‏إظهار الرسائل ذات التسميات مركز الكندي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مركز الكندي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 28 أغسطس 2025

غاندي الذي لا نعرف!

غاندي الذي لا نعرف!


 رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث.

إن كان غاندي يتصور أن أعمال المسلمين في الهند لا تقوم إلا على مساعدة الهنادكة فقد آن له أن يخرج هذه الفكرة من دماغه؛ وليعلم غاندي أن المسلمين لم يعتمدوا قط على أحد إلا على الله عز وجل وعلى أنفسهم. (أبو الكلام آزاد).

لا يعرف الكثير من العرب والمسلمين حقيقة غاندي الزعيم الهندي الهندوسي المتعصب، الذي أخفى تعصبه الهندوسي في جسد نحيل يُظهر ضلوعًا بارزة وخلف مُغزل وشاة لا تقل عنه نحافة وهزالًا!

استطاع غاندي أن يخدع الحركات الوطنية وأظهر نفسه بأنه البطل الوطني الذي استطاع بنضاله أن يحرر الهند من الاستعمار البريطاني؛ ما جعله رمزًا لكثير من الحركات الوطنية التي كانت تقارع الاستعمار وتطالب بالاستقلال.

بدأت الحركة الوطنية لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني على يد الحركة الإسلامية؛ ما أثار مخاوف الإنجليز الذين لا يغيب عنهم المكر والخداع والدهاء؛ فعمدوا إلى القضاء عليها كعادتهم بأسلوب المكر والخداع الذي برعوا فيه وأصبح سمة من سماتهم الجينية والخلقية بتنحية المسلمين عن زعامة وقيادة الحركة الوطنية واستبدال الهندوس بهم؛ حتى لا تعود السيادة للمسلمين على الهند الذين حكموها لأكثر من 8 قرون.

اتجه العمل لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني عن طريق الجمعية الإسلامية العامة في مدينة لكنؤ (بومباي) التي كان يشرف عليها كبار علماء المسلمين في الهند، مطالبين بحقوق المسلمين كوطنيين أصليين ردًا على السياسة الإنجليزية التي تعمدت إقصاءهم ومعاملتهم وكأنهم عنصر غريب عن الهند.

وفي الوقت نفسه، أنشأ الهندوس المؤتمر الوطني العام الذي أطلقوا عليه اسم «المجلس الملي الوطني الهندي العام»، الذي كان يهدف إلى تحقق السيادة للهندوس على الأقليات الهندية التي يقصدون بها المسلمين على وجه التحديد والتخصيص.

في عام 1916م، انتبهت الحكومة الإنجليزية في الهند لنشاط الجمعية الإسلامية، فقامت بنفي محمود الحسيني بالإيعاز له بمغادرة الهند، وألقت القبض على أعوانه من رموز الجمعية الإسلامية أبو الكلام آزاد، وحسرت ماهان، وظفر الله خان، ومحمد علي، وشوكت علي، الذين استمر اعتقالهم حتى عام 1919م.

تم إطلاق سراح المعتقلين من الزعماء المسلمين الذين عقدوا لقاءً جامعًا للزعماء المسلمين بدعوة من مولاي عبد الباري، رئيس العلماء، لمناقشة موضوع تأسيس جمعية إسلامية لتنظيم مطالب الاستقلال في الوقت الذي ظهرت فيه مؤامرة الدول الغربية على الخلافة العثمانية لإسقاطها، فكان إعلان إنقاذ الخلافة الإسلامية من مخالب الأعداء الطامعين.

نجح الزعماء في تأسيس جمعية أو حركة الخلافة في بومباي في فبراير 1920م، برئاسة غلام محمد فتو، وميان حاجي خان، وضمت في عضويتها كبار الزعماء المعروفين في الهند، وشرعت في جمع التبرعات المالية لمساعدة الخلافة العثمانية، وأقبل المسلمون من كل مناطق الهند لدفع الأموال حتى بلغ إجمالي ما جمع أكثر من 17 مليون روبية.

في تلك الأثناء، لم يكن غادي معروفاً في الأوساط السياسية الهندية إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ حين اقترب من جمعية الخلافة، فرحب به المسلمون مع تحذير المولوي خوجندي الذي كان على صلة به ويعرف سريرته ويعلم تعصبه للهندوسية.

نجح في اختراق جمعية الخلافة، وأظهر أنه ناصح أمين فطلب من المسلمين إشراك الهندوس في الجمعية، فانطلت خدعته وتم تكليفه بالسعي في الأمر، فطاف الهند يدعو إلى الوفاق، ويحض الهنادكة للانضمام إلى الجمعية.

بعد عودته عمل على إقناع جمعية الخلافة بالانضمام إلى الكونجرس (المؤتمر الوطني) فانضمت الجمعية إليه وتبعتها باقي الأحزاب الإسلامية بناء على الثقة في غاندي.

عقد الكونجرس اجتماعًا استثنائيًا في مارس 1920م، في بلدة باكبور، حضره 25 ألف مندوب أغلبهم من المسلمين، وتم تعديل النظام الأساسي للكونجرس بعد تعديل المادة التي تنص على كلمة إصلاح إلى عبارة «استقلال الهند»، وشرعت الأحزاب الهندية بعد هذا المؤتمر بالمطالبة باستقلال الهند التام عن بريطانيا طبقًا لرغبة المسلمين بعد أن كانوا في الكونجرس لا يطالبون إلا بالإصلاحات فقط.

ارتعبت الحكومة البريطانية من هذا التحول الذي أصبح يهدد وجودها في الهند؛ فألقت القبض على الزعماء المطالبين بالاستقلال وزجت بهم في السجون.

اجتمع قادة الحركة وقدم أبو الكلام آزاد اقتراحًا باسم الأعضاء المسلمين بإعلان الأمة الهندية، وأن الحكومة الإنجليزية غير شرعية ويجب مقاطعتها فوافق أعضاء الجمعية، وانعقد على أثره مؤتمر جمعية الخلافة الذي أعلن موافقته بالإجماع على قرار الحركة، فقام غاندي خطيبًا ليعلن موافقته المشروطة بعدم مناوأة الحكومة البريطانية فقال: إن اتحاد الهنادكة مع المسلمين يبقى متيناً ما لم يشرع المسلمون في مناوأة الحكومة البريطانية، ويشهروا في وجهها السلاح.

فرد عليه أبو الكلام آزاد: إن كان غاندي يتصور أن أعمال المسلمين في الهند لا تقوم إلا على مساعدة الهنادكة فقد آن له أن يخرج هذه الفكرة من دماغه، وليعلم غاندي أن المسلمين لم يعتمدوا قط على أحد إلا على الله عز وجل وعلى أنفسهم.

شرع الهنود في تطبيق قرارهم من خلال مقاطعة الحكومة وممارسة العصيان المدني؛ فامتنعوا عن دفع الضرائب وأعاد الموظفون الرتب والنياشين والبراءات التي منحتها لهم الحكومة في السابق، كما امتنع المحامون عن الدفاع أمام المحاكم؛ بل قام المسلمون بحرق كل مخازنهم التي تحتوي على البضائع الإنجليزية، وتركوا وظائفهم فحل الهندوس محلهم، واضطر الكثير منهم إلى الهجرة خارج الهند تاركين أملاكهم وأراضيهم في الهند.

كان للمقاطعة أثر كبير خاصة في مقاطعة البنغال الذين امتلأت بهم سجون الحكومة التي لم تعد تسعهم؛ ما دفع اللورد ريدنج الحاكم العام في كلكتا إلى القول: إنني شديد الحيرة من جراء هذه الحركة ولست أدري ماذا أصنع فيها؟

لجأت الحكومة الإنجليزية للمؤامرة للقضاء على هذه الحركة الفاعلة والمؤثرة، فوجدت في غاندي خير واجهة لهذه المؤامرة للقضاء على حركة الاستقلال أو تحجيم الدور الكبير الذي كان يمثله المسلمون فيها.

عقد اللورد ريدنج مع غاندي صفقة لفك التوافق بين المسلمين والهندوس تم تسريبه والإعلان عنه من قبل الحكومة البريطانية بعد 6 أشهر، وكان مدخلًا للورد ريدنج إلى هذا الاتفاق مع غاندي تغذية النزعة الهندوسية لدى غاندي وتخويفه من المسلمين.

قال ريدنج لغاندي: إن مركز القوة في حركة استقلال الهند هم المسلمون، ولو أسرعت بريطانيا بتلبية طلباتكم وسلمت مقاليد الأمور؛ فإن مصير الهند آيل ليد المسلمين ولن يكون للهندوس، وهذا سوف يعيدكم إلى ما قبل الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية.

وإذا كنتم -الهندوس- تريدون أن تحتفظوا لأنفسكم باستقلال الهند؛ فعليكم أولاً أن تسعوا أولاً لكسر شوكة المسلمين، وهذا لا يمكنكم إلا بالتعاون والتنسيق مع الحكومة الإنجليزية، ويتطلب منكم تنشيط الحركات الهندوسية وتفعيلها وتوسيع نطاقها للتفوق على المسلمين، وبذلك أؤكد لكم أن حكومة بريطانيا لن تتأخر في منحكم الاستقلال والاعتراف لكم به.

في أغسطس عام 1920م، عقد مؤتمر الخلافة في كراتشي وأعلن مقاطعة الحكومة؛ فأمرت الحكومة باعتقال الزعماء المسلمين وعلى رأسهم محمد علي، و5 آخرين قدمتهم للمحاكمة وهم بدورهم رفضوا الاعتراف بالحكومة والمحكمة التي قضت عليهم بالسجن لمدة عامين مع الأشغال الشاقة وهذه ضربة موجهة من الإنجليز للمسلمين لمنح الفرصة لغاندي الذي كان يعمل تحت عينها، بل بالتنسيق معها.

ولما عقد اجتماع الكونجرس في ديسمبر 1920م، استغل غاندي الفراغ الذي سببه سجن الزعماء المسلمين وقال: بما أن الزعماء يعتقلون ولا سبيل للمداولة معهم في منهاج أعمال المؤتمر، فأقترح عليكم تعييني رئيساً للمؤتمر وتخويلي السلطة المطلقة لتنفيذ ما أراه صالحًا من قرارات وإجراءات.

وافقت اللجنة على طلبه دون أن تتنبه إلى ما كان يضمره ففاجأهم في اجتماع الكونجرس برئاسته في أغسطس 1921م، بمدينة أحمد آباد بإعلانه: أن الوقت الذي يصر فيه المؤتمر باستقلال الهند لم يحن بعد، وبهذا عطل إعلان الاستقلال الذي كان يصر عليه الزعماء المسلمون، وبهذا الإعلان أدرك المسلمون حقيقة غاندي المتآمر مع الإنجليز ضد المسلمين، وحقيقة اتفاقه مع الإنجليز على تسليم الهند للهندوس وتحجيم الوجود الإسلامي في الهند تمهيدًا للقضاء عليه في شبه القارة الهندية.

هذا هو غاندي، وهذه هي حقيقته التي لم نعرفها أو تم تغييبها عن الأجيال في العالمين العربي والإسلامي حتى بلغ بأحد أكابر المفكرين العرب من انخداعه بغاندي فكتب عنه بأنه في مجالسه وحوله الآلاف المؤلفة من البشر -الهندوس- مدرسة وجهت إلى ضمير القرن العشرين!

الحقيقة أن غاندي هندوسي متعصب لقوميته وعقيدته كاره للمسلمين متآمر عليهم وعلى عقيدتهم، وهكذا كان تلاميذه من الهندوس من بعده متمثلين في نهرو، وابنته أنديرا غاندي -ابنة نهرو- وصولًا إلى مودي، رئيس وزراء الهند الحالي، وما يفعله بمسلمي الهند ما هو إلا امتداد واستمرار لتعصب غاندي ضد تواجد الإسلام والمسلمين في شبه القارة الهندية التي كانت إحدى القلاع الإسلامية في زمن القوة والتمكين.

السبت، 2 أغسطس 2025

تراجع الدور المصري وصعود النفوذ السعودي

 تراجع الدور المصري وصعود النفوذ السعودي 

رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث

(ثورة يوليو) التحول السياسي في مصر سنة 1951

بعد سقوط النظام الملكي في مصر وانتهاء حقبة حكم أسرة محمد علي في مصر على يد مجموعة من ضباط الجيش في أحداث 23 يوليو 1952، التي عرفت فيما بعد بثورة 23 يوليو.

وما تلاها من أحداث جسام خاصة بعد تنحية رأس الانقلاب العسكري اللواء محمد نجيب في سنة 1954، وبروز البكباشي جمال عبد الناصر القائد الفعلي لتنظيم الضباط، وخلاف عبد الناصر مع الإخوان المسلمين الذين ساندوا الانقلاب ودعموه إلى أن نشب الخلاف الذي وصل ذروته بحادثة المنشية التي اتهم فيها جمال عبد الناصر الإخوان المسلمين بمحاولة اغتياله، وشن عليهم حملات اعتقال واسعة انتهت بتعليق بعض قادتهم على المشانق، وتمكن مجموعة منهم من التسلل إلى المملكة العربية السعودية التي رحبت بهم واحتضنتهم نكاية بعبد الناصر؛ خوفا من تمدد فكرة الانقلاب العسكري وتوجسا من تمدد الفكر القومي الذي تبناه عبد الناصر وأخذ في نشره بين شباب الأقطار العربية لِما كانت تملكه مصر من قوة تأثير في الكثير من الدول العربية في تلك الفترة.

 كتب الصحفي الأمريكي “ديفيد كير كباتريك” عن دور مصر وأثرها في العالم العربي: في منتصف القرن العشرين قادت مصر العالم العربي إلى الاستقلال عن القوى الاستعمارية السابقة وأصبحت منبع القومية العربية والإسلام السياسي والجهاد العالمي، وبدا أن كل شيء في العالم العربي في القاهرة، وكان أي شخص في المنطقة يهتم بالسياسة العربية يتابع سياسة القاهرة.

كانت الشعوب المجاورة لمصر مثل اليمن والأردن وليبيا والأراضي الفلسطينية.. تنظر إلى مصر باعتبارها الأخ الأكبر، وكانت مصر مكانا للتعليم والثقافة في وقت مبكر.

الخلاف السعودي–المصري بعد ثورة يوليو 1952

الخلفية التاريخية وتغير موازين القوى

تمظهر الخلاف بين مصر والمملكة السعودية في الخلاف الأيديولوجي في تبني مصر القومية ووحدة الأمة العربية، في حين وصف الملوك العرب وعلى رأسهم ملوك السعودية بالرجعية والخيانة والعمالة في حين كان النظام السياسي السعودي يقوم على الملكية المطلقة، ووراثة الحكم الابن عن الأب، واتباع نظام محافظ يقوم على التحالف القبلي والدعم من المؤسسة الدينية التي تُظفي على النظام الشرعية، وتقوي الولاء للملك والأسرة الحاكمة والتحذير من كل نظام سياسي مخالف للنظام القائم في المملكة.

الصراع السعودي المصري في اليمن (1962- 1970)

حدث في سبتمبر 1962 انقلاب عسكري في اليمن الشمالي أدى إلى إعلان نظام جمهوري بقيادة عبد الله السلال المدعوم من مصر، أرسلت مصر على إثره وبطلب من قادة الانقلاب العسكري دعماً مادياً وعسكرياً للثوار الجمهوريين اليمنيين على النظام الملكي في اليمن. في حين دعمت المملكة السعودية الموالين للإمامة (الملكيين) خوفا من انتشار الثورة نحو حدودها؛ فاندلعت الحرب الأهلية في اليمن – بين الجمهوريين والملكيين- وتأجج الصراع بين السعودية ومصر، وخلف مصر كان الاتحاد السوفيتي، في حين كان وراء السعودية الولايات المتحدة في إطار الصراع بين القوتين العظميين في ذلك الوقت فدعم الرئيس الأمريكي جونسون السعودية في حرب ساحقة بالوكالة ضد مصر في اليمن، وكانت مصر قد دعمت الثورة اليمنية التي أطاحت بنظام الإمامة وأسقطت أسرة حميد الدين المالكة في اليمن.

تدخلت مصر لمساندة الجمهوريين بقوات عسكرية يقدر عددها بنحو خمسين ألفا إلى ستين ألف مقاتل، واستمر القتال ضد الموالين للملكية المدعومين من السعودية قرابة ثماني سنوت حملت مصر أعباء سياسية واقتصادية مرهقة قدرت بنحو مليون دولار يوميا مع خسائر فادحة في المعدات العسكرية والجنود والضباط المصريين.

ولم ينتهِ الصراع إلا عقب هزيمة مصر في حرب 1967 وإعلان عبد الناصر انسحاب الجيش المصري من اليمن الذي أنهى المواجهة المباشرة وأنعش العلاقات بين البلدين.

التقارب بعد نكسة 1967

بعد هزيمة مصر في حرب يونيو 1967، دعا الملك فيصل إلى مؤتمر الخرطوم، حيث تم التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب في اليمن، وتعهدت السعودية بتقديم دعم مالي لمصر لإعادة بناء جيشها المدمر وإنعاش اقتصادها المتهالك مما ساهم في إنعاش العلاقة بين البلدين بعد حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس وأتت على مقدرات البلدين الشقيقين.

الصلح والتعاون في أواخر عهد عبد الناصر

بعد صراع طويل ومرير شهدت العلاقات تحسنًا ملحوظًا في أواخر عهد عبد الناصر، خاصة بعد مؤتمر الخرطوم تحصلت مصر على دعم مالي سعودي وعربي، وبدأت مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين

 صدرت في مؤتمر الخرطوم عقب نكسة 1967 عدة قرارات سياسية واقتصادية أهمها القرارات السياسية لدعم مصر لإزالة آثار العدوان؛ فأصدر المؤتمر قرارات التزمت بموجبها الدول العربية القادرة ماديا بدفع مبالغ مالية إلى كل من مصر والأردن سنويا ابتداء من منتصف أكتوبر/تشرين الأول 1967 والمبالغ التي التـُزم بتقديمها هي:

أ- السعودية: 50 مليون جنيه إسترليني.

ب- الكويت: 55 مليون جنيه إسترليني.

ج- ليبيا: 30 مليون جنيه إسترليني.

الاقتصاد وأثره في تراجع الدور المصري

بعد استنزاف مصر في حرب اليمن وتراجع الاقتصاد المصري وتركيز الإنفاق على القوات المتمركزة في اليمن والخسائر الفادحة التي تلقاها الجيش المصري في اليمن، وما ترتب عن نكسة 67، التي أتت على مقومات مصر العسكرية والاقتصادية، وشلت حركتها، وأخمدت تأثيرها الإقليمي والعربي وجعلها تتراجع إلى الوراء مسافات بعيدة بسبب انهيار اقتصاد مصر.

يقول أحمد أبو الغيط ممثل مصر في الأمم المتحدة ووزير خارجيتها الأسبق (2004 -2011) في عهد الرئيس حسني مبارك في كتابه شهادتي: كنت أثق أن القوة الاقتصادية وقدرة الاقتصاد المصري على خدمة أهداف السياسة الخارجية المصرية سيكون العنصر الرئيسي في نجاح مصر أو فشلها في التأثير ليس فقط على منطقتها.. ولكن على المسرح الإفريقي، وبالتالي تأمين ظهور مصري قوي على المستوى الدولي.

في الوقت الذي بدأت فيه السعودية تبرز كقوة اقتصادية مؤثرة وفاعلة بسبب ما توفر لها من عائدات مالية كبيرة ومتزايدة من النفط؛ مما أهلها لتلعب دورا مؤثرا إلى جانب الدور المصري الذي بدأ في التراجع خطوات للوراء؛ مفسحًا المجال لتقدم الدور السعودي خاصة في عهد الرئيس أنور السادات عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في أواخر عام 1970؛ لأن مصر (السادات) سارت في اتجاه مضاد لما نهج عليه جمال عبد الناصر مع السعودية، وأدى المحور السعودي المصري بعد هزيمة 67 دوره في تحقيق الاستقرار للمنطقة خاصة بعد انتهاء الصدام مع إسرائيل.

 إلا أن نمو القدرات الاقتصادية والمالية للسعودية على مدى الأربعين عاما الأخيرة، وما ينتظره الوضع السعودي من تطورات مستقبلية خلال العقود القادمة.. واستمرار اضمحلال القدرة الاقتصادية المصرية على مر هذه العقود نفسها، كان له تأثيراته ولا شك في رضا مصر بأن يكون لها شريك مؤثر إلى حد كبير في مقدرات المنطقة.

تأثير المساعدات المالية السعودية في الدور المصري:

بعد أن كانت مصر لاعبا أساسيا بل مؤسسا لمنظمة عدم الانحياز- أثناء الحرب الباردة- الصراع بين الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة، والشيوعية برئاسة الاتحاد السوفيتي، وكذلك دور مؤثر في منظمة الوحدة الإفريقية (الاتحاد الإفريقي لاحقا) بالإضافة إلى هيمنتها شبه المطلقة على جامعة الدول العربية.

كان للمساعدات الخليجية والسعودية منها خاصة لمصر بعد هزيمة يونيو 67 تأثير مباشر على السياسة المصرية وبالتالي على الدور المصري العربي والإقليمي.

يقول الوزير أبو الغيط: رصدت المساعدات المالية والاقتصادية التي يستخدمها السعوديون للتأثير في الكثير من المواقف والقرارات المصرية.. فكان هناك وديعة مالية تقدم وقت الحاجة.. كما هناك أيضا هدايا – بناء على طلب مصر – بمشتريات تبلغ مئات الملايين من الدولارات وكميات القمح التي تحتاجها مصر سنويا.. واكتشفت – وبسرعة – أن السعودية لها صوت مسموع في مصر؛ خاصة أن دعمها لا يقتصر على المملكة ولكن يتبعها في ذلك أيضا دولة الإمارات والكويت وغيرها من دول مجلس التعاون.

تقييم الخبراء في واشنطن لحالة الركود في مصر:

رصد هذا التحول بين موازين القوى والتأثير عدد من الخبراء والسياسيين المهتمين بالمنطقة العربية وعلى رأسها مصر محور العرب وقلبهم النابض، وكتبوا عنها العديد من التقارير والمقالات والكتب لخصها الصحفي الأمريكي “ديفد كير باتريك” في كتابه مصر في أيدي العسكر؛ لكن الخبراء في واشنطن أكدوا أن مصر أصبحت نموذجا للركود في المنطقة.

في الوقت الذي كان الكل يلاحظ توسع النفوذ السعودي وتأثيراته في مصر وسياستها الداخلية والخارجية بل هناك من يؤكد التبعية المصرية للسياسة والقرارات السعودية، يقول أبو الغيط: نشطت المملكة في تنفيذ بعض المبادرات للتعامل مع قضايا الصومال/ السودان/ لبنان/ وأخيرا دخولها على خط المصالحة الفلسطينية.. ويتحدث الإعلام المصري عن فقدان مصر لدورها كما شعرت في أكثر من حديث مع الرئيس – مبارك – أنه لا يستريح للجهود السعودية الصاخبة التي تظهر وكأنها تبني على سابق ما حققته مصر في بعض الملفات دون أن تعطي لمصر حقها فيه.

ضيق مبارك من النفوذ السعودي

وفي معرض ضيق مصر بالنفوذ السعودي وأثره في السياسة المصرية يقول أبو الغيط قام الملك عبد الله ملك السعودية بتقديم مبادرة في قمة الكويت الاقتصادية فبراير 2009 للمصالحة مع سورية والتي كان يرفضها مبارك الذي يقول لأبو الغيط أنه – مبارك – اضطر رغم ضيقه الشديد من المبادرة السعودية المنفردة، فقد قبل حماية للمصالح المصرية مع السعودية بعقد اجتماع رباعي مع رئيس سورية وأمير الكويت وملك السعودية في الرياض.

وأخذت العلاقات المصرية السعودية طابعا آخر بعد وصول الجنرال السيسي لكرسي الرئاسة، فكان للنفوذ السعودي على مصر أثر كبير في مسارات كثيرة متعلقة بالجانبين السياسي والاقتصادي اللذين كانا لهما بالغ الأثر في الحياة العامة في القاهرة بموافق سياسية واقتصادية يحددها قصر اليمامة في الرياض.


السبت، 1 فبراير 2025

انتكاس فرنسا في إفريقيا

 انتكاس فرنسا في إفريقيا

فرج كُندي
رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث


هيمن المستعمر الفرنسي على مناطق شاسعة من القارة الإفريقية بعد غزوها في القرن السابع عشر الميلادي؛ فيما عُرف ببداية مرحلة الاستعمار الأوروبي للقارة السمراء الغنية بالموارد الطبيعية والبشرية المتنوعة ذات الوفرة.

استخدمت فرنسا أبشع أنواع العنف والتنكيل بالشعوب الإفريقية التي وقعت فريسة لها، وتلظت بنير عسفها وجورها وتسلطها غير المسبوق والمنقطع النظير، الذي تميزت به المدرسة الاستعمارية الفرنسية عن غيرها من مدارس الاستعمار الأوروبي الحديث.

مدرسة فرنسا الاستعمارية:
اتخذت فرنسا منهجا استعماريا خاصا بها أصبح مدرسة لها خصائصها التي عُرفت بها، تلتقي في بعض ملامحها مع مناهج الاستعمار بصفة عامة، وتختلف بتميز الطابع الفرنسي الخالص.

فشكلت المدرسة الفرنسية للاستعمار القائمة على مقومات عديدة، منها:

استخدام القوة المفرطة، والعنف والقسوة، والإبادة ضد الشعوب المُستعمَرة.

الإدارة المباشرة للمناطق التي تستعمرها بقوتي الحديد والنار.

تدمير الهوية المحلية والقضاء على لغة الشعوب المحلية التي تقع تحت سيطرتها، وإحلال اللغة الفرنسية حتى يسود مشروع فرنسا الاستعماري الذي عُرف بـ«الفرنكوفونية»، أي الدول أو الشعوب الناطقة بالفرنسية من غير الفرنسيين.

مسخ عقل الإفريقي اللون والعرق، وتحويله إلى فرنسي الفكر والهوى والتبعية.

استنزاف ثروات الشعوب المستعمرة وتوظيفها في ازدهار فرنسا وبناء قوتها العسكرية والاقتصادية.

قمع حركات المقاومة وارتكاب المجازر، وحملات تنصير كبيرة لتحويل إفريقيا إلى قارة مسيحية.

إفقار الأفارقة وإبقاؤهم تحت نير الثالوث الاستعماري: “الجهل، والفقر، والمرض”.


ما بعد الحرب العالمية الثانية وفترة الاستقلال:
استمرت فرنسا في حملات الإبادة والقمع للشعوب الإفريقية منذ بدايات استعمارها لأوطانهم، وارتكبت خلالها أبشع صور الإبادة لحركات المقاومة، وخاصة الإسلامية منها. وأكبر دليل على ذلك ما ارتكبته فرنسا في تشاد من قتل أكثر من 400 عالم مسلم في مذبحة عُرفت بـ«كبكب» سنة 1917 ميلادية.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939 ودخول فرنسا أوزارها، احتاجت إلى الجنود من مستعمراتها كوقود في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ووعدتهم في مقابل ذلك بنيل الاستقلال إذا كسبت الحرب منّا وكرما منها، لا استحقاقا طبيعيا لشعوب ترنو لنيل حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها.

ومع انتصار الحلفاء، إلا أن المستعمر لا تُؤمَن بوائقه، فأخلفت الوعد وتلكأت وماطلت وسوّفت. إلا أنها استجابت مضطرة، ورغم أنفها، بعد هذه المماطلة أمام إصرار الأفارقة الذين نالوا قسطا من التعليم في فرنسا، وعادوا للمطالبة بالتحرر والاستقلال من خلال تكوينهم جمعيات ومنظمات وأحزابا قادها رموز من الحركات الوطنية الإفريقية مثل: لومومبا ونيك روما وغيرهم. أُجبرت فرنسا منكسرة على تلبية مطالب الشعوب الإفريقية بالحرية والاستقلال عنها في ستينيات القرن المنصرم.

مرحلة الاستقلال الصوري:
خرجت فرنسا من بعض مستعمراتها الإفريقية تحت ضغط حركات التحرر، التي نشطت وقدمت الكثير من التضحيات لأجل نيل الاستقلال والحرية، وتمكين أبناء البلاد من حكمها وإدارة مقدراتها، وإدخال برامج التنمية للقضاء على ثالوث ركائز الاستعمار الفرنسي – الفقر والجهل والمرض.
خرجت فرنسا من الباب في الظاهر، لكنها في الحقيقة لم تخرج، وإن ظن البعض ذلك؛ بل عادت من النافذة، وذلك لعدة اعتبارات:

1- أن من تسلم قيادة هذه الدول هم صنيعة فرنسا الاستعمارية: ثقافةً ولغةً وأفكارا وتبعية مطلقة.

2- أن فرنسا ربطت مقدرات هذه الدول بالتبعية لها وسيطرت على مواردها الطبيعية، التي استخدمتها في صناعتها التي تقدم الرفاهية لمواطنيها، وتحرم الأفارقة من عائداتها؛ ليبقوا تحت نير الثالوث الفرنسي الذي فرضته فرنسا على الأفارقة.

3- ربط اقتصاد المستعمرات الإفريقية السابقة بالفرنك الفرنسي، حتى إن بعض الدول مصارفها المركزية في فرنسا وليس في عواصمها. وهذا لا يمكن وصفه إلا أنه نوع من أنواع الوصاية على هذه الدول المتطلعة للحرية والتنمية.

السياسة الفرنسية في دول إفريقيا ما بعد الاستقلال:
ترسخت السياسة الفرنسية في إفريقيا وفق منهجية استمرارية لتجذر وتثبيت ثالوثها القاتل للشعوب، والمغذي لثرواتها وقوتها على حساب هذه الشعوب التي كانت تستعبدها. وزاد الطين بلة، والأمر تعقيدا وخرابا، حين استبدلت الاستعمار المباشر بقادة الاستقلال الأوائل الذين خيم على إداراتهم الفشل والتبعية، وعدم القدرة على التخلص من ربقة الاستعمار الفرنسي في صورته الثانية.

وسرعان ما تيقنت فرنسا من فشلهم، فاستبدلتهم بقيادات أكثر تبعية وأكثر إخلاصا لفرنسا من إخلاصهم لأوطانهم وشعوبهم،

من خلال انقلابات عسكرية متتالية ومتعاقبة بين ضباط عسكريين متصارعين على السلطة لا همّ لهم إلا السلطة،

مع جهل تام بإدارة الدولة، وغياب مفاهيم الحرية والتنمية والاستقرار؛

ما أفرز حروبا أهلية أودت بالآلاف من الضحايا من الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال،

ما حوّل هذه الدول إلى مناطق إبادة ومجاعات، رغم ما تزخر به من ثروات كبيرة ومتنوعة كفيلة بازدهارها ونموها.

مرحلة الوعي الإفريقي وما قبل الانتكاسة
ترتب على هذه السياسة القاصرة وغير الأخلاقية ردة فعل لدى النخب الإفريقية، التي أدركت ما تمر به بلادها من تخلف وفقر وحروب وتبعية؛

فأخذت في الدعوة إلى الخروج من تحت الهيمنة الفرنسية، التي لم تحقق استقرارا ولم تساعد في تنمية،

بل كانت هذه الهيمنة السبب الأول والمباشر لاستمرار واستقرار ثالوث الجهل والفقر والمرض.

وخلصت النخب الإفريقية إلى أنه لن تقوم لها قائمة في ظل هذا الوجود بشقيه المدني والعسكري،

المتمثل في وجود قواعد عسكرية في المنطقة أصبحت غير مرغوب في وجودها، لأنها مصدر قلاقل أكثر من كونها مصادر استقرار.

العامل الخارجي المساعد للأفارقة في نكسة فرنسا
في مرحلة الوعي الإفريقي بما يثقل كاهل المستعمرات الفرنسية السابقة من نفوذ يكبل حرياتها ويسلب ثرواتها،
برز الحل في التخلص من هذا النفوذ وإلقائه عن كاهل هذه الدول.

وصادف ذلك دخول ثلاث قوى على الخط في هذه الموجة المطالبة بإخراج النفوذ الفرنسي والتخلص منه:
اثنتان منهما قوى دولية عظمى، والثالثة قوة إقليمية صاعدة تتمدد.

القوة الدولية الأولى تميزت بالجانب العسكري (روسيا)، التي أخذت في التمدد بعد انكفائها عقب تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي. بقيادة رئيسها الحالي “فلاديمير بوتين”، جعلت من إفريقيا هدفا لبناء قواعد عسكرية تزاحم بها نفوذ حلف الناتو عدوها اللدود.

ووجدت في حالة التبرم الإفريقي من الوجود الفرنسي فرصةً للدخول على الخط لإخراج فرنسا من مستعمراتها السابقة.

القوة الدولية الثانية هي الصين، التي دخلت الساحة الإفريقية اقتصاديا،

ففتحت الآفاق أمام الأفارقة بإمكان الاستفادة من رغبة الصين في التمدد الاقتصادي نحو إفريقيا،

وقد أتاح هذا للأفارقة فرصة تحسين أوضاعهم الاقتصادية، والاستفادة من ثرواتهم الطبيعية لتحقيق تنمية شاملة.

القوة الإقليمية الثالثة تمثلت في تركيا، التي دخلت أيضا على الخط اقتصاديًا وإن كان بدرجة لا تنافس الصين،

وتميز وضع تركيا بوجود علاقات قديمة بالقارة الإفريقية تعود إلى أيام الدولة العثمانية في تلك المناطق.

الانتكاسة والخروج غير المشرف
تضافرت كل الظروف التي أذنت بانتكاسة فرنسا في القارة الإفريقية،

كان أولها السياسة التي اتبعتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدى عقود،

دون اعتبار لحاجات الشعوب الإفريقية وتطلعاتها، ولا لحركة التاريخ وسنن التغيير.

مع يقظة سياسية بين الأجيال الشابة الإفريقية، وفقدانها الأمل في تغيير السياسة الفرنسية.

ضرورة التغيير والخروج من تحت عباءة الوصاية الثقيلة التكلفة.

دخول أطراف سياسية وازنة لها طموحات سياسية واقتصادية وعسكرية ومصالح في القارة، لن تتحقق إلا بإزالة النفوذ الفرنسي.

وقد حالفها الحظ في وجود التيار الوطني المناهض للنفوذ الفرنسي المسيطر على مقاليد الحياة العامة في هذه الأجزاء من القارة،

الذي سرعان ما فتح أبوابه أمام دخول المشروعات الاقتصادية الصينية والتركية،

وانتهى الأمر بتغلغل القوات العسكرية الروسية، وإخراج القوات العسكرية الفرنسية التي كانت جاثمة على أراضيهم بحجة مكافحة الإرهاب وغيرها من المبررات.

وكانت النهاية غير المشرفة لفرنسا بمغادرتها تلك الأراضي بضغط شعبي عارم، ولسان حال الأفارقة يردد ما تمثل به الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي حين خرجت القوات الإيطالية من ليبيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية:

ذهب الحمار بأم عمرو

فلا رجعت ولا رجع الحمار.

الثلاثاء، 28 يناير 2025

مظاهر تحريف الأديان

مظاهر تحريف الأديان



 الدكتور فرج كُندي  

رئيس مركز الكُندي للدراسات والبحوث



من المظاهر التي اعترت الأديان الكتابية التي سبقت ظهور الإسلام أنها تعرضت للتحريف والتزييف والتلاعب بنصوصها وبتأويلها بحسب رغبة ومصلحة أحبارها وقساوستها؛ فجاء الإسلام لنسخها وتصحيح المُحرّف من أحكام شرعية أنزلها الله تعالى على أنبيائه عليهم السلام جميعًا، وأتباعهم عبثوا بها وحرّفوها عن موضعها ليشتروا بها عرض من الدنيا بأثمان قليلة؛ 
فجاء وصفهم في القرآن الكريم في قوله تعالى: 
{من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا}، فالذين هادوا هم الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، ويقصد بهم الكتابيون دون غيرهم من الديانات غير الكتابية، التي هي خارج نطاق التناول هنا، وليس مقام الحديث عنها.

ومظاهر التحريف التي قام بها أتباع هذه الكتب تمثلت في تحريف نصوص الكتب، وما جاء فيها من أحكام من خلال تحريف معاني الكلم أو تغييرها عن مواضعها؛ لتتغير أو تنقلب معانيها ودلالتها، التي تتناسب مع أهوائهم ورغباتهم وتحقق مصالحهم. 
قال تعالى: {يحرفون الكلم عن مواضعه} 
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: قوله: "يحرفون الكلم عن مواضعه" أي: يتناولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصدا منهم وافتراء.
وقال الإمام الرازي، رحمه الله، في كيفية التحريف وجوه:

أحدها:
أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر.
والثاني: أن المراد بالتحريف إلقاء الشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة، وصرف اللفظ من معناه الحق إلى معنى باطل بوجوه الحيل اللفظية، كما يفعله أهل البدعة في زماننا هذا، بالآيات المخالفة لمذاهبهم، وهذا هو الأصح.
والثالث: أنهم كانوا يدخلون على النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسألونه عن أمر فيخبرهم ليأخذوا به، فإذا خرجوا من عنده حرفوا كلامه. 
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "إغاثة اللهفان": قد اختلف في التوراة التي بأيديهم، هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال:
قالت طائفة: كلها أو أكثرها مبدل، وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام: إنما وقع التبديل في التأويل.

قال البخاري، رحمه الله، في صحيحه: يحرفون: يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله، وهو ما اختاره الرازي أيضا.
وجاء في الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي: ﴿من الذين هادوا﴾ أَيْ: قومٌ ﴿يحرِّفون الكلم عن مواضعه﴾ أَيْ: يُغيِّرون صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم وزمانه ونبوَّته في كتابهم ﴿ويقولون سمعنا﴾ قولك ﴿وعصينا﴾ أمرك ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أسمع ويقولون في أنفسهم: لا سمعت ﴿وراعنا ليًّا بألسنتهم﴾ 
أَيْ: ويقولون راعنا ويوجِّهونها إلى شتم محمَّد عليه السَّلام بالرُّعونة وذكرنا أنَّ هذا كان سبًّا بلُغتهم ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ مكان قولهم: سمعنا وعصينا وقالوا ﴿واسمع وانظرنا﴾ أَيْ: انظر إلينا بدل قولهم: راعنا ﴿لكان خيرًا لهم﴾ عند الله ﴿ولكن لَعَنَهُمُ الله بكفرهم﴾ فلذلك لا يقولون ما هو خيرٌ لهم ﴿فلا يؤمنون إلاَّ قليلًا﴾ أَيْ: إيمانًا قليلًا وهو قولهم: اللَّهُ ربُّنا والجنَّةُ حقٌّ والنَّارُ حقٌّ، وهذا القليل ليس بشيءٍ مع كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وليس بمدحٍ لهم.

إن تحريف الكلم عن مواضعه آفة يقوم بها الأدعياء والجهلة وأصحاب المنافع الدنيوية منذ وجودها إلى يومنا هذا، ويتخذ التحريف ثلاثة مظاهر:

التدخل في الوحي الإلهي بالحذف والزيادة، اتباعا للهوي أو غلوًا في الدين بالتأويلات الفاسدة والتفاسير الباطلة لما ورد من نصوص الشرعية بدون برهان ولا دليل، بل هو تحريف للكلم عن المعاني لأجل التحريف لأغراض متعمدة ذكرناها في بداية الحديث عن التحريف.

تعطيل العمل بطائفة من الأوامر والنواهي، تعطيل العمل ببعض الكتاب، وتوارث هذا العطل من جيل إلى جيل حتى تنشأ خلوف قاصرة تظن ما أهمل قد نسخ وباد! كما حدث مع علماء قوم نوح – قبل أن يبعث - الذين جعلوا لهم تماثيل ومع مرور الزمن جاءت أجيال فعبدتهم من دون الله.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: ومن حسن حظنا –نحن المسلمين– إنّ كتابنا محفوظ بعناية الله، فالأصل الذي نحتكم إليه قائم دائم، ومن حسن حظنا أن الإجماع منعقد على أركان الإسلام والأجهزة الرئيسية، التي تتفرع عنها شعبة وقوانينه هنا وهناك.
وهذا في أصل الدين، ولكن وجدت وتوجد نوابت وإن لم تحرف النصوص لحفظ الله لها {إنا نزلنا الذكر وإنا له حافظون}، ولكن حرفت معانيها وتوسعت في تأويلها وإخراجها عن دلالتها ووظفتها لنيل عرض الدنيا أو رضا سلطان، وهذه الصورة من التحريف والتزييف يجب معرفتها وفضحها والتحذير منها حتى لا تسقط الأمة في هذا المستنقع الذي كفره الله وحذر منه، ولعنه 
قال تعالى: {من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا}

الأحد، 26 يناير 2025

الأفول الفرنسي في أفريقيا.. قراءة في الأسباب

 

الأفول الفرنسي في أفريقيا.. قراءة في الأسباب
فرج كندي
كاتب وباحث



هيمن المستعمر الفرنسي على مناطق شاسعة من القارة الأفريقية بعد غزوها في القرن السابع عشر الميلادي؛ فيما عُرف ببداية مرحلة الاستعمار الأوروبي للقارة السمراء الغنية بالموارد الطبيعية والبشرية المتنوعة ذات الوفرة.

استخدمت فرنسا أبشع أنواع العنف والتنكيل بالشعوب الأفريقية التي وقعت فريسة لها، وتلظّت بنير عسفها وجورها وتسلّطها غير المسبوق، الذي تميزت به المدرسة الاستعمارية الفرنسية عن غيرها من مدارس الاستعمار الأوروبي الحديث.

مدرسة فرنسا الاستعمارية

اتخذت فرنسا منهجًا استعماريًا خاصًا بها، أصبح مدرسة لها خصائصها التي عُرفت بها، تلتقي في بعض ملامحها مع مناهج الاستعمار بصفة عامة، وتختلف بتميز الطابع الفرنسي الخالص الذي يقوم على مقومات عديدة، منها:

  • استخدام القوة المفرطة، والعنف والقسوة، والإبادة ضد الشعوب المُستعمَرة.
  • الإدارة المباشرة للمناطق التي تستعمرها بقوتَي الحديد والنار.
  • تدمير الهوية المحلية والقضاء على لغة الشعوب المحلية التي تقع تحت سيطرتها، وإحلال اللغة الفرنسية حتى يسود مشروع فرنسا الاستعماري الذي عُرف بـ"الفرانكفونية"، أي الدول أو الشعوب الناطقة بالفرنسية من غير الفرنسيين.
  • مسخ عقل أفريقيّ اللون والعرق، وتحويله إلى فرنسي الفكر والهوى والتبعية.
  • استنزاف ثروات الشعوب المستعمرة وتوظيفها في ازدهار فرنسا وبناء قوتها العسكرية والاقتصادية.
  • قمع حركات المقاومة وارتكاب المجازر، وإطلاق حملات تنصير كبيرة لتحويل أفريقيا إلى قارة مسيحية.
  • إفقار الأفارقة وإبقاؤهم تحت نير الثالوث الاستعماري: "الجهل، والفقر، والمرض".

ما بعد الحرب العالمية الثانية

استمرت فرنسا في حملات الإبادة والقمع للشعوب الأفريقية منذ بدايات استعمارها لأوطانهم، وارتكبت خلالها أبشع صور الإبادة لحركات المقاومة، وخاصة الإسلامية منها. وأكبر دليل على ذلك ما ارتكبته في تشاد من قتل أكثر من 400 عالم مسلم في مذبحة عُرفت بـ"كبكب" سنة 1917 ميلادية.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، استقدمت فرنسا الجنود من مستعمراتها ليكونوا وقودًا في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ووعدتهم في مقابل ذلك بنيل الاستقلال إذا كسبت الحرب منًّا وكرمًا منها، لا استحقاقًا طبيعيًا لشعوب ترنو لنيل حريتها واستقلالها وتقرير مصيرها.

وانتصر الحلفاء، إلا أن المستعمر لا تُؤمَن بوائقه، فأخلفت الوعد وتلكأت وماطلت. لكنها عادت فاستجابت، مضطرة، أمام إصرار الأفارقة الذين نالوا قسطًا من التعليم في فرنسا، وعادوا للمطالبة بالتحرر والاستقلال من خلال تكوينهم جمعيات ومنظمات وأحزابًا قادها رموز من الحركات الوطنية الأفريقية مثل: لومومبا ونيكروما وغيرهما. أُجبرت فرنسا منكسرة على تلبية مطالب الشعوب الأفريقية بالحرية والاستقلال عنها في ستينيات القرن المنصرم.

مرحلة الاستقلال الصوري

خرجت فرنسا من بعض مستعمراتها الأفريقية تحت ضغط حركات التحرر، التي نشطت وقدمت الكثير من التضحيات لأجل نيل الاستقلال والحرية، وتمكين أبناء البلاد من حكمها وإدارة مقدراتها، وإدخال برامج التنمية للقضاء على ثالوث ركائز الاستعمار الفرنسي: الفقر، والجهل، والمرض.

خرجت فرنسا من الباب، في الظاهر، لكنها في الحقيقة لم تخرج حقًا، وإن ظن البعض ذلك؛ بل عادت من النافذة، وذلك لعدة اعتبارات:

  • أن من تسلم قيادة هذه الدول هم صنيعة فرنسا الاستعمارية: ثقافةً ولغةً وأفكارًا وتبعية مطلقة.
  • أن فرنسا ربطت مقدرات هذه الدول بالتبعية لها، وسيطرت على مواردها الطبيعية، التي استخدمتها في صناعتها التي تقدم الرفاهية لمواطنيها، وتحرم الأفارقة من عائداتها؛ ليبقوا تحت نير الثالوث الفرنسي الذي فرضته على الأفارقة.
  • ربط اقتصاد المستعمرات الأفريقية السابقة بالفرنك الفرنسي، حتى إن بعض الدول مصارفها المركزية في فرنسا وليس في عواصمها. وهذا لا يمكن فهمه إلا أنه نوع من أنواع الوصاية على هذه الدول المتطلعة للحرية والتنمية.

السياسة الفرنسية في دول أفريقيا ما بعد الاستقلال

ترسخت السياسة الفرنسية في أفريقيا وفق منهجية استمرارية لتجذير ثالوثها القاتل للشعوب المستعبدة، والمغذي لثرواتها وقوتها على حسابها. وزاد الطين بلة، والأمر تعقيدًا وخرابًا، حين استبدلت الاستعمار المباشر بقادة الاستقلال الأوائل الذين خيم على إداراتهم الفشل والتبعية، وعدم القدرة على التخلص من ربقة الاستعمار الفرنسي في صورته الثانية.

وسرعان ما تيقنت فرنسا من فشلهم، فاستبدلتهم بقيادات أكثر تبعية وأكثر إخلاصًا لفرنسا من إخلاصهم لأوطانهم وشعوبهم، عبر انقلابات عسكرية متعاقبة بين ضباط عسكريين متصارعين على السلطة، مع جهل تام بإدارة الدولة، وغياب مفاهيم الحرية والتنمية والاستقرار؛ ما أفرز حروبًا أهلية أودت بالآلاف من الضحايا من الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، وحوّلت هذه الدول إلى مناطق إبادة ومجاعات، رغم ما تزخر به من ثروات كبيرة ومتنوعة كفيلة بازدهارها ونموها.

مرحلة الوعي الأفريقي وما قبل الانتكاسة

ترتب على هذه السياسة القاصرة وغير الأخلاقية ردة فعل لدى النخب الأفريقية، التي أدركت ما تمر به بلادها من تخلّف وفقر وحروب وتبعية؛ فأخذت في الدعوة إلى الخروج من تحت الهيمنة الفرنسية، التي لم تحقق استقرارًا ولم تساعد في تنمية، بل كانت هذه الهيمنة السبب الأول والمباشر لاستمرار واستقرار ثالوث الجهل والفقر والمرض.

وخلصت النخب الأفريقية إلى أنه لن تقوم لها قائمة في ظل هذا الوجود بشقيه؛ المدني والعسكري، المتمثل في وجود قواعد عسكرية في المنطقة، أصبحت غير مرغوب في وجودها؛ لأنها مصدر قلاقل أكثر من كونها مصادر استقرار.

العامل الخارجي المساعد في نكسة فرنسا

في مرحلة الوعي الأفريقي بما يثقل كاهل المستعمرات الفرنسية السابقة من نفوذ يكبل حرياتها ويسلب ثرواتها، برز الحل في التخلص من هذا النفوذ وإلقائه عن كاهل هذه الدول. وصادف ذلك دخول ثلاث قوى على الخط؛ منها اثنتان قوى دولية عظمى، والثالثة قوة إقليمية صاعدة تتمدد:

  • القوة الدولية الأولى تميزت بالجانب العسكري (روسيا)، التي أخذت في التمدد بعد انكفائها عقب تفكك الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينيات القرن الماضي. بقيادة رئيسها الحالي فلاديمير بوتين، جعلت من أفريقيا هدفًا لبناء قواعد عسكرية تزاحم بها نفوذ حلف الناتو عدوها اللدود. ووجدت في حالة التبرم الأفريقي من الوجود الفرنسي فرصةً للدخول على الخط لإخراج فرنسا من مستعمراتها السابقة.
  • القوة الدولية الثانية هي الصين، التي دخلت الساحة الأفريقية اقتصاديًا، ففتحت الآفاق أمام الأفارقة لتحسين أوضاعهم الاقتصادية، والاستفادة من ثرواتهم الطبيعية لتحقيق تنمية شاملة.
  • القوة الإقليمية الثالثة تمثلت في تركيا، التي دخلت أيضًا على الخط اقتصاديًا وإن كان بدرجة لا تنافس الصين، وتميز وضع تركيا بوجود علاقات قديمة بالقارة الأفريقية تعود إلى أيام الدولة العثمانية في تلك المناطق.

الانتكاسة والخروج غير المشرف

تضافرت كل الظروف التي أذنت بانتكاسة فرنسا في القارة الأفريقية، كان أولها:

  • السياسة التي اتبعتها الحكومات الفرنسية المتعاقبة على مدى عقود، دون اعتبار لحاجات الشعوب الأفريقية وتطلعاتها، ولا لحركة التاريخ وسنن التغيير.
  • يقظة سياسية بين الأجيال الشابة الأفريقية، وفقدانها الأمل في تغيير السياسة الفرنسية، وإدراكها ضرورة التغيير والخروج من تحت عباءة الوصاية ثقيلة التكلفة.
  • دخول أطراف سياسية وازنة لها طموحات سياسية واقتصادية وعسكرية ومصالح في القارة، لن تتحقق إلا بإزالة النفوذ الفرنسي.

وقد حالفها الحظ في وجود التيار الوطني المناهض للنفوذ الفرنسي المسيطر على مقاليد الحياة العامة في هذه الأجزاء من القارة، الذي سرعان ما فتح أبوابه أمام دخول المشروعات الاقتصادية الصينية والتركية، وانتهى الأمر بتغلغل القوات العسكرية الروسية، وإخراج القوات العسكرية الفرنسية التي كانت جاثمة على أراضيهم؛ بحجة مكافحة الإرهاب، وغيرها من المبررات.

وكانت النهاية غير المشرفة لفرنسا بمغادرتها تلك الأراضي بضغط شعبي عارم، ولسان حال الأفارقة يردد ما تمثل به الشاعر الليبي أحمد رفيق المهدوي حين خرجت القوات الإيطالية من ليبيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية:

و"إذا ذهب الحمار بأم عمرو         فلا رجعت ولا رجع الحمار".