أُجبروا على ترك كل ما يملكون، قبل أن يُنقلوا إلى مطار رامون في صحراء النقب، ليصعدوا إلى طائرة لا يعرفون وجهتها.

وحين أقلعت، اكتشفوا في منتصف الطريق أنهم متّوجهون إلى العاصمة الكينية نيروبي، ومنها إلى جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا.

وما إن وطئت أقدامهم أرض جوهانسبرغ في 28 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حتى منحوا دخولا اعتياديا، في حين كان آخر ما تلقته العائلة من "المجد" هو رسالة تفيد، أن مكان إقامتهم حُجز لأسبوع واحد فقط، رغم أن الاتفاق أصلا كان شهرا كاملا.

ونفس الغموض اكتنف الرحلة التالية، وكان على متنها لؤي أبو سيف الذي علق على ما حصل له: "لم نكن نعرف حتى إلى أين نحن ذاهبون".

هذه المجموعة الأخيرة ظلت ساعات داخل الطائرة بسبب تأخر السلطات في حسم وضعهم القانوني، قبل أن تسمح لهم بالدخول بفضل تدخل منظمات محلية.

وفي رسالة اطلعت عليها نيويورك تايمز على موقع منظمة "المجد أوروبا" الإلكتروني يوم الاثنين، تقول هذه المؤسسة، إنها تعمل كالمعتاد وتواصل تقديم خدماتها، وتحذر من عمليات احتيال إلكتروني باستخدام اسمه، لكنها لم تُجب عن المكالمات والرسائل الواردة إلى أرقام الهواتف المذكورة، وفقا للصحيفة.

ورغم الزوبعة السياسية التي أثارتها هذه الرحلات، تظل أكثر صور القصة إنسانية، وفقا للصحيفة، هي تلك التي يقدمها أحمد شحادة عندما يتحدث عن ابنته الصغيرة، التي اكتشفت لأول مرة معنى العيش خارج الحرب: الدخول إلى متجر، شراء الطعام، أو شحن الهاتف من الحائط، تفاصيل بسيطة كانت بالنسبة لها مجرد مقاطع على يوتيوب.

  قالت لوالدها بدهشة طفولية:         

"بابا… إحنا عايشين زي حياة اليوتيوب"

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

مرآة من دم وروح.. غزة في مواجهة سقوط العالم وفناء العرب

 مرآة من دم وروح.. غزة في مواجهة سقوط العالم وفناء العرب

ساري عرابي 

"المرآة الغزية، مرآة من دم وموت ودمار وجوع وتشريد"



تفوق الملحمة الغزية، بطولة ومأساة، أي استنتاج يمكن الخروج به عن هذا العالم، نحن، وعالمنا القريب، وعالم البشر الواسع، بيد أنّه لا مناص من ملاحظة دلالة هذه الملحمة، على الوضع الموجب للمقت الذي بلغته البشرية انحدارا، وانزياح المعنى بنحو مريع عن العرب والمسلمين، ليسقط في هاوية خلف العالم كله. فقد ظلّ العرب والمسلمون يواسون أنفسهم، أنّهم وإن تخلّفوا عن الحضارة الغربية عسكريّا وسياسيّا وتقنيّا فإنّ لديهم ما يقدّمونه للبشرية، وهو ما ينقص هذه البشرية، أي الروح التي يُجلّونها للبشرية قيما وأخلاقا، وبهذه الروح يمكنهم استعادة مكانتهم في التدافع الحضاري.

وبالرغم من أنّ مسار التردي كان شديدا في سرعته، قبل يوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بما يستوجب الملاحظة وتوقع مآله الأخير، إلا أنّه استعلن حقيقته النهائية في المرآة الغزية، مرآة من دم وموت ودمار وجوع وتشريد، وبطولة فريدة، كادت أن تكون وحيدة في العالم كلّه، إذ استثنت نفسها بأهلها مما يوجب المقت، فكانت بقية الروح، والآدمية، وآخر ما تبقى في البشر من معنى، وهذا ممّا يزيد الألم ألما، أي أن تكون هذه الدماء البريئة مرآة تكشف ذلك القبح، وأن تدفع هذه البقية الشريفة الثمن كاملا من ذاتها لاستنقاذ هذه الأمّة مما تسرع إليه في إعدام نفسها.

الدول التي أمعنت في التخلي عن فلسطين، لم تزدد بذلك قيمة سياسية، ولا نهضة اقتصادية، ولا يمكن عدّ الاقتصاد الريعي المستند إلى الثروات الطبيعية صعودا ذا قيمة، ما دام أصحابه غير قادرين على التعبير عن أنفسهم، لا خارج الشرط الأمريكي، بل الآن خارج الشرط الإسرائيلي نفسه، في افتقاد كامل للذات


امتلكت فلسطين من هذه الجهة، من قبل نكبتها، أي منذ الانتداب البريطاني عليها، وتمييزها بوضع مختلف عن بقية جاراتها العربيات المصطنعات على عين سايكس- بيكو؛ الوضوح الشديد في وصف الراهن البشريّ، إذ لا يمكن أن تتشكل واقعة استعمارية بالنحو الذي حصل في فلسطين، في الزمن الذي حصلت فيه؛ إلا في وضع من الانحراف البشري شديد الشذوذ، وحين ضعف عربي/ إسلامي بالغ، يصل حدّ خروج العرب والمسلمين من التاريخ، وتجرّدهم من المعنى، وتحوّلهم إلى مجرد زائد لا يزيده النفط والمال وأعداد البشر وزنا في هذا العالم، فقط فلنضع "إسرائيل" في كفة، ودول العرب والمسلمين كلها في كفها، إنّها وبالرغم من أنّها لا يمكن لها أن تقاربهم في مالهم ونفطهم وثرواتهم وأعدادهم فإنّها تثقل في ميزان الفعل والتأثير وتطيش تلك الدول كلّها بلا وزن ولا تأثير.

كان الاقتراب من فلسطين، والفعل من أجلها، الشيء الوحيد الذي يمنح هذا الجسد الكبير المترهل الأمل، في أن يتحوّل إلى شيء ذي قيمة، أن يستعيد دوره بوصفه حامل الروح للبشرية، والأمين على آدميتها، لأنّه، من جهة يفترض به وراثة الرسالة الخاتمة، وإرشاد البشرية إلى الحقّ والصواب، ومن جهة ثانية هذا الذي يمكنه أن يقدّمه فعلا للبشرية، ومن جهة ثالثة لأنّ الواقعة الاستعمارية النافرة نتوءا في قلبه لا تأتي بالشرّ والأذى لا على سكان فلسطين وحدهم، ولكنها تأتي عليه بالتخلف والذلّ والتبعية وفقدان الوزن، ومن جهة رابعة لأنّه ليس له أن ينسى الأثر الاستعماري عليه بعدما قطعه الاستعمار عن أن تكون له إرادة حرّة في اختيار مستقبله ومصيره بلا فاعل خارجي، وقد تقلب عليه هذا الاستعمار من الاحتلال المباشر إلى ما هو أكثر شرّا، إذ جعل الاستقلال دالا على إمعانه في السخرية من هذا الجسد المترهل الكبير.

وكلما ابتعد هذا الجسد المترهل الكبير عن فلسطين، كلما صار إلى لا شيء، في مفارقة صارخة، تكاد تنسف المنطق نفسه، لاجتماع الشيء وضده في حقيقة هذا الجسد الكبير، فهو كبير ولا يكاد يُرى في الوقت نفسه، ثقيل إلا أنّه خفيف بلا وزن، في حالة معبرة عن استحقاق المقت، فإنّ هذا الابتعاد الماضي في طريقه، لم يكن ماضيا صوب أيّ شيء ذي مغزى، فالدول التي أمعنت في التخلي عن فلسطين، لم تزدد بذلك قيمة سياسية، ولا نهضة اقتصادية، ولا يمكن عدّ الاقتصاد الريعي المستند إلى الثروات الطبيعية صعودا ذا قيمة، ما دام أصحابه غير قادرين على التعبير عن أنفسهم، لا خارج الشرط الأمريكي، بل الآن خارج الشرط الإسرائيلي نفسه، في افتقاد كامل للذات.

فقدُ الذات هذا يتخذ ملامح شديدة الخفة كما في المكايدات العربية البينية، حينما تدفع الحكومات لجانها الإلكترونية لمكايدة دول أخرى، ويصبح المجال الفني حقلا لاصطناع الوزن الزائف لدولة مقابل أخرى، كما في حكاية الممثل المصري محمد سلام، الذي اتخذ موقفا نبيلا منبعثا من عاطفته تجاه الغزيين المطحونين بالإبادة بحيث سلبت منه عواطفه هذه قدرته على التمثيل في مسرحية في "موسم الرياض"، الأمر الذي أجلسه في بيته سنتين، وهو موقف لا يستحق إلا الاحترام، بيد أنّ الرداءة حينما تبلغ منتهاها تقطع العجب من أن يَعدّ عربيٌّ ذلك إساءة له، ثم تردّ له دولته أخيرا الاعتبار في سياق المكايدة للدولة التي تأذت من موقفه الأخلاقيّ ذاك.

صار عند بعضهم الالتحاق بهذا الخطّ غاية النجاح، بينما من عاند الواقعة الصهيونية في فلسطين، بدا أثناء المواجهة الأخيرة وكأنه غفل ردحا من الزمن عن مقتضيات المواجهة من التيقظ الدائم


غير بعيد عن هذا استعادة التأسيس الاستعماري للوطنيات العربية الراهنة، بالطمس الكامل، أو الضمني، لما جعل للعرب قيمة في هذه المنطقة، أيّ الرسالة الخاتمة، بوصفها رسالة، رسالة ماضية في العالمين، حافظة لهم الروح الآدمية، وهكذا يجري تجاوز ما مَنح لهذه المنطقة قيمتها ومعناها ووهب لها دورها ووظيفتها، إلى ما قبل ذلك، إلى الوثنيات الغابرة، والأزمنة البائدة، وهو أمر باتت تتنافس فيه دول هذه المنطقة، لا لأجل الاتصال بالتاريخ، وإعادة فهمه واستكشافه، بل للتأكيد على أمرين: تلك الوطنيات بما هي انفصال قيمي وأخلاقيّ، بقدر ما هي انفصال سياسي، والثاني: القطيعة عمّا يمكن أن يقطع ذلك الانفصال ويعيد الجامعة الأخلاقية، والرابطة الروحية، لسكان هذه المنطقة، وبهذا يصير البعد عن فلسطين شرطا ضروريّا لأجل ذلك الانفصال، وهو أمر يتطلب أن يصير الإسلام ضدّ الإسلام، بخلق نسخ منه يعاد تكييفها لخدمة هذا الخطّ، أي خطّ نبذ الرسالة والقيم والأخلاق والرابطة الإيمانية والمسعى لاستنقاذ البشرية.

صحيح أنّ موازين القوى لم تكن خادمة لمن يفترض فيهم ملاحظة ذلك والعمل ضدّه، ألا أنّهم أيضا لم يكونوا على قدر المسؤولية، بمختلف أطيافهم وأطرافهم، فإنّ ما أنتجوه من فقه استضعاف وضرورة؛ تحوّل إلى مبادئ تأسيسية أعادت صياغة حركتهم، وهكذا صار عند بعضهم الالتحاق بهذا الخطّ غاية النجاح، بينما من عاند الواقعة الصهيونية في فلسطين، بدا أثناء المواجهة الأخيرة وكأنه غفل ردحا من الزمن عن مقتضيات المواجهة من التيقظ الدائم.

إنّ التفاهة الطافحة من مواقع التواصل الاجتماعي العربية، ورعاية أصحابها بوصفهم مؤثّرين، لم تكن فقط نتاج قوّة رأس المال العاري من أيّ قيمة سوى المال، وحراسة دول القطيعة مع الرسالة لهذه التفاهة ورعايتها، ولكنها أيضا نتاج ضعف مقاوميها، لأنّ التفاهة في جانب منها تسللت إليهم، إذ غلب عليهم التكيف والمداراة حتى صارت الفهلوة منهجا، وهو شأن الكثير من الإسلاميين، بينما اكتسحت الأنانيات والعصبويات والغرور آخرين، وهكذا تبدو آخر السرديات الكبرى في البشرية -التي ظلّت تتشبث بدورها عبر سكان هذه المنطقة- وكأنّها اليوم تذوي بعدما فشل أهلها في حملها وإنفاذها عملا في امتحان غزة.

x.com/sariorabi

الثلاثاء، 21 أكتوبر 2025

من على شاطئ غزة ومن قلب القدس

 من على شاطئ غزة ومن قلب القدس

كاتب وصحفي تركي.

كنت أظن أن كثيرا قد تغير منذ زيارتي الأخيرة إلى القدس قبل سبع سنوات. ليس فقط في القدس، بل في العالم كله تغير الكثير خلال هذه المدة.
لكن ما أثار في نفسي الحماسة هو أنني هذه المرة سأطأ أرض فلسطين، التي تمنيت زيارتها منذ اندلاع حرب غزة، ولم يسعفني الوقت أو الظروف للذهاب إليها سابقا.

بالنسبة للصحفي، أن يكون في قلب الحدث، أن يعيشه، وأن يكون في منبعه، لعله أكثر ما يثير الحماسة في هذا العمل.

وكانت زيارتي هذه تكتسب أهمية إضافية، لأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان سيزور القدس في اليوم التالي لوصولي.

كما أن العلاقات التركية-الإسرائيلية، إلى جانب مقالاتي ومنشوراتي السابقة، كانت تثير احتمالية مواجهتي مشاكل أثناء وجودي هناك.
بسبب إغلاق الرحلات المباشرة من تركيا، وصلت إلى تل أبيب عبر أثينا، وبدأت أشعر بتوتر الأجواء منذ لحظة وصولي. ومن لحظة مروري عبر ضباط جوازات السفر، لاحظت أن المعاملة قد تغيرت لمجرد أنني تركي.

معاملة سيئة خاصة للأتراك

كان ضابط الجوازات يسألني بأسلوب عدائي للغاية، ثم قال لي: "علينا أن نطرح عليك مزيدا من الأسئلة"، وأخذ جوازي وأحالني إلى غرفة أمنية خاصة.
سألته: "لماذا تفعلون هذا بي ولم تفعلوه مع الآخرين؟"، فأجاب: "نسألك ما نشاء، أنت تدخل بلدي، ومن حقي أن أسألك".

بعد انتظار عند الباب، خضعت لتحقيق عدواني أكثر من قِبَل موظفَي أمن مدنيين. كانت هناك أسئلة تقليدية مثل سبب مجيئي ومدة بقائي، وأخرى بصيغة مزعجة مثل:

  • ما الأخبار التي ستغطيها؟
    سأتابع خطاب ترامب.
  • ترامب سيغادر خلال 24 ساعة، ماذا ستفعل بعد ذلك؟
    هناك تبادل للأسرى، سأغطيه.
  • هذا ليس تبادلا، بل تبادل مخطوفين. وماذا بعد؟
    أنا صحفي، وهنا مركز الأخبار، أستطيع أن أكتب وأنتج الكثير.
  • بالنسبة لي، أنت لست صحفيا.
    معي بطاقة صحفية دولية، وقد قدمت طلبا لمكتب الصحافة التابع لرئاسة الوزراء لديكم. هذه البطاقة معترف بها في أوروبا وأميركا.
  • أوروبا وأميركا لا تهماني، أنت في إسرائيل، وهنا لست صحفيا. أمنحك إذنا ليومين فقط، ثم تغادر البلاد.
    يومان لا يكفيان، ما السبب؟
  • لأني أنا أريد ذلك…


وسلمني بطاقة دخول ليومين فقط كتبها بخط اليد على ورقة صغيرة، وهو يرمقني بنظرة مليئة بالازدراء.

أبلغت قناة NTV التي أعمل بها ووزارة الخارجية التركية فور خروجي من المطار، وتبين لاحقا أن هذه أول مرة يُمنح فيها إذن دخول لمدة يومين فقط، وأنه وضع غير مقبول. خاطبت الوزارة والقناة الجهات المختصة، وبعد جهود طويلة تم تمديد المدة إلى 15 يوما.

كانت ساعاتي الأولى في إسرائيل مشحونة بالتوتر، وهو ما استمر طوال الأيام الأربعة التي قضيتها هناك. فالدولة تعيش في جو حرب متفجر، والكل متوتر، أما أفراد الأمن، فحين يعلمون أنني تركي، كانوا يعاملونني بفظاظة وعدائية شديدة، خاصة شرطة المسجد الأقصى.

حين علم أفراد الشرطة عند أبواب المسجد أنني وصديقَي تركيون، ازدادت وقاحتهم ومنعونا من الدخول، بل وصرخوا قائلين: "عودوا إلى تركيا!"
اعترضت أنا وزميلي عثمان تَرْكَن، لكن دون جدوى. حاولنا الدخول من باب آخر، فصدونا مجددا.

"لم يبقَ الكثير"

على ما يبدو، لاحظ أحد الفلسطينيين- كان يملك متجرا قريبا من بوابة المسجد الأقصى- سلوك الشرطة العدائي تجاهنا، فرفع رأسه عن الكتاب الذي يقرؤُه وقال: "اليوم سيؤدي بن غفير طقوسا دينية في الداخل، لذلك أغلقوا المسجد. سيفتحونه الساعة 15:00، تعالوا عندها".

لفت انتباهي هذا الرجل الهادئ بنظارته التي ينظر بها، فقد كان يتحدث التركية بطلاقة، وعرفت أنه تعلمها في معهد يونس إمره الذي كان يوما مفتوحا في القدس.

حين رآنا حزينين ومنزعجين من المعاملة، قال جملة أثرت فيّ كثيرا: "لا تحزنوا، لم يبقَ الكثير".

كانت هذه الكلمة بمثابة إعلان عن إيمانه الراسخ بقضية فلسطين، وصموده في وجه الاحتلال. لم يكن يثق في خطة ترامب للسلام، بل كان يؤمن بأن القضية الفلسطينية تزداد قوة عالميا.

عدنا بعد الظهر، وتعرضنا مجددا لسوء المعاملة من الشرطة، لكننا تمكنا هذه المرة من دخول المسجد.

من يعيشُ تحت الاحتلال وحده يدرك حجم الألم والاستنزاف والتحديات. فالدخول إلى المسجد، أو حتى المشي في الشارع، قد تُمنع منه فجأة، لمجرد أن مزاج الجندي هكذا. قد يدفعك، يصادر هويتك، أو حتى يضربك. تخيل حال الفلسطينيين الذين يعيشون ذلك منذ سنوات طوال.

فلسطيني يستمع لخطاب ترامب

كان العالم يراقب الكنيست الإسرائيلي في القدس. ذهبنا سيرا بسبب الحواجز الأمنية، ومنع دخول الصحفيين إلى الداخل، فكانت القنوات تبث من الحديقة.

حين بدأ ترامب خطابه، استمع الجميع عبر هواتفهم. كان الخطاب، في رأيي، أحد أسوأ الخطابات التي ألقيت في زمن أزمة، في منطقة قُتل فيها 70 ألف مدني، ويُزعم أنه يدعو للسلام.

تحدث ترامب عن أن صهره يهودي، وأن ابنته اعتنقت اليهودية، ومدح وزراءه كأنه في برنامج منوعات تلفزيوني. أما أكثر ما أثار الدهشة، فحين قال إن قائد الجيش الإسرائيلي- المسؤول عن قتل 70 ألف فلسطيني- رجل "عظيم"، ودعاه للوقوف وصفق له الجميع!

ذهبت إلى متجر قرب الكنيست، ورأيت شابا فلسطينيا يتابع الخطاب على هاتفه. تساءلت: كيف يشعر هذا الشاب، وهو ينتظر نهاية الاحتلال منذ سنين، ويرى من قتل شعبه يُكرم ويُصفق له؟
لم أجرؤ على السؤال.

لكنني سألت فلسطينيين في القدس الشرقية، الضفة الغربية، ورام الله عن رأيهم بخطاب ترامب وخطته للسلام.
كلهم كانوا في قمة الغضب والتوتر، وقرأت ذلك في وجوههم. قالوا إن ترامب مهرج غير جاد، يكذب باستمرار، وإن نتنياهو لا يلتزم بأي اتفاق. كانوا غاضبين، يائسين، وممتلئين بالمرارة.

غضبهم لم يكن فقط على ترامب ونتنياهو، بل على قادة الدول الإسلامية الذين لم يتخذوا موقفا حقيقيا ضد هذه الإبادة.

على حدود غزة أمام بقايا مجزرة

بالنسبة لي، شوارع القدس القديمة هي أجمل بقاع الأرض. آثار التاريخ تُرى واضحة في الحجارة.
جلست ذات مساء على حجارة قديمة في زقاق جانبي، وكنت أفكر في مدى الحزن الذي يملأ وجوه الناس في كل فلسطين التي زرتها.
وحين تذكرت المعاملة السيئة التي تعرضت لها أنا شخصيا، شعرت أن الفلسطينيين الذين يواجهون أضعاف ذلك منذ عقود يعيشون مقاومة بطولية حقيقية.

في الصباح، كانت وجهتنا الأولى نحو حدود غزة، وتحديدا منطقة سديروت، قرب شمال غزة. شاهدت بقايا سيارة محترقة من معارك السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

وقفنا على بعد 500 متر من الحدود، ونصبنا الكاميرا، فقام زميلي المصور بتكبير الصورة ليريني أنقاض المنازل المدمرة في بيت حانون. شعرت بمرارة لا توصف. على بعد أمتار مني كانت واحدة من أبشع الحروب في العالم. خلق الإنسان قسوة مريعة هناك، وقُتل 70 ألف مدني. في المقابل، وعلى الجانب الآخر من الحدود، يعيش الإسرائيليون حياتهم بشكل طبيعي.

جلست على طرف الطريق، دون أن أستطيع فعل شيء، وأخذت أراقب غزة من بعيد. كانت من أكثر لحظات حياتي المهنية إيلاما. أن تشاهد غزة من بعيد، أن ترى الطائرات المسيرة والمروحيات تحلق، وأن تعرف أنها تحلق لتقتل… ذلك يترك أثرا نفسيا عنيفا في الروح.

الحديث عن السلام سابق لأوانه

كنت أتابع تصريحات ترامب ومسرحية توقيع "رسالة نوايا" من القدس المحتلة، بينما كان ترامب يواصل جولته من القدس إلى مصر. كنت أجلس في أرض، وفقا لاتفاقية أوسلو، أُعطيت للفلسطينيين، لكنها احتُلت لاحقا وسُلمت للمستوطنين الإسرائيليين.

أولئك الذين وقعوا اتفاق أوسلو حصلوا على نوبل، أما الآن فيوقَع اتفاق جديد، من دون وجود أي فلسطيني أو إسرائيلي على الطاولة. ولا يوجد فيه بند واحد يتحدث عن مستقبل الفلسطينيين أو دولتهم.

سألت أحد الفلسطينيين من عائلة تملك مطعما منذ 90 عاما في القدس القديمة عن رأيه فيما حدث في مصر، فقال: "مجرد استعراض. نتنياهو كذاب. لن يخرج من هذا شيء".

رأيت في وجوه الفلسطينيين- سواء تحدثت إليهم أم لا- الحزن، اليأس، الغضب، والعجز.

وحين بدأت المرحلة الأولى من خطة ترامب وأنا هناك، تم الإفراج عن أسرى، وتوقف القصف جزئيا، لكن إسرائيل منعت دخول المساعدات.
قال البعض: "على الأقل، لم يَعُد هناك قتلى"… ربما كان هذا هو الشيء الوحيد الذي خفف الوجع.

وحين رأيت كيف منعت إسرائيل انتشال جثامين القتلى بحجة استمرار القصف، فهمت أن هذا الاتفاق غير قابل للتطبيق. نحن إزاء دولة مريضة نفسيا لا يمكن توقيع اتفاق معها، فهي لا تفهم سوى لغة القوة.

وعندما شعرت باليأس، تذكرت كلمات ذلك الحكيم الفلسطيني: "لم يبقَ الكثير…" كانت تلك العبارة، التي تعبر عن قلب لا يثق إلا بالله، تملأ قلبي ببعض الأمل.

عائلة يهودية في طريقي إلى تركيا

عاد نمط الحياة لطبيعته في إسرائيل، خاصة لليهود. في تل أبيب وغيرها، كانت الحياة تسير كالمعتاد. أما الفلسطينيون تحت الاحتلال، فحياتهم ازدادت صعوبة. فبالإضافة إلى عنف الشرطة، باتوا يواجهون إساءة المعاملة من المدنيين اليهود أيضا.

كان السلام بعيدا عنهم، وكانوا نادرا ما يجدون دولة تقف إلى جانبهم. يذكرون تركيا، وقطر دوما باحترام ومحبة، لكن كان واضحا أنهم يشعرون بالعزلة.

ومع ذلك، فإن المظاهرات والفعاليات الداعمة لهم حول العالم- من كل الأديان والأعراق- منحتهم الأمل. لم يُرفع العلم الفلسطيني في هذا العدد من الدول منذ مئة عام، ولم تُقابل إسرائيل من قبل بهذا الكم من الغضب والرفض العالمي.

كان الفلسطينيون يعيشون بين اليأس والأمل. ولكن من يصمد كل هذه العقود في وجه قوى عالمية كبرى، ولا يستسلم، فلا بد أنه شعب فريد.


غادرت القدس بهذه المشاعر. وفي المطار، صادفت عائلة يهودية من 10 إلى 15 فردا، يرتدون القبعات الدينية، وجدائل الشعر التقليدية، والحبال المعلقة على خواصرهم- من الواضح أنهم متدينون للغاية.

ركبنا الطائرة نفسها. لاحقا، اكتشفت أنهم يتحدثون التركية.
سافروا إلى أثينا ثم إلى إسطنبول، ونزلوا من الطائرة دون أن يعترضهم أحد، ركبوا سيارتهم وتوجهوا إلى منازلهم في إسطنبول. أنا واثق أنهم سيذهبون إلى الكنيس ويؤدون صلاتهم دون أن يعترضهم أحد.

ذلك هو الفرق الأخلاقي بيننا وبينهم… بكل وضوح.

الجمعة، 17 أكتوبر 2025

لا يوجد فارس أبيض قادم. على الفلسطينيين اغتنام هذه اللحظة لاستعادة مستقبلهم.

لا يوجد فارس أبيض قادم. على الفلسطينيين اغتنام هذه اللحظة لاستعادة مستقبلهم.

إن مسرحية اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، التي قادها ترامب وبدعم من الدول العربية المتواطئة، لن تضع الأساس للتحرير الحقيقي.


عندما خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن النص في خطابه الأخير أمام الكنيست، كشف عن أكثر مما كان مفيداً لمصالح إدارته أو إسرائيل .

وقد تم تصميم هذه الجولة لتكون بمثابة جولة انتصار للرجلين - الإمبراطور ترامب ووكيله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لقد كانوا يحتفلون بالنصر ليس فقط على حماس في غزة، أو حزب الله في لبنان ، أو الحرس الثوري في إيران ــ بل على مدى الثلاثة آلاف عام الماضية من التاريخ، سواء كان حقيقيا أو توراتيا.

ولم تكن جورجيا ميلوني، رئيسة الوزراء الإيطالية التي كان من المقرر أن تلتقي ترامب بعد ساعات قليلة في شرم الشيخ في مصر ، تعلم أن ترامب ونتنياهو كانا قد لعقا للتو الإمبراطورية الرومانية أيضًا، لأنها طردت اليهود قبل ألفي عام.

لقد أضاف ترامب، خارج النص، إلى هذا المهرجان من التهنئة الذاتية بعض الحقائق المحلية.

وكشف عن مدى اعتماد إسرائيل على الأسلحة الأميركية، متذكراً كيف توسل نتنياهو للحصول على أسلحة لم يكن ترامب يعلم حتى أن الولايات المتحدة تمتلكها.

وذكّر إسرائيل بمدى صغر حجمها وأنها لا تستطيع محاربة الرأي العام العالمي.

وأكد كيف نجح في الضغط على نتنياهو لوقف الهجوم على غزة: "وقلت له: بيبي، سوف يتذكرك الناس بهذا أكثر بكثير مما لو استمررت في هذا الأمر، مستمراً، مستمراً، قاتلاً، قاتلاً، قاتلاً".

وكشف كيف أن الزوجين المليارديرين اليهود الأميركيين ميريام وشيلدون أديلسون "قاما برحلات إلى البيت الأبيض أكثر من أي شخص آخر يمكن أن يفكر فيه، وكيف كان الراحل شيلدون - "الرجل العدواني للغاية" - مسؤولاً عن إقناع ترامب في ولايته الأولى بالاعتراف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان .

سيرك شرم الشيخ

لو صَدَرَ هذا الكلام من قِبَل أي شخص آخر غير ترامب، لأثار غضبًا فوريًا لدى الجماعات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة. إن الادعاء بأن رئيسًا مُنتَخَبًا ديمقراطيًا كان تحت تأثير مباشر من ملياردير يهودي غير مُنتَخَب ركل باب منزله، سيُعَدُّ فورًا إهانةً مُعاديةً للسامية.

بدلاً من ذلك، كان ترامب وجميع أعضاء الكنيست تقريبًا يستمتعون به. كان عليهم التزام الصمت التام بشأن كيفية تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية ومن يرسمها.

وكان الأمر أسوأ في شرم الشيخ، حيث وصل ترامب متأخرا عدة ساعات.


وكان اثنان من الزعماء العرب والمسلمين الذين تفاخر بهم ترامب في الكنيست على وشك مقاطعة الحدث - أحدهما في الجو - عندما علموا أن نتنياهو نفسه سوف يظهر.

لم يكن نتنياهو في الأصل على قائمة الضيوف، ولكن عندما بدأت الشائعات تنتشر بأن ترامب أجبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على دعوته، أبقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طائرته في الجو، وبدأ رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يواجه ردود فعل عنيفة في الداخل.


وسارع نتنياهو إلى إلغاء دعوته، وأصدر مكتبه بيانا قال فيه إنه لا يستطيع الحضور بسبب عطلة يهودية

كما غاب عن القمة اثنان من الزعماء العرب البارزين الآخرين، وهما ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات العربية المتحدة محمد بن زايد.

وكما أن الليل يتبع النهار، فإن هذا الإجراء سيضمن بقاء غزة في مركز الاهتمام العالمي.

هناك عدد من النظريات المتداولة حول غيابهم: هل كان الأمر استياءً من تولي قطر وتركيا، الخصمان الإقليميان اللذان بدا أنهما هما من سيطرا على زمام الأمور في مفاوضات وقف إطلاق النار مع حماس؟ هل كان غضبهما من مصر ؟

أم أنهم كانوا غير راضين عن عدم تهميش حماس - وأن التوصل إلى وقف إطلاق النار يتطلب من ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب، وجاريد كوشنر، صهره، التحدث إليهما مباشرة؟

وكما أشار المعلق الأردني عبد الهادي المجالي : "هل كبرت حماس وأصبحت بحجم أميركا، أم أن أميركا تقلصت وأصبحت بحجم حماس؟"

أم كان ذلك بسبب حذرهم الطبيعي في تأييد عملية غير مكتملة، والتي سوف ينتهي بهم الأمر إلى دفع ثمنها في نهاية المطاف؟

أنا أميل إلى الاعتقاد بالاحتمال الأخير، ولكن هناك شيء واحد واضح: إن اتفاقيات إبراهيم، التي تم التباهي بها علناً في الكنيست باعتبارها نموذجاً لهذا "السلام الجديد في عصرنا"، تفتقر إلى الأسس التي يبدو أن ترامب وكوشنر يتصوران أنها تمتلكها.
الجسر بعيد جدًا


كما كشفت صحيفة واشنطن بوست ، فإن إجراء مناورات عسكرية مشتركة مع إسرائيل سرًا بينما تستمر الإبادة الجماعية في غزة على أشدها أمر، وتصوير زعيمك واقفًا في طابور مع نتنياهو أمر آخر تمامًا. وهذا لا يزال بعيدًا كل البعد عن الواقع.

وهذا وحده يوضح مدى وعي هؤلاء المستبدين وخوفهم من المشاعر الشعبية، بعد أكثر من عقد من الزمان منذ سحقهم للربيع العربي .

وهذا يوضح لك أيضًا مدى هشاشة الإجماع الإقليمي على التطبيع مع تل أبيب - ومدى قوة المخاوف من أن كل هذا قد يكون بمثابة غطاء لخضوعهم للهيمنة الإقليمية الجديدة.

مخاوفهم لا علاقة لها بالشعب الفلسطيني ، الذي لم يذرفوا من أجله سوى القليل. الأمر يتعلق بمكانتهم كقادة وسيادتهم.


إن طموحات المملكة العربية السعودية في أن تصبح زعيمة العالم العربي السني تواجه تحديا خاصا من جانب طموحات إسرائيل الإقليمية - ومحمد بن سلمان، الذي يرى نفسه الجيل الجديد من الإصلاحيين، يفهم الآن كيف يمكن لإسرائيل أن تقوض مكانته الشخصية أيضا.

وسوف يتذكر الناس المؤتمر بسبب الفوضى الترامبية التي شابته، وليس بسبب خطاباته.

لقد تم تجاهل اللاعبين الصغار في هذه الصفقة، مثل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، مثل تلاميذ المدارس المشاغبين، بمجرد أن سجل المعلم وجودهم في الفصل الدراسي بشكل صحيح.

وقد انتشر التجاهل الذي تعرض له الزعيم البريطاني، الذي تم استدعاؤه إلى المنصة ثم تم تجاهله، على نطاق واسع بين مؤيدي ترامب لزعيم الإصلاح في المملكة المتحدة نايجل فاراج.

بالإضافة إلى ذلك، سُمع الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو عبر ميكروفون مباشر يطلب من ترامب لقاء ابنه ، إريك، الذي يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي في مؤسسة ترامب. رد ترامب: "سأطلب من إريك الاتصال. هل أفعل ذلك؟ إنه رجلٌ طيبٌ حقًا".

وفي غضون ساعات قليلة، نجح ترامب في إذلال الجميع، حتى مضيفه السيسي، الذي مدّ يده ، فرأى الرئيس الأميركي يبتعد.

العمل كالمعتاد

وبطبيعة الحال، لم يكد هذا السيرك يعود إلى الوطن على متن طائراته من طراز 747 حتى عادت القوات الإسرائيلية إلى ممارسة أعمالها كالمعتاد في غزة .

لم تتوقف الطائرات المسيرة والدبابات الإسرائيلية عن إطلاق النار على الفلسطينيين في غزة وقتلهم، في انتهاكات يومية لوقف إطلاق النار. يوم الثلاثاء، أعلنت إسرائيل استمرار إغلاق معبر رفح الحدودي مع مصر ، وقطعت إمدادات المساعدات مجددًا بذريعة أن حماس لم تُسلّم جميع جثث أسراها.

وكانت الصعوبات التي تكتنف استعادة هذه الجثث قد نوقشت على نطاق واسع في المفاوضات، وتمت كتابة صيغة لاكتشاف مكان وجودها في الاتفاق، حيث أعلنت حماس أنها ستحتاج إلى مساعدة دولية للقيام بذلك.

قصفت إسرائيل غزة بكثافة شديدة، مما أدى إلى مقتل ليس فقط بعض رهائنها وحراسهم، بل أيضًا حراس جثثهم. في بعض الحالات، انقطع الاتصال تمامًا مع وحدات حماس.

قالت عائلة الجندي الأسير تامر نمرودي، الذي أعيدت جثته إلى إسرائيل من غزة، الثلاثاء، في بيان، إن ابنها قُتل في غارات جوية إسرائيلية.

إن دعاية نتنياهو القائلة بأن حماس أُجبرت على وقف إطلاق النار بسبب استمرار الحرب بدأت تنهار الآن.

إذن ما هو مسرح هذا الأسبوع؟

ومن الواضح أن الحرب التي استمرت عامين لم تنجح في تحقيق هدفها الاستراتيجي الرئيسي بالنسبة لإسرائيل، والذي كان يتمثل في طرد نصف سكان غزة على الأقل بشكل دائم، وبالتالي تغيير التوازن الديموغرافي بين اليهود والعرب في كل الأراضي الواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

من الواضح
أن إسرائيل فشلت في القضاء على حماس كمنظمة عسكرية. بعد معركة قصيرة مع القبائل الشمالية في غزة، استعادت السيطرة على جميع الأراضي التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية، وقد فعلت ذلك بموافقة ترامب.

الاهتمام العالمي

بالطريقة التي أُطلق بها سراح الرهائن الأحياء، برهنت حماس مجددًا على أنها لا تزال تسيطر على الأمور. لم يكن هذا ما أرادته إسرائيل. أرادت تأجيج حرب أهلية، وهذا لم يحدث بوضوح.

من الواضح أيضًا أن نتنياهو أُجبر على وقف هذه الحرب، رغمًا عنه، من قِبل ترامب. فقد اعتمد على الحرب لضمان بقائه السياسي، كما أنها كانت تُناسب رسالته الأيديولوجية لمنع قيام أي دولة فلسطينية، مهما كان حجمها أو نوعها. ولا يُمكن لنتنياهو نفسه أن يكون واضحًا كيف يُمكنه تحقيق هذين الهدفين في ظلّ سلام.

سيضطر للاعتماد على فشل محادثات نزع سلاح حماس، وهو أمرٌ مؤكد، واستخدام ذلك ذريعةً لاستئناف العمليات. في هذه الأثناء، يبذل قصارى جهده لإفشال الاتفاق.

ولكن من غير المرجح أن تكون الحملة العسكرية، عند استئنافها، بنفس الحجم.


الأرجح أن غزة ستعود إلى الوضع الذي نشهده في جنوب لبنان، حيث تشعر إسرائيل بحرية مواصلة قصف أهداف مختارة تدّعي أنها مشروعة، سواءً أكانت كذلك أم لا. كما ستواصل خنق غزة بتقييد المساعدات وإمدادات إعادة الإعمار.
وسيكون لذلك عواقب سلبية وإيجابية على الفلسطينيين.
في المستقبل المنظور، ستواصل إسرائيل حصار غزة وخنقها. ولكن كما الليل يعقب النهار، سيضمن هذا الإجراء بقاء غزة محط أنظار العالم.
إنهم يعلمون، وقد أظهرت لهم غزة، أن الشعب الوحيد القادر على تشكيل مستقبل فلسطين هو الفلسطينيون أنفسهم.
فهناك فرق بين هذه المحاولة لوقف الصراع وما حدث بعد توقيع اتفاقيات أوسلو
فقد حجبت أوسلو قضية فلسطين عن النقاش العالمي، بحجة أن مفاوضات جارية لإقامة دولة كاملة.
وقد برزت الحجة نفسها في معارضة ستارمر الأولية للاعتراف بدولة فلسطينية - بحجة أنها ستعيق المفاوضات - رغم علمه بعدم وجود مثل هذه المحادثات.

هذه المرة، لا وجود لمثل هذه المفاوضات. كل ما "يوجد" هو محاولات إسرائيل العلنية للعودة إلى الحرب.

لن يُبقي هذا المطالب العالمية بدولة فلسطينية قائمة فحسب، بل سيكشف أيضًا هوية المفاوضين القطريين والأتراك الذين وقّعوا على هذه الصفقة. كان حرصهم مُرتبطًا بما اعتبروه مصلحتهم الوطنية: البقاء على مقربة من ترامب نفسه. بهذه الطريقة، سيحصلون على طائرات إف-35.

لكن هذا ليس ما يريده الشعب التركي،
وقد أظهر أردوغان، على الأقل في انتخابات واحدة، ضعفًا في مواجهة الأحزاب الإسلامية التي تستغل إحجام تركيا عن مواجهة إسرائيل. وقد يصبح ضعيفًا مجددًا إذا عادت إسرائيل إلى الحرب.

سيصبح القادة الذين وقّعوا هذا الاتفاق أكثر عرضة للتأثر بالرأي العام في الداخل. هدف القيادة التركية الوحيد هو البقاء في السلطة. وقد أظهرت لهم محاولة الانقلاب العسكري عام ٢٠١٦ كم كانوا على وشك فقدانها. إن السلطة، لا المبادئ، هي التي تُحدد أفعالهم.

التجديد الفلسطيني

إذا استمر القصف الإسرائيلي على غزة، وإذا استمرت في خنق المساعدات إلى القطاع، فإن جميع الدول الإسلامية والعربية التي وقعت على إعلان وقف إطلاق النار تمتلك هذه الصفقة بقدر ما يمتلكها ترامب - وهذا ليس مكانًا جيدًا لهم.

وإذا كانت اتفاقية أوسلو بمثابة نهاية الانتفاضة الأولى، فإن شرم الشيخ ستكون بمثابة بداية فصل جديد من هذا الصراع الذي لن ينتهي أبدا.

بالنسبة للفلسطينيين الذين تم استبعادهم بالكامل تقريبا من قمة شرم الشيخ، والتي دُعي إليها الرئيس محمود عباس كفكرة ثانوية، فإن القضية الأكثر إلحاحا في هذه اللحظة، بعد حملة إبادة جماعية استمرت عامين في غزة، هي عدم كفاءة قادتهم على الإطلاق.

وترفض إسرائيل إطلاق سراح القادة الوحيدين القادرين على تشكيل حكومة قادرة على توحيد كل الأحزاب والفصائل، على الرغم من وجود العديد من القادة المحتملين الآخرين في صفوفها.

إن استمرار وجود عباس وخليفته المُعلن، حسين الشيخ ، لا معنى له. وظيفتهما الوحيدة هي الإشراف على التدهور والتراجع - أبعد من الـ 22% المتبقية من فلسطين التاريخية بعد أن تنازل الزعيم السابق ياسر عرفات عن الباقي، وعن حق العودة، عندما اعترف بإسرائيل.

ومنذ ذلك الحين، تم القضاء على إرث عرفات من قبل مئات الآلاف من المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، والعديد منهم الآن مسلحون.

إن المهمة الأكثر إلحاحا بالنسبة للفلسطينيين الآن هي إجبار قادتهم على التقاعد، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية وجميع المؤسسات الفلسطينية - سواء في رام الله أو غزة أو القدس الشرقية أو الشتات - وتقديم حقائق جديدة على الأرض لإسرائيل وترامب.

لا عذر للتأخير. لقد رأوا كم هم وحيدون. ورأوا كيف تصرفت دول أخرى، مُعلنةً تعاطفها دون أن تُحرك ساكنًا.

إنهم يعلمون أن الضفة الغربية المحتلة قيد الضم، سواء أُعلن رسميًا أم لا. ويعلمون أن إسرائيل ستواصل توسيع حدودها، مُضيّعةً ما تبقى من سيادة الدول العربية.

لن ينقذهم أي فارس أبيض على جواد. إنهم يعلمون، وقد أثبتت لهم غزة، أن الفلسطينيين أنفسهم هم وحدهم القادرون على تشكيل مستقبل فلسطين
.