‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 12 أبريل 2019

المشهد السوري بين ليبية التغيير أويمنية التعديل أوأفغانية التهجير

 المشهد السوري بين ليبية التغيير أويمنية التعديل أوأفغانية التهجير
الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
تاريخ النشر 
2012/05/12

هل يلوح في الأفق حل يمني في المعترك السوري؟

يريدون أن يجعلوها أفغانستان.!!

دعوة لدراسة الجهاد الأفغاني من قبل العاملين في الجهاد السوري

هل يتكرر الصراع بين المعسكرين مرة أخرى في أرض الشام؟؟ 

ما هي السيناريوهات المتوقعة؟؟؟

وقفة على أطلال وربوع دمشق الدامية

عجيب أمر نظام بشار، فهو الخامس ولم يتعلم الدرس، وصدق الله العظيم إذ يقول: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53)}.

يقيناً بأن هذا الشعب الأبي استطاع أن يكسر حاجز الخوف ويستجمع قواه الثورية ويحشد طاقاته الغاضبة

بعد سنة كاملة، يتضح كم أن الأزمة السورية ليست ملفاً داخلياً أو عربياً فحسب، فقد دخلت في مفاوضات اللاعبين الإقليميين والدوليين، وباتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بملفات كثيرة أخرى

المصالح المتداخلة في المنطقة تستلزم معرفة كاملة لكل الأدوات والفرعيات المتعلقة بالمشهد السوري من جهة والمصالح الغربية والروسية الصينية والايرانية من جهة أخرى..!!

في اليوم الذي اجتاح فيه الجيش السوفيتي الحدود الأفغانية أبرق إلى الرئيس كارتر قائلا: الآن لدينا فرصة اهداء الاتحاد السوفيتي فيتنامه الخاصة

كانت هذه الخلافات لا تظهر بوضوح ولكن بعد سقوط النظام الشيوعي ظهر النزاع بأشد صوره بين قادة الجهاد الأفغاني

أصبحت أفغانستان بعد أكثر من عشرين عاما بعد الغزو الروسي وإلى اليوم رموز التخلف والصراع الأفغاني الأفغاني والتمزق العرقي بعد أن كانت محل القبول والاستئثار العربي الشعبي


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين...

وقفة على أطلال وربوع دمشق الدامية
دخلت ثورة الشعب السوري عامها الثاني ضد نظام بشار الأسد، سائرة على نهج الثورات العربية، فالشعب السوري جدد سيرة أشقائه (المصريين والتونسيين والليبيين واليمنيين) وكذلك نظام بشار اقتفى أثر الحكام البائدين (مبارك وبن علي والقذافي وعلي عبدالله) وكأنّ التاريخ القريب يعيد نسج نفسه دون اتعاظ بالسابقين أو اعتبار بالهالكين.وعجيب امر نظام بشار، فهو الخامس ولم يتعلم الدرس، وصدق الله العظيم اذ يقول: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ الَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53).{
كل يوم يدفع الشعب قسطاً غالي الثمن من دماء أبنائه الشهداء وجراحات الجرحى وآلام المصابين وأوجاع ذويهم وأنات أهاليهم، غير أنه يقينا بأن هذا الشعب الأبي استطاع ان يكسر حاجز الخوف ويستجمع قواه الثورية ويحشد طاقاته الغاضبة ومن ثَمَّ اشتعلت ثورته وقويت غضبته، واتسعت جغرافيا حتى فاجئت نظام بشار نفسه.

جريمة الثانية بشهود إسلامي وعالمي:
لقد بدأت تشير الإحصائيات وإن كانت غير دقيقة إلى أكثر من (17) ألف قتيل و(مئات الأولوف من المعتقلين) و(مئات الألوف) من المشردين والعوائل النازحة والمهجرة إلى الأودية في لبنان والى الجبال في تركيا والى سهول العراق والأردن مما يمثل صورا ومآس محزنة.
وشبيحة النظام بأسلحتهم الثقيلة والخفيفة يعيثون في الأرض فسادا وتقتيلا وتنكيلا تدعمهم القوات الايرانية والمليشيات اللبنانية الشيعية وتساندهم القوات الروسية أمام الصدور العارية والعالم ينظر ويراقب ويعطي مهلة بعد مهلة ووقتا ضائعا بعد وقت انه المشهد السوري الجريح.

قراءة في تاريخ الأزمات السياسية وتشابكها
ان في دراسة التاريخ لعبراً وعظات، ولابد لكل عاقل ان يستفيد منها وأن يتعلم منها حتى لا يقع فيها مرة أخرى، فالعاقل من اتعظ بغيره، والأحمق من رأى صديقه يقع في حفرة ثم عاد هو ووقع فيها....
ولذا كان لابد لنا ونحن قد اشتعلت الثورة في سورية والتي ألهبت العالم وشدت انتباه الجميع تلك الثورة السورية المجيدة المباركة بشبابها المؤمن الصابر المحتسب الذي قابل الكفر بالإسلام، وقابل القنابل والمدافع والصواريخ الأسدية والصفوية بصدر عار وثبات وهمة عظيمة.
لابد لنا من ان نقرأ التاريخ لنتعلم ونستفيد ونعرف كيف ندير هذه الثورات وكيف نحافظ عليها وعلى مسيرتها.
فها هي الثورة السورية تدخل في عامها الثاني، وتتكاثر عليها المبادرات، بداية بالحل اليمني ونهاية بالحل الليبي وتنويها بالحل الأفغاني.
ان المعادلة في سورية معقدة، فمن جهة لارتباطها بالصراع العربي الاسرائيلي، وتشابك المشروع الايراني الشيعي مع المشروع العربي السني، ومن جهة أخرى تريد الولايات المتحدة ودول عربية اسقاط النظام واستبداله واضعاف النظام الايراني، وتركيا التي تعمل بحذر خوفا من تنامي دور الأكراد، والعراق يخشى انتقال الصراع إلى داخل أراضيه، والأردن يخشى ان تقطع سورية عنه المياه.وتمارس روسيا والصين فصلا من فصول الحرب الباردة.حقا ان الأزمة السورية عميقة ومركبة.
فبعد سنة كاملة، يتضح كم ان الأزمة السورية ليست ملفاً داخلياً أو عربياً فحسب، فقد دخلت في مفاوضات اللاعبين الإقليميين والدوليين، وباتت مرتبطة ارتباطاً عضوياً بملفات كثيرة أخرى.
ان التعامل مع المشهد السوري يحتاج إلى آليات كثيرة مع تظافر جهود مراكز الدراسات حتى لا ندخل في نفق مظلم لا نور فيه، فنتخبط في السير ليتحكم بنا العدو المتربص في يوميات وأحداث الثورة ليمتطيها لتحقيق الأجندة الخاصة به ولو على أشلاء الأمة السورية بكاملها، فالمصالح المتداخلة في المنطقة تستلزم معرفة كاملة لكل الأدوات والفرعيات المتعلقة بالمشهد السوري من جهة والمصالح الغربية والروسية الصينية والايرانية من جهة أخرى..!! ويكفي في ذلك ان نضرب مثالاً واحداً يذكر لمعرفة الصعوبة في اتخاذ قرار انساني واحد على أرض الواقع.
عند حصار - باب عمرو – في حمص واستخدام النظام لكل أدوات الجيوش في المعارك من الدبابات والطائرات والراجمات من أجل عمل مناطق مدمرة خالية من السكان والمحيطة بالأحياء النصيرية، كان العالم كله يشاهد الخراب والدمار والذبح لأهل حمص من الصغار والكبار والنساء، وهنا نستطيع ان نقول تحركت مع المصالح السياسية المشاعر الانسانية الغربية تحت ضغط الشعوب هناك، فاتخذت الجهة السياسية في أمريكا توصية للجيش الأمريكي في المنطقة ان ترسل الطائرة بدون طيار وهي ما تسمى في غزة (بالزنانة) من أجل فك الحصار عن الشعب السوري في حمص، وهنا كان الرد من قادة الجيش بأن هذا العمل سيدخل أمريكا من مواجهة مباشرة مع الروس لأن القيادة الميدانية في حصار حمص من القادة الروس والايرانية، ويكفي مقولة رئيس الاستخبارات الروسي للأسد: إذا دمرت مدينة فحاذر ان يخرج منها أحد من الأحياء.!!!! وهذا الذي جعل القيادة السياسية الأمريكية تتراجع عن قرارها.!! هذا مشهد واحد يصور صعوبة القرار في المشهد السوري، كما يبين ان هناك محاولة واضحة لتعطيل أي مسار حقيقي يمكن ان ينقذ الشعب من جلاده.
وليسا فقط هما نظاميْ روسيا والصين الضالعين في مشهد استدامة تعذيب وقتل الشعب السوري.فهذان النظامان لا يمكن القول انهما سقطا أخلاقياً، لأنهما لم يعرفا يوما احتراما حقيقيا لحقوق الانسان، أو التزاما بقضاياه.
ولكن تتساقط أقنعة وتتراخى أخرى...مواقف ملتبسة، وقرارات معطلة، وسلوك سياسي لا يوحي بأن ثمة قضية انسانية..مهما بلغ حجم الظلم ومهما كان عدد الضحايا ومهما بدا مشهد المدن التي تدك الواحدة تلو الاخرى كارثياً.

هل يلوح الخيار اليمني في الأفق؟
يَكمنُ الخيارُ اليمني في استراتيجية استبعاد التدخل العسكري، وتنحي الرئيس بشار الأسد عن الحكم وانتقال صلاحياته إلى نائبه وقيام نائبه بادارة المرحلة الانتقالية التي تشغل بوضع دستور جديد لسورية يلبي تطلعات الشعب السورى ويحقق اهدافه التي ثار من أجلها، وترتيب جدول زمني ببناء المؤسسات النيابية وانتخاب رئيس للبلاد، كما حدث في اليمن من تنحي للرئيس السابق على عبدالله صالح ونقل صلاحياته لنائبه وترتيب اوضاع البلاد في غيبة الرئيس المتنحي قهرا.
ويبدو ان هذا الحل هو الأكثر ترحيبا به في الأوساط السياسية وهو أقرب الخيارات التي تتبناها الجامعة العربية وكثيرون من الدول الصديقة للشعب السوري، وهناك مؤشرات اولية طرأت على الموقف الصيني، لكن ومقابل هذا الحل ما هو الموقف السوري؟ يقف النظام السوري - والذي لم يعتبر بعد - موقف الرفض لهذا الخيار، وبنظرة سريعة للعبة السياسية يمكن ان نعيد سبب رفضه بأن حجم الضغوطات الدولية عليه والعقوبات لا زالت في الحدود الآمنة فهي لا تنال صلب النظام كما تسمح له بالاستمرار في محاولته الأخيرة لاخماد الثورة مع هوامش المناورة علَّه يفلح ويقضي على الثورة ولا يخفى الهدف من هذه الحدود الآمنة والتي يطمع الغرب منها ان يفلح في قمع الثورة ويخرج منتصراً لكنه في أضعف حالاته منهك القوة منقسم على شعبه، سيحتاج إلى عقود من الزمن لاستعادة قوته وتنظيم جيشه ومعاودة علاقاته الدولية كما كان، ولا شك ان هذا الوضع مريح جدا لاسرائيل وحلفائها.

سورية وأفغانية التهجير
وبنقلة سريعة لأفغانستان ولكن ليس اليوم انما نعود إلى الماضي والى الوراء قبل بضع سنين يوم ان شبت الشرارة الأولى في أفغانستان، يوم ان ظهر المقاتلون المتطوعون والمنشقون في المناطق الجبلية الوعرة، لقد ذكرني الصراع الدائر الآن بين المحورين الكبيرين (روسيا - ايران - سورية (النظام) - حزب الله – الصين) وبين المحور الثاني (العرب ومعهم مجموعة أصدقاء سورية) ذكرنا هذا الصراع السوري بالصراع في أفغانستان الذي بدأ بغزو روسيا لأفغانستان لمساندة النظام التابع له فيها.
فهل يتكرر الصراع بين المعسكرين مرة اخرى في أرض الشام؟؟ 
وما هي السيناريوهات المتوقعة؟؟؟
وهل ينفجر العالم فعلا كما يتوقع البعض هذه المرة؟؟
تواجه سورية أزمة خطيرة تنذر بتحوله إلى «دولة فاشلة» يمكن ان تجعله «أفغانستان التالية»، لقد تطرقت الكثير من الدراسات إلى تاريخ الصراع السياسي في أفغانستان ما بين الولايات المتحدة الاميريكية والاتحاد السوفيتي وتأثير ذلك الصراع على الحياة بشتى اشكالها في ذلك البلد الفقير، فالمساعدات الاستخباراتية الاميريكية لم تقتصر على العمليات الاستخباراتية المباشرة، بل تعدتها إلى زرع بعض المفاهيم والمصطلحات الدينية الروحية والثقافية الاجتماعية، وبث نزعة الثورة وروح الانقلاب على الظلم والاضطهاد الذي رسمته في الصورة الفولاذية للشيوعية المتوحشة والبعيدة عن الحرية والعدالة والديموقراطية والمعادية لاحكام الدين الإسلامي، وهكذا تم قيادة الاتحاد السوفيتي إلى حتفه بطريقة مبدعة وغير مباشرة كفلت القضاء عليه واغراقه في بحر من الظلمات والدماء والخسائر الاقتصادية التي تفاخر بها بريجنسكي بعد ذلك، فعندما سئل بريجينيسكي عما إذا كان نادما على فعلته أجاب: - اندم على ماذا؟ على فكرة رائعة كفلت استجلاب الدب الروسي إلى المستنقع الأفغاني، وتريدني ان اندم؟! ففي اليوم الذي اجتاح فيه الجيش السوفيتي الحدود الأفغانية أبرقت إلى الرئيس كارتر قائلا: - الآن لدينا فرصة اهداء الاتحاد السوفيتي فيتنامه الخاصة، وبالفعل فقد تكبدت موسكو طوال عشر سنوات عناء حرب لا طاقة لها على احتمالها، فتداعيت معنويات جيشها في البدء، ثم انهارت الامبراطورية السوفيتية برمتها.
فتوجه العالم بأسره بعد ذلك الحدث الغير متوقع إلى عصر جديد تقوده الولايات المتحدة الاميريكية وحدها بل وتتسيده بشكل شبه كلي، ومن أفغانستان بدا ذلك الانقلاب في المفاهيم السياسية المعاصرة التي أثرت بعد ذلك على الخارطة السياسية للعالم بدون استثناء، فما صنعته هذه الأخيرة في ذلك البلد من تحولات براغماتية لعبت من خلالها على جميع الأوراق السياسية الممكنة والغير ممكنة التي كفلت لها الدخول من أوسع أبواب السيادة والسيطرة على العالم، بداية من دفع الدب السوفيتي إلى الدخول في السديم الأفغاني والتغرير به من اجل اسقاطه للتفرد هي بتلك الزعامة العالمية، ومرورا بأبرز مآثرها السياسية اللااخلاقية على ذلك البلد بخداع التنظيمات التي ساعدتها على اسقاط الاتحاد السوفيتي والانقلاب عليها والتخلي عنها بل ومحاربتها بجميع الطرق السياسية الممكنة.

معركة أفغانستان وهبة المسلمين والعرب:
هنا في هذا المشهد نرى ان الحكومة الباكستانية دفعت بأسلحتها وذخائرها التي عجزت عن حملها وسائل النقل البدائية لايصالها للداخل ممولة من أمريكا، ودول الخليج مع فلذات أكباد العرب الذين توافدوا على أفغانستان من الدول الخليجية ومن لبنان والأردن وغيرها من كل بقاع العالم وتدخل العلماء والمشايخ في الشرق بدافع دين جهادي، فظهرت رموز على السطح كانت إذا ذكرت ذكر الجهاد الأفغاني كالشهيد عبدالله عزام، وهو رائد «الجهاد الأفغاني» وانتصر الجهاد والمجاهدون ولكن وللأسف الشديد اشتدت الخلافات بعد ذلك بين قادة الجهاد في أفغانستان، ووجد من المشايخ من يجمعون المال لدعم الجهاد وظهرت زعامات تآلفت في عالم الجهاد وأصبحت بين دول العالم العربي مثل عبد رب الرسول سياف رئيس الاتحاد الإسلامي الأفغاني، وبرهان الدين وحكمت يار وغيرهم.
ومن بعدهم كان يونس خالص وبعض القيادات الطرقية الصوفية، وأصبحت هذه القيادات محل اهتمام ومحل سعي لتوحيدهم من قبل المخلصين من الأمة العربية والإسلامية، فكم من وفد إسلامي ذهب لتوحيدهم ففي 24 نيسان ابريل 1992، تم توقيع اتفاق عرف باسم اتفاق بيشاور من قبل أحزاب الاتحاد الإسلامي لمجاهدي أفغانستان السبعة وحزب الوحدة الشيعي والحركة الإسلامية محسني، فتم الاتفاق على تشكيل حكومة مؤقتة لمدة شهرين وعلى رأسها صبغة الله مجددي، ثم يتبعه ولمدة أربعة أشهر برهان الدين رباني ثم عادت الأحزاب لتجتمع في 7 مارس 1993 في إسلام أباد في باكستان بعد حرب ضروس ومعارك طاحنة في كابل، وتم توقيع اتفاقية عرفت باتفاقية إسلام أباد، وشاركت فيها السعودية وباكستان، ونصت الاتفاقية على ان لرباني رئاسة الدولة لمدة 18 شهرا، وقلب الدين حكمت يار يتولى رئاسة الوزراء وأن يتم ايقاف اطلاق النار.ولكن الاتفاقية لم تنفذ بسبب اندلاع القتال من جديد بين رباني وحكمتيار بسبب الاتهامات المتبادلة بين الحزب الإسلامي والجمعية.
وفي الأول من يناير عام 1994 تعرض برهان الدين رباني لمحاولة انقلاب بيد تحالف بين حكمتيار وعبد الرشيد دوستم وصبغة الله مجددي وحزب الوحدة الشيعي، ولكن الانقلاب فشل، وتم تجديد فترة حكم رباني لعام آخر في يوليو 1994.وفي نوفمبر 1994 بدأت طالبان بالظهور، وخلال عامين سيطرت على معظم مناطق أفغانستان ودخلت كابول عام 1996 وأعلنت نفسها الحاكمة للبلاد بازاحة رباني وحكمتيار واستمرت سيطرة طالبان حتى بدأت القوات الأمريكية بضرب قوات طالبان في 7 أكتوبر 2001 وذلك بسبب هجمات 11 سبتمبر 2001 التي استهدفت برجي التجارة العالميين.
كانت هذه الخلافات لا تظهر بصورة الاقتتال العام ولكن بعد سقوط النظام الشيوعي ظهر النزاع بأشد صوره بين قادة الجهاد الأفغاني...
فكان برهان الدين رباني كرئيس للحكومة الانتقالية يسكن في كابل قصر الرئاسة وبدلاً من ان تتظافر جهود حكمتيار مع برهان الدين للأسف الشديد اشتعلت النزعة القبلية بينهما، وكان حشد الدبابات والراجمات التي مول بها الحزب الإسلامي بقيادة حكمة يار لاسقاط برهان الدين، وظل سياف في معزل في بلده عن الدخول في الصراع.
وفي هذا الجو كانت المخابرات الباكستانية التي دخلت في الجهاد الأفغاني ترتب لانهاء زعماء الجهاد التي لاقت القبول فكانت تبني مدراس طلبة العلم الشرعيين في باكستان وأفغانستان ليبدأوا بالتحرك كطلبة علم شرعي لانهاء الخلاف ولاسقاط هذه الزعامات، ثم يمتد ذلك الصراع إلى الغزو الأمريكي الأفغانستاني إلى تنصيب كرزاي حاكما.
لتظل أفغانستان الذي يقول عنها عبد الرب سياف القاعدة التي سينطلق منها جيوش الإسلام لتحرير القدس.
وأصبح وبعد أكثر من عشرين عاما بعد الغزو الروسي أصبحت والى اليوم رموز التخلف والصراع الأفغاني الأفغاني والتمزق العرقي حتى أصبحت نسيا منسيا من العالم الإسلامي بعد ان كانت محل القبول والاستئثار العربي الشعبي.
وفي نهاية المطاف لا نستطيع ان نقول سوى ان أفغانستان لم تكن سوى قطعة من قطع الشطرنج العالمية التي تديرها السياسة الخارجية الاميريكية وتحرك أحجارها في طريق استراتيجيتها للسيطرة والسيادة على العالم.
فهل تتحقق ويتكرر أفغانستان في سورية؟؟!!
إن الوضع في سورية يمثل صورة لنماذج عشناها ولازالت أصداؤها تتردد على مسامعنا يوميا، في مقدمتها النموذج الأفغاني الذي سلحته الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب الباردة والاحتلال السوفييتي لأفغانستان!!

صيغة احتياطية على غرار ليبية التغيير
هناك خيار ليبي عسكري في حال رفض بشار الاسد التنحي والحل السلمي واستمر في قتل شعبه، وهو يلزم الدول الصديقة للشعب السوري ان تتدخل عسكرياً حتى يتم التخلص من بشار كما تم التخلص من القذافي، وهذا الحل تلوح به في صيغة احتياطية كل من أمريكا وأوربا وبعض الدول العربية من خلال تسليح المعارضة السورية وتقديم كافة أوجه الدعم المادي والعسكري وتمويل حملة حرب ضد النظام المتسلح بالجيش والشرطة وعصابات الشبيحة، وهذه الصورة بدأت بالاقتراب.
وأخيرا ثقتي الكاملة في قدرة الله تعالى الذي أسقط كل الطغاة من عاد وثمود وفرعون وهامان على مدار العصور وخلال شهر واحد رأينا سقوط نظامين من أعتى النظم القمعية في العالم، لهذا أتوجه بهذا النداء إلى كل شعوب الأرض عربهم وعجمهم، والى كل أحرار العالم أصحاب الضمائر الحرة ان يكونوا الآن مع شعب سورية في محنته حتى يسقط نظام بشار وأركانه وأعوانه وعسى أن يكون قريبا.
*************

من روائع الدكتور الشهيد عبدالله عزام 


جهاد الكفر نوعان:
جاء في كتاب الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان للشيخ المجاهد عبدالله عزام رحمه الله ما نقتطف منه ما يلي:
وجهاد الكفار نوعان:
-1 جهاد الطلب (الكفار في بلادهم) بحيث يكون الكفار في حالة لا يحشدون لقتال المسلمين فالقتال فرض كفاية وأقل فرض الكفاية سد الثغور بالمؤمنين لارهاب أعداء الله وارسال جيش في السنة على الأقل، فعلى الامام ان يبعث سرية الى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين وعلى الرعية اعانته فإن لم يبعث كان الإثم عليه. (1) قال الأصوليون: (الجهاد دعوة قهرية فتجب اقامته بقدر الامكان حتى لا يبقى الا مسلم أو مسالم)(2).
-2 جهاد الدفع (دفع الكفار من بلادنا) وهذا يكون فرض عين بل أهم فروض الأعيان ويتعين في حالات:
أ. إذا دخل الكفار بلدة من بلاد المسلمين.
ب. إذا التقى الصفان وتقابل الزحفان.
ج. إذا استنفر الامام أفراداً أو قوماً وجب عليهم النفير.
د. إذا أسر الكفار مجموعة من المسلمين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين واجب اجماعاً، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الايمان من دفعه، فلا يشترط له شرط - كالزاد والراحلة - بل يدفع وقال ابن عابدين في حاشيته ج3 ص 238: (وفرض عين إذا هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام، فيصير فرض عين على من قرب منه، فأما من وراءهم ببعد من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج اليهم، فان احتيج اليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة مع العدو أو لم يعجزوا ولكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا فانه يفترض على من يليهم فرض عين كالصلاة والصوم، لا يسعهم تركه، وثم الى ان يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً على هذا التدريج) انتهى.
وجاء في المغني لابن قدامة في الجزء الثامن الصفحة 345، ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع:
-1 إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان.
-2 إذا نزل الكفار ببلد يتعين على أهله قتالهم ودفعهم.
-3 إذا استنفر الامام قوماً لزمهم النفير.(هذا في المذاهب الأربعة) قال الله عز وجل: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون} التوبة 41، قال ابن كثير رحمه الله: (أمر الله تعالى بالنفير العام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب) وقد بوب البخاري رحمه الله «باب وجوب النفير وما يجب من الجهاد والنية»، وأورد هذه الآية، وكان النفير العام بسبب أنه ترامى الى اسماع المسلمين ان الروم يعدون على تخوم الجزيرة لغزو المدينة، فكيف إذا دخل الكفار بلد المسلمين، أفلا يكون النفير أولى؟.



(1) حاشية ابن عابدين 3/238.
(2) حاشية الشرواني وابن القاسم على تحفة المتحاج على المنهاج 9/213

















السبت، 30 يونيو 2018

الدولة المثالية في عيون الإدارة الأمريكية




 الدولة المثالية في عيون الإدارة الأمريكية

منتدى الفكر والحضارة
الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين


بعد انهيار الحضارة اليونانية، قامت الحضارة الرومانية على أنقاضها مجسدة مبدأ "القطب الواحد" ومندفعة في تكوين امبراطورية إستعمارية وثنية تسعى لتخصيص الحرية والسلطة والثروة لطبقة الأسياد من الرومان دون غيرهم، بينما يدخل بقية الشعوب في طبقة العبيد، حيث كان الحكم الروماني ممثلاً لدى أكثر الشعوب المستعمرة بالقلاع والمدن العسكرية، وحتى الترفيه كان عبارة عن مدرجات رومانية يتلذذ فيها الأسياد بمشاهد الصراع بين الإنسان والإنسان أو الإنسان والحيوان المفترس حيث الدماء والموت، وفي النهاية سقطت الدولة الرومانية، لأنها فشلت في الحفاظ على جوهر الحضارة الإنسانية وتحولت إلى قوة عسكرية باطشة فكان مصيرها الفناء، يقول المؤرخ البريطاني الشهير"توينبي"عن خطر النزعة العسكرية عندما تسيطر على الدول وكيف تحدث أثرها في انهيارهذه الدول :" كان للنزعة العسكرية النصيب الأوفر في انهيار الحضارات، إن النزعة العسكرية تصرع الحضارة إذ تثير الصدام والنزاعات القاتلة بين الدول".

ونحن نعتقد أن النزعة العسكرية باتت مسيطرة على الولايات المتحدة خاصة في العقدين الأخيرين، وتحولت أمريكا إلى شرطي للعالم، وقائمة تدخلاتها العسكرية تشمل الكثير من الدول منها كوريا وفيتنام ولبنان والصومال وأفغانستان وأخيراً العراق، كما نجد أن السياسة الأمريكية أصبحت في أحيان كثيرة تفضل النفس العسكري القصير في إنهاء الصراع بدلاً من النفس الدبلوماسي الطويل، ولأن الإدارة الأمريكية تدرك أن احتلال الأراضي أسهل من احتلال العقول، وأن مرحلة ما بعد الانتصار في المعركة أهم من مرحلة كسب الحرب، فإنها لا بد من السعي لإيجاد مناطق آمنة لقواتها في الدول التي وقعت تحت احتلالها، وهذا لا يتم إلا بإيجاد بيئة آمنة في دول الجوار وما حولها في الدولة التي تقع تحت احتلالها، فإذا ما أضفنا إلى ما سبق ضرورة حفظ ماء الوجه والكرامة الوطنية بعد أحداث 11 سبتمبر المشئومة، فإن الإدارة الأمريكية وجدت في العالم العربي والإسلامي هدفاً مثالياً لتحقيق تلك الأهداف تارة تحت مسمى محاربة الإرهاب، وأخرى بدوافع نشر الحرية والديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان، وغيرها من الإدعاءات التي تسقط مع الممارسات اليومية للإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

وعلى ما يبدو فإن الإدارة الأمريكية في ظل هذه الأهداف الكبيرة لم تكتف بإيجاد أفراد يتعاونون معها لتحقيق هذه الأهداف، بل أرادت صناعة دولة مثالية تتحقق فيها الصفات المرغوبة لدى الإدارة الأمريكية، وتعتقد أنها دولة تصلح للبقاء في المسرح الدولي وتنسجم مع هويته وهويتها، ليتم بعد ذلك تعميم ذلك النموذج على دول المنطقة، ونحن نعتقد أن هناك دول بدأت تقترب كثيراً من تحقيق المطالب الأمريكية في المشرق العربي على الرغم من صغر مساحتها، بل وأصبحت هذه الدول تتوسط لدول عربية أخرى لرفع سيف الحصار المسلط على رقبتها، ونجحت بذلك أيما نجاح

وقبل أن نتطرق إلى مواصفات تلك الدول المثالية التي تسعى الولايات المتحدة لتطبيقها على مجموعة الدول العربية لا بد أولاً معرفة أسباب اختيار منطقة الشرق الأوسط كحقل تجارب لهذه الدولة النموذج، وما هي من جهة ثانية إستراتيجية الولايات المتحدة في هذا المجال.

أوضاع المنطقة العربية

رغم أننا نتحفظ على بعض فقرات تقرير التنمية العربية الأول والثاني، مع وجود مبالغات في بعض الإدعاءات غير قابلة أساساً للقياس، فإننا يجب أن نقر أن التقرير قد ساهم في إبراز الصورة الموجعة للوضع العربي في كافة المجالات فنحن نعلم أن عدد الأميين في العالم العربي حوالي 68 مليون نسمة (25%) ونسبة البطالة 15-30% وهناك 22% من السكان متوسط دخلهم اليومي دولار واحد، وحوالي 52% من السكان متوسط دخلهم بين دولارين وخمسة دولارات.

ويساهم العالم العربي بنسبة لا تتعدى 3.2% من إجمالي الصادرات الدولية بينما يحصل على ما يزيد عن 8.2% من إجمالي الواردات العالمية وهو ما يعكس ضعف البنية الصناعية وهشاشتها، كما بلغت الديون الخارجية من 49 مليار دولار عام 1980 إلى 325 مليار دولار (7 أضعاف) عام 2000، كما إن التجارة البينية تتعدى 8% بين الدول العربية، وبالعموم فالدول العربية "غنية بالموارد فقيرة بالتنمية" وهذا يعني وجود سخط جماهيري وشعبي على الأداء الحكومي، وهذا السخط من وجهة نظر الإدارة الأمريكية حاضن جيد لنمو الإرهاب وازدهاره.

سور الإسلام العظيم

سبب آخر يدفع الإدارة الأمريكية لاختيار المنطقة العربية كحقل تجارب لتخليق الدولة المثالية، وهي إنها أعلنت أن معظم من قاموا بعملية الحادي عشر من سبتمبر هم من المسلمون العرب، ونست أن المتهم الرئيسي أسامة بن لادن مطرود من موطنه الأصلي السعودية، وقد انتزعت منه جنسيته السعودية في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تدعم جهاد تنظيم القاعدة ضد الوجود السوفييتي في أفغانستان.

وقد كشفت أحداث 11 سبتمبر فيما كشفت أن الرأي الأمريكي، ومعه الغالبية الساجقة من كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية لا يعرفون الحد الأدنى من الثقافات العربية والإسلامية، ولا يستطيعون التمييز بين مبادىء الدين الإسلامي كدين سماوي راقي المبادىء والقيم، وبين قوى سياسية توظف الدين الإسلامي توظيف خاطىء ولأغراض مدانة أساساً من التيارات الإسلامية المعتدلة قبل أن تكون مدانة من الأمريكيين والعالم الغربي بشكل عام.

فالإدارة الأمريكية ترتكب خطئاً شنيعاً واستراتيجياً في عدم قدرتها أو عدم رغبتها في التفريق بين الأمرين، لأن أسلوب المعالجة سيختلف في الحالتين، وفي حال إصرارها اعتبار الإسلام كمنبع لتغذية الإرهاب فإنها ستتصدى لكل مؤسسة دينية وإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وبالتالي فإنها لن تجابه فقط بالعناصر التي وظفت الإسلام توظيفاً خاطئاً، وليس فقط بالتيارات الإسلامية الحركية المعتدلة بل حتى عموم المسلمين سيحقدون عليها ويرفضون وصايتها، وسيستهجنون هذا التدخل السافر في دينهم من جهة أطراف يرون فيهم عدواً لا يتوانى ليل نهار عن دعم الديكتاتوريات العربية، وإمداد إسرائيل بأسباب البقاء والصمود، بل وسيكونون مستفزين تجاه أي محاولة للمساس بأي مؤسسة دينية حتى لو كانت أسباب هذا المساس داخلي بحت لا علاقة له بأي وضع دولي أو في تجفيف منابع الإرهاب.

وانظروا مثلاً كيف استقبلت الشعوب العربية تصريح بوش عندما زل به لسانه وأطلق عبارات "الحروب الصليبية" هذا إن حملنا الموضوع على محمل حسن، وكذلك كيف استقبلت تصريح بيل كلينتون حول قيادة المرأة للسيارة وكيف يمكن أن يرى رسول الإسلام هذا الأمر إلى الحد الذي أطلق البعض استهجاناً ساخراً فقال: لم يبق إلا الحاج كلينتون مفتي الديار الأمريكية ليؤنسنا باجتهاداته في الفقه الإسلامي!!

إن الأمريكان بدلاً من دراسة رفض المشرق الإسلامي والعربي للهوية الجديدة الذي يريدون إلباسها له وذلك من خلال دراسة موضوعية تقوم بها مراكز البحث العلمي والموجودة لديهم بالآلاف، فإنهم بدلاً من ذلك يذهبون إلى أن الإسلام في ذاته يمد هؤلاء الناس بمخزون التحدي والمواجهة التي تصل إلى حد الاستشهاد، مع إغفال ضوابط وفقه هذا الباب ووجود أطر أخرى أعم وأشمل في الإسلام في أبواب السلام والتسامح والإنسانية كوضع طبيعي للعلاقات الإنسانية والبشرية ما دام الطرف الآخر لا يسعى لنشر حروب صليبية بطبعة معاصرة.

نعم نعترف أن الإسلام دين عصي على الاختراق، والعالم الإسلامي صمد لهجمات أعمق وأخطر من هذه الهجمة، والعالم الإسلامي لديه عمق حضاري وهوية خاصة من الصعب اختراقها، وإن كان بالإمكان عمل ثغور وفجوات مرحلية سرعان ما تندمل وتختفي، ولا يمكن مقارنة النجاح الأمريكي بإدخال الثقافة الأمريكية وفرضها على مناطق مثل دول جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية بما يحدث بالمنطقة العربية والتي في عرف التاريخ أعرق بكثير من الفكر المادي المتهافت الذي تريد الحضارة الأمريكية نشره.

فكيف يمكن إقناع الشعوب العربية بعسل الحضارة الأمريكية وأمريكا تعاني اليوم من اضطراب القيم وازدواجية القيم وازدواجية التعامل بشكل مفضوح، وكيف تقدم أمريكا الجنة الموعودة إلى الشعوب وهي تفتقدها، فهناك في أمريكا اليوم لا يقل عن 70 مليون فرد لديهم أسلحة، والذين يموتون سنوياً بسبب هذه الأسلحة يفوقون من 30 ألف قتيل، بمعدل 84 قتيلاً في اليوم، كما تعاني هي الأخرى من مشاكل عرقية وإثنية وفضائح الشركات الكبرى، وتفكك الأسرة، وسريان الانحلال الأخلاقي بشكل لم يسبق له مثيل.

استراتيجية التغيير

فكل هذه المبادرات التي طرحتها الإدارة الأمريكية مثل وثيقة "كونداليزا رايس" التي تضمنت ضرورة نشر الديمقراطية، واشتراط تقديم المساعدات والمنح للدول العربية التي تتبنى التعددية الحزبية، وأهمية وجود معايير لحماية حقـوق الإنسان، ثم وثيقة كولن باول التي قدمها في 12/12/2002م باسم "مبادرة الشراكة" والتي ركزت على التعليم والتدريب والمجالس التشريعية، وطبعاً وضع المرأ ة العربية، ثم هاهو المشروع الاصلاحي الأخير، والذي كان سبباً رئيسياً في فشل انعقاد القمة العربية لاختلاف الرؤى بشكل متباين حوله
نقول كل هذه المبادرات تسعى لصنع دولة نموذجية تحقق الأهداف الأمريكية التالية:

1-فرض القيم الأمريكية على المنطقة العربية و"أمركة" أسلوب الحياة العربي، ولذلك فإن "المعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية والتقاليد الثابتة" هي جوهر الحرب الأمريكية في صراع القيم والمبادىء.

2-تسويق الحداثة الغربية والديمقراطية السياسية والليبرالية الاقتصادية.

3-تصفية الأصوليين وهم من تعتبرهم أمريكا الذين يعتبرون "الإسلام مرجعية وشريعة" وبهذا تدخل كل ألوان الطيف الإسلامي الحركي المعتدل والمتشدد لا فرق، وكل مسلم يعتقد جدارة الإسلام في أن يحكم هو مسلم أصولي مرفوض بقاءه خارج نطاق دائرة الاتهام بالإرهاب، وبالتالي منع الأصولية الإسلامية من الانتشار في العالم الإسلامي وإيقاف امتدادها اليوم ومحاصرتها هدف رئيسي للدولة المثالية كما تريدها الإدارة الأمريكية، ويدخل في هذا الهدف كل أنواع الإلهاء الاجتماعي والاختراق الفكري وتفكيك مفهوم الأسرة، وإطلاق الحرية المزعومة للمرأة ومحاربة أي اتجاه يعاكس ذلك التوجه في التعليم والتربية والإعلام.

وبالتالي فإن جملة الاستحقاقات المطلوب إنجازها لكل دولة ونظام عربي يريد أن ينال رتبة الدولة المثالية في عيون الإدارة الأمريكية تتمثل في التالي:

1-إيجاد نظام ديمقراطي وتعددية حزبية تسمح بالممارسة السياسية وتفتح المجال أمام مختلف التيارات السياسية للتعبير عن رأيها.

2-تبني نظام اقتصادي منفتح متوائم مع المؤسسات المالية العالمية ويخضع لشروط صندوق النقد الدولي في ضوابط الاصلاحات السياسية، ويتبنى الخصخصة وفتح المجال للشركات العابرة للقارات "بلاعة البيزة".

3-إعادة النظر في المناهج التعليمية وحذف كل ما من شأنه تغذية الهوية الوطنية والدينية واستفزاز المشاعر الوطنية ومشاعر التحدي ضد الأجنبي الدخيل، وإدخال قيم التسامح والحوار وتقبل الثقافات الأخرى والبعد كل البعد عن مفاهيم الجهاد والولاء والبراء والنصرة وترتيب العلاقات الإنسانية حسب المصالح لا حسب المبادىء وتقديم النفعية المادية على ما سواها.

4-فتح المجال واسعاً ولو بالتدريج للمرأة العربية حتى تمارس دورها المباشر في الحياة السياسية والاقتصادية والحضور الفعال في البرلمانات العربية، ومحاربة الصورة الكريهة التي تحرم المرأة من تلك الممارسة.

5-الترحيب بالقواعد العسكرية الأمريكية باعتبارها صمام أمان لمنع الإرهابيين من تحقيق أهدافهم ، وحرمان الأصوليين من الوصول للسلطة لو أفضت اللعبة الانتخابية بهم إلى السلطة، والقدرة على التحرك السريع لقمع أي تحرك لا يأتي بالنتيجة المقبولة أمريكياً.

6-تفهم الحرب الاستباقية التي تقوم بها الإدارة الأمريكية في أي منطقة في العالم والتعاطي الإيجابي معها باعتبارها حرب مفهومة ومبررة ضد الإرهاب.

7-المساعدة والتعاون في تدفق موارد الطاقة وفي مقدمتها النفط بأسعار معقولة للولايات المتحدة وضمان السيطرة على الموارد النفطية حتى يمكن استغلال ذلك في إضعاف الدول التي تمثل تهديداً للزعامة الأمريكية على العالم مثل الدول الأوروبية والصين.

8-الدخول النهائي والتام في مشروع السلام مع "إسرائيل" وتجريم وإدانة كل عمليات المقاومة، وتجفيف المنابع المالية عنها، ودعم اغتيال كل رموزها وقادتها، والقبول بدمج دولة الكيان الصهيوني في المنطقة وتزويدها بما تحتاج له من نفط وغاز وإقامة علاقات شراكة تجارية واقتصادية معها.

  9-إيجاد مناخ احتفالي كرنفالي منفتح مدعوم من القطاع السياحي على المستوى الوطني والقطاع الإعلامي على المستوى الدولي والتشجيع على استنساخ كل التجارب الإعلامية التي تكسر المحرمات والمفاهيم الاجتماعية السائدة، وتنتقل روح الحضارة والهوية الغربية للمجتمعات العربية، ومثل هذا الهدف يجعلنا نتفهم سر الثناء الإسرائيلي على برامج تغريبية مخدومة إعلانياً مثل "ستار أكاديمي" و"سوبرستار" وغيرها

هذه النقاط  وغيرها جعلتنا أحياناً تفتح عيوننا بذهول تجاه أنظمة عربية عنوانها الكبير هو "القمع والمزيد من القمع، وهي ترتدي ثوب الديمقراطية بشكل فج وقبيح ومضحك ومخزي، في سباقها المحموم مع أنظمة أخرى للدخول في نادي " الدولة المثالية" ورأينا من كان بالأمس عدواً للإمبرالية العالمية كيف تحول اليوم إلى دولة تهتم بمحاربة الأسلحة النووية ويستقبل قادتها ملكات الجمال، ورأينا دول تتحدث عن الممارسات الديمقراطية بعد أن كان المعتقل مصير من يضبط وهو يحاول الدخول إلى الإنترنت أو يركب صحن استقبال فوق سطح داره

نحن نعتقد أن الحل لا يكمن في دخول تلك الأنضمام إلى نادي "الدولة المثالية" لأنها ستتحول وبشكل فج أيضاً إلى مندوب سامي منبوذ من شعوبها لأنها ببساطة بعد أن كانت دولة ديكتاتورية تكبت الحريات، ستتحول إلى دولة تريد فرض هوية جديدة لا تمت بصلة للمجتمع الذي تمثله، وبالتالي ستكون وهي تحاول تطبيق ضوابط وشروط الدولة المثالية أسوأ بكثير من ممارساتها في عهد الديكتاتورية، فمنع التعبير عن الناس ممارسة حقوقهم أمراً سيئاً لكن الأسوأ منها هي فرض ممارسات جديدة على الناس وخاصة أن هذه الممارسات لم تثبت نجاحها في جلب السعادة للشعوب التي تعمل بها

فهل تعتبر الأنظمة العربية، وتبصر في الأمور قبل أن تملأ قسيمة الاشتراك في نادي الدولة المثالية؟

المانشيتات:

1- هناك دول عديدة بدأت تقترب من تحقيق نموذج "الدولة المثالية" كما تريدها الإدارة الأمريكية.

2- الإدارة الأمريكية غير قادرة أو لا تريد التمييز بين الإسلام كدين سماوي راقي، وبين قوى سياسية توظف الإسلام توظيف خاطيء.

3- الإسلام دين عصي على الاختراق، والثقافة الأمريكية التي اخترقت دول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية بسهولة، لن تلقى مثل هذا النجاح في الشرق الإسلامي.

4- نفتح عيوننا بذهول على أنظمة عربية كان عنوانها الكبير "القمع والمزيد من القمع" وهي تحاول أن ترتدي ثوب الديمقراطية بشكل فج وقبيح ومخزي.

5- الدول العربية غنية بالموارد فقيرة بالتنمية، مما يعني وجود سخط شعبي كامن صالح لأن يكون محضناً لنمو الإرهاب.

6- في أمريكا اليوم 70 مليون فرد مسلح، ولديهم 84 قتيلاً في اليوم بسبب هذه الأسلحة المنتشرة00 أي عنف هذا؟

7- سيطرة النزعة العسكرية على أي حضارة إنسانية مؤشر لفناء هذه الحضارة.

8- ممارسة الديكتاتورية على الشعوب أمر سيء، والأسوأ منه محاولة فرض هوية جديدة وممارسات تغريبية على تلك الشعوب.

نشر المقال بتاريخ
2013-01-06 

الخميس، 31 مايو 2018

دكتور مرسي رئيس مصر وصاحب مشروع النهضة.. كفَّيتَ ووفيتَ

دكتور مرسي رئيس مصر وصاحب مشروع النهضة.. كفَّيتَ ووفيتَ


الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله».
أسأل الله ان يكتب لك بهذه الكلمة الرُّتبة التي خبَّرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق، فقد وفّيتَ كلمة الحق في مؤتمرٍ أمَّل القائمون عليه ان يذبحوا الشعب السوري بمقترحٍ صَفَوي يُصدِّق عليه المُجتمعون في مؤتمر عدم الانحياز، ولكنْ يأبى الله الا ان يُتمَّ نوره.
لقد كفيتَ ووفيتَ بخطاب عربي فصيح، خرج من القلب فوصل الى القلب.
لقد كفيت ووفيت بخطاب أثلجت به صدور محبيك، ومسحت دموعهم التي خرجت حين قررتَ الذهاب الى المؤتمر.
لقد كفيت ووفيت بكلمة مُؤصّلة قائمة على وعيٍّ سياسي، وأصالة عربية وعمق اسلامي، كلمة تُكمل فيها ما اقترحْتَه في مؤتمر مكة في ليلة السابع والعشرين من رمضان في حق اخوانك في سورية.
لقد كفيت ووفيت حينما صورتَ الواقع في سورية بصورته الحقيقية، ببيان حقيقة الطغيان من حاكمٍ اجتمعت معه عصابات من الداخل والخارج لذبح شعب أصيل، تاريخه في نصرة الاسلام من بدايات الدولة الاسلامية التي انطلقت من المدينة لتكمل المشوار في الشام بعد ذلك.
لقد كفيت ووفيت برباطة جأشك وأنت تقول كلمة الحق في شأن الشعب السوري العظيم!! مع علمك ان في الصفوف الأولى هناك من يستمع اليك من القتلة الذين قارب مَنْ قتلوه بدم بارد أكثر من مائة ألف، وهدموا المنازل، ودمَّروا المآذن، وأجاعوا الشعب، وأشاعوا الفزع في النساء والأطفال.
لقد كفيت ووفيت وأنت تقول هذه الكلمة القوية في مؤتمر أمل فيه الماكرون ان يكون اجتماعهم غطاءً جماعياً لذبح شعب بكامله في سورية العربية.. في هذا الوسط انْحَبستْ الأنفاس المؤمنة خوفاً من ان تنطلق رصاصة غادرة من مجرم سفاح يجلس في الصفوف الأولى، أو بعد الكلمة.. ولكن الله سلم، نعم انها قوة الايمان بالقضاء والقدر.
لقد كفيت ووفيت وأنت تستشعر أمانة المسؤولية في رئاستك للأمة المصرية التي تتعلق بها آمال العرب في ارجاع هذه الأمة الى سُؤْددها ومكانتها وقوتها.فالتاريخ علّمنا ان العالَم لا يعرف للضعيف مكاناً، وكلمة الحق هي بداية القوة التي بدأها النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدَّى الشرك المتأصل في الجزيرة العربية بقوله: «قولوا لا اله الا الله تفلحوا» فهي وان كانت كلمة، الا أنها كانت مِعْوَل هدم لكل صنم وطاغوت على وجه الأرض.
لقد كفيت ووفيت حينما حمَّلت كل من في المؤتمر من زعماء دول عدم الانحياز أمانة حماية دماء المسلمين وأعراضهم في سورية الثابتة الحرة، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه عمن قال كلمة الحق فيمن غير ترتيب الصلاة والخطبة في العيد: «أما هذا فقد أدى الذي عليه».
لقد كفيت ووفيت حينما استمعت لكلمات اخوانك المحبين بعدم الركون الى الذين ظلموا، نعم لقد حطمتَ جميع الأعراف السياسية وأسقطتها حينما كان الأمر متعلقاً بدماء المسلمين وأعراضهم في سورية، فصدعتَ بكلمة الحق وأن تعرف ان في هذا المؤتمر من يده ملوثة بكل الجرائم التي يعرفها العالم والتي حصلت على المسرح السوري: من ذبحٍ للأطفال، وهتكٍ للأعراض، وهدمٍ للبيوت، وتقتيل للشباب، وتدمير للاقتصاد.
لقد كفيت ووفيت باستعانتك بالله على مواجهة الباطل بصورة قوية حضارية، ووضَّحت المراد، ووضعت النقاط وعلامات الترقيم في كلمات وأسطر تاريخ مصر العروبة وذلك في ارجاع الحق الى أهله في سورية الجريحة.
لقد كفّيتُم معاشر الدعاة بنصيحتكم لأخيكم، ودعائكم له بظهر الغيب ان يوفقه الله ويحفظه من مزالق الفتن.وبفضل الله رأينا أثر ذلك من خلال كلمات الدكتور مرسي بقوتها ومعانيها- والله حسيبنا جميعاً.
وهكذا عندما يتمثَّل الدعاة بقيمهم الاسلامية التي أخذوا بكتابتها، طوال فترة الدعوة، وأن يقوموا بتجسيدها على أرض الواقع في مجال السياسة والممارسات الحياتية من المناصحة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم «الدين النصيحة»، وأخبر فيها عمر بن الخطاب- رضي الله عنه «لا خير فيكم ان لم تقولوها، ولا خير فينا ان لم نسمعها».
ان حكامنا اليوم في عالمنا العربي والاسلامي لفي حاجة ماسَّة الى هذه القيم والمناصحة معهم بها، فهي النجاة للأمة جمعاء.وما دمَّر الأمم على مر التاريخ الا النفاق السياسي والاجتماعي القائم على المصالح والدنانير.
فقرات منقولة من مذكرات بريمر الذي حكم العراق من 2003/5/12 – 2004/6/28م لعلها تُبين حقيقة المعركة في عالمنا العربي والاسلامي:
يقول في مذكراته المنشورة بعنوان (عام قضيته في العراق) والذي قام بترجمته عمر الأيوبي عام 2006 في 496 صفحة:
1 - ان القادة الصفويين، بمن فيهم آية الله العظمى....، قد شجعوا أتباعهم على التعاون مع الائتلاف منذ التحرير.
2- ويقول في ص253: (ان آية الله يخشى التهديد الذي يشكله مقتدى الصدر.. وان الخيار المفضل لآية الله.. هو ألا يبقى مقتدى.. وعلمنا أنه قد أرسل 200 مسلح الى كربلاء لمواجهة قوات مقتدى الصدر).
3 - يقول في ص 279 في مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي «كولن باول»: (عليك ان تحصل على مباركة آية الله.. أرسِلْ أحدهم الى النجف، أو توجه اليه بنفسك اذا دعت الضرورة.. لا يمكن ان أطلب من حكومتي المصادقة على مسار بدون بعض الضمانات بأن النجف موافق عليه)!!
4- يقول بريمر: لقد تبادلت مع آية الله.. الرسائل بشكل منتظم حول الوضع الأمني في النجف ولاسيما في أغسطس سنة 2003 حين أصبح مقتدى الصدر يمثل تهديداً لنا).
فقرات منقولة من مقال للدكتور محمد عمارة المفكر الاسلامي:
1 - يقول الدكتور محمد عمارة: ان الاحتلال الأمريكي قد استعان بالأحزاب الصفوية التي تكونت في ايران.. والتي تدربت ميليشياتها وتسلحت في ايران.. بل والتي حاربت لحساب ايران ضد العراق لثماني سنوات (1988/1980م) أي ضد الجيش العراقي.. استعان الاحتلال «بالتشيع الصفوي» ومرجعيته العظمي ضد أهل السنة وضد «التشيع العربي» لتدمير العراق وتفتيته.. باعتبار هذا القصد هو المحقق لمخططات الفرقاء المختلفين: أمريكا.. والصهيونية.. وايران!!!
2 - وفي سنة 564هـ/ 1168م تمت الاستعانة بالصليبيين من قبل الوزير الفاطمي «شاور» (564هـ/ 1169م) الذي سمى الصليبيين بـ«الفرج» بدلاً من «الفرنجة»، ورأى فيهم «الفرج.. والانقاذ» من دخول مصر تحت سلطان الدولة السنية المجاهدة.. دولة نور الدين الشهيد (569/511هـ/ 1174/1118م).
وبعد ان انتهت هذه الصراعات وهذه الخيانات الفاطمية بزحف جيش الدولة النورية بقيادة أسد الدين شيركوه (564هـ/ 1169م) وصلاح الدين الأيوبي (589/532هـ/ 1193/1137م) على مصر، وتخليصها من مراكز الخيانة الفاطمية، وتوحيدها مع المشرق العربي.. وطيّ صفحة الدولة الفاطمية من التاريخ- شرعت بقايا هذه الدولة في التآمر مع الصليبيين ضد السلطة السنية- الأيوبية التي حكمت مصر في ذلك التاريخ.
لقد تحركت أصابع الخيانة الفاطمية- ممثلة في بقايا جند وقيادات هذه الدولة الذين كانوا «مخالفين في المذهب» لجمهور الأمة – فأرسل قائدهم «جوهر الخصى مؤتمن الخلافة» رسالة سرية الى الصليبيين يستعين بهم ويستنجد بجيوشهم ضد الدولة السنية وجيشها.وقد ضبط صلاح الدين الأيوبي هذه الرسالة، وقبض على مؤتمن الخلافة وأعدمه في 25 من ذي القعدة سنة 564هـ/ سبتمبر 1168م.. وأتبع ذلك بهزيمة جند «مؤتمن الخلافة».
3- كان ابن العلقمي (656/593هـ/ 1258/1197م) وزيراً شيعياً في دولة الخلافة العباسية.. وكان خبيراً بأدوات السياسة، ومحباً للرياسة.
ولقد ولي الوزارة (642هـ/ 1244م) وتربع عليها أربعة عشر عاماً، ثم انتهى به المطاف الى خيانة الدولة والخلافة والأمة، بل والحضارة الاسلامية كلها.. فتآمر مع التتار، وفتح أبواب بغداد لهولاكو، وذلك طمعاً في ان يحكم الشيعة بغداد والعراق بدلاً من السنة، بعد فتنة طائفية وقعت بين السنة!!
رسالة بعثتها تعليقاً على مناشدة الدكتور موفق ابن الدكتور مصطفى السباعي أرسلها الى رئيس مصر الدكتور مرسي عندما تناقلت وسائل الاعلام عزمه على الذهاب لمؤتمر عدم الانحياز في ايران، فقد قرأها عليّ في التليفون الابن العزيز أبو عبدالله المطوع متأثراً، ويريد ان نشفع رسالة ابن الدكتور السباعي ببعض الكلمات، فأمليت عليه هذه الرسالة: «جزى الله المجاهد موفق ابن المجاهد مصطفى السباعى رحمه الله على بيانه للحق المبين، يقبل من يقبل فينجو ويعرض من يعرض فيهلك ودخول الناس الى الجنة أو النار حسابٌ فردي كما قال الله تعالى: (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا).
فان صح ان د.محمد مرسي حافظ القرآن، وابن مدرسة الاخوان انه سيذهب الى ايران فهذه جريمة اسأل الله ان يعافيه منها وان يبصره بأمر دينه والأمر كما ذكر ابن عباس (وهل الدين الا الحب في الله والبغض في الله).
وأنى لاضم صوتي لصوت ابن المجاهد وان كنت لم التق به ولم أتعرف عليه ولكنها عقيدة الولاء والبراء نجتمع معه فيها والله حسيبنا جميعا كما أنني أهيب بمن له علاقة مباشرة مع د.محمد مرسي كأمثال د.محمد بديع مرشد الاخوان الى اصغر واحد من معارفه ان يبلغه هذه الرسالة لعل الله سبحانه وتعالى ان يصرفه عن الذهاب الى ايران وعن مصافحة من قتل أكثر من مائة ألف مسلم سني في الشام وأكثر من ذلك في العراق، وسجن وتشريد ما يضعف على هذا العدد منذ ان تسلط الطاغية حافظ أسد على رقاب المسلمين.
كما أنني أدعو أهل الصلاح بأن يدعوا الله ان يصرف الدكتور محمد مرسي عن السقوط في هاوية الفتنة، قال تعالى {ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار} وكما قيل فمعظم النار من مستصغر الشرر.
والفتنة لا يعرف الانسان من ان تأتي والى أين تنتهي وكلنا يعلم كيف سقط حسون مفتي سورية بوحل النصيرية والبعثية وأفتى على ذهبهم ودولاراتهم، والا كيف سقط من كتب بالفقه والسلوك والتربية وقد وصل من العمر عتيا (د.البوطي).
وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم «ان أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها».
نسأل الله العفو والعافية للجميع وأن يعجل بنصر اخواننا في سورية فانهم يتحملون اليوم محاربة المشروع الايراني الشيعي في المنطقة العربية والاسلامية ونحن على يقين بالنصر كما نصر الله صلاح الدين على الفاطميين ثم انتقل بعد ذلك لتحرير المسجد الأقصى وفلسطين.
والله أكبر ولله الحمد
والحمد لله رب العالمين ان جعل من سلالة العلامة المجاهد مصطفى السباعى رحمه الله من يقول كلمة الحق في زمننا هذا الذي كثر ت فيه التبريرات والمجاملات.
قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153).
وأخيراً تظل أمة الاسلام ولادة لرجال كبار يقدمون الحق على النفس، متمثلين قول الله تعالى: {قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا}، حقا انها أمة الخير التي أخرجت للناس {والبلد الطيب يخرج نباته باذن ربه}.

الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين
نشر في الجمعة، 31 أغسطس 2012

الاثنين، 10 يوليو 2017

الموازين العشرة في أوقات العسرة


الموازين العشرة في أوقات العسرة



بقلم: الشيخ الدكتور جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين


1-من الضروري إحياء فقه المراجعات والتأمل في مسيرة الدعوة بعد 11 سبتمبر، فقد تطيش الموازين وتختل القيم بسبب كثرة الضغوط وتسارع الأحداث.

2-قد تلتقي المصالح مع أمريكا في تحرير الكويت من براثن صدام حسين، ولكن هذا لا يعني استبدال سجادة الصلاة بالعلم الأمريكي.
3-كثيراً ما ينشغل الدعاة في محاربة التفريط، ولكنهم مقصرون بشكل جلي في محاربة الإفراط.
4-يجب أن تسلم عقيدة الداعية من الاتكال على غير الله، فلا يجبن عن مهمة، ولا يتخلى عن واجب، ولا يتراجع عن فكرة ولا يتخاذل عن نصرة.
5-مطلوب من الحركة الإسلامية الحفاظ على وسطية التغيير فلا هو جمود قاتل ولا هو إقدام متهور.
6-إذا كان من يمارس التفريط يسيء لنفسه، فإن ما يمارس الإفراط يسيء لدينه.
7-مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم محن وأزمات لو اجتمعت على أمة لأهلكتها ولكنه صمد لها كالجبال الرواسي حتى بلغ الرسالة.

لا زالت الفتن تلقي بظلالها على الأمة الإسلامية ألواناً وأشكالاً متعددة، منذ الحادي عشر من سبتمبر، والصحوة الإسلامية بمختلف مشاربها واتجاهاتها وتياراتها تتعرض لهجوم شديد نفسي وفكري ومادي، ولا زالت تلك الضغوطات تلقي بثقلها وشبهاتها في طريق العمل الإسلامي، ولا يمكن إنكار الحاجة الشديدة إلى إحياء فقه المراجعات والتأمل في مسيرة الدعوة، وهل كان تعامل التيارات الإسلامية مع الأحداث على المستوى المأمول، وخاصة في أثناء الأزمات والمحن، حيث يظهر معادن تلك التيار ومستوى التفكير الاستراتيجي في عملها، وقدرتها على التكيف والمؤامة مع الأحداث العالمية بما يعطيها القدرة على إعادة توجيه المسار إلى الطريق الصحيح، وخاصة أن السلوك البشري في أوقات المحن والضيق قد يختلف ويتأثر بالمؤثرات الضاغطة وفداحة الأحداث وسرعتها عنها في أوقات السعة والأمان.

وقد تطيش الموازين لدى بعض أبناء الصحوة الإسلامية، وقد تؤثر بعض التيارات الإسلامية مبدأ السلامة على إطلاقها ولا يهمها كم ستخسر الفكرة الإسلامية بسبب هذا الموقف الانسحابي، أو التيارات المعاكسة التي تتحمس المشاركة في دوامة العنف مهما دفعت الأمة الإسلامية بسبب تهورها، ويجب أن ندرك أن الواقع الجديد التي تعيشه المنطقة يحتاج إلى إعادة التذكير ببعض الموازين التي تم إصابة بعضها إصابات مباشرة فتعرضت لانحراف، أو غابت أصولها عن الأذهان أو تمت قراءتها بشكل جديد لا يتناسب وأصل الفكرة التي قامت عليها.

ولعل اختيارنا لعشرة موازين لا يعني انحصار المحافظة على هذه الموازين في أوقات العسرة، ولكنني أحسبها من الموازين التي يحتاج العاملون في الدعوة إلى إعادة النظر في أصولها واستذكارها حتى ننقي ما أصابها من عطب في أذهاننا وعقولنا بعد سلسلة من المتاهات الحركية والسياسية التي أصابت مسيرة الدعوة في السنوات القليلة الماضية.


الميزان الأول: العقيدة

فقد ظن البعض أن المعركة مادية بحتة مع الباطل وأعداء الله، فلما رأوا ما يملكه العدو من آلة عسكرية قادرة، وإمكانات مادية وبشرية هائلة، وقدرة سياسية هائلة قادرة على الاختراق والتغلغل وفرض الآراء وتغيير قوانين اللعبة، ظنوا أن ميزان النصر منحصر فقط في الإعداد المادي والقدرة اللوجستية على الحشد والمواجهة، ونسوا أو تناسوا أن صراع الحق مع الباطل لا يقاس بمحدودية المقاييس المادية والبشرية، ولو أعدوا الأسباب معتمدين على تأييد الله ونصره وهو الغالب على أمره سبحانه، لما اختل ميزان العقيدة في النفوس والأرواح.
ونحن هنا لا نتكلم عن الشرك الظاهر من عبادة الأوثان أو ممارسة البدع الشركية أو غيرها من خوادش العقيدة، وإنما نتحدث عن ضرورة الاعتقاد اليقيني بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقنا ورزقنا وهو الذي بيده محيانا ومماتنا ونشورنا، وهو الرزاق وهو المعطي والمانع وهو الضار والنافع، وهو سبحانه على كل شيء قدير لا يعجزه أحد من خلقه، ولا يكون شيء إلا بأمره، فالخير بيديه والشكوى إليه، والأمر منه وإليه، فهو أمان الخائفين، وأنيس المستوحشين، ورب العالمين، فهو المستحق وحده للدعوات واللهفات والاستغاثات في حال السعة والكربات.
فهذه الحقيقة إن غابت عن نظر وبصر وعقل وقلب بعض الدعاة فقد ضلوا الطريق ضلالاً مبيناً، ولا يرتجى بعد ذلك لا أعمال ولا فكر ولا خبرات ميدان، فيجب أن تسلم العقيدة للداعية بهذا التصور الذي يكل الأمور كلها إلى الله، فلا يجبن عن مهمة، ولا يتخلى عن واجب، ولا يتراجع عن فكرة، ولا يتخاذل عن نصرة، لأن سنده مالك الملوك وإله الكون سبحانه لا شيء قبله ولا شيء بعده، مهما كان بريق القوة الغاشمة لدى الأعداء.
فالظلم كفيل بتغيير الموازين، والبغي مرتعه وخيم، لكن المهم ألا تختل الموازين، وخاصة ميزان العقيدة، فالدعاة أحوج ما يكونون اليوم إليه هي العودة إلى كتاب الله، والنظر في آيات العقيدة وأسماء وصفات الخالق، ومعرفة معانيها وآثارها، وما ينبني عليها من معتقد وإيمان وعمل، فالاعتصام بالله وحده هو طوق النجاة للخروج من هذه المهلكة العظيمة.
وليكن لنا قدوة حسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه، فعندما جاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه أثناء قتاله في غزوة بدر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجده ساجداً يقول:" يا حي يا قيوم" لا يزيد عليها، وقد عاد سيدنا علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة ووجده على هذه الحال حتى فتح الله عليه، فليت الدعاة يتعلمون من رسولهم صلى الله عليه وسلم كيف كان اللجوء إلى الله في أوقات الشدة فهو مفتاح الفرج والفتح.

الميزان الثاني: الوسطية

فكثيراً ما ينشغل الدعاة في محاربة التفريط، ولكنهم مقصرون بشكل جلي في محاربة الإفراط، فنجد الكثير من الدعاة ينشطون لتعليم الناس أمور دينهم ويحذرونهم من معصيةالله والتفريط في أوامر الدين وتعاليمه، ويسعون لنشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة والفساد، وينشرون الكتب والأشرطة ويلقون الخطب والمحاضرات في حث الناس على الأخلاق الحميدة والسلوك الحسن وترك رذائل الأمور كالاختلاط والتبرج والسفور، وشرب المسكرات وأكل الربا، والتجرؤ على المحرمات، وربما تابعوا كل ما يسيء إلى الدين والفضيلة في وسائل الإعلام، وبينوا للناس المشتبهات من الأمور ونوعوا في خطابهم بين الترغيب والترهيب، وبين ثواب المحسن وعقاب المسيء، ودعوا الناس إلى العودة إلى دين الله والتزام آدابه وتنفيذ أحكامه والقيام بفرائضه والحفاظ على نوافله، والقيام بتكاليفه والانتهاء عن مناهيه، وهي بلا شك كلها أمور محمودة مطلوبة ومرغوبة، وهي من مهام الأنبياء والرسل ومن ورثهم من العلماء والدعاة، وهي مرتبة عليا وفضيلة كبرى لمن يقوم بها.
فالدين النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص خصائص هذا الدين ومن واجبات الدعاة الرئيسية، نقول أن كل ذلك حسن ومطلوب، لكن الدعاة – إلا من رحم الله- على الرغم من مهامهم الجليلة في القيام بواجبهم في التنبيه على الناس في النهي عن التفريط، لا يبذلون نفس الجهود في التنبيه على جماعة من الناس بالغت في الإفراط والغلو في الدين، ورغم أن الغالب على الناس بطبيعتها التفريط وليس الإفراط إلا أن نتائج الإفراط قد تكون مدمرة خاصة إذا تمثلت بجماعة تستحل دماء الناس وترفع راية التكفير وساعتها لا ينفع أبداً مبدأ المسالمة وغض النظر مع هؤلاء، لأن هؤلاء يتحركون باسم الدين الذي سعى التيار الوسطي في الحركة الإسلامية دائماً على تقديم أفضل صورة عنه، مع المنافحة والمدافعة أمام أعدائه ورد الشبهات والتهم عنه، وعن مدى صلاحيته للبشرية جمعاء، ووجود مثل هذه الفئات تسرح وتمرح في الجسم الإسلامي إنما يمثل معول هدم ثقيل في جهود الحركة الإسلامية التي ما فتئت تعلن منهج الاعتدال والوسطية في التعامل في الفكر الآخر00
لم يعد من الممكن القبول بدس الرؤوس في الرمال واتباع منهج السكوت على ممارسي الإفراط والغلو في الدين، فإذا كانت الناس بتفريطها في دين الله تسيء لنفسها فإن الناس الذين يمارسون الإفراط يسيئون للإسلام نفسه، ولمن يحاول أن يجسد الإسلام من خلال فكرة حركية مستنيرة ومنفتحة تحافظ على الثواب وتتفاعل مع المتغيرات، وكم أعجبتني مقولة للراحل الشيخ محمد الغزالي وهو يتصدى لمنهج الإفراط قائلاً:" إنني أحارب الدواء المغشوش كما أحارب الداء"، فالذي يريد أن يحارب ادواء الأمة ويشفيها من أمراض النكوص والتراجع عن دين الله يجب أن يحارب بالمقابل الأدوية المغشوشة التي تتحدث باسم الإسلام وهي عليه وبال.
فالغلو والإفراط بطبيعته منفر لا يحتمله البشر ولا تصبر عليه النفوس، وهو قصير العمر، والاستمرار عليه في العادة غير متيسر، ولا تخلو من جور على حقوق أخرى يجب مراعاتها، ومن الإفراط والغلو التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين بالوجود والتزام منهج التشديد دائماً، وإلزام الآخرين به حتى لو كان الدليل مع التيسير، ناهيك عن الغلطة في التعامل والخشونة في الأسلوب، والفظاظة في الدعوة، فالوسطية هو المنهج الصحيح والذي جاء به الإسلام وهذه الوسطية يجب أن تعم كل شئون الدعوة.

الميزان الثالث: الولاء

الولاء لله لا لغيره، وهناك من قد تميل قلوبهم، وتتبع نفوسهم الأهواء، ويخطيء بعض الدعاة في الخلط بين ما تفرضه المصالح من تعامل وحوار وتبادل للأدوار وبين مبدأ الموالاة، فالمصالح بطبيعتها متغيرة وقد تتطابق المصالح مع طرف من الأطراف وقد تفترق في أحيان أخرى كثيرة، وقد تفرض التقاء المصالح في منطقة جغرافية أو فكرية تنسيق المواقف مع أطراف تصنف في الوضع الطبيعي في خانة العداء، وقد تفترق المصالح في مناطق جغرافية أو فكرية أخرى فيستدعي ذلك افتراق المواقف والآراء، وقد تختلف المصالح وتتفق في نفس الوقت حسب الأفكار المطروحة والتحديات المنظورة، وقد تتفق في فترات زمنية وتختلف في فترات زمنية أخرى، وبناء عليه تقوم اللعبة السياسية وتتخد الأطراف مواقفها من الأحداث حتى تستجد أحداث أخرى تتباين فيها الرؤى ووجهات النظر، فتتضارب فيها المصالح وتختلف ويحدث الافتراق.
كل ذلك معروف عند الساسة والأحزاب السياسية والتجمعات الفكرية والثقافية، لكن هذه الطبيعة المتغيرة للمصالح لا يجب أن تفرض على الدعاة تغيير الولاء وتغيير الجلد والأهداف والغايات بناء على تغيير المواقف والمصالح، والأمثلة في ذلك أكثر من أن تحصى.
فقد تتفق رؤى الحركة الإسلامية في الكويت مثلاً مع رؤى التيارات العلمانية والليبرالية في قضية مكافحة الفساد بأشكاله المختلفة وتفعيل الرقابة على الأداء الحكومي، ولكن هذا لا يؤثر على مبدأ الولاء الأصيل، ورفض التيار الإسلامي لطبيعة الحياة وأسلوب الحياة العلمانية التي تريد "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر" وقد يلتقي التيار الإسلامي مع التيار القومي في ضرورة نصرة القضايا العربية، وخاصة القضية الفسطينية، وهذا لا يستدعي انتقال الولاء من الفكرة الإسلامية إلى الفكرة القومية، وقد يستدعي التقاء المصالح مع الامبراطورية الأمريكية في تحرير الكويت من براثن النظام الصدامي البائد، ولكم هذا لا يستدعي استبدال سجادة الصلاة بالعلم الأمريكي، وقد يستدعي الاهتمام بمقدسات المسلمين تقديم الدعم الحيوي والضروري لنصرة فلسطين، ولكن هذا لا يستدعي القبول بأطروحات السلام التي تستهدف إسقاط حقوق المسلمين في المسجد الأقصى وباقي المقدسات الإسلامية.
فالمصالح قضية تكتيكية متغيرة والولاء قضية تأصيلية ثابتة، فلا توالي الحركة الإسلامية إلا الخالق سبحانه وتعالى، وإلا منهجه ودينه وشرعه، فنوالي من ينتصر لدين الله ويعمل على رفعته مهما اختلفت رؤانا ومصالحنا الآنية المؤقتة معهم، ونعلن البراء والعداء لمن يعادي دين الله سبحانه وتعالى ومنهجه وشريعته مهما التقت مصالحنا الآنية المؤقتة معهم، فهذا من عقيدة الإسلام التي نلقى الله عليها لا مبدلين ولا مغيرين، فلا ننحاز إلى غير الهّم الإسلامي،ولا مستعدين أن ننسلخ من جلدنا مهما كثرت فيه إصابات الأعداء.

الميزان الرابع: النصرة

فالداعية إلى الله يدور حيث يدور الإسلام، ويهتم بشئون المسلمين في كل مكان يذكر فيه اسم الله، ولا تشكل الإقليمية والقطرية حاجزاً أمام القيام بواجب النصرة لكل موحد يعلن شهادة الإسلام وينافح ويدافع عنها أمام أعداء الله، وتشكل القضية الفلسطينية كأرض إسلامية مغتصبة وبها مقدسات المسلمين تحدياً لميزان النصرة، فلا يتقاعس المسلم في الكويت عن نصرة إخوانه لمجرد أن بعض الغوغائيين من الفلسطينيين- ومهما علت رتبهم ومناصبهم- كانت لهم مواقف في غاية الخزي والسوء من قضية احتلال الكويت، فالقدس مسئولية كل مسلم، فلو أساء المسلم القريب جغرافياً من منطقة القدس التصرف في قضايا المسلمين الأخرى ومنها قضية احتلال الكويت، فهذا لا يعفي المسلم البعيد جغرافياً عن القدس، كالمسلم الذي يعيش في الكويت من حسن التصرف وتقديم مبدأ النصرة لأرض الإسراء والمعراج على ما سواه، وأن يتعالى على جروحه حتى يلقى الله بأجر الاحتساب وثواب الصبر على أذى الناس.

الميزان الخامس: التثبت

ففي الفتن تكثر الإشاعات وتقل الحقائق، وربما نسب إلى بعض الدعاة والمشايخ والعلماء ما لم يقولوه، وربما قالوا شيئاً وتم تحريف أقوالهم حسب الأهواء والأغراض والمصالح، فالأصل في المؤمن والدعاة على وجه الخصوص التثبت من الأقوال وعدم ترك النفس لأهدافها ورغباتها في تصديق ما يرفضه العقل، أو يخالف مواقف العلماء والمشايخ المعلنة، حتى يأتيه الدليل المبين على ما قالوا، وليتثبت أكثر من صحة النقل، وأكثر من ذلك منهم شخصياً وما قصدوه بخطابهم، فربما قصدوا شيئاً ضاق عن فهم السامع نتيجة للأزمة التي يمر بها، فآفة الاستعجال وعدم التثبت وسوء الظن في الآخرين وخاصة في ساعات العسرة والأزمات لا يكاد يسلم من شرها أحد إلا من كان ذا صلة قوية بربه ودينه، فالسرعة وعدم التأني والتثبت في كل ما يمس المسلمين والناس جميعاً وخاصة الرموز منهم العلماء والمشايخ من أحكام وتصورات ومن تناقل وتداول لهذه الأحكام وتلك التصورات دون فهم دقيق للواقع، وما يحيط به من ظروف وملابسات هي إحدى المساوىء التي يقع فيها كثير من الدعاة عند الفتن والمحن، قال تعالى محذراً من هذا المسلك:"إذ تلقّونه بألسنتكم [ وليس بقلوبكم] وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم"[1].
وقد يقع في هذه الخصلة الكثير من الدعاة بسبب الغفلة أو النسيان، أو الاغترار ببريق الألفاظ أو بسبب البحث المتعجل عن حكم شرعي للواقعة أو الجهل بأساليب وطرق التثبت قال تعالى:"ولو ردوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم، لعلم الذين يستنبطونه منهم"[2] وذلك من خلال المناقشة والإصغاء الجيد والمراجعة لصاحب الرأي المطروح والجمع بين كل الأطراف، وقد يعلم الدعاة وسائل التثبت هذه، لكنها تغيب وسط الحماس والعاطفة الإسلامية الجياشة والغفلة من العواقب والآثار المترتبة على عدم التثبت، والنتيجة لذلك تكون نشر العداوات بين كثير من الأفراد والتجمعات الإسلامية، وعدم التماس المعاذير وتجميد التعاون في المتفق عليه، واتهام الأبرياء من الناس زوراً وبهتاناً، والحسرة والندامة، وفقد ثقة النالس مع الكراهية والنفور والخلل والاضطراب في الصف والفتور والتراخي عن العمل، وإفساح المجال للأدعياء والدخلاء لكي يخترقوا صف الدعوة مع خسارة متوقعة لبعض الأنصار والمؤيدين، والحرمان من العون والتأييد الإلهي وقد تصل المسألة إلى سفك الدماء وسلب الأموال، ولا يمكن مواجهة مثل هذه الصفة الشائنة والمؤثرة وخاصة في أوقات المحن إلا بتفعيل خاصية التقوى ومراقبة الله والتذكير بالمساءلة في كل أمر بين يدي الله في اليوم الآخر، والتربية على عدم الاستعجال، والتأكيد على معالم ومنهج التثبت وإدراك العواقب الوخيمة على عدم التثبت، والتعود على إحسان الظن بعامة المسلمين، وعدم قبول وشاية ما لم يصاحبها دليل يقيني.

الميزان السادس: الثبات

فالأزمات كالعواصف التي تهز سفينة الأمة، والمحن التي تصيب القلوب الضعيفة بالهلع تجعلها كورقة في مهب الريح، فتحتاج النفوس إلى التثبيت والثبات على دين الله، فلا يخرج الداعية من المحنة سليم البدن مصاب الروح، وقد مرت على رسول الله صلى الله لعيه وسلم محن وأزمات لو اجتمعت على أمة لأهلكتها ولكنه عليه الصلاة والسلام صمد لها كالجبال الرواسي وقهرها بحسن اتصاله بمولاه، وصبره وصموده وتضحياته في سبيل تبليغ الرسالة إلى أمته، وكلنا يذكر الجلافة والغلظة وقلة الذوق والأدب في تعامل قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أهل الطائف أكثر وداً من قريش بل إنه صلى الله عليه وسلم تعرض لمؤامرات للقتل لا أول لها ولا آخر، وترك بلاده التي هي أحب أرض الله إلى الله، وأحب أرض الله إلى نفسه، وتعرض لمؤامرات اليهود والمنافقين في المدينة، وكادت أن تهلك هذه العصابة المؤمنة في بدر وأحد والخندق عندما بلغت القلوب الحناجر، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه لم يبدلوا ولم يغيروا
وما أجمل قول الشاعر معبراً عن فكرة الثبات:
تالله ما الدعـوات تهـزم بالأذى أبـداً، وفـي التاريخ بر يميني
ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي بالسوط، ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصـار فكري ساعة أو رد إيمـاني ونـور يقينـي
فالنور في قلبي، وقلبي في يدي ربي، وربـي حافظي ومعيني

فإذا نجحت الولايات المتحدة وبدعوى محاربة الإرهاب، في ربط منظر كل ملتحي بصورة الإرهابي، ومنظر كل داعية مخلص بصورة قضبان غوانتيناموا، فهذا مصداق لقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن الزمان الذي يصبح فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر، ولكن هذه المحن لا تغير من ثبات المؤمن شيئاً، وانظروا إلى الشيخ المقعد المشلول كيف تنبى فكرة وأسس حركة، ولبس لباس الإخلاص والتقوى، ووضع بين عينيه تحرير الأقصى، حتى حصلت في أرض الإسراء البركة وأثمرت البذرة، فخرجت كبرى حركات المقاومة الإسلامية في وجه يهود، ومضى هو إلى ربه شهيداً بعد أن غادر جسده النحيل المنهوك سجن كرسي الشلل إلى رضوان الله وجواره، فأولى بكم أيها الدعاة أن تقتدوا بهذه المسيرة المباركة من الرجال المخلصين والدعاة العاملين.

الميزان السابع: ميزان الالتزام

فبعض الدعاة وأمام أبواب الفتن والمحن يضعف التزامه أو يتلاشى، وربما استصعب مسيرة الدعوة رغم يقينه بصواب خطواتها، لكن تكاليفها الثقيلة مما لا يستطيع معه مواصلة الدرب بنفس علو الهمة التي كان عليها قبل الفتنة، فيصبح التقصير في التكاليف وعدم الوفاء بالواجبات سمة ملازمة له، وترى إمارات ذلك في حركة الداعية وكيف تثاقلت وتباطأت، فترى عدم الدقة وعدم الانضباط في الحديث والموعد، والإصغاء للإشاعات والأكاذيب وبناء الأحكام عليها، وعدم رعاية أدب الخلاف والخروج على الطاعة، إلا فيما تهوى النفس، وقلة الاستعداد للتضحية والظن بالأوقات والأقوال على الدعوة، واستعجال النصر بلا بذل للأسباب وإهمال تزكية النفس وإهدار حقوق الأخوة وغيرها من الدلائل والإشارات على دخول الداعية في مرحلة الخطر والسقوط من قطار الدعوة، وقد يعود ذلك إلى ما ألقته المحن من بلاء ومشقة على الداعية مع ضعف الإيمان وتدني الوسط الدعوي الذي يعيش فيه والإقبال على الدنيا بعد زوال المحنة، فالمحنة تزلزل كيان الإنسان وتعصف به إلا من رحم الله، فيتلاشى الالتزام استجابة لوساوس وشبهات الشيطان، بالإضافة إلى ضعف الارتباط الأخوي، وهي كلها أسباب يجب أن يلتفت لها الداعية فيؤكد التزامه ولا يسرف في المباحات ويحرص على تجديد إيمانه ويفهم حقيقة الدنيا والآخرة ويستعين بالله على الطاعة، ويلزم الجماعة ويجدد محاسبته لنفسه، ويكثر الاطلاع على سيرة الصالحين.

الميزان الثامن: الصبر

فكثيراً ما أدى الاستعجال بالدعوات إلى الهلاك والفناء، وهدم كل ما بنته الدعوة خلال سنوات بسبب القفز على سنة الأناة والتدرج والحلم والحكمة، فتغيير الواقع لا يتم بلمحة بصر أو طرفة عين، فأصعب أنواع التغيير تغيير النفوس، ومحاولة التغيير التي تتم دون فهم للظروف والملابسات المحيطة ودون إعداد جيد، ودون البذل والتضحية والعمل في المجتمع وإصلاح الناس ودون مقومات قوية وأساليب مبدعة ووسائل مقنعة، فإن هذا التغيير سيأتي بنتائج قد تأتي على بنيان الدعوة ومؤسساتها، فلا يتم التغيير بيت ليلة وضحاها فهذا من الأحلام التي لا تعيش الواقع، ومن الجهل بسنن التغيير وآلياته في المجتمعات، فالحماس والحرقة على وضع الإسلام لا يعني إلقاء النفس في أتون النار، ولا تمكين الأعداء من رقبة الدعوة، فكثرة المنكرات تتطلب زيادة الجهود لا استعجال الثمرة، فالثمرة حتى يتم حصادها لا بد من تخيّر الأرض الطيبة وبذر البذرة وسقيها ورعايتها من الآفات والحشرات والصبر عليها حتى تثمر، فالعجز عن تحمل المشاق وانعدام وجود الخطط والبرامج والغفلة عن سنن الله في الكون والنفس، وعدم التمعن في العواقب كلها كانت وبالاً على الدعوة ومسيرتها، بل وعادت بالدعوة لعدة عقود إلى الوراء، وكم خسرت الحركة الإسلامية من مواقع، ومؤسسات وكم قدمت من تضحيات كانت بسبب رؤى ناقصة وأسباب غير مكتملة للتدافع البشري، فآن الأوان للعودة إلى وسطية التغيير فلا هو جمود قاتل ولا هو إقدام متهور0

الميزان التاسع: علو الهمة

فالفتور بين الدعاة من الخسائر الداخلية غير المحسوبة في ميدان الدعوة، وهو الذي يحول دون تحقيق الأهداف وإطالة المدة الزمنية لإنجاز التكاليف، والبقاء في المربع الأول لفترة طويلة بسبب مرض التسويف الناتج عن الفتور والكسل والتراخي والتباطؤ في أداء الأعمال الدعوية، وقد يعود ذلك في بعض الأحيان إلى الغلو والتشدد في الدين بما يعني عدم القدرة على مواصلة الطريق بهذا النفس المتشدد، أو العكس على ذلك من خلال الإسراف في المباحات وتجاوز الحد المعقول، ناهيك عن العزلة عن الجماعة، والتقصير في الطاعات، وقلة الاهتمام بالزاد الروحي وصحبة أصحاب الهمم الضعيفة وغياب التخطيط السليم، والقيادات الفاعلة، والوقوع في التقصير والمعاصي، فينبغي على الداعية الذي حط رحاله أن يعيد حساباته ويراجع نفسه ويحاسبها ويراقبها حتى يكتب الله له الخروج من بئر الفتور إلى قمة علو الهمة، وهي مهمة عسيرة إن لم يصاحبها تقوى الله والاخلاص والنظر في العواقب وابتغاء الدار الآخرة، حتى تسلم نفس الداعية له، ويعود إلى كامل اندفاعاته في العمل وقد أزال من نفسه ما علق بها من أيام الفتنة.

الميزان العاشر: سنن النصر

فالنصر لا يتحقق لمجرد أن الدعوة قد دخلت المحن والفتن واجتازتها بخسائر أو بأرباح فلا يمكن تحقيق النصر إلا بالتزام سننه، وهذه الحقيقة واجهها الصحابة في جهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب"[3] وتأخير النصر ليس شراً على الحركة الإسلامية بل قد يكون خيراً لها،
وأسباب تأخير النصر كثيرة يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله في ذلك:"والنصر قد يبطىء على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها الله
قد يبطىء النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها، ولم يتم بعد تمامها، ولم تحشد بعد طاقاتها
وقد يبطىء النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا تستبقي عزيزاً ولا غالياً، لا تبذله هيناً رخيصاً في سبيل الله، وقد يبطىء النصر حتى تجرب الأمة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر.
وقد يبطىء النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل
وقد يبطىء النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل جمية لذاتها
كما يبطىء النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، يريد الله أن يجرد الشر منها ليتمحص
 وقد يبطىء النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه للناس تماماً.
وقد يبطىء النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة له
قد يبطىء النصر، فتتضاعف التضحيات، وتتضاعف الآلام، مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية".

[1] النور: 15

[2] النساء : 83
[3] البقرة: 214
نشر في 16 ديسمبر2014