‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الله معروف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات د. عبد الله معروف. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 15 فبراير 2026

"المساخر" تحاصر المسجد الأقصى

"المساخر" تحاصر المسجد الأقصى
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

يظهر التسارع الشديد في إجراءات الاحتلال داخل المسجد الأقصى المبارك في السنتين الأخيرتين أن حكومة نتنياهو قد قررت على ما يبدو حسم قضية المسجد قبل الانتخابات المرتقبة في إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام.

وهناك عوامل كثيرة تدعم هذا التوجه، لعل أهمها أن استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل باتت تعطي فرصا متأرجحة فعليا لتيار الصهيونية الدينية في الانتخابات القادمة، حيث أظهرت بعض الاستطلاعات نهاية العام الماضي احتمالية تراوحت بين عدم تمكن حزب سموتريتش من دخول الكنيست، وبين حصوله على ما لا يزيد على 4 مقاعد على الأكثر.

بينما أظهر استطلاع الرأي الذي نشرته "معاريف" نهاية يناير/كانون الثاني الماضي فقدان حزب إيتمار بن غفير مقعدا على الأقل في الكنيست، وإضعاف وجوده فيه، وإضعاف فرصه بالتالي في دخول أي حكومة يمينية مقبلة.

ولهذا فإن من مصلحة هؤلاء تقديم نجاح ضخم أمام جمهورهم الانتخابي لزيادة فرصهم في الحصول على المزيد من المقاعد في الانتخابات القادمة. ومن المعروف أن ملفي القدس والمسجد الأقصى المبارك يعتبران من الملفات التي يتولاها إيتمار بن غفير شخصيا.

هذا يرتب علينا توقع الأسوأ في المسجد الأقصى في الفترة القادمة، خاصة مع تصدر مسألة الأماكن المقدسة في الخليل، ونابلس، والقدس رأس الأولويات بالنسبة لشريحة مهمة من ناخبي أقصى اليمين المتطرف في إسرائيل.

ولذلك، رأينا تقدما مهما على هذا الصعيد في العام الماضي وبداية هذا العام عبر إجراء تغييرات جوهرية في المسجد الإبراهيمي في الخليل شملت تحويل إدارته الدينية من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى المجلس الديني لمستوطنة "كريات أربع"، وسحب صلاحيات الترميم والإصلاحات في المسجد من بلدية الخليل وتسليمها للإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلي.

وأما مقام "قبر يوسف" في نابلس، فإن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أقر نهاية العام المنصرم تمديد فتحه للمستوطنين إلى النهار بعد أن كان فتحه مقتصرا على الليل فقط، وتم تطبيق هذا القرار مؤخرا، وذلك كما يبدو في مقدمة لتطبيق نفس هذه التغييرات في المسجد الأقصى.

ولا ننسى هنا تصريحات نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي وزير العدل في منطقة حائط البراق خلال الاحتفالات بعيد الأنوار (حانوكاه) أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي التي وعد فيها المستوطنين بتمديد ساعات الاقتحام المخصصة لهم للمسجد الأقصى تدريجيا. وهذا يعني أن ما جرى تطبيقه قبل أيام في نابلس مقدمة لنفس الأمر في القدس.

في خضم هذه التحضيرات المحمومة يحل شهر رمضان المبارك في الأسبوع الثالث من شهر فبراير/شباط الجاري. والوقائع التي استقرأناها في السطور الماضية تدل على أننا أمام شهر مثقل بتحولات قد تلقي بظلالها على الوضع المستقبلي للأقصى.

ولا يخفى هنا أن أي إجراءات وتغييرات تتم في شهر رمضان يقصد بها في الحقيقة الإعداد لما بعد رمضان؛ إذ اعتاد الاحتلال في السنوات الثلاث الأخيرة على إجراء ما يشبه "التدريب" المكثف خلال شهر رمضان على تكريس وقائع جديدة تطبق بعد الشهر، على اعتبار أن قدرة الاحتلال على تثبيت حالة معينة مع صعوبة ذلك في شهر رمضان كفيلة بإنجاح ذلك بعده بسهولة.

أمامنا في هذا المجال أربعة ملفات أساسية خلال شهر رمضان، سيكون لها انعكاس جوهري على ما سيجري بعد نهاية الشهر في المسجد الأقصى: الأعداد، والاقتحامات، والاعتكاف، وباب الرحمة.

فعلى صعيد الأعداد التي تدخل المسجد خلال الشهر الكريم، فإن حكومة نتنياهو أعلنت بالفعل نيتها منع سكان الضفة الغربية من التوجه إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان القادم إلا في أضيق الحدود، وذلك بهدف تقليل الأعداد التي تؤم المسجد خلال هذا الشهر إلى الحد الأدنى الذي تحتمله إسرائيل.

وهذا الملف في الحقيقة لا ينسحب فقط على سكان الضفة الغربية، فالاحتلال بات منذ أكثر من سنة يطبق نفس التضييق والضغط على سكان القدس أنفسهم؛ بهدف تقليل أعدادهم في المسجد، وهذا ينطبق أيضا على فلسطينيي الخط الأخضر، حتى بات الوجود الفلسطيني في المسجد محكوما بأعداد يحددها ضغط الاحتلال.

وهذا الملف أيضا يتقاطع مع ملف الاقتحامات التي حرص الاحتلال في رمضان الماضي على استمرارها بشكل كثيف خلال الشهر الفضيل، خاصة أن شهر رمضان الحالي- كما كان في رمضان العام الماضي- يشهد تقاطعا مع مناسبة دينية عبرية هي عيد المساخر "بوريم"، والذي كان يعتبر سابقا مجرد عيد هامشي قبل أن تعمل جماعات المعبد المتطرفة التابعة لتيار الصهيونية الدينية على تحويله إلى موسم مركزي للاقتحامات.

ويتميز هذا العيد عن غيره من المناسبات الأخرى أنه مناسبة دينية تاريخية سعيدة، تشبه طريقة الاحتفال بها إلى حد كبير الاحتفال بما يسمى "الهالوين" في العالم الغربي، حيث يرتدي المحتفلون أزياء تنكرية غريبة، وبالتالي يحرص المستوطنون على امتداد ثلاثة أيام في هذا العيد على اقتحام المسجد بملابس تنكرية تتنافى مع قدسية المكان ناهيك عن قدسية الشهر.

في العام الماضي وقع يومان من أيام هذا العيد في يومي جمعة وسبت، مما أدى إلى قصر الاقتحامات فيه على يوم واحد فقط، وكان ذلك اليوم صعبا على المسجد.

لكن في هذا العام سيمر عيد المساخر في أيامه الثلاثة (صوم إستر، والبوريم، وبوريم شوشان) خلال أيام الأسبوع الوسطى التي يقتحم فيها المستوطنون المسجد، وتحديدا أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء، الثاني والثالث والرابع من شهر مارس/آذار القادم، وهذا ما سيقابل تقريبا أيام 13 و14 و15 رمضان، بمعنى أن هذا الحدث سيتزامن مع منتصف الشهر الكريم.

ولذلك، فإن الاحتلال سيسعى لاستغلال هذه الأيام لتكريس الاعتبار الذي يحاول تثبيته خلال الأعوام الثلاثة الماضية؛ وهو تفوق الاعتبار الديني اليهودي على الإسلامي في حال تعارضهما.


ولذلك، فإن المتوقع أن تشهد تلك الأيام الثلاثة اقتحامات مكثفة واستفزازات شديدة للمسلمين في نهار رمضان، كما حدث العام الماضي في يوم واحد فقط، وهو ما يمكن أن يرفع احتمالية الصدام بين الطرفين في المسجد إلى مستوى جدي.


ولذلك، فإن الاحتلال لا بد أن يسعى بكل قوته لتقييد الوجود الإسلامي في المسجد خلال تلك الفترة إلى أقصى حد ممكن، لضمان تفوق المستوطنين كما نوعا.


شهر رمضان القادم سيكون مقدمة لخطوات راديكالية يريد الاحتلال اتخاذها بعد نهاية الشهر، ولذلك فإن الواجب يقتضي ألا يستهان بأي خطوة يقدم عليها الاحتلال خلال رمضان مهما بدت صغيرة


وبموجب ذلك، فإن هذا الملف أيضا قد يتقاطع مع ملف آخر مهم أشعل معركة في المسجد الأقصى قبل أربع سنوات وهو ملف الاعتكاف، حيث يعمل الاحتلال منذ أربع سنوات على محاصرة فكرة الاعتكاف في المسجد الأقصى وتقييدها بهدف منعها نهائيا، وذلك لأنها تتعارض من حيث المبدأ مع فكرة التقسيم الزمني للمسجد بين المسلمين واليهود.


حيث يعتبر المستوطنون أن السماح للمسلمين بالاعتكاف ليلا في المسجد الأقصى مع منع المستوطنين من حرية الدخول إليه في جميع الأوقات يخل بفكرة المشاركة في هذا المكان المقدس التي يطالب بها هؤلاء، والتي هي في الحقيقة مقدمة لفرض التفوق اليهودي في حال تعارض الاعتبارات الدينية كما أسلفنا.


وكما حاول الاحتلال بكل قوته منع الاعتكافات داخل المسجد في العام الماضي فإنه لا بد أن يسعى بكل قوته لفرض معادلة منع الاعتكاف في هذا العام، متسلحا في ذلك بتزامن عيد المساخر مع منتصف الشهر الفضيل.


ولذلك، فإن إصرار المسلمين على دوام الاعتكاف في المسجد بل وتوسيعه سيكون تحديا ينبغي فرضه على الاحتلال شعبيا في هذه المرحلة خوفا من أن يعكس الاحتلال الأمر فيمنع الاعتكافات تماما.


وذلك لأن استقراء الأحداث في المسجد خلال السنوات الماضية يشير إلى أن الاحتلال يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في المسجد الأقصى للقفز على جميع المنجزات التي حصل عليها الشعب الفلسطيني خلال الهبات المختلفة في السنوات العشر الأخيرة.


هذا الأمر يفتح باب الحديث عن أهمية باب الرحمة في هذه المعركة خلال شهر رمضان المبارك القادم، فالاحتلال يحاصر باب الرحمة بالفعل منذ عدة شهور ويقيد الدخول إليه والصلاة فيه بشكل متصاعد، وهذا يعطي انطباعا بأنه يسعى لمحاولة فرض إغلاقه مرة أخرى في انقلاب على منجزات هبة باب الرحمة عام 2019.


ولا أفضل من فترة شهر رمضان المبارك لتكريس هذا الأمر عمليا؛ حيث قد يحاول الاحتلال تقليص الوصول إلى الباب خلال شهر رمضان إلى أقصى قدر ممكن، بما يمكنه من إغلاقه مرة أخرى بعد انتهاء رمضان.


ولذلك، فإن إحياء الصلوات والعبادات المختلفة في باب الرحمة خلال رمضان القادم بات ضرورة لا غنى عنها لكسر إرادة الاحتلال شعبيا.


شهر رمضان القادم سيكون مقدمة لخطوات راديكالية يريد الاحتلال اتخاذها بعد نهاية الشهر، ولذلك فإن الواجب يقتضي ألا يستهان بأي خطوة يقدم عليها الاحتلال خلال رمضان مهما بدت صغيرة.


بل بالعكس، ينبغي استغلال الروح الخاصة التي تميز الشهر الفضيل في القدس والأراضي الفلسطينية في فرض تراجعات جديدة على الاحتلال بفعل الضغط الشعبي، وتكريس حقيقة الردع الشعبي والذاتي لدى الاحتلال من الاقتراب من المسجد الأقصى.


والموضوع لم يعد يحتمل أنصاف الحلول اليوم، فالأقصى إما أن يكون لنا بالكامل أو للاحتلال بالكامل، وهذه هي المعادلة الصفرية الحقيقية في هذا المكان.


أما البروباغندا التي ينشرها الاحتلال حول "التشاركية" و"المناصفة" و"التقاسم" فهي مرفوضة شكلا ومضمونا، ناهيك عن أنها بحد ذاتها كذبة كبيرة. ومأساة المسجد الإبراهيمي في الخليل خير شاهد.

الاثنين، 19 يناير 2026

القدس عام 2025م في الميزان

القدس عام 2025م في الميزان

من المؤلم والمسيء للعالم العربي والإسلامي أن يكون كل عامٍ يمر على القدس وعلى المسجد الأقصى المبارك أسوأ من الذي سبقه من حيث كمية وحجم ونوعية الاعتداءات «الإسرائيلية»، فقد بات التقييم السنوي للأحداث في القدس والمسجد الأقصى يبدأ كل عامٍ تقريباً بعبارة «أسوأ عامٍ يمر على القدس حتى الآن»! 
حتى بات من المتوقع لكل عامٍ قادمٍ أن يكون أشد وأعنف مما سبقه حتى قبل أن يتبين شكل وحجم الاعتداءات المتوقعة فيه.

دوافع التصعيد.. بن غفير والحمى الانتخابية


ولا شك هنا أن وجود المعتوه إيتمار بن غفير على رأس وزارة الأمن القومي يعد واحداً من أهم الأسباب التي جعلت التصعيدَ السمةَ الأساسية التي تصبغ السنوات المتقادمة على القدس منذ عام 2022م حتى اللحظة، ففي السنوات الثلاث الأخيرة، وحتى قبل «طوفان الأقصى» وبدء حرب الإبادة على قطاع غزة، كان بن غفير يعمل جاهداً لإرساء دعائم التغيير الشامل في المدينة ومواقعها المقدسة وعلى رأسها بالطبع المسجد الأقصى المبارك.

ولم يكن عام 2025م استثناءً، فقد شهد ذلك العام تصعيداً لافتاً في شكل وحجم الاعتداءات على مختلف نواحي الحياة في القدس بهدف خنقها بالكامل وتحويلها إلى شكلٍ جديدٍ غير معهود، يريد منه الاحتلال أن يلغي الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة بالكامل ويحوله إلى وجود مؤقتٍ صغير لا يؤثر في مسيرة تهويد المدينة ومواقعها المقدسة.

وهو في ذلك يضع مقدمات الحسم الذي يريد تنفيذه في عام 2026 أو 2027م على أقصى تقدير، خاصة أننا بدخولنا العام الجديد ندخل عاماً انتخابياً، تدخل فيه دولة الاحتلال حمى الانتخابات مع ما يرافقها من شعبويات بن غفير، وسموتريتش، ونتنياهو، ويتنافس فيها اليمين الصهيوني الديني والقومي على حد سواء في استعراض قوته في الشارع كلٌّ حسب منطقة نفوذه.

وكما أن الضفة الغربية –باستثناء الخليل– تعتبر منطقة نفوذ سموتريتش، فإن القدس والخليل تعتبر منطقة نفوذ بن غفير المهووس بالاستعراضات الشعبوية الإعلامية، وبناءً على هذا الفهم، يمكننا تقييم الأحداث التي جرت العام الماضي في مدينة القدس وفي المسجد الأقصى في مختلف الملفات.
سياسة الهدم والاستيطان.. خنق القدس جغرافياً

فإذا تابعنا، على سبيل المثال، ملف هدم منازل المقدسيين، نجد أن هذا العام كان أحد أكثر الأعوام من حيث عدد المنازل الفلسطينية التي أقدم الاحتلال على هدمها في المدينة المقدسة، حيث وثق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة هدم 257 منزلاً ومنشأةً فلسطينية في القدس خلال عام 2025م، ليسجل بذلك الرقم الأعلى في تاريخ الهدم في القدس في عامٍ واحدٍ خلال 15 عاماً، وركزت هذه العمليات على أحياء تحيط بقلب المدينة المقدسة والمسجد الأقصى ولا سيما سلوان وجبل المكبر جنوباً، وبيت حنينا والعيسوية شمالاً.

كما أصدرت قوات الاحتلال خلال هذا العام، حسب تقريرٍ لمحافظة القدس، 551 قرار هدمٍ في المحافظة التي تشمل القدس ومحيطها، وذلك بالإضافة بالطبع إلى تشديد سياسة منع تراخيص البناء والترميم عن المقدسيين لدفعهم لترك المدينة وفقدان حق الإقامة فيها.

كما شهد العام مصادرة أكثر من 29 ألف دونم أراضي المدينة لصالح الاستيطان، وخاصةً مع إقرار تنفيذ مشروع «E1» الاستيطاني الخطير الذي سيقسم الضفة الغربية نصفين معزولين تماماً عن بعضهما.

وشهد هذا العام استشهاد 23 فلسطينياً ضمن حدود محافظة القدس الفلسطينية، حسب تقريرٍ للمحافظة، ووثقت مؤسسة «مرصد شيرين» منهم 11 فلسطينياً استشهدوا في القدس وضواحيها فقط، منهم 5 شهداء داخل أحياء مدينة القدس، و5 أطفال ومسنة واحدة، واحتجزت قوات الاحتلال جثامين 6 شهداء مقدسيين هذا العام.

ووثقت محافظة القدس إصابة أكثر من 330 مقدسياً برصاص الاحتلال خلال العام، هذا بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 700 مقدسي بتهمٍ شتى، ووضع بعضهم قيد الاعتقال الإداري فيما حكم على البعض بالإقامة الجبرية المنزلية ولا سيما من الأطفال.

المسجد الأقصى.. عدوان كمي وتحول نوعي

وكان للمسجد الأقصى النصيب الأكبر من الانتهاكات «الإسرائيلية» هذا العام من حيث الكم والنوع؛ فمن حيث الكم، شهد هذا العام أكبر عدد للمقتحمين على الإطلاق منذ اقتحام «الأقصى»، مع أكثر من 73 ألف مستوطنٍ اقتحموا «الأقصى» على مدار العام، في مقابل إصدار أوامر منع من دخول المسجد الأقصى لأكثر من 165 مقدسياً لفتراتٍ مختلفة تراوحت بين أسبوع إلى 6 أشهر قابلةٍ للتجديد.

لكن لعل نوعية الاقتحامات كانت من أخطر الملفات التي تطورت بشكلٍ لافتٍ في «الأقصى» خلال عام 2025م، فبالإضافة إلى زيادة عدد المقتحمين للمسجد خلال الأيام العادية وخلال مواسم الاقتحامات المختلفة، لاحظنا أن طبيعة الوجود الاستيطاني في «الأقصى» بات يتسم بالطابع الديني البحت القائم على إقامة طقوس وشعائر دينية محددة.

ولعل أحد أخطر الإجراءات في هذا الموضوع السماح بارتداء ملابس الصلاة مثل «التيفلين» و«الطاليت» وملابس «كهنة المعبد» البيضاء خلال الاقتحامات، وفي الأيام التي يحيي فيها المستوطنون شعائر دينية محددة تتعلق بالمعبد المزعوم، أما فكرة الانبطاح على الأرض، أو ما يسمى «السجود الملحمي»، فقد بات عملاً يومياً تقوم به قطعان المستوطنين بشكل جماعي مع الحرص على رفع الأصوات بالصلوات والغناء المقصود بذاته.

وفي هذا الصدد، تأتي فكرة محاولة أداء القرابين الحيوانية داخل «الأقصى» لتتربع على رأس أبرز الاعتداءات على حرمة المسجد وقدسيته خلال العام.

فبالرغم من فشل عملية أداء القربان داخل «الأقصى» في «عيد الفصح»، فإن الملاحظ أن هذه المحاولات لم تتوقف، بل توسعت لتشمل محاولاتٍ لأداء هذه القرابين في غير أوقاتها الشرعية المعمول بها لدى المراجع الدينية لهذه الجماعات.

ولعل محاولة إدخال قرابين إلى «الأقصى» وذبحها فيه من باب الأسباط يوم 8 نوفمبر الماضي تعد من أخطر هذه المحاولات، وذلك لأنها جاءت في يومٍ لا يحمل أي دلالةٍ رمزيةٍ دينية أو قومية لدى هذه الجماعات، بما يؤكد أنها انتقلت بفكرة أداء القرابين إلى مرحلة الإصرار على التنفيذ مهما كلفها الأمر وفي أي وقتٍ ودون الالتزام بأية قيود دينية.

وكانت تلك المحاولة هي الثالثة خلال عام 2025م التي نجح فيها المستوطنون بالفعل في إدخال القرابين إلى داخل حدود «الأقصى»، بعد محاولتهم الأولى خلال مناسبةٍ دينية هامشية تعرف باسم «الفصح الثاني»، في 12 مايو، ومحاولتهم الثانية خلال الاحتفال بما يسمى «عيد نزول التوراة/ الأسابيع»، في 2 يونيو، حين تمكن أحد المستوطنين من الوصول إلى ساحة قبة الصخرة قرب قبة السلسلة وهو يحمل كيساً يحتوي لحمَ ودماءَ قربان مذبوح، وذلك بهدف سكب هذه المكونات تحت قبة السلسلة التي يدعي المستوطنون أنها مكان المذبح في المعبد المزعوم.

هذه التطورات في الشكل والحجم تنبئ عن عامٍ ساخنٍ نتوقعه في القدس وفي المسجد الأقصى، وجميع المؤشرات على الأرض تبين أن عام 2026م لن يكون سهلاً على المدينة المقدسة وعلى المسجد الأقصى.

فإقرار بن غفير تعيين صديقه المتطرف أبشالوم بيليد قائداً لشرطة الاحتلال يعد واحداً من أهم إشارات التوجهات المتطرفة لحكومة الاحتلال تجاه القدس و«الأقصى»، حيث جاء هذا التعيين على خلفية الخلاف الذي حصل بين بن غفير وقائد الشرطة الأسبق أمير أرزاني،؛ إثر رفض الأخير السماح للمستوطنين بإدخال أدواتٍ دينيةٍ كالرفوف والطاولات إلى «الأقصى» خلال اقتحاماتهم، خوفاً من اضطراب الأوضاع في المسجد، خلافاً لإرادة بن غفير الذي كان يريد ذلك.

وهذا يعني أننا قد نشهد في الفترة القادمة سماح قائد الشرطة الجديد بيليد للمستوطنين بإدخال أدواتهم الخاصة إلى «الأقصى»، بما يعني أننا أمام تكريسٍ لسياسة التعامل مع المسجد على أنه معبد حقيقي قائم معنوياً، والسعي لتحويل هذه الكينونة إلى حقيقة مادية.

ولا يمكننا هنا أن ننسى أن عام 2025م انتهى مع وعدٍ قطعه نائب رئيس الوزراء وزير العدل ياريف ليفين، خلال الاحتفالات بـ«عيد الأنوار» (الحانوكاه) في ساحة البراق، بالسعي لتمديد ساعات اقتحام المسجد الأقصى المخصصة للمستوطنين وبالذات في ساعات المساء، بهدف زيادة أعداد المقتحمين.

وهذا يعني تجديد التزام حكومة الاحتلال بسياسة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً، وسعيها بالتالي إلى الانتقال إلى تقسيمه مكانياً، كما يؤكد أن ما يجري سياسة دولةٍ لا مجرد إجراءات تقوم بها قلةٌ متطرفة معزولة كما يدعي البعض في أروقة السياسة والإعلام.

لسنا على بُعد سنواتٍ من محاولة حسم ملف القدس والمسجد الأقصى، بل نحن على بُعد شهورٍ فقط، والواجب علينا التنبه إلى ما يجري والعمل بمستوى خطورة الحدث، فالمسجد الأقصى كان دائماً شرارة انفجارٍ يخشى الاحتلال من العبث بها، وإن شعر الاحتلال بالأمان في التعامل مع ملف المسجد «الأقصى»، فهو يعني باختصار ضياع القدس والمسجد الأقصى من أيدينا، والتاريخ لا يرحم.

الخميس، 18 ديسمبر 2025

الحاجة إلى تثبيت موقف سياسي حول القدس

الحاجة إلى تثبيت موقف سياسي حول القدس

د. عبدالله معروف

أستاذ مساعد في جامعة طيبة بالمدينة المنورة

 ليس من عادتي أن أتكلم عن المؤتمرات أو الندوات وما شابهها من أحداث ذات طابع سياسي، وخاصة في وقت تظهر فيه الحاجة لعمل فعلي على الأرض مثل هذا الوقت الذي تمر فيه غزة بواحدة من أبشع حملات الإبادة الجماعية المستمرة برغم الإعلان عن وقف إطلاق النار منذ شهرين تقريباً.


لكن من ناحية أخرى، ينبغي لنا عدم إغفال ضرورة الالتفات من فترة لأخرى إلى أهمية إبداء المواقف السياسية المعلنة الصارخة الواضحة في ظل تحركات عالمية تقودها الإدارة الأمريكية الحالية لإنقاذ حكومة بنيامين نتنياهو من الهوة السحيقة التي أوقعت نفسها فيها خلال عامين من حرب الإبادة المعلنة على أهلنا في قطاع غزة، وهجمات المستوطنين اليومية في الضفة الغربية، والاقتحامات المتوالية، وعملية تغيير الوضع الراهن المحمومة في المسجد الأقصى المبارك.


حملات تبييض صورة الاحتلال ومعركة الوعي العالمي

فهذه التحركات التي بدأت مع وقف إطلاق النار باتت تظهر بشكل واضح على شكل حملات الإعلام الموجه بقوة في جميع أنحاء العالم، وأصبحت معنية بشكل صريح بإنقاذ صورة دولة الاحتلال التي ظهرت بشكلها الحقيقي البشع خلال العامين الماضيين.


وفي مقابل حملات العلاقات العامة التي تدفع فيها «إسرائيل» وداعموها بكل ثقلهم المادي والسياسي والمالي وراء محاولة كيْ الوعي العالمي، يصبح إعلان الموقف الموحد واجباً لا يقل أهمية عن الوقوف في وجه آلة الاحتلال المستبدة على الأرض الفلسطينية.


فإعلان مواقف سياسية محددة وثابتة ونشرها في الإعلام يعتبر واحدة من ركائز العمل السياسي الإعلامي الداعم لصمود الشعب على الأرض، وإفشالاً لمحاولات العبث بالوعي الشعبي لدى شعوب الأرض، ولا سيما في البلدان الغربية، التي استيقظت أخيراً على الحقيقة المفزعة حول حقيقة مشروع دولة الاحتلال وما تمثله من قيم لا أخلاقية، تتعارض تماماً مع كافة القيم والمعايير التي تتبجح بها أمام الخلق.


مؤتمر «إرادة».. إعادة بناء الموقف السياسي في لحظة التحوّل

وفي هذا الصدد، نشير إلى مؤتمر عقد في إسطنبول، في 6 و7 ديسمبر الجاري، شاركت فيه هيئات وشخصيات من أكثر من 30 دولة عربية وإسلامية وغربية، وممثلون عن شرائح متنوعة من الخلفيات الأيديولوجية والدينية والعرقية واللغوية والفكرية المتعددة؛ شرقيون وغربيون ومسلمون ومسيحيون ويهود وقوميون ومتدينون وعلمانيون ويساريون ويمينيون، تحت عنوان «إرادة».


هذا المؤتمر ذكّرني في هيئته وطبيعته ورسائله التي بثها بمؤتمر مشابه كنت قد تابعته عام 2007م في أول زيارة لي في حياتي لمدينة إسطنبول، حيث شهد ذلك المؤتمر حشداً من 4 آلاف مشارك قدموا رسالة سياسية قوية تتعلق بالقدس وعدم الاعتراف بمشروع الاحتلال الذي أعلنه بخصوصها في ذلك الوقت، لاستكمال تغيير معالم المدينة وديمغرافيتها بحلول عام 2020م.


وكانت هذه الرسالة في غاية الأهمية على الأرض وقتها، إذ اعتبرت هذه الرسالة في تلك الفترة مقدمة لعدة مشاريع على الأرض بدأت بناء على الرسالة السياسية الموحدة التي أسندت أهل القدس مثل الرباط في المسجد الأقصى، على سبيل المثال.


ما يستحق الإشارة له في هذا المؤتمر الأخير في نظري هو تركيزه على بناء رسالة سياسية تتعامل مع الواقع الجديد الذي أفرزته حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة وعموم الأراضي الفلسطينية، وبالذات فيما يخص القدس والمسجد الأقصى الذي كان وما زال أحد أهم عناوين هذا الصراع في هذه الفترة الحرجة.


«الأقصى» في قلب مشروع الحسم الصهيوني

فالاحتلال منذ بدء حرب الإبادة سعى لتغيير الواقع في المسجد الأقصى على الأرض بشكل جذري كما هو معلوم، وهذا الأمر وإن لم يكن وليد حرب الإبادة، إلا أن الاحتلال سعى إلى استغلال صدمة الترويع التي أحدثها في الأراضي الفلسطينية بمجازره غير المسبوقة لينفذ أكبر قدر ممكن من مشروعه في المسجد الأقصى وبأقصى سرعة ممكنة، قبل أن يستفيق الشعب الفلسطيني من صدمة بشاعة حرب الإبادة التي نفذها الاحتلال وبشاعة جرائمه في السجون على مدار العامين الماضيين.


ولذلك، رأينا الاحتلال يسارع خلال العامين الماضيين إلى تثبيت وقائع جديدة على الأرض كان أبرزها قرار الوزير الإرهابي إيتمار بن غفير بالسماح للمستوطنين بأداء الطقوس الدينية كافة وعلانية في المسجد الأقصى المبارك.


ومع نهاية العام الجاري، أقدم هذا الوزير على تعيين أحد المقربين منه –ويدعى أبشالوم بيليد– قائداً لشرطة القدس بعد خلافه مع القائد الأسبق أمير أرزاني على مسألة السماح للمستوطنين بإدخال أدوات طقوسهم الدينية كالكراسي والطاولات والكتب وغيرها إلى المسجد الأقصى المبارك، حيث يصر بن غفير على السماح بذلك فيما كان أرزاني يتخوف من تبعات هذه الخطوة.


وهذا يدلنا على أننا أمام ربيع ساخن في المسجد الأقصى بدءاً من شهر رمضان القادم، الذي سيكون قريباً جداً لعيد الفصح العبري الذي يشهد كل عام محاولة تنفيذ آخر الطقوس الدينية للمستوطنين في المسجد وهي أداء القرابين الحيوانية، فضلاً عن المحاولة الدائمة للحاخام المهووس بـ«البقرة الحمراء» تساحي مامو إجراء طقوس ذبح بقراته الحمراء يوم الثاني من نيسان العبري الذي يصادف هذا العام أيضاً عيد الفطر المبارك.


من إسناد الفلسطينيين إلى مسؤولية الشعوب

هذه الأحداث كلها، وحرب الإبادة التي يشنها الاحتلال منذ عامين على غزة التي لطالما دافعت عن المسجد الأقصى المبارك، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن جهود الشعب الفلسطيني لحماية هوية المسجد الأقصى لم تعد كافية؛ لأن الاحتلال وصل في رده عليها حد ارتكاب الإبادة الجماعية بحق هذا الشعب، وبالتالي فلا بد من انخراط جميع الشعوب العربية والإسلامية بشكل مباشر في الدفاع عن المسجد الأقصى وهويته، لا الاكتفاء بدور الإسناد والدعم من الخلف.


ولعل هذه النقطة كانت أبرز النقاط التي لفتت نظري في بيان هذا المؤتمر؛ وهي مسألة تنقل الدفاع عن المسجد الأقصى إلى المربع الحقيقي الطبيعي وهو الشعوب العربية والمسلمة بأجمعها لا الشعب الفلسطيني فحسب.


إن وقوف أكثر من 300 شخصية من تيارات مختلفة معاً متناسية اختلافاتها وخلافاتها الكثيرة لإعلان وقوفها مع القدس وفلسطين هي حركة سياسية في غاية الأهمية لا بد من استثمارها والاستفادة منها، فلا يخفى على متابع اليوم الضغط الهائل الذي تمارسه إدارة ترمب على الطرف الفلسطيني والعربي بهدف الحفاظ على التفوق «الإسرائيلي» وترميم ما أفسده نتنياهو على كيانه خلال عامين من الحرب.


والواجب أن يتم استغلال الضعف الذي أظهرته دولة الاحتلال في حربها المجنونة، والانكشاف الذي حصل لها على المستوى الدولي، لزيادة عزلتها ومنعها وحليفتها من محاولة استعادة صورتها السابقة، أو السماح لها بإظهار أي صورة نصر مزعوم قد تستفيد منه في استعادة الروح المعنوية لمستوطنيها.


فقد اهتزت هذه الروح المعنوية أيما اهتزاز على مدار العامين الماضيين، وتعمق الشرخ الداخلي في دولة الاحتلال إلى حد غير مسبوق، وفقَدَ المستوطنون الثقة في جيشهم وحكومتهم ومشروعهم.


وبالتالي، فإن أي خطوة سياسية قد تساهم في تعميق هذا الشعور الداخلي بالهزيمة لدى دولة الاحتلال لابد من إحسان استغلالها، فالمعركة لا تجري على الأرض فقط، وإنما في كل جانب ومكان حتى في كواليس الإعلام والسياسة.

الثلاثاء، 2 ديسمبر 2025

ليس مجرد "قربان" يريدون ذبحه في المسجد الأقصى

 ليس مجرد "قربان" يريدون ذبحه في المسجد الأقصى

كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

تصعيد غير مسبوق في محاولات إدخال القرابين إلى المسجد الأقصى

يبدو أن تطورات الأحداث في المسجد الأقصى تسير على نحو أكثر تسارعا مما توقعه الكثير من المحللين والمراقبين، فعلى غير المعهود من جماعات المعبد المتطرفة في هذه الفترة من العام، شهد يوم الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي محاولة ثمانية مستوطنين متطرفين من أتباع جماعات المعبد، الهجومَ على المسجد الأقصى المبارك عبر باب الأسباط بصحبة قربان حيواني (ماعز صغير) وعدد من الطيور، في بأسلوب يشبه الهجوم المنسق الذي قامت به مجموعة مشابهة في شهر مايو/أيار الماضي، وانتشرت فيديوهات توثق هذه الحادثة بثها أفراد هذه الجماعة أنفسهم الذين كانوا يحملون هواتفهم ويصورون الواقعة، حيث تظاهروا بإقامة صلوات خارج باب الأسباط، ثم غافلوا الحراس واقتحموا المسجد عنوة راكضين في عدة اتجاهات متباعدة عن بعضها لتشتيت انتباه حراس المسجد الأقصى أثناء مطاردتهم، بينما كان أحدهم يحمل القرابين لإيصالها لموقع ذبحها بأسرع وقت؛ أملا في تنفيذ طقس الذبح.

ووصلت المجموعة بالفعل خلال المطاردة إلى المنطقة الملاصقة لباب الرحمة في الجهة الشمالية الشرقية من المسجد، على بعد حوالي 120 مترا من باب الأسباط، قبل أن يقبض عليهم حراس المسجد الأقصى، ثم تأخذهم شرطة الاحتلال خارج المسجد، وتطلق سراحهم لاحقا.

هذه المحاولة لم تكن الأولى هذا العام، فقد حاول أفراد هذه الجماعات إدخال القرابين إلى المسجد الأقصى عدة مرات خلال عيد الفِصح العبري في أبريل/نيسان الماضي، وحاولوا ذلك مرتين في غير عيد الفِصح، ولكن الجديد أن هذه المحاولة هي المحاولة الثالثة التي ينجح فيها المستوطنون بالفعل في إدخال القربان إلى داخل حدود المسجد الأقصى، ولكنهم فشلوا في ذبحه وإراقة دمه على أرض المسجد، كما تقتضي طقوسهم..

المرة الأولى كانت خلال مناسبة دينية تعرف باسم "الفصح الثاني" في الثاني عشر من مايو/أيار الماضي، حيث حاولت مجموعة مكونة من خمسة مستوطنين الهجوم معا على باب الغوانمة في الزاوية الشمالية الغربية للأقصى؛ بهدف تشتيت الحراس، بينما نجح أحدهم في إدخال القربان الحي إلى داخل حدود المسجد قبل أن يهاجمه الحراس ويقبضوا عليه.

أما المحاولة الثانية فكانت خلال الاحتفال بما يسمى "عيد نزول التوراة / الأسابيع" في الثاني من يونيو/حزيران الماضي، حين تمكن أحد المستوطنين من الوصول إلى ساحة قبة الصخرة قرب قبة السلسلة بصحبة كيس يحتوي لحوم ودماء قربان مذبوح؛ بهدف سكب هذه المكونات تحت قبة السلسلة التي يدعي هؤلاء أنها موقع مذبح المعبد المزعوم.

وبالتالي، فإن الهجوم الأخير هذا الشهر شكلَ المحاولة الثالثة التي ينجح فيها هؤلاء بإدخال القربان إلى داخل ساحات المسجد الأقصى، ويفشلون في ذبحها وسكب دمائها فوق أرض المسجد.

لكن الجديد هذه المرة أن هذه المحاولة لم تجرِ خلال أي موسم ديني يهودي، وإنما في يوم عادي ليس ذا أهمية تذكر في التقويم العبري، وليس فيه أي ذكرى معينة لأي طائفة من الطوائف اليهودية مطلقا.

فالمحاولة كانت بغير مقدّمات ولا مبررات دينية، وهنا تنبع خطورتها، إذ كانت هذه المجموعة على ما يبدو تعوِل على أن المسلمين لن يكونوا على أهبة الاستعداد للتصدي لأي محاولات من هذا القبيل؛ نظرا لعدم وجود مناسبة دينية يهودية من التي يحاول المستوطنون استغلالها لتنفيذ قرابينهم داخل المسجد الأقصى.

هذا الأمر ينقل المعركة الجارية على المسجد الأقصى إلى بُعد ومستوى جديد، ففي السابق كانت الاستعدادات للتصدي لأي اعتداءات من نوع خاص ترتفع مع اقتراب أو حلول أي مناسبة أو ذكرى معينة ذات طابع ديني لدى جماعات المعبد المتطرفة وتيار الصهيونية الدينية، وبذلك كان حراس المسجد الأقصى يرفعون مستوى تأهبهم ومراقبتهم الأوضاع داخل المسجد وسلوك أفراد هذه الجماعات حول المسجد.

أما وقد تمت هذه المحاولة في يوم طبيعي- إن صح التعبير- فإن هذا يعني أن أفراد هذه الجماعات تجاوزوا حدود التزاماتهم بتأدية الطقوس الدينية في مواعيدها المحددة في التقويم العبري ليعمموها على السنة كلها، وليصبح كل يوم من أيام السنة يوما خاصا لديهم يمكنهم من خلاله أن يحاولوا تأدية طقوسهم بكافة أنواعها؛ بهدف تكريس المسجد الأقصى معبدا معنويا حقيقيا.

تحركات سياسية وأمنية موازية بقيادة بن غفير لتغيير الوضع القائم

هذه العملية تأتي متزامنة مع أنباء أخرى من دوائر صناعة القرار الإسرائيلية تفيد بتوقيع وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير على قرار تعيين صديقه المقرب "أبشالوم بيليد"، الذي كان يشغل منصب نائب مفوض الشرطة، قائدا لشرطة الاحتلال في منطقة القدس، خلفا للقائد الحالي "أمير أرزاني" الذي تمت إزاحته بضغوط من بن غفير، حيث أخرجه عمليا من سلك الشرطة في إجازة مدتها عام واحد.

وهذه الخطوة تنظر لها وسائل الإعلام الإسرائيلية على أنها تهدف فعليا لدعم رؤية بن غفير بتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى تماما، والاستعداد لتنفيذ هذه الرؤية خلال شهر رمضان القادم.

بيليد هذا شخصية معروفة بميولها الدينية المتطرفة، وهو أحد أبناء تيار الصهيونية الدينية المخلصين وصديق مقرب من بن غفير، وكان بن غفير قد حاول العام الماضي تعيينه في منصب مفوض عام الشرطة خلفا لمفوض الشرطة السابق "كوبي شبتاي"، لكنه فشل في مساعيه بعد أن أثار هذا التعيين عاصفة من الانتقادات كان أحد أسبابها ادعاء بن غفير أن صديقه أبشالوم بيليد تخرج في جامعة فرجينيا بالولايات المتحدة، الأمر الذي تبين أنه لم يكن صحيحا، وأدى لاحقا إلى إحباط مساعي تعيينه لصالح المفوض الحالي "دانييل ليفي".

ليعود لنا الآن بن غفير ويوقع على تعيين هذا الشخص قائدا لشرطة القدس، أحد أخطر الأجهزة في شرطة الاحتلال، باعتبارها المسؤول المباشر عن الأمن في القدس، وفي المسجد الأقصى المبارك بالذات.

بتحليل هذه الخطوة، يتضح لنا أن هناك تنسيقا يجري بين أفراد وقيادات تيار الصهيونية الدينية فيما يتعلق بتحقيق اختراق كامل للوضع القائم في المسجد الأقصى، ويبدو أن الحراك الأخير الذي يقوم به أفراد جماعات المعبد المتطرفة التابعة لهذا التيار، يتساوق مع أهداف التيار العامة بتصعيد الأوضاع داخل المسجد الأقصى وتسخينها في الفترة التي تسبق شهر رمضان، وصولا للمرحلة الحاسمة خلال أو بعد رمضان مباشرة.

إذ يبدو من تحليل هذا السلوك أن تيار الصهيونية الدينية قد قرر بالفعل تحديد شهر رمضان القادم موعدا لتنفيذ خطوة جدية وكاملة لتكريس السيطرة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى.

بن غفير لا يخفي رؤيته هذه، بل يعلن في كل مناسبة أنه يرى ضرورة فتح المسجد الأقصى على مصراعيه للمستوطنين اليهود لأداء صلواتهم وطقوسهم الدينية داخله دون التقيد بأعداد أو ساعات محددة.

وهو يرى ما تراه هذه الجماعات تماما من حيث ضرورة فتح كافة البوابات لدخول المستوطنين بحرية، في مقابل تقييد الوجود الإسلامي في المسجد، وقصر دور دائرة الأوقاف الإسلامية على إدارة الوجود الإسلامي فقط داخل المسجد.

وأظن أن دوائر صناعة القرار في تيار الصهيونية الدينية المسيطر حاليا على حكومة نتنياهو باتت ترى أن الشهور القليلة القادمة هي الموعد الذهبي لتنفيذ هذه الرؤية، ولعلها لأجل ذلك أوعزت لأفرادها على الأرض بتسخين الأوضاع في المسجد، ولمناصريها في الكونغرس الأميركي، وتحديدا عضوي الكونغرس الجمهوريين كلوديا تيني وكلاي هيجينز، بتقديم مقترح قانون الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى لإقراره في الكونغرس، بحيث يكون داعما لأي قرارات مصيرية تتعلق بالمسجد قد تتخذها حكومة الاحتلال.

وقد تم بالفعل تقديم مقترح القانون ونشره في موقع الكونغرس الرسمي على الإنترنت، وهو ينص في مادته الأولى على "تأكيد الحق غير القابل للتصرف للشعب اليهودي في الوصول الكامل إلى جبل المعبد، وحقه في الصلاة وأداء الشعائر الدينية فيه".

خطة منسقة لتكريس السيطرة على الأقصى وتهديد هويته الدينية

أمام هذه الحقائق فإنه لا بد من الإعلان بصراحة ووضوح أننا الآن أمام عملية منسقة حقيقية تتم بين مثلث تل أبيب ومستوطنات الضفة الغربية وواشنطن، هدفها إجراء تغيير جذري في هوية المسجد الأقصى المبارك، وتحويله إلى موقع ديني يهودي بالدرجة الأولى، يُسمَح للمسلمين في المرحلة الأولى بالوصول إليه مبدئيا إلى أن تنضج الظروف المواتية لمنع المسلمين من الوصول إليه، تماما، كما حدث للمسجد الإبراهيمي في الخليل، الذي أعلنت إسرائيل مؤخرا سحب صلاحية إدارته من وزارة الأوقاف الفلسطينية، وتسليمها للمجلس الديني لمستوطنة كريات أربع.

إن مسؤولية حماية المسجد الأقصى من مثل هذا المصير تقع أولا على عاتق الشعب الفلسطيني في القدس، الذي يجب عليه أن يتجاوز صدمة الترويع التي أحدثها الاحتلال خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، وأن يقول كلمته بوضوح ودون انتظار ردود فعل رسمية عربية أو إسلامية أو دولية، فالمسجد الأقصى ليس اليوم بعيدا عن أطماع تيار الصهيونية الدينية الذي يظن أنه في موقع قوة يسمح له بفرض رؤيته الدينية دون أي اعتبار لوجود شعب فلسطيني حول المسجد الأقصى أساسا، ناهيك عن عدم اعترافه بالسيادة الإسلامية على المسجد من الأصل.

فتح العيون يوميا وعلى مدار الساعة على كل ما يدور حول المسجد الأقصى المبارك- وليس داخله فقط – أصبح واجب الوقت؛ لا على حراس المسجد الأقصى وحدهم، وإنما على جميع أبناء الشعب الفلسطيني في القدس، فالموضوع لا يتعلق ببضعة مستوطنين مهووسين دينيا يريدون ذبح ماعز على أرض المسجد، وإنما يتعلق بهوية المسجد نفسه وأصل وجوده.

وقد بات تغييرُ هذه الهوية اليوم مشروعا تعمل عليه دولٌ وحكوماتٌ لا مجرد أفراد، والأجيال القادمة لن ترحم من يتقاعس عن حماية هذا المكان المقدس بأي ثمن.

الأربعاء، 5 نوفمبر 2025

لعبة الكونغرس الأميركي الخطِرة على المسجد الأقصى

لعبة الكونغرس الأميركي الخطِرة على المسجد الأقصى
كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

لا يكاد يمر يوم دون أن يتحفنا اللوبي الإنجيلي الديني المساند لإسرائيل في الولايات المتحدة بمفارقة جديدة يحاول من خلالها أن يثبت أن أتباعه لا يرون أنفسهم خدما لبلدهم، وإنما يضعون أنفسهم في خدمة إسرائيل أولا، ويعتبرون مصالحها فوق كل اعتبار مهما كان.

ولا يلقي هؤلاء بالا لكل ما يمكن أن يؤدي له هذا الهوس المرَضي بإسرائيل من تناقضات صارخة مع الرأي العام الأميركي نفسه، فضلا عن الرأي العام العالمي، ولا سيما في ظل حرب الإبادة التي لا تزال غزة تعاني آثارها وتبعاتها يوميا.

واحدة من آخر تقليعات هذا التيار كانت قبل أيام، حيث كشف موقع "ميدل إيست مونيتور" عن تحركات في الكونغرس الأميركي يقودها عضوان جمهوريان، هما كلوديا تيني، وكلاي هيجينز، لتقديم مقترح قانون يعترف بالسيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى المبارك (الذي يطلق عليه في مشروع القانون اسم: "جبل المعبد") بكامل مساحته البالغة 144 دونما، وجميع ما فيه من معالم وعلى رأسها قبة الصخرة المشرفة والجامع القِبلي، والمطالبة بالسماح لليهود بالدخول غير المشروط أو المحدد، وإقامة كافة طقوسهم الدينية بحرية كاملة داخل المسجد.

في صيغة تشبه إلى حد كبير قانون الاعتراف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية للقدس، الذي أقره الكونغرس عام 1995 بالإجماع، وبقي تنفيذه مؤجلا حتى أقدم الرئيس دونالد ترامب على تنفيذه عام 2017 خلال فترة رئاسته الأولى.

 كلوديا تيني وكلاي هيجينز عضوان جمهوريان في مجلس النواب الأميركي عن كل من ولاية نيويورك، وولاية لويزيانا على التوالي، وهما من أشد المؤيدين لإسرائيل، ويحظيان بدعم مالي دائم من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك).

كلوديا تيني كانت هي التي قدمت لمجلس النواب الأميركي مشروع قرار تغيير اسم الضفة الغربية إلى "يهودا والسامرة" في نهاية شهر يناير/كانون الثاني 2025، وتعتز بانتمائها للطائفة المسيحية المشيخية، وتعلن في كثير من المناسبات أن وقوفها مع إسرائيل يأتي بدوافع دينية بحتة.

أما كلاي هيجينز، فهو معروف بعنفه الشديد ضد كل ما يمت للإسلام بصلة، إلى درجة اضطرار إدارة موقع فيسبوك إلى حذف كثير من منشوراته التي ينشر فيها التحريض الديني ضد الإسلام والمسلمين، وهو معروف بشكل عام بخطابه الديني المتطرف والعدواني، بل والذي يصل أحيانا حد الدعوة إلى العنف الجسدي.

ويحظى مشروع القانون الذي يجهزه هذان العضوان بدعم منظمتين يمينيتين كبيرتين هما (المنظمة الصهيونية الأميركية) و(مؤسسة حقيقة الشرق الأوسط)، وهما منظمتان من أهم أذرع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.

فالمنظمة الصهيونية الأميركية تأسست عام 1897 مباشرة بعد المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا، وهي تعتبر أعرق وأقدم المنظمات العاملة لأجل خدمة مصالح إسرائيل في الولايات المتحدة، وتعتبر الأم الكبرى لأغلب المنظمات وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل هناك، وأغلب مؤسسي وأعضاء تلك الجماعات هم من العاملين في هذه المنظمة.

أما (مؤسسة حقيقة الشرق الأوسط)، فقد أسستها المتطرفة سارة ستيرن، التي كانت عضوا في المنظمة الصهيونية الأميركية، عام 2005 خلال فترة الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وتقدم نفسها على أنها مركز تفكير إستراتيجي يقدم النصائح والتقارير والتحليلات السياسية لصناع القرار في الولايات المتحدة حول الصراع في الأراضي الفلسطينية.

ونشاط هذه المنظمة الإعلامي والسياسي غالبا ما يتبنى رؤية تدعي أن ما تسميه "الإسلام الراديكالي" هو تهديد أساسي لأمن الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي العادة تروج في دراساتها وتقاريرها لخيارات سياسية لا تأخذ الوجود الفلسطيني أو حقوق الشعب الفلسطيني بعين الاعتبار مطلقا، وبالتالي فهي منظمة أيديولوجية أكثر منها مؤسسة بحثية.

وللمفارقة، فإن سارة ستيرن مؤسسة ورئيسة هذه المنظمة، كانت واحدة من الشخصيات الرئيسية التي عملت على تشجيع ودعم مبادرات قوانين جدلية في الكونغرس الأميركي تحولت بالفعل إلى قوانين نافذة، مثل قانون نقل السفارة الأميركية إلى القدس عام 1995، وقانون محاسبة سوريا واستقلال لبنان عام 2003، وقانون الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان عام 2019.

بالتالي فإن دخول هاتين المؤسستين على خط هذا المشروع ودعمهما له يعطيه دفعة قوية داخل أروقة الكونغرس، ويوحي بأن القائمين عليه سيضعون قوتهم الكاملة في سبيل إقراره وتمريره، مستغلين في ذلك التوجهات الدينية المسيحية للإدارة الأميركية الحالية، وطغيان الجانب الديني على القوى التي ما زالت تؤيد إسرائيل في أروقة السياسة الأميركية، ولا سيما داخل الحزب الجمهوري المسيطر على غرفتي التشريع: مجلس النواب، ومجلس الشيوخ.

لكن هذا التعويل لا يقتصر على التيار الديني في الحزب الجمهوري فقط، فالتيار الوطني الأبيض في الحزب الجمهوري الذي بدأ يظهر معارضته للتغلغل الإسرائيلي العميق في أروقة السياسة الأميركية، يعلن ذلك لأسباب سياسية وقومية بحتة لا علاقة لها بالدين.

فهو لا يعادي إسرائيل بذاتها وإنما يعارض تدخلها في السياسة الداخلية الأميركية، أما من الناحية الدينية، فإن من المعروف أنه حتى في أروقة التيار الوطني في الحزب الجمهوري، يعتبر موضوع الأماكن المقدسة في القدس مسألة محسومة لا جدال فيها. حيث لا يختلف اثنان في التيارات المحافظة- القومية والدينية- على كون المسجد الأقصى المبارك "معبدا" في الأصل، وجزءا من التراث الديني اليهودي الذي يرتبط بقصص المسيح في الإنجيل، وأن الحق فيه بالتالي ليس إسلاميا خالصا.

إن القائمين على مقترح هذا القانون يلعبون لعبة في غاية الخطورة، فهم يحاولون- سواء علموا أم لم يعلموا- إشعال فتيل معركة دينية تماما كما يفعل تيار الصهيونية الدينية في إسرائيل، لكن الجديد هذه المرة هو أنهم يقحمون الولايات المتحدة برمتها في مواجهة دينية مع العالم الإسلامي، تعلن فيها الولايات المتحدة الحرب على المسجد الأقصى بكل ما يمثله من عقيدة دينية راسخة لدى المسلمين، وهذا في الحقيقة جر للولايات المتحدة إلى مربع خطر لا يمكن لأحد توقع تبعاته.

وعلى الناحية السياسية، فإن هذا القانون- إن تمكن القائمون عليه من تمريره- يعني بالضرورة إعلان الحرب على السيادة والوصاية الأردنية على المسجد الأقصى المبارك.

وهذه الوصاية تعتبر من أساسيات نظام الحكم في الأردن كما هو معروف، وبالتالي فإن هذا التحرك يضع الإدارة الأميركية في مواجهة مع الأردن واستحقاقات سيادته التي لا يمكنه التنازل عنها بحال. فأي تساهل من الأردن في هذا الموضوع سوف يضعه في مواجهة شعبية عارمة لا في الداخل الأردني فحسب، بل في العالم الإسلامي برمته، وهذا ما لا يمكن تصور قبوله أردنيا، ولذلك ينبغي للأردن مواجهته فورا.

على أن هذا الأمر لا يخص الأردن وحده، فكون مشروع القانون يخص المسجد الأقصى بمكانته ورمزيته الدينية العميقة، يجب أن يستدعي تحركا على مستوى العالم الإسلامي كاملا، حيث لا يجوز التقليل من حجم خطوة كهذه، لو تمت.

والواجب على السياسيين في العالم العربي والإسلامي تصعيد اللهجة في وجه هذه المحاولة حتى قبل أن يتم تقديم مشروع القانون إلى الكونغرس، وعدم الانتظار إلى أن يصبح القانون أو حتى مشروعه أمرا واقعا، فمجرد طرح مشروع قانون كهذا في الكونغرس هو بحد ذاته خطوة شديدة العدوانية في حق العالم الإسلامي كله، ولا تقل خطورة عن الاعتداء على أي ثابت من ثوابت الدين الإسلامي كالقرآن الكريم أو الكعبة المشرفة أو شخص النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- أو أي من مقدسات المسلمين.

ولذلك، فإن تصعيد اللهجة ومواجهة هذه الفكرة وهي لا تزال في مهدها كفيل بردع هذه الجهات وغيرها ووقفها.

الولايات المتحدة الأميركية منذ اليوم الأول لحرب الإبادة جعلت نفسها حليفا مطلقا- يكاد يكون وحيدا الآن- لإسرائيل، إذ عملت على منع أي محاولة لتجريم إسرائيل، أو حتى إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف إطلاق النار- عبر (الفيتو) الأميركي المتكرر- حتى في الحالات التي اتفقت فيها جميع دول العالم.

ولكنها في كل ذلك كانت تتذرع في دعمها لإسرائيل بذرائع سياسية من منطلق المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، أما هذا القانون فلا مبرر سياسيا له؛ لأنه قانون ذو طابع ومنطلقات دينية مسيحانية بحتة.

إن كانت إسرائيل اليوم خالية من العقلاء بعد إحكام تيار الصهيونية الدينية المتطرف سيطرته على أغلب مفاصل الدولة، فإنه لا أقل من أن تمنع الدولة العميقة في الولايات المتحدة هذا الجنون، حتى إن المدافعين الشرسين عن حلفائهم الأميركيين في العالم العربي لا يمكنهم بحال تبرير مثل هذا التوجه الأميركي الخطير للتعدي على أقدس الرموز الدينية في المنطقة، والذي لا يخص الفلسطينيين وحدهم بل العالم الإسلامي بأجمعه.

والواجب على عقلاء العالم لجم هذه التوجهات الخطيرة لدى أتباع هذا التيار، فهم في الحقيقة يريدون إشعال حرب دينية سعيا وراء استجلاب أسطورة الحرب الأخيرة المقدسة ونزول المسيح المخلص، ويجب وقف هذا الجنون، وإلا فإنه سيؤدي إلى صراع ديني لن تكون فيه الولايات المتحدة ولا إسرائيل المنتصرتين بحال، لأنهما تعاندان المنطق والعقل والحقيقة، وتستدعيان صراعات دينية، عمل العالم مئات السنين على محاولات تجاوزِها.

الجمعة، 24 أكتوبر 2025

انكسار التأييد الأميركي المطلق لإسرائيل

 انكسار التأييد الأميركي المطلق لإسرائيل




كاتب فلسطيني، مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو.

بالرغم من أن التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل كان يشكل دائما أحد أعمدة نظام الحكم في الولايات المتحدة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تغيرات غير مسبوقة في المزاج العام تجاه هذا الالتزام الحديدي بمصلحة إسرائيل.

وفي الوقت الذي كان فيه هذا التغيير في المعسكر الديمقراطي مفهوما، باعتباره تيارا ليبراليا يركز على المصالح الاقتصادية والاجتماعية أكثر منه تيارا أيديولوجيا، إلا أن حدوث اختراق وتغيير في المزاج العام للحزب الجمهوري بأطيافه المحافظة المختلفة كان غير متوقع أبدا.

الحزب الديمقراطي وقاعدته أسرع تطورا، وأكثر قبولا في أوساط الأقليات الملونة في الولايات المتحدة، ولذلك برز من بينهم باراك أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة، وتمكنت إلهان عمر أول مسلمة محجبة من دخول الكونغرس الأميركي على قوائم الحزب الديمقراطي، كما كانت الديمقراطية رشيدة طليب أول فلسطينية تجاهر بدعم القضية الفلسطينية في الكونغرس.

ومن بين صفوفه يبرز الآن الشاب المسلم زهران ممداني المنتقد لإسرائيل بشدة، متصدرا المنافسة على مقعد عمدة نيويورك، كبرى المدن الأميركية ومركز المال والأعمال الأبرز فيها. وهذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على أن الولاء لإسرائيل لم يعد أمرا مجمعا عليه في قواعد الحزب الديمقراطي.

أما الحزب الجمهوري، الذي يعتبر حاضنة للاتجاه المحافظ الأميركي بما يحمله من التزامات أيديولوجية مبدئية، فقد كان أقل قدرة على تغيير وتبديل المواقف طوال العقود الماضية، ومن بينها التزامه الثابت تجاه إسرائيل بناء على أسس دينية ومصلحية.

لكن رياح التغيير التي حملها السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 كما يبدو لم تكن مقصورة على المنطقة والإقليم، بل تجاوزتهما لتصل إلى النواة الصلبة للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، وهي النواة البيضاء المتشددة التي شكلت على الدوام أصل رؤية الحزب التي تجاهر باعتزازها بأميركا البيضاء صاحبة القيم الأوروبية المسيحية العريقة التي لا تقبل كثيرا من التطورات الليبرالية التي شهدها المجتمع الأميركي خصوصا، والمجتمعات الغربية عموما في العقدين الأخيرين، ولا سيما في مجال الهوية الجنسية، والحريات المطلقة، والإجهاض، وغيرها.



هذا التغيير بدا واضحا في تصريحات شخصيات تعد من الأصوات التي تمثل النواة البيضاء المحافظة الصلبة للحزب الجمهوري، من أمثال الإعلامي اليميني المعروف تاكر كارلسون، وعضوة الكونغرس مارجوري تايلور غرين، وحتى ستيف بانون كبير الإستراتيجيين السابق في البيت الأبيض، ومستشار الرئيس ترامب خلال فترة رئاسته الأولى.

يجمع بين هؤلاء التزامهم السابق القوي بدعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكونهم أبرز وجوه تيار "أميركا أولا" (ماغا)، وهم من الأصوات المسموعة لدى المجتمعات البيضاء المحافظة المعروفة بتأييدها الدائم للحزب الجمهوري.

وأهم من ذلك كله أنهم كانوا من أشد الأصوات دفاعا عن إسرائيل في السنوات التي سبقت طوفان الأقصى.

لكنّ شيئا ما تغير في هذا التيار كما يتبين من تغيير خطاب هذه الشخصيات وغيرها، فقد انقلب هؤلاء في خطابهم ضد إسرائيل وبدؤوا ينتقدون بصوت مرتفع نفوذها الكبير في السياسة الأميركية، ويكشفون مدى تغلغل اللوبي المؤيد لإسرائيل، الذي تمثله عدة مؤسسات، أهمها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، حيث تصل درجة التدخل في السياسة الداخلية الأميركية وتوجيهها حد تقديم المصالح الإسرائيلية على المصالح الأميركية.

وباتت هذه الشخصيات تنتقد هذا التغلغل بقوة وتفضح أسماء سياسيين أميركيين معروفين بدعمهم اللامحدود لإسرائيل، بل وتتهمهم بالخيانة لبلادهم وتقديم مصلحة بلد أجنبي على مصالح الولايات المتحدة.

تاكر كارلسون خرج في أكثر من لقاء عبر البودكاست الذي يديره ليهاجم عددا من السياسيين الجمهوريين مثل عضوي مجلس الشيوخ توم كروز وليندسي غراهام المعروفين بدفاعهما المستميت الدائم عن إسرائيل، بل إنه قال في حلقة بثت قبل أسبوعين تقريبا إن وقوف هذين الشخصين مع إسرائيل دون حدود وتقديم مصالحها على مصالح الولايات المتحدة، يرقى لمرتبة خيانة بلادهما.

أما عضوة مجلس النواب مارجوري تايلور غرين فلم تترك وسيلة إعلامية إلا خرجت عليها لتهاجم إسرائيل وتتهمها بالإبادة الجماعية في غزة، وترفض وقوف إدارة ترامب وراء نتنياهو في هذه الحرب، وهي تعبر عن مواقفها هذه في موقعها الرسمي على شبكة الإنترنت، الذي تعرف فيه عن نفسها بكونها مدافعة عن شعار (أميركا أولا)، وأنها ترفض تقديم مصالح الدول الأجنبية على الولايات المتحدة.

هذه عينات فقط من شخصيات مؤثرة ومعروفة في أقصى اليمين الجمهوري الأميركي غيرت مواقفها المعلنة من إسرائيل، وباتت تنتقد الإبادة الجارية في غزة، بل وفي بعض الأحيان تسميها باسمها؛ إبادة جماعية. بل إن بعض هذه الأصوات، ولا سيما كارلسون، باتت تلمح إلى تورط محتمل لإسرائيل في اغتيال الناشط اليميني تشارلي كيرك، الذي تزعم صفحات جمهورية على وسائل التواصل الاجتماعي أنه اغتيل عندما بدأ يلمح لتغيير موقفه من إسرائيل وحربها على قطاع غزة.

وهذا الأمر سبب صدمة لدى الحكومة الإسرائيلية دفعت نتنياهو للخروج في فيديو ينفي فيه أي ضلوع في مقتل كيرك، ودفعه كذلك لتخصيص لقاءات مختلفة وميزانيات كبيرة لدعم حملات إعلامية سواء بنفسه، أو من خلال بعض مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي لمحاولة إقناع هذا التيار المتنامي في الحزب الجمهوري بأن إسرائيل لا ترتكب إبادة جماعية في غزة، ولا تتدخل في السياسة الداخلية الأميركية.



كما أن (أيباك) بثت قبل أيام إعلانا مدفوعا في عدة قنوات أميركية- سواء تلك المؤيدة للجمهوريين أو للديمقراطيين- تحاول تبرير عملها لصالح إسرائيل، وإقناع الرأي العام الأميركي بأن خدمة مصالح إسرائيل في أميركا تعتبر مفيدة للولايات المتحدة!

وللمفارقة، فإن الإعلان نفسه يقول إن (أيباك) تعمل بين السياسيين الأميركيين باعتبارها جماعة ضغط تضمن مصالح إسرائيل، وهو بالضبط ما تشكو منه تلك الأصوات الجمهورية التي باتت ترى في تقديم مصالح إسرائيل على مصالح بلادهم، خيانة مرفوضة.

لعل نقطة التحول الأبرز في مواقف كثير من قيادات هذا الحزب من إسرائيل كانت كما يبدو الهجوم الإسرائيلي على إيران، والانخراط الأميركي العلني فيه، وتلك العملية كانت بالطبع واحدة من مخرجات ما يجري في غزة.

حيث خرجت هذه الأصوات لترفض دخول الولايات المتحدة في حروب لصالح إسرائيل، وتتصاعد بعدها الانتقادات، لتفضح كافة أشكال التدخل الإسرائيلي في السياسة الداخلية الأميركية.

هذه النقطة المفصلية في الصراع كشفت أن حقيقة الصدع والخلاف تقوم على فكرة مدى تورط الولايات المتحدة في صراعات إسرائيل. وهنا ظهر الخلاف الحاد بين تيارين: قومي وديني، وهذا الأخير هو المسيطر حاليا على إدارة ترامب، وبالتالي على سياسة الحزب الجمهوري.

هذا التيار الإنجيلي الذي لا يزال على ولائه المطلق لإسرائيل تقوم رؤيته للصراع على مبدأ ديني في الحقيقة. وهو ما يبدو واضحا للعيان من خلال تصريحات أبرز أعضائه، مثل السيناتور ليندسي غراهام الذي لطالما قال في الإعلام إن الحرب في قطاع غزة في حقيقتها حرب دينية، ورئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون المهووس بفكرة البقرة الحمراء وإعادة بناء المعبد الثالث المزعوم مكان المسجد الأقصى، لدرجة استضافة الحاخام الإسرائيلي تساحي مامو المسؤول عن هذا الأمر في يوم الصلاة الوطني قرب الكونغرس الأميركي بواشنطن في يناير/كانون الثاني 2024، والسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي الذي لا يمل من تكرار تصريحاته الدينية المتتالية حول المسيح وأرض الميعاد، بما يجعل المراقب يتساءل: ما إذا كان سفير الولايات المتحدة في إسرائيل أم العكس؟

وكذلك وزير الخارجية ماركو روبيو الذي اشتهر بظهوره برسم صليب أسود بالرماد على جبهته الربيع الماضي، ولا ننسى بالطبع صهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر الذي عاد كما يبدو لحلبة السياسة الأميركية مؤخرا من خلال ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.

هذه الشخصيات وتوجهاتها الدينية تبين أن الانقسام الحاصل في الحزب الجمهوري تجاه إسرائيل بات يأخذ اتجاها أيديولوجيا كذلك، وهذا طبيعي بالنظر إلى الطبيعة الأيديولوجية التي تطبع هذا الحزب مقارنة بالحزب الديمقراطي كما أسلفنا.

ولذلك، فإننا نشهد اليوم تعميقا لهذا الصدع في بنية الحزب الجمهوري بين ما هو ديني يقدم رؤيته للنصوص الدينية المقدسة، وما هو قومي وطني يقدم مصلحة العرق الأبيض الأميركي.

ويبدو أن الرئيس الأميركي ترامب يتردد بين الاتجاهين بالنظر إلى طبيعته المتقلبة. والواضح أن النقطة الفاصلة في انحسار أي من التوجهين في مواجهة الآخر مربوط أساسا بتوجهات القاعدة الشبابية المتنامية لهذا الحزب بين أبناء الجيل الحالي، والتي من الواضح أنها باتت تنحاز للتوجه القومي أكثر منها للديني، وباتت ترى في إسرائيل عبئا على الولايات المتحدة الأميركية، ولم تعد تخشى من اتهامات معاداة السامية في انتقادها العلني لإسرائيل، ويبدو أن هذا الأمر سيستمر بالتصاعد في الحزب الجمهوري، وإن بوتيرة أبطأ لدى أنصار الحزب الديمقراطي.

وأيا ما كانت النتائج، فإن حقيقة واحدة أصبحت واضحة ولا مفر من الاعتراف بها: وهي أن إسرائيل لم تعد محل إجماع أميركي سواء في الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري، والواجب استغلال هذه الحقيقة الجديدة والبناء عليها.

الأحد، 12 أكتوبر 2025

لماذا غابت الفيديوهات التي توثق ما يجري في الأقصى؟

لماذا غابت الفيديوهات التي توثق ما يجري في الأقصى؟
مدير مركز دراسات القدس بجامعة إسطنبول 29 مايو، ومسؤول الإعلام والعلاقات العامة السابق بالمسجد الأقصى 



مع دخول المسجد الأقصى المبارك في موسم الاقتحامات الأطول والأعتى خلال العام، والذي بدأ برأس السنة العبرية، مرورا بيوم الغفران وانتهاء بالموسم الأخطر، وهو عيد العُرش (المظال)، كان لا بد من بسط قضية التغطية الإعلامية لما يجري في المسجد على طاولة البحث والدراسة.

فالمتابع لأحوال المسجد الأقصى لا يخفى عليه التراجع الشديد مؤخرا لعدد الصور والفيديوهات التي توثق الاقتحامات، وما يقوم به أفراد جماعات المعبد المتطرفة داخل المسجد يوميا.

حتى وصل الأمر إلى أن جميع الصور والفيديوهات التي وثقت اقتحامات رأس السنة العبرية في 23 من سبتمبر/أيلول الماضي واقتحامات يوم الغفران مطلع أكتوبر/تشرين الأول الحالي، كانت من خارج المسجد، بل من خارج البلدة القديمة كلها.

وكان عدد لا بأس به من الصور التي بثتها صفحات إخبارية ووسائل إعلام عربية لتغطية الحدث قد التقطت من فوق جبل الزيتون الذي يبعد مسافة حوالي 500 متر هوائي عن أسوار المسجد الأقصى الشرقية.

وهذه الزاوية بدورها لا تغطي إلا مساحة صغيرة من المسجد الأقصى أمام الجامع القبلي، ولا يمكن منها مراقبة ما كان يجري خلال تجمع المستوطنين في المنطقة الشرقية للمسجد، أو خلال أدائهم طقوسهم الدينية في الجهة الشمالية أو الغربية من المسجد الأقصى.

أما الصور والفيديوهات التي أظهرت أفعال هذه الجماعات فكان مصدرها للأسف هو صفحات هذه الجماعات نفسها على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعد نشرها صورا وفيديوهات تبين ما فعله أفرادها في المسجد من باب التفاخر بإنجازاتها خلال الاقتحامات.

ولعل أحد أهم النماذج التي بينت خطورة ما يجري هو مسألة نفخ بوق رأس السنة العبري داخل المسجد، حيث غاب هذا الحدث عن التغطيات بشكل كامل، حتى ادعت جماعة "بيدينو" المتطرفة أن المستوطنين نفخوا البوق داخل المسجد خمس مرات في ذلك اليوم، بينما أظهرت شهادات المقدسيين الذين تمكنوا من الوصول إلى الأقصى في تلك الفترة سماعَ صوت البوق مرة أو مرتين خلال اليوم دون تصوير.

ولم يكن بالإمكان تأكيد ذلك أو نفيه، إلى أن نشرت نفس الجماعة المتطرفة فيديو لأحد المستوطنين ينفخ البوق داخل المسجد قبل أن يتم إخراجه من المسجد على يد شرطة الاحتلال.

فيما يحتفي الحاخام المتطرف يهودا غليك عراب اقتحامات المسجد الأقصى المبارك بهذه العملية، ويسوقها كـ"انتصار رمزي" في معركة السيطرة الدينية على المكان.

خلال العام الأخير، شددت قوات الاحتلال قبضتها على المسجد الأقصى المبارك بشكل غير مسبوق، حيث وصل الأمر إلى تدخلها في كل صغيرة وكبيرة داخل المسجد، وحتى التدخل في عمل دائرة الأوقاف الإسلامية كمنع ذكر غزة في خطب الجمعة، أو حتى الإشارة إليها وإن من بعيد، تحت طائلة الإبعاد عن المسجد دون النظر إلى طبيعة شخصية الخطيب ومركزه الديني والاجتماعي والرسمي، كما فعلت مع الشيخ محمد سرندح خطيب المسجد الأقصى، والشيخ عكرمة صبري خطيب الأقصى ورئيس الهيئة الإسلامية العليا، والشيخ محمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية، وغيرهم.

وقد ترافق ذلك مع تضييق ممنهج على الصحفيين المقدسيين والمصورين الذين يشكلون عين الناس على ما يجري داخل المسجد، إذ أصبح كثير منهم عرضة للاستدعاء، أو الإبعاد، أو مصادرة الهواتف والكاميرات عند محاولتهم توثيق أي حدث، بل وبلغ الأمر بشرطة الاحتلال، تفتيش هواتف المصلين المسلمين أثناء وجودهم داخل المسجد الأقصى؛ للتأكد من أنهم لم يلتقطوا صورا أو فيديوهات للمستوطنين خلال الاقتحامات، الأمر الذي جعل من عملية نقل الصورة من داخل المسجد شبه مستحيلة في كثير من الأوقات.

وتشير شهادات عدد من الصحفيين والناشطين المحليين، إلى أن قوات الاحتلال لم تكتفِ بإغلاق الأبواب في وجوههم، بل قامت في أحيان كثيرة بإخراجهم من باحات المسجد قبل بدء الاقتحامات بدقائق، أو منعهم من دخول المسجد أصلا تحت ادعاءات مختلفة؛ ليبقى الميدان خاليا إلا من المستوطنين والشرطة.

وهذا الإخلاء المسبق للمكان من الإعلاميين والمرابطين يأتي ضمن خطة واضحة لتغييب الصورة الحقيقية لما يحدث، بحيث لا تصل الصورة إلا بعد انتهاء الحدث عبر الرواية الإسرائيلية الجاهزة التي تُقدَم بصفاقة على أنها "صلاة محدودة" أو "زيارة جماعية منظمة" لباحات عامة مفتوحة حسب التعريف الإسرائيلي للمسجد الأقصى.

ومع غياب العدسة الميدانية، تضعف قدرة الرأي العام العربي والإسلامي على متابعة ما يجري في المسجد، لتتحول القدس إلى مجرد عنوان عابر في نشرات الأخبار، بينما تتواصل في داخلها عمليات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى بهدوء وصمت تام.

فالمشهد الذي كان قبل سنوات يملأ الشاشات بأصوات التكبير والاحتجاج، أصبح اليوم صامتا إلا من بيانات مقتضبة تصدر عن دائرة الأوقاف الإسلامية، أو وزارة الخارجية الأردنية، أو عن بعض المؤسسات المختصة والمهتمة.

إن ما يجري ليس مجرد صدفة ظرفية، بل هو نتاج سياسة طويلة المدى تهدف إلى سلخ المسجد الأقصى عن حضوره الإعلامي، وهو جزء من هندسة الوعي العام بإلغاء المسجد منه.

فالمعركة على المسجد ليست معركة حجارة ومبانٍ فقط، بل معركة رواية وصورة وذاكرة، إذ إن المشهد المرئي هو واحد من أبرز أدوات تحفيز الوعي القادرة على خلق التعاطف لدى الناس، ومن يمتلكُ القدرة على نقل الصورة، يملك القدرة على تشكيل الرواية، ومن يحتكرُ الرواية، يستطيع أن يبرر الفعل ويطمس الحقيقة.

ولأن الاحتلال أدرك مبكرا أن صورة الجندي وهو يقتحم المسجد أو صورة المستوطن وهو يرفع علمه في باحات الأقصى كفيلة بإشعال غضب عالمي واسع، فقد قرر أن يمنع الكاميرات من الدخول، وأن يفتح المجال بالمقابل لعدسات إسرائيلية مختارة تلتقط المشهد بالطريقة التي يريدها هو، ثم تُوزع لاحقا في وسائل التواصل الاجتماعي لجماعات المعبد المتطرفة مصحوبة برؤيتها وتبريراتها للحدث.

ما يزيد خطورة المشهد أن منصات التواصل الاجتماعي التي شكلت على الدوام أداة مهمة لنشر ما يجري في الأقصى، ومقاومة التعتيم الإسرائيلي، أصبحت هي الأخرى ساحة للرقابة الصامتة.

فبمجرد أن تنتشر مقاطع توثق أي اقتحامات، أو اعتداءات على المسجد الأقصى أو المصلين فيه، تُحجب أو تُخفض درجة ظهورها؛ بحجة "مخالفة معايير المجتمع"، وهو ما يجعل التعتيم اليوم أكثر إحكاما وتطورا، إذ لم يعد بحاجة إلى جنود يمنعون الكاميرات عند الأبواب بالضرورة، بل يكفي أن تعمل خوارزميات الشركات الكبرى لحجب الصورة في لحظة.

بالمقابل، فإن المرابطين والناشطين المقدسيين الذين يوثقون لحظات الاقتحام والاعتداء، ولو من بعيد وينشرونها بسرعة قبل أن يقبض عليهم الاحتلال، أصبحوا اليوم خط الدفاع الأول عن الذاكرة البصرية للمسجد، ولولاهم لانقطعت الصلة بين العالم وبين ما يجري فعلا في باحاته. لكن هذه الجهود الفردية، مهما بلغت شجاعتها، تفتقد اليوم إلى منظومة دعم إعلامي ومؤسسي تحميها للأسف.

إذن، فالتعتيم الإعلامي لم يعد مجرد عَرَض جانبي للصراع على المسجد الأقصى، بل أصبح أداة رئيسة في إدارة المشهد. فحين لا تُرى الانتهاكات، لا يُحاسَب أحد، وحين تغيب الصورة، يغيب معها الإحساس بخطورة ما يجري. ولهذا يبدو الاحتلال أكثر حرصا على إغلاق العدسات من حرصه على إغلاق الأبواب.

هذا يفتح الباب للسؤال عن كيفية التعامل مع ما يجري، وهنا لا بد من الإشارة مباشرة إلى الجهات الرسمية في المسجد الأقصى، وتحديدا دائرة الأوقاف الإسلامية التي تتبع وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الأردنية، التي بات الاحتلال يتعامل معها باعتبارها تدير الوجود الإسلامي داخل المسجد الأقصى فقط، ولا تدير المسجد نفسه، وهذا الأمر ينبغي عدم السكوت عنه وعدم التهاون معه.

إن المطلوب من الأردن الرسمي أن يمارس حقه القانوني والسياسي الكامل في إدارة شؤون المسجد الأقصى المبارك حتى لو أدى ذلك إلى تأزيم الموقف مع إسرائيل، فالتأزيم وإن كان يبدو سلبيا للوهلة الأولى إلا أن نتائجه على المستويين؛ المتوسط والبعيد إيجابية، فالاحتلال الذي يحاول أن يظهر اليوم قويا بإطلاق جنونه في غزة والضفة الغربية في الحقيقة لا يمكنه في هذا الوقت المغامرة بفتح جبهات أكثر من اللازم.

ومغامرة التصعيد والتأزيم مع بلد مثل الأردن، ستعمق الشرخ في المجتمع السياسي الإسرائيلي المنقسم على نفسه أصلا، خاصة بالنظر إلى أن الأردن يقع على أطول خط حدود برية مع إسرائيل.

ملف المسجد الأقصى بالنسبة للأردن يعتبر مسألة وجودية لا يمكن ولا يجوز التهاون فيها مهما كانت النتائج. ولذلك، فإن أقل ما يمكن للأردن أن يفعله هو ممارسة حقه المكفول بموجب القانون الدولي باعتباره يمثل السلطة الدينية صاحبة الحق الحصري في إدارة الأقصى وصيانته وإعماره بما في ذلك مراقبة كافة أرجاء المسجد الأقصى ونشر حراسه فيها لتوثيق ونشر ما يحدث فيه من عدوان لا يمكن السكوت عنه؛ وإلا فإن هذا التعتيم المقصود يمكن أن يكون مدخلا لطمس هوية الأقصى والتأسيس للمعبد معنويا وماديا تحت ستار الحصار والتعتيم، وعند ذلك لن ينفع الندم.