‏إظهار الرسائل ذات التسميات رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث تحليلات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث تحليلات. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

الاستعمار التأسيسي وهندسة الفناء: من معاقبة الفلسطيني إلى إفناء المعنى العربي

 الاستعمار التأسيسي وهندسة الفناء: من معاقبة الفلسطيني إلى إفناء المعنى العربي

ساري عرابي


ناقشت المقالة السابقة عن "الاستعمار التأسيسي والعقاب المستمر" أنّ السياسات الإسرائيلية الباطشة لا تعمل بوصفها ردود فعل عابرة أو ظرفية، بل تنبع من منطق تأسيسي يسعى إلى تكريس الحالة الاستعمارية وتحويل الوجود الفلسطيني ذاته إلى جرم دائم. وبيَّنَت كيف تُقدَّم هذه السياسات في الخطاب الإسرائيلي والدولي والعربي لتبدو وكأنها عقوبات ألجأ الفعلُ الفلسطيني إسرائيلَ إليها، في محاولة لإعادة هندسة الوعي بحيث لا يقتصر أثر البطش على حمل الفلسطينيين على الندم بعد الفعل المقاوم، نتيجة النهج الإسرائيلي الذي يحرص دائما على جعل الثمن المدفوع فلسطينيّا أعلى بما لا يُقارن بأي جدوى مرجوّة، وإنما يتعدى ذلك إلى زرع الإحساس العميق بالذنب والخطيئة الأصلية في الوعي الفلسطيني، أي خطيئة الوجود نفسه.

بانكشاف هذه السياسات الباطشة، يتضح أنها لا تستهدف المقومات النضالية فحسب، بل الإرادة النضالية ذاتها، إذ تتجلى سياسات الاستيطان والحصار الخانق والقتل المستمر اندفاعا نحو إعدام الإرادة الفلسطينية في التحرر، لا باعتبارها ردّا على المقاومة الصريحة، الشعبية أو المسلحة، وإنما أيضا على كل فعل يكشف عن الوعي بالذات الوطنية والإصرار على التحرر. ولهذا فإن جزءا واسعا من هذه السياسات، خاصة في تعزيز الاستيطان والضم والحصار الاقتصادي، يُعرَّف إسرائيليّا بوصفه ردّا على مساعي السلطة الفلسطينية القانونية والدبلوماسية، كالتوجه إلى المحاكم الدولية أو الأمم المتحدة، بينما يتضح بغير كبير عناء أنّ المنطق التأسيسي والفعل القبلي هو الموجّه الحقيقي لهذه السياسات، وأنها في حدّها الأدنى إبادة معنوية وسياسية للشعب الفلسطيني، وفي حدّها الأعلى نفي مادي وجودي. وحين يستجيب وعي الفلسطيني أو العربي لهذه الإرادة الإسرائيلية فيُحِّمل الضحيةَ مسؤوليةَ فنائها، فإن الاستجابة ستتعمق حتى الإيمان بخطيئة الوجود ذاته، لتتحول الذات إلى شريك في فنائها، ويغدو الوعي قابلا لسياسات الإبادة المعنوية والسياسية، التي جوهرها موت الإرادة النضالية قبل موت الجسد.

جاءت الضربة الإسرائيلية الفاشلة لوفد حركة حماس المفاوض في الدوحة يوم 9 أيلول/ سبتمبر، لتعطي التعبير الصحيح الكامل عن حقيقة الموقف التفاوضي منذ اليوم الأوّل في الإبادة الجماعية وحتى الآن، لم يكن القصف دليلا فقط على إرادة الاستمرار في إبادة الفلسطينيين وعدم وقف الحرب، ولكنه قصف للمنطقة كلها


يمكن ملاحظة هذه الاستجابة من بعض الفلسطينيين والعرب؛ بالكيفية التي تجري فيها مراجعة أيّ فعل فلسطيني نضاليّ، بحيث يسارع الوعي المستجيب لهندسة إسرائيل له إلى افتراض ردود فعل إسرائيلية تجعل هذا الفعل النضاليّ مجرّما سلفا في التصور الضمني، وفي قلب هذا التصوّر انزياح الوعي عن مراقبة الفعل الإسرائيلي التأسيسي، والمتقصد إعدام الإرادة النضالية، والمحو المعنوي والسياسي للفلسطينيين، إلى تحميل المسؤولية للفاعل الفلسطيني، كما في النقاشات التي دارت حول مفاوضات إنهاء الحرب. وبالرغم من كون بعض هذه النقاشات مدفوعة بانحيازات مسبقة، فإنّ الهول الذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين خلق مراجعة تأنيبية للذات، منصرفة بالكلية عن ملاحظة سياسات العدوّ لتنتهي بالضرورة إلى قبول الفناء الذاتي، بوصف الوجود فعلا، أو حقيقة مادية، خاطئ، تماما كالفعل النضالي، أي إنّ المراجعة للفعل النضالي، والتي تقفز من النقد المحسوب بغرض توسيع الخيارات الكفاحية وتطويرها، إلى إدانة المناضل الفلسطيني، سوف تنتهي بالضرورة إلى قبول المنطق الإسرائيلي الذي يرى جوهر المشكلة في مبدأ الوجود الفلسطيني.

لقد جاءت الضربة الإسرائيلية الفاشلة لوفد حركة حماس المفاوض في الدوحة يوم 9 أيلول/ سبتمبر، لتعطي التعبير الصحيح الكامل عن حقيقة الموقف التفاوضي منذ اليوم الأوّل في الإبادة الجماعية وحتى الآن، لم يكن القصف دليلا فقط على إرادة الاستمرار في إبادة الفلسطينيين وعدم وقف الحرب، ولكنه قصف للمنطقة كلها، ليس لأنّ هذه المنطقة بدولها ونخبها الحاكمة، أو حتى شعوبها، ممانعة للوجود الإسرائيلي، ولكن لأنّ هذا الوجود انفلت حتى يصل إلى اللحظة التي يتأكد فيها من الموت التامّ للمعنى العربي. فحتى استضافة وفد من حركة حماس بغرض التفاوض معه؛ لم يعد مقبولا إسرائيليّا، إنّ المشكلة هنا لدى إسرائيل ليست في حماس بوصفها الحركة التي نفّذت الضربة الأكثر خطورة للأمن الإسرائيلي في تاريخ الصراع برمّته ومن مكان كان يزدريه عقل التفوق العنصري الإسرائيلي، وإنّما المشكلة في الحقيقة الفلسطينية، وجودا وهوية قومية سياسية ونضالا واتصالا بالامتداد العربي، وبالرغم من أنّ هذا الامتداد في وضع مريع من التخلي عن فلسطين وأهلها، وقبول بالهيمنة الإسرائيلية، فإنّ الدرجة التي عليها هذا الوضع غير كافية للإسرائيلي، الذي لا تقبل بنيته الجوهرية إلا إبادة العرب معنويّا، بتخلّيهم عن ذاتهم، ذاتهم بما هي فاعلة، وهذه الفاعلية لا يمكن اختبارها إلا بالموقف من فلسطين.

إنّ الاستسلام العربي طويل الأمد في سيرورته التاريخية للهندسة الإسرائيلية؛ انتهى إلى مجموعة من القناعات التي عبّرت عن نفسها بهذه العناوين: "استحالة هزيمة إسرائيل"، "إسرائيل وجدت لتبقى"، "القضية الفلسطينية عبء"، "القضية الفلسطينية تضخمت أكثر مما ينبغي"، "القضية الفلسطينية مشكلة الفلسطينيين وحدهم"، "الفلسطينيون وحدهم من يتحمل المسؤولية عن استمرار معاناتهم"، ولقد تحولت هذه العناوين من موقف ضمني، يكشفه واقع الحال، إلى خطاب تُعبِّر عنه كتائب من المثقفين العرب، الذين جاهروا صراحة بادعاء مسؤولية الفلسطينيين عن استمرار معاناتهم لرفضهم كلّ الحلول المقترحة، بالرغم من تكذيب الحقيقة الصارخة لهذا الادعاء، وأنّ القضية الفلسطينية كانت سببا في ضمور التنمية العربية، في إحالة إلى الفلسطيني، لا إلى إسرائيل والتي هي الواقعة الطارئة على المنطقة بما يجعلها هي أصل المشكلة وسبب استمرارها، وأنّه لا يمكن حلّ القضية الفلسطينية إلا بتخليصها من أوزانها الزائدة، وهو أمر لا معنى له، إلا حرمان الفلسطينيين من حقهم في تجسيد هويتهم القومية وتحويلهم إلى كائنات بلا هوية ملحقة بالأمن الإسرائيلي.

لم يكن الأمر يحتاج إلى أن تقصف إسرائيل وفدا مفاوضا في دولة وسيطة، تقوم بوساطتها بالاتفاق مع الأمريكي والإسرائيلي، وقوى أساسية أخرى في المنطقة كمصر، ليتبين أنّ المشكلة الإسرائيلية في أساسها تستعصي على الإحاطة بها


لم يكن الأمر يحتاج إلى أن تقصف إسرائيل وفدا مفاوضا في دولة وسيطة، تقوم بوساطتها بالاتفاق مع الأمريكي والإسرائيلي، وقوى أساسية أخرى في المنطقة كمصر، ليتبين أنّ المشكلة الإسرائيلية في أساسها تستعصي على الإحاطة بها، فإنّ المنطق العربي التاريخي نفسه، قبل الانهيار المريع، رأى في إسرائيل مانع التنمية والاستقرار في المنطقة والحائل دون رفاهية شعوبها ودون استكمال دولها لاستقلالها الكامل بالتخلص من التبعية، علاوة على أن إزاحة النظر عن إسرائيل إلى الفلسطينيين من حيث تحمل المسؤولية، لا يصمد عند أدنى حجاج محدود، لأنّ الواقع أكبر من الأوهام المصاغة بالهندسة الإسرائيلية في الوعي العربي.

هذه الاستجابة الرسمية للهندسة الإسرائيلية، والمعبرة عن نفسها في كتائب من المثقفين والإعلاميين، وأساطيل من الوسائل الإعلامية، كان لا بدّ وأن تنعكس في الجمهور العربي نفسه، في الشعوب العربية ذاتها، التي لم تَضمُر فيها إرادة مواجهة إسرائيل فحسب، إذ هذا حاصل فيها منذ زمن، ولكن ضَمُر فيها الوعي بكون إسرائيل مشكلة لها.

وقد ساعد على إعادة هندسة وعي هذه المجتمعات والشعوب، وعلاوة على سياسات تجريف المجال العام وإعدام العمل السياسي في البلاد العربية، وسياسات الضخ الإعلامي الرامية إلى تشويه القضية الفلسطينية، جملة من التحولات الإقليمية التي أزاحت إسرائيل عن كونها مشكلة هذه المنطقة، لإحلال بدائل مكانها، كإيران، بالرغم من انتفاء وجاهة الإبدال والإحلال هذا، لكون إسرائيل حالة استعمار أجنبي مكشوف قائم على أساس مهين للعقل البشري والكرامة الآدمية، وبنحو يؤبد مأساة السكان الأصليين بعد اقتلاعهم وطردهم، ويقطع إمكان التكامل العربي الاقتصادي والأمني.

إنّ الهزيمة النفسية الأبدية، والتي هي مراد نظرية الجدار الحديدي لجابوتنسكي، والتي تروم إقناع العرب بخطيئة فعل أيّ شيء ضدّ إسرائيل، لم تنته بالعرب فقط إلى تأثيم الفلسطينيين، واحتقار حتى وجودهم في بعض ما يمكن أن تدل عليه تلك الخطابات وما لا ينفصل عنها من سياسات رسمية، ولكن انتهت بهم إلى قبول فناء المعنى الذاتي، فإنّ 57 دولة عربية وإسلامية، اجتمعت في الدوحة في 14-15 أيلول/ سبتمبر (أي بعد أربعة أيام من العدوان الإسرائيلي على الدوحة، في حين أنّ القمة العربية الإسلامية لم تجتمع بعد الإبادة الجماعية إلا يوم 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، أي بعد أكثر من شهر من بدء الإبادة)، لا تساوي شيئا في ميزان الولايات المتحدة في مقابل ثقل إسرائيل في ميزانها، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى خفة هذه الدول، التي لم تتخذ واحدة منها، ممن تقيم علاقات مع إسرائيل، قرارا بوزن قرارات إسبانيا العقابية ضدّ إسرائيل، بينما تلك التي لا تقيم علاقات مع إسرائيل، تبدو لنفسها وكأنّها تفعل أكثر مما هو عظيم.

لقد نجحت إسرائيل، ومن خلفها الولايات المتحدة، في إفناء المعنى العربي، واليوم يلتقي العربي مع الإسرائيلي والأمريكي، لتطبيع الفلسطينيين مع العدم وإقناعهم بذلك شرطا لخلاصهم، بعد تحميلهم ذنب معاناتهم، وجعلهم الخطيئة الأنطولوجية المسؤولة عن مآسي المنطقة، بما يَحْملُهم على كراهة ذاتهم، والقبول بفنائها لا لأجل خلاصها فحسب، ولكن لأجل راحة العالم منهم أيضا!

x.com/sariorabi


الاستعمار التأسيسي والعقاب المستمر: هندسة الوعي وتحميل الفلسطيني مسؤولية فنائه




الخميس، 28 أغسطس 2025

غاندي الذي لا نعرف!

غاندي الذي لا نعرف!


 رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث.

إن كان غاندي يتصور أن أعمال المسلمين في الهند لا تقوم إلا على مساعدة الهنادكة فقد آن له أن يخرج هذه الفكرة من دماغه؛ وليعلم غاندي أن المسلمين لم يعتمدوا قط على أحد إلا على الله عز وجل وعلى أنفسهم. (أبو الكلام آزاد).

لا يعرف الكثير من العرب والمسلمين حقيقة غاندي الزعيم الهندي الهندوسي المتعصب، الذي أخفى تعصبه الهندوسي في جسد نحيل يُظهر ضلوعًا بارزة وخلف مُغزل وشاة لا تقل عنه نحافة وهزالًا!

استطاع غاندي أن يخدع الحركات الوطنية وأظهر نفسه بأنه البطل الوطني الذي استطاع بنضاله أن يحرر الهند من الاستعمار البريطاني؛ ما جعله رمزًا لكثير من الحركات الوطنية التي كانت تقارع الاستعمار وتطالب بالاستقلال.

بدأت الحركة الوطنية لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني على يد الحركة الإسلامية؛ ما أثار مخاوف الإنجليز الذين لا يغيب عنهم المكر والخداع والدهاء؛ فعمدوا إلى القضاء عليها كعادتهم بأسلوب المكر والخداع الذي برعوا فيه وأصبح سمة من سماتهم الجينية والخلقية بتنحية المسلمين عن زعامة وقيادة الحركة الوطنية واستبدال الهندوس بهم؛ حتى لا تعود السيادة للمسلمين على الهند الذين حكموها لأكثر من 8 قرون.

اتجه العمل لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني عن طريق الجمعية الإسلامية العامة في مدينة لكنؤ (بومباي) التي كان يشرف عليها كبار علماء المسلمين في الهند، مطالبين بحقوق المسلمين كوطنيين أصليين ردًا على السياسة الإنجليزية التي تعمدت إقصاءهم ومعاملتهم وكأنهم عنصر غريب عن الهند.

وفي الوقت نفسه، أنشأ الهندوس المؤتمر الوطني العام الذي أطلقوا عليه اسم «المجلس الملي الوطني الهندي العام»، الذي كان يهدف إلى تحقق السيادة للهندوس على الأقليات الهندية التي يقصدون بها المسلمين على وجه التحديد والتخصيص.

في عام 1916م، انتبهت الحكومة الإنجليزية في الهند لنشاط الجمعية الإسلامية، فقامت بنفي محمود الحسيني بالإيعاز له بمغادرة الهند، وألقت القبض على أعوانه من رموز الجمعية الإسلامية أبو الكلام آزاد، وحسرت ماهان، وظفر الله خان، ومحمد علي، وشوكت علي، الذين استمر اعتقالهم حتى عام 1919م.

تم إطلاق سراح المعتقلين من الزعماء المسلمين الذين عقدوا لقاءً جامعًا للزعماء المسلمين بدعوة من مولاي عبد الباري، رئيس العلماء، لمناقشة موضوع تأسيس جمعية إسلامية لتنظيم مطالب الاستقلال في الوقت الذي ظهرت فيه مؤامرة الدول الغربية على الخلافة العثمانية لإسقاطها، فكان إعلان إنقاذ الخلافة الإسلامية من مخالب الأعداء الطامعين.

نجح الزعماء في تأسيس جمعية أو حركة الخلافة في بومباي في فبراير 1920م، برئاسة غلام محمد فتو، وميان حاجي خان، وضمت في عضويتها كبار الزعماء المعروفين في الهند، وشرعت في جمع التبرعات المالية لمساعدة الخلافة العثمانية، وأقبل المسلمون من كل مناطق الهند لدفع الأموال حتى بلغ إجمالي ما جمع أكثر من 17 مليون روبية.

في تلك الأثناء، لم يكن غادي معروفاً في الأوساط السياسية الهندية إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ حين اقترب من جمعية الخلافة، فرحب به المسلمون مع تحذير المولوي خوجندي الذي كان على صلة به ويعرف سريرته ويعلم تعصبه للهندوسية.

نجح في اختراق جمعية الخلافة، وأظهر أنه ناصح أمين فطلب من المسلمين إشراك الهندوس في الجمعية، فانطلت خدعته وتم تكليفه بالسعي في الأمر، فطاف الهند يدعو إلى الوفاق، ويحض الهنادكة للانضمام إلى الجمعية.

بعد عودته عمل على إقناع جمعية الخلافة بالانضمام إلى الكونجرس (المؤتمر الوطني) فانضمت الجمعية إليه وتبعتها باقي الأحزاب الإسلامية بناء على الثقة في غاندي.

عقد الكونجرس اجتماعًا استثنائيًا في مارس 1920م، في بلدة باكبور، حضره 25 ألف مندوب أغلبهم من المسلمين، وتم تعديل النظام الأساسي للكونجرس بعد تعديل المادة التي تنص على كلمة إصلاح إلى عبارة «استقلال الهند»، وشرعت الأحزاب الهندية بعد هذا المؤتمر بالمطالبة باستقلال الهند التام عن بريطانيا طبقًا لرغبة المسلمين بعد أن كانوا في الكونجرس لا يطالبون إلا بالإصلاحات فقط.

ارتعبت الحكومة البريطانية من هذا التحول الذي أصبح يهدد وجودها في الهند؛ فألقت القبض على الزعماء المطالبين بالاستقلال وزجت بهم في السجون.

اجتمع قادة الحركة وقدم أبو الكلام آزاد اقتراحًا باسم الأعضاء المسلمين بإعلان الأمة الهندية، وأن الحكومة الإنجليزية غير شرعية ويجب مقاطعتها فوافق أعضاء الجمعية، وانعقد على أثره مؤتمر جمعية الخلافة الذي أعلن موافقته بالإجماع على قرار الحركة، فقام غاندي خطيبًا ليعلن موافقته المشروطة بعدم مناوأة الحكومة البريطانية فقال: إن اتحاد الهنادكة مع المسلمين يبقى متيناً ما لم يشرع المسلمون في مناوأة الحكومة البريطانية، ويشهروا في وجهها السلاح.

فرد عليه أبو الكلام آزاد: إن كان غاندي يتصور أن أعمال المسلمين في الهند لا تقوم إلا على مساعدة الهنادكة فقد آن له أن يخرج هذه الفكرة من دماغه، وليعلم غاندي أن المسلمين لم يعتمدوا قط على أحد إلا على الله عز وجل وعلى أنفسهم.

شرع الهنود في تطبيق قرارهم من خلال مقاطعة الحكومة وممارسة العصيان المدني؛ فامتنعوا عن دفع الضرائب وأعاد الموظفون الرتب والنياشين والبراءات التي منحتها لهم الحكومة في السابق، كما امتنع المحامون عن الدفاع أمام المحاكم؛ بل قام المسلمون بحرق كل مخازنهم التي تحتوي على البضائع الإنجليزية، وتركوا وظائفهم فحل الهندوس محلهم، واضطر الكثير منهم إلى الهجرة خارج الهند تاركين أملاكهم وأراضيهم في الهند.

كان للمقاطعة أثر كبير خاصة في مقاطعة البنغال الذين امتلأت بهم سجون الحكومة التي لم تعد تسعهم؛ ما دفع اللورد ريدنج الحاكم العام في كلكتا إلى القول: إنني شديد الحيرة من جراء هذه الحركة ولست أدري ماذا أصنع فيها؟

لجأت الحكومة الإنجليزية للمؤامرة للقضاء على هذه الحركة الفاعلة والمؤثرة، فوجدت في غاندي خير واجهة لهذه المؤامرة للقضاء على حركة الاستقلال أو تحجيم الدور الكبير الذي كان يمثله المسلمون فيها.

عقد اللورد ريدنج مع غاندي صفقة لفك التوافق بين المسلمين والهندوس تم تسريبه والإعلان عنه من قبل الحكومة البريطانية بعد 6 أشهر، وكان مدخلًا للورد ريدنج إلى هذا الاتفاق مع غاندي تغذية النزعة الهندوسية لدى غاندي وتخويفه من المسلمين.

قال ريدنج لغاندي: إن مركز القوة في حركة استقلال الهند هم المسلمون، ولو أسرعت بريطانيا بتلبية طلباتكم وسلمت مقاليد الأمور؛ فإن مصير الهند آيل ليد المسلمين ولن يكون للهندوس، وهذا سوف يعيدكم إلى ما قبل الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية.

وإذا كنتم -الهندوس- تريدون أن تحتفظوا لأنفسكم باستقلال الهند؛ فعليكم أولاً أن تسعوا أولاً لكسر شوكة المسلمين، وهذا لا يمكنكم إلا بالتعاون والتنسيق مع الحكومة الإنجليزية، ويتطلب منكم تنشيط الحركات الهندوسية وتفعيلها وتوسيع نطاقها للتفوق على المسلمين، وبذلك أؤكد لكم أن حكومة بريطانيا لن تتأخر في منحكم الاستقلال والاعتراف لكم به.

في أغسطس عام 1920م، عقد مؤتمر الخلافة في كراتشي وأعلن مقاطعة الحكومة؛ فأمرت الحكومة باعتقال الزعماء المسلمين وعلى رأسهم محمد علي، و5 آخرين قدمتهم للمحاكمة وهم بدورهم رفضوا الاعتراف بالحكومة والمحكمة التي قضت عليهم بالسجن لمدة عامين مع الأشغال الشاقة وهذه ضربة موجهة من الإنجليز للمسلمين لمنح الفرصة لغاندي الذي كان يعمل تحت عينها، بل بالتنسيق معها.

ولما عقد اجتماع الكونجرس في ديسمبر 1920م، استغل غاندي الفراغ الذي سببه سجن الزعماء المسلمين وقال: بما أن الزعماء يعتقلون ولا سبيل للمداولة معهم في منهاج أعمال المؤتمر، فأقترح عليكم تعييني رئيساً للمؤتمر وتخويلي السلطة المطلقة لتنفيذ ما أراه صالحًا من قرارات وإجراءات.

وافقت اللجنة على طلبه دون أن تتنبه إلى ما كان يضمره ففاجأهم في اجتماع الكونجرس برئاسته في أغسطس 1921م، بمدينة أحمد آباد بإعلانه: أن الوقت الذي يصر فيه المؤتمر باستقلال الهند لم يحن بعد، وبهذا عطل إعلان الاستقلال الذي كان يصر عليه الزعماء المسلمون، وبهذا الإعلان أدرك المسلمون حقيقة غاندي المتآمر مع الإنجليز ضد المسلمين، وحقيقة اتفاقه مع الإنجليز على تسليم الهند للهندوس وتحجيم الوجود الإسلامي في الهند تمهيدًا للقضاء عليه في شبه القارة الهندية.

هذا هو غاندي، وهذه هي حقيقته التي لم نعرفها أو تم تغييبها عن الأجيال في العالمين العربي والإسلامي حتى بلغ بأحد أكابر المفكرين العرب من انخداعه بغاندي فكتب عنه بأنه في مجالسه وحوله الآلاف المؤلفة من البشر -الهندوس- مدرسة وجهت إلى ضمير القرن العشرين!

الحقيقة أن غاندي هندوسي متعصب لقوميته وعقيدته كاره للمسلمين متآمر عليهم وعلى عقيدتهم، وهكذا كان تلاميذه من الهندوس من بعده متمثلين في نهرو، وابنته أنديرا غاندي -ابنة نهرو- وصولًا إلى مودي، رئيس وزراء الهند الحالي، وما يفعله بمسلمي الهند ما هو إلا امتداد واستمرار لتعصب غاندي ضد تواجد الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية التي كانت إحدى القلاع الإسلامية في زمن القوة والتمكين.

الاثنين، 19 مايو 2025

تطورات الموقف التركي من الأزمة الليبية

تطورات الموقف التركي من الأزمة الليبية

رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث



قامت العلاقات الدبلوماسية التركية الليبية بعد إعلان استقلال ليبيا عام 1951، وتوطدت أثناء حكومة «عدنان مندريس»، الذي تربطه علاقات ود واحترام مع ملك ليبيا إدريس السنوسي، حكم ليبيا (1969-1951)، واستمرت هذه العلاقات بعد الانقلاب العسكري في ليبيا عام 1969 وتعاقب الحكومات العسكرية في تركيا.

بعد وصول حزب الحرية والعدالة ذي التوجه الإسلامي للحكم في تركيا، وانطلاق مشروع ليبيا الغد في ليبيا الذي حرك حالة الجمود؛ بل الانهيار في البنية التحتية التي تبناها العقيد القذافي في ليبيا لمدة تجاوزت ثلاثة عقود، إذ انصرف إلى ما عُرف بتمويل حركات التحرر العالمية تاركًا البلاد في حالة جمود اقتصادي، واختناق سياسي، وانعدام الاهتمام بالبنية التحتية، مع قبضة أمنية مشددة.

 استيقظ رأس النظام متأخرا بعد الصدمة الكبرى المتمثلة في احتلال الولايات المتحدة للعراق ومشهد إعدام الرئيس العراقي صدام حسين الذي أوحى إليه أن دوره قادم لا محالة. حاول القذافي أن يحل أزماته، ويفتح علاقات مع الغرب بصفة عامة، وأن يحدث بعض الانفراجات في الداخل الليبي مُكرها لا طائعا تحت ضغط الواقع الجديد، الذي جعل كابوس الإطاحة به قائمًا بين عينيه سواء في حالة اليقظة أم المنام.

عمل النظام على تلميع صورته وتغيير سياسته، من خلال إقامة بعض المشروعات السكنية، وتحديث البنية التحتية؛ فقام بعقد عدة اتفاقات مع شركات عالمية للقيام بتطوير البنية التحتية المتهالكة وإقامة مشروعات سكنية في عدة مدن ليبية؛ فكان لتركيا وشركاتها نصيب كبير قدر بستة مليارات دولار، مما عزز العلاقات التركية مع النظام الليبي، وهو ما أثر في تأخر حكومة أنقرة في اتخاذ موقف من ثورة 17 فبراير 2011، ورفضها للدعوات الدولية لفرض حظر جوي على ليبيا.

حرصت تركيا منذ بداية الثورة الليبية على عدم إصدار أي موقف رسمي تجاه أي من طرفي الصراع، وانتهجت أسلوب الانتظار، وعدم إعلان رد فعل رسمي حتى تتضح الأمور. كما أن تركيا مدينة لنظام القذافي بوقوفه إلى جانبها أثناء التدخل العسكري التركي في قبرص عام 1974، وانطلاقا من هذه الخلفية السياسية والتاريخية، رأت تركيا عدم المسارعة والانجرار وراء إصدار قرار دولي بتدخل عسكري أممي في ليبيا وخاصة من فرنسا التي تسعى لاستعادة نفوذها في جنوب ليبيا، الذي كانت تحتله بعد الحرب العالمية الثانية، وأُخرجت منه في العهد الملكي وتعتبره منطقة نفوذ تاريخي لها.

وعلى الرغم من واقعية الموقف التركي القائم على الموازنة بين حسابات الربح والخسارة؛ فإن موقف أنقرة من الثورة الليبية ألحق ضررا بالصورة الإيجابية المتوقعة من الحكومة التركية التي أيدت الثورة المصرية في الـ25 من يناير 2011.

 مع توسعِ الأزمة الليبية والتدخل الدولي بالإضافة إلى محاولات الثوار الليبيين التواصل مع أنقرة لمحاولة إقناعها بعدالة الثورة وضمان المصالح التركية في مرحلة ما بعد القذافي؛ أعلنت تركيا دعمها لثورة فبراير وانضمت لركب الداعمين للثورة التي أسقطت نظام العقيد معمر القذافي في 2011.

وبعد هجوم قوات قائد قوات عملية الكرامة خليفة حفتر على العاصمة طرابلس في 2019 بدأت تركيا بدعم الفصائل المعارضة التي رفضت هجوم خليفة حفتر على طرابلس، وأعربت تركيا عن استعدادها التام لتقديم كل أنواع الدعم لحكومة الوفاق الوطني برئاسة “فايز السراج” التي انبثقت عن اتفاق الصخيرات في المغرب.

 بدأ الدعمُ العسكري التركي علنيا، إذ أعلن أردوغان في عام 2019 تقديم الدعم العسكري لحكومة الوفاق الوطني وفقًا لاتفاق «التعاون العسكري»، بهدف إعادة التوازن في طرابلس في مواجهة قوات خليفة حفتر المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر.

وفي العام نفسه وقعت حكومة الوفاق الوطني مع تركيا مذكرة تفاهم بشأن المناطق البحرية في البحر الأبيض المتوسط، والمتعلق بأهداف اقتصاديةٍ تشمل استخراج النفط والغاز. إلى جانب ذلك، وُقعت مذكرة للتعاون الأمني تضمنت التدريبَ العسكريَ، ومكافحة الإرهاب.

في عام 2020، وافق البرلمان التركي على وجود عسكري تركي لمدة عام في ليبيا، يشمل تقديم الأسلحة والتدريب العسكري للجيش الليبي.

منح هذا الاتفاق فرصة كبيرة لتعزيز الوجود التركي في شمال إفريقيا، ولهذا تتمسك تركيا بهذا الوجود العسكري وتستمر في تمديده، إذ ترى أن الوجود التركي ساهم في تحقيق قدر من الاستقرار في الداخل الليبي بعد حرب أهلية جاءت على الأخضر واليابس ومزقت النسيج الاجتماعي، ووضعت وحدة البلاد في مُفترق طُرق.

تتباين وتختلف وجهات النظر الدولية والإقليمية، وكذلك الآراء السياسية داخل ليبيا حول تداعيات التدخل العسكري التركي وآثاره في تشكيل ملامح الوضع الحالي. تشير عدة تحليلات إلى أن الوجودَ العسكري التركي أدى إلى نتائج سلبية، إذ زاد من تعقيد الأزمة الليبية أكثر مما هي معقدة أصلاً، وعمّق حدة الصراع، ودفع نحو غلبة الحلول العسكرية.

من ناحية أخرى، تشير بعض التحليلات إلى أن الوجود العسكري التركي ساعد في فرض نوع من الاستقرار والهدوء، وهو ما لم يكن ليحدث قبل عام 2019. وعلى الرغم من أن تركيا تتخذ خطواتها بشكل براغماتي، إلا أن وجودها العسكري ودعمها لحكومة الوفاق الوطني ثم حكومة الوحدة الوطنية قد ساهما في تحقيق بعض التوازن.

ورغم دعم تركيا لحكومتي الوفاق الوطني ثم الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس إلا أنها تدرك أن مصلحتها الأساسية في الشرق الليبي الذي يقع تحت سيطرة قوات خليفة حفتر، ولذلك عملت على فتح قنوات اتصال مباشر مع حفتر خاصة بعد التحسن النسبي في العلاقة مع مصر التي لها القرار الأول في شرق ليبيا، فنجحت تركيا في استقبال عدد من أعضاء البرلمان الليبي الذين هم يمثلون حفتر؛ ثم قيام رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح حليف حفتر ومانحه الشرعية البرلمانية في قيادة الجيش الذي يهيمن على الشرق الليبي.

كما شكلت زيارة مسؤول جهاز التنمية والإعمار بلقاسم نجل حفتر إلى تركيا تحولات في المشهد السياسي، وتوضح ملامح مرحلة جديدة يجري العمل على رسمها، وتشير عدة تحليلات إلى وجود رغبة فعلية في التعاون بما يحقق مصالحَ الطرفين. يؤكد ذلك الخطوات التي اتخذها بلقاسم حفتر قبل زيارته إلى أنقرة، والتي تمثلت في منح الشركات التركية أعمالًا في مجال الصيانة والإنشاءات، مما يجعل تركيا تستثمر في الشرق الليبي أيضًا، وهذا يوضح تخلي سلطات شرق ليبيا عن تحفظاتها تجاه النظام التركي.

وأخيرا توج هذا الانفتاح بزيارة قائد القوات البرية في الشرق صدام حفتر إلى تركيا واستقباله استقبالا رسميا، وعلى أعلى المستويات من قبل الحكومة التركية. وهو ما يفتح المجال أمام تكهنات حول تحول كبير وواسع في العلاقة بين تركيا وشرق ليبيا، وأوسع مع ليبيا ككيان كامل بطرفيه الشرقي والغربي، ربما نراها في المرحلة المقبلة في العلاقات الليبية التركية.