‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. عمران الكبيسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات د. عمران الكبيسي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 24 فبراير 2016

أين البراق وبغداد العفيفة طال أسرها؟

أين البراق وبغداد العفيفة طال أسرها؟

د. عمران الكبيسي

بغداد عاصمة الرشيد، ومنارة المجد التليد، جوهرة الشرق، موئل الشعراء ومصدر الإلهام، مجتمع العلم والفن والأدب والفلسفة ومدارس اللغة والنحو والفقه، موطن السندباد، وأحلام ألف ليلة وليلة،
بغداد قلب العراق الحر قلعة العروبة والإسلام، من يصدق أنها اليوم تعاني تقاسي تكابد تختنق وتحتضر، موه وجهها، وتقوس ظهرها واحدودب، وهزل قوامها، وتقطعت أجزاؤها، اختطفت منذ عشر سنين، واعتلى ظهرها الغجر، اغتصبت واعتقلت وسجنت ومازالت تقاسي العذاب ولسان حالها يقول للعرب ما قالت ليلى العفيفة لأبناء عمومتها: حكاية ليلى العفيفة تصح رمزا لحكاية بغداد، ليلى بنت لكيز بن مرّة بن أسد من تغلب وائل وقبائل ربيعة بن نزار العربية.
شاع ذكرها في التراث العربي واشتهر، وكانت أملح بنات العرب وأجملهن خصالا، تامة الحسن جمة الأدب.
خطبتها سراة العرب فرفضتهم جميعا وكانت تكره الخروج من قومها، وقصتها نموذجا لاعتزاز العرب وفخرهم ببناتهم، ورفضهن زواج العجم.
أحبت ليلى ابن عمها البراق بن روحان وأحبها، وكان فارس ربيعة، وإليه انتهى عزّها وشرفها قبل الزير سالم، ولكن والدها أراد تزويجها بملك يعزز وجاهته بين العرب، فلم تعص أباها وتعففت عن البراق رغم حبها له فلُقبت بالعفيفة، استاء البراق من عمه وترك قومه ونزل على بني حنيفة.
فثارت بغيابه حرب ضروس بين تغلب وقُضاعة وطي، وقتل فيها الكثير وتعاظمت الشرور، واتسع الخرق، واضطرب حبل ربيعة ودارت عليها الدوائر، فاستنجدوا بالبراق فقبل زعامتهم وغار بهم على ديار قضاعة وطي وهزمهم هزيمة نكراء، وكان ابن كسرى ملك الفرس قد خطب ليلى لنفسه فرفضته فكمن لها في غفلة واختطفها ونقلها إلى فارس، وحاول الزواج منها فتعففت وامتنعت عليه، ولم يزدها ترغيبه وترهيبه إلا إصرارا حتى خيرته أن يقتلها أو يعيدها إلى أبيها وعشيرتها. وأطلقت أبياتها تستصرخ البرّاق وتستحث قومها لإنقاذها، قائلة:
ليـتَ للبـراق عينـا فتــرى
مـا ألاقـي مـن بـلاء وعنــا
يا كليبــا وعقيــلا إخـوتــي
يا جنيـدا أسعــدونـي بالبكــا
عُـذبـت أختُكــم يـا ويلكـــم
بعـذاب النُكـر صُبحـا ومَســا
غَلّلـونـي، قَيَـدونـي، ضَـربـوا
ملمس العفـة منـي بالعصـا
يكـذب الأعجـمُ مـا يَقــربُنـي
ومعي بعض حشاشات الحيـا
فـاصطبارا أو عـزاءا حسـنا
كـل نصـر بعـد ضُـرٍ يـرتجـى
قـل لعـدنان هــديتـم شمــروا
لبني مبغوض تشميـر الـوفـا
يا بني تغلب سيروا وانصروا
وذروا الغفلة عنكم و الكرى
سمع راع عربي ليلى تنشد أبياتها مكتئبة تندب قومها فأسرع إلى البراق يبلغه صرختها، وما إن أكمل إنشاد أبياتها أمامه حتى وضع البراق رجله في الركاب واعتلى صهوة جواده وندب فرسان ربيعة فاجتمعت إليه قبائل العرب تحالفه فاستنقذ بهم ابنة عمه ليلى واستحق الفوز بها، وتزعم تغلب زمناً أصبحت فيه ربيعة بحسن تدبيره أوسع العرب خيراً وحظا. حتى توفي نحو عام 479م. ولحقته ليلى بعد أربعة أعوام. وخلدت قصتها في أعماق التراث، فمضمون أبياتها يوافي صرختها الأبية ضد الاستباحة، واجتذبت حكايتها خيال الفنانين فغنت أسمهان ليت للبراق عينا عام 1938 وصورت ضمن فيلم أميرة الشرق الذي يحكي قصة ليلى.بيد أن اقتران الملك فاروق بفريدة أخت شاه إيران أوقف العمل بالفيلم، وأعجبت الشاعرة العراقية المبدعة نازك الملائكة بليلى فأسمت ابنها الوحيد البرَّاق رغم صعوبة نطقه وندرته.
اليوم بغداد العفيفة المليحة قبلة العرب ومحط أنظارهم جار عليها الزمان بغزو العلوج، وتعرقبها الفرس المجوس من خلفهم، أسروها كما أسرت ليلى بغفلة من قومها، وحاشا أن ترضى بغداد بالصفويين أصهارا، وأن تذل وتستكين، وندعو من يزور العراق ولاسيما النجف وكربلاء أن ينزل إلى الأسواق ويسأل شيعة العرب هناك ليعرف ويتيقن منهم ما حل بهم وبإخوانهم السنة من ضيم الصفويين المجوس.
اليوم هب عرب الأنبار في الرمادي والفلوجة لنجدة عاصمتهم وعراقهم، وتداعى لصرختهم عرب الموصل وسامراء بصلاح الدين وديالى وعرب الجنوب في البصرة والناصرية والكوت والنجف وكربلاء على كلمة رجل واحد للخلاص، وإنها لثورة الربيع التي نأمل أن تعيد لبغداد حصانتها وعفافها ووجهها العربي وتبرأ من خطايا قوم كسرى ورجس أحفاده وغلمانه، ولنا بثورة الربيع في دمشق شقيقة بغداد ما نستهدي ونسترشد به ولن يصح إلا الصحيح.

تاريخ النشر:السبت 21 صفر 1434 هـ 
05 يناير 2013 م

الأحد، 21 فبراير 2016

المعضلة السورية... والمكر السيئ

المعضلة السورية... والمكر السيئ

د.عمران الكبيسي


dr.omran@gmail.com

لم يعد أحد في هذا العالم يجهل مأساة الشعب السوري بعد خمس سنوات لم يتوقف فيها قطار الموت، ليبقى ملايين المعذبين يصارعون عجلات الأقدار، تسوقهم بين التشرد والتسول هربا من مصير إلى أسوأ، والعالم يتفرج على المهجرين تتقاذفهم الأمواج كالزبد بين الملح والرمل، فلم تعد المعاناة الإنسانية تعني قياصرة أو أكاسرة الشرق ولا أباطرة الغرب مادام البحر يقذف إليهم الرقيق الأبيض بالمجان، بعد أن روضتهم رحلة المأساة وهم يتقلبون بين الخيام والكهوف والحقول وتحت الشجر، ومن بقي ليس عن رغد، ولكنهم آثروا معاناة الجوع والعطش والحصارعلى عري الصحاري والبوادي، ينتظرون أوان الرحيل إلى عالم الأبد مستسلمين لقصف الطائرات الروسية وبراميل النظام المتفجرة، مفضلين الموت وهم يحتضنون ركام منازلهم على ذل الهجرة واللجوء.
أما من ساقهم طريق العذاب الى المعتقلات والسجون فيحيون ويموتون يوميا في دوامة الحقد والانتقام، والخلاصة خمس سنوات قتل وتهجير، سجن وتعذيب، حرق وتدمير للأخضر واليابس.
من البشر والطير والشجر والحجر، حتى مقابر الأموات وشواهد التاريخ وآثاره لم تسلم من الدمار.
محنة سوريا كارثية بكل المقاييس، ومأساتها جريمة عصر، شهوده زور، فلم تقتصر آثارها على دين أو طائفة ولا عند عنصر أو جنس أو طبقة، وطال الضرر عموم الشعب السوري حتى أنصار النظام، فهي مأساة إنسانية أخلاقية بكل معايير القيم السماوية والحضارية، والمصيبة الخرساء ان الدول العظمى صاحبة الحل والربط تربط الأسى بالأسف ولا تحرك ساكنا، بل كانت مواقفها تبدو عند بداية المحرقة أكثر تفهما لجذور المشكلة والوعي بأسبابها ومسبباتها، وأقرب إلى التشخيص السليم لجذورها، فالولايات المتحدة كانت ترى رأس النظام لب المشكلة وعلى الرئيس بشار ان يرحل، وكثيرا ما هددت بمبادرة استئصاله، وتعاطفت مع المعارضة وأغرتها بالتصعيد، لكنها اليوم تتراجع عن مواقفها بعد ان تحميل الشعب السوري التضحيات الجسيمة، وتورط نظام الأسد الفاشي باستخدام أسلحة كيماوية محرمة، وتسبب بتفشي حمى الإرهاب والخروج عن القوانين والأعراف والقيم.
والجديد دخول روسيا الدولة العظمى وهي ركن من أركان مجلس الأمن على الخط، لا لحفظ الأمن بل لخرقه، فشاركت النظام وإيران وحزب الله بلبنان في جريمة إبادة من بقي متمسكا بأرضه من الشعب السوري ببجاحة لا خجل فيها، الدول العظمى اليوم تحاول لي عنق المعارضة والمقاومة المسلحة المعتدلة وحملها على القبول ببشار الأسد رئيسا للنظام، «وكأنك يابو زيد ما غزيت»، وتحول الدفاع عن الحريات والخيار الديمقراطي إلى الحديث عن علاج الأعراض التي تسبب رأس النظام بصنعها كمحاربة الإرهاب وحل مشكلة اللاجئين وإطعام المحاصرين وتسريح المعتقلين، وصار كرسي الرئيس لحياة شعب سوريا بأكمله.
 اليوم يبدو أن العالم بدأ ينسى او يتناسى عمدا ان الإرهاب الذي ضرب المنطقة وتسلل إلى العراق واليمن وليبيا ولبنان ومصر وتركيا، حتى وصل إلى أوروبا سببه جور النظام السوري الذي سهل لإيران تسليح حزب الله اللبناني ودعمه، ليتمكن في لبنان ويصبح قاعدة لتصدير الفتن الطائفية، ويتسبب بنشوء معسكر آخر مضاد تبنته داعش والقاعدة، وتتسع تجربة مليشيات أبوالفضل العباس التي تشكلت بدعم إيراني بسوريا إلى فكرة الجهاد وظاهرة الحشد الشعبي في العراق، لارتكاب مجازر طائفية بحق الأبرياء تحت شعار محاربة الإرهاب.
إن سقوط نظام الأسد لو صدق العالم في دعمه إرادة الشعب السوري، كفيل بإيقاف موجة هجرة السوريين التي تقلق أوروبا، وقطع طرق امداد الإرهاب وإيقاف تمدده، وإطفاء نار الفتنة الطائفية، وكبح أطماع إيران الجهنمية وتطلعاتها العنصرية الخطيرة، وتسهم بعودة العراق إلى أحضان اشقائه العرب، لتستقر المنطقة بكاملها، ولكن كما يبدو، لا الشرق ولا الغرب راغب بذلك، ومن تبادل الادوار يظهر ان لكل لاعب نوايا مبيتة تخدم المصالح والأطماع الاستعمارية على حساب عذابات الشعوب، وأن هناك مكرا سيئا وتفاهمات خبيثة خفية غير معلنة طبخت بالسر على نار هادئة، وعسى المكر السيئ يحيق بأهله.

الثلاثاء، 16 فبراير 2016

الضمير العربي ومذابح العرب السنة في العراق

الضمير العربي ومذابح العرب السنة في العراق

د.عمران الكبيسي
dr.omran@gmail.com



السؤال الذي بات يحيرني ويضطهدني ولا أجد له جوابا، هل غاب الضمير العربي أم غيب عما يجري في العراق من مذابح ضحيتها العرب السنة؟
فليست الحرب الدائرة كما يدعون بين أبناء كربلاء وأبناء الأنبار فلا ثأر بينهم ولا سابق لها، وليس الصراع القائم بين السنة والشيعة فهم عزوة واحدة، تجد العشيرة العربية نصفها من الشيعة والنصف الآخر من السنة، وبينهم أحساب وأنساب وتصاهر قرون مديدة، ولا يهون على أي منهم قتل أخيه في الدين والعروبة والوطن، فمتى ينتبه الضمير العربي فيستيقظ وينتفض لفتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى، نذروا أنفسهم لخدمة أمتهم دفاعا عن المبادئ والثوابت في كل مخاض، ويضيعون بلا ثمن؟ 
الصراع القائم في العراق صراع بين العرب والفرس الصفويين، والجيش الذي يحاصر المدن العربية السنية ليس الجيش العراقي، وإنما جيش المالكي الطائفي بعدته وتعداده الذي يتجاوز مليون مقاتل، غالبيتهم من المجنسين الإيرانيين الحاقدين على العروبة والإسلام، حرب صورية يديرها خبراء إيرانيون يسيرهم قاسم سليماني، وتتقدمهم مليشيات حزب الله، يعيثون في الأرض الفساد، بدليل مجرد أن تدخل داعش مدينة ينسحب الجيش وتنسحب الشرطة المحلية بلا مقاومة، وتترك المدينة تأخذ نصيبها من المليشيات تقتل وتعدم وتحرق، ثم يأتي الجيش ليحاصر المدن، يجوعونها، يقطعون عنها الطعام والماء والكهرباء والوقود، ويقصفونها بالصواريخ والطائرات والمدفعية والبراميل المتفجرة على طريقة الأسد، فتدفع الأسر جبرا وقهرا إلى الهجرة بأطفالهم ونسائهم، بهدف إذلالهم وتفكيك قيمهم الأصيلة، يعاملون بعنجهية فارسية، وضحية كل ذلك العرب السنة. والحجة داعش التي لا نعرف لها أصلا ولا فصلا.
من أين أتت داعش؟
وكيف تحولت فجأة خلال أشهر من مجموعات صغيرة في الصحراء يطاردها مرتزقة المالكي والأسد بحسب زعمهم، إلى جحافل تحتل ست محافظات عربية سنية، تشكل ثلاث أرباع مساحة العراق، جلها مجاور لسوريا وإيران، بحدود تمتد أربعة آلاف كيلومتر؟ 
أين كانت الدولة عن داعش؟
وأين عنها الاستخبارات الأمريكية وأقمارها الاستطلاعية؟
من يصدق هذا الهراء وينطلي عليه الادعاء، لماذا لا تهاجم إلا المحافظات السنية، داعش خلايا عميلة لإيران كانت نائمة ضمن تنظيم القاعدة الإرهابي، صناعة إيرانية عددا وعدة جرى تهيئتها لليوم الموعود، شقت المعارضة السورية وأساءت إليها، وتمنح جيش المالكي المبرر لذبح السنة العرب ودفعهم لترك مدنهم وأملاكهم بغية إذلالهم وتغيير التركيبة السكانية، 
يقول الشاعر بألم:
 قدر أم سفر وكتاب/ يتقدم فينا الأذناب
يتحكم فينا الأغراب/ زمن الغفلة زمن الغاب
أن يقتل أشبال الأمة، باسم مكافحة الإرهاب!
الغريب أن العالم العربي بمثقفيه، بفضائياته وصحافته ووسائل إعلامه، بحكوماته وبمؤسساته الرسمية والمدنية، الدينية والقومية والإنسانية غض الطرف، فلا إذن سمعت ولا عين رأت!
فهل هناك سر دفين أملى عليهم الصمت المطبق؟ كأنّ لا انتماء، ولا أمن قوميا، ولا مصالح مشتركة، ولا حمية، عرب العراق سور الأمة وحصنها الشرقي، وحراس دار الخلافة، يتعرضون للإبادة والاجتثاث، تسفك دماؤهم، وتحرق مزارعهم وبساتينهم، وتهد مساكنهم على رؤوسهم، يهجرون ويعنفون، ولا من يمد اليد لمساعدتهم أو يشد أزرهم، مَن مِن العرب لا يخسر إذا خسرنا العراق؟ ولا يهزم إذا هزم الفرس العرب؟ من مثل العراق؟ ساعد العرب الأيمن بحاضرهم وماضيهم، دافع عن مقدسات الأمة في فلسطين وتبني قضيتها؟ ودافع عن سوريا وحمى دمشق من دنس الصهاينة في حرب يونيو 67، ودافع عن مصر بنخبة طياريه وطائراته، وروت دماؤهم سفوح الأردن، وقف أبناؤه سورا عشر سنوات يقامون شعار تصدير الثورة الفارسية، يستغيث أبناؤه اليوم ولا من مجيب!
أما الغرب فلهم ثأر مع العرب السنة لقيادتهم المقاومة ضد الاحتلال وأجبروا أمريكا على الانسحاب بعد أن كبدوها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى واليوم ينتقمون بصنيعتهم المالكي؟ 
الجامعة العربية وما أدراك ما هي، لم تحرك ساكنا، كأن العراق ليس عضوا مؤسسا، وكأن ضياع عروبة العراق ليس ضياعا للأمة وخسارة لا تعوض، لم تحاول حتى بحث ما يجري على أرضه الأبية، والفلوجة المحتسبة مدينة المساجد تتعرض للمرة الثالثة لحرب ظالمة ولا ذنب إلا أنها عربية المصدر والمنزع، تتظاهر وتعتصم طيلة عام، وتحاصر خمسة أشهر ويباد أهلها، والجامعة صم بكم فهم لا يرجعون، 
ماذا يعني سقوط مئة شهيد في الفلوجة والرمادي يوم السبت الماضي وعلى مدار الأيام، ومئة في بغداد، ومثلها في الموصل، وسامراء، وديالي، وجرف الصخر ببابل والحويجة بكركوك، 
كيف تكون التصفية وتجريف البشر؟
ولكن الحقيقة بقلب الشاعر:
ألملايين التي تمتد من أقصى المحيط إلى الخليج/
ومن أعالي النيل حتى حضرموت إلى حلب/
قرانها يتلى وثروتها ذهب/لكنهم، لا خيل تعكف في المضارب/
لا سفين على الشواطئ/لا مواقد للهب/ أفهؤلاء هم العرب؟/ أبدا تساورني الظنون ويستبد بي العجب!

تاريخ النشر 
16/6/2014 

الاثنين، 15 فبراير 2016

تلبيس إبليس ودبلوماسية الكواليس

تلبيس إبليس ودبلوماسية الكواليس

د. عمران الكبيسي
dr.omran@gmail.com

من الذكاء في العرف الدبلوماسي أن تضرب فتصيب عصفورين بحجر، واعتدنا في سياسة الدول الصناعية، لعب الكبار مع الصغار، فالسياسة في عرف الدول الكبرى تجارة وسمسرة وعمولات، والقرار سلعة يحتكر تقديمه لمن يبذل أكثر، والمعيار الربح والخسارة وليس القيم والمبادئ، هذا واقع ما يجري خلف الكواليس من تلبيس إبليس، حيث النظرية على خلاف التطبيق، وعودتنا التجارب مع الغرب والشرق أن نسمع ولا نرى، وخلف كل حق ظاهر، باطن باطل، وهو دأبهم في التعامل الماكر مع الأحداث والمستجدات على مدى عقود، تناوبت ما بين السياسة الناعمة التي أضحت معلما استراتيجيا في سياسات الرئيس الأميركي أوباما بعد الخشونة التي انتهجها سلفه جورج بوش.
أميركا لا تعنى بالديمقراطية كما تدعي إلا كواجهة إعلامية تخفي مراميها خلفها، ولا تسعى لتنمية الشعوب بل إلى فقرها وامتصاص دمائها، فالتهديد الحقيقي لمصالحها “التنمية”، والحروب وسيلتها لامتصاص أموال “التنمية”، فالحرب الاقتصادية لديها أمضى من الحروب العسكرية، وهي لا تخشى قوة الجيوش بقدر ما تخشى قوة الاقتصاد، السلاح سلاحها وتعرف ما له وما عليه، كيف تصنعه وكيف تدمره، وقيادات العساكر صناعة معاهدها ودوراتها، وتعرف طموحات أصدقائها وأعدائها وطبيعة تفكيرهم، وأساليب احتوائها بالترغيب والترهيب، واستدراجها لخدمة مصالحها وتحقيق مأربها عفوا وقصدا، فخوف أميركا لا يتأتى من قوة العرب العسكرية إنما من تنامي الشعور العربي الإسلامي المتطلع إلى الوحدة والتحرر من قيود وصايتها، ومن التجارب الديمقراطية الساعية لتنمية رأس المال المستخدم في التنمية، ولذلك تعمل على إعاقة أية دولة عربية لها طموحات حقيقية في التنمية بالحروب التي تثيرها في المنطقة العربية.
أميركا القطب الأكبر امتصت الأموال العربية بالحروب اكبر مصرف لهذه الأموال، وزرعت إسرائيل وسط العرب لتكون فزاعة لهم وحافزا لشراء السلاح بضاعتها المزجاة، وأي سلاح؟ 
السلاح المتقادم الذي لم تعد بحاجة إليه واستنفذت حاجته، فيعاد تشطيبه ويصدر إلينا بمبالغ خيالية وفوقها تقبيل الأيادي، حروب العرب مع إسرائيل في الأعوام 1948، 1956، 1967، 1973 خلصت أميركا وأوروبا وروسيا من أسلحتها القديمة الخردة واستنزفت أموال العرب وأبقتهم ضمن الدول المتخلفة، ثم تلتها الحرب العراقية الإيرانية عشر سنوات استنزفت أموال العراق ودول الخليج التي ساندته، وكان للأميركان يد في إطالة هذه الحرب تعمدا لبيع أسلحتها القديمة للطرفين، وأميركا مهدت لدخول العراق إلى الكويت وسعت لإخراجه بأموال العرب، وحين احتلت العراق لم تحتله بأموالها، فمنذ عشر سنوات يصدر النفط العراقي بإشرافها بلا عدادات لتحصل منه على ما تستطيع، ولن تركب المقاييس حتى تستوفي ما صرفته باحتلال العراق مضاعفا.
ومع ذلك سلمته لإيران عمدا حتى تثير حفيظة العرب لتسليح أنفسهم أمام غزو فارسي جعلت منه فزاعة تستدر به أموالهم بشراء السلاح.
وقبل أن تقضي أميركا وأوروبا على القذافي دمرت السلاح الليبي وتعرف أن ليبيا ستستورد السلاح منها لتعويض ما دمر ولها قدرة للشراء، وأميركا تماطل في حل القضية السورية لذات الدواعي، والله وحده العالم كم سيكلف القتال العرب سلاحا ومساعدات، والعرب مضطرون وليسوا مخيرين أمام الغول الإيراني وزحفه نحوهم، أميركا تظهر طول نفس مع سلاح إيران النووي ليس حبا بالسلام وإنما تتاجر بمفاعل إيران النووي لتخويف العرب وابتزاز أموالهم بالسلاح، وهي ليست بعيدة عن خلط الأوراق في الكويت والبحرين وتوفير غطاء إعلامي وحراك للجماعات التي تتربص بالماء العكر، فهي تغازل الأطراف خبثا وحيلة وتلعب في كواليسها على حبال الدبلوماسية الثعلبية المشبوهة.
في مصر طمأنت أميركا الإخوان بعد ان وجدتهم قوة شعبية وليس من مصلحتها السباحة ضد التيار، ولما أيقنت أن معونات قطر بمفردها غير قادرة على إسعاف الاقتصاد المصري الذي بدأ ينهار بسرعة، والدول الخليجية النفطية غير مستعدة لتقديم معونات لمصر في ظل حكم الإخوان، سمحت للجيش بإزاحة الإخوان أو دفعته لإسقاطهم لتسارع الدول النفطية بضخ احتياطي أموالها لمصر، خمسة عشر مليار دولار في أقل من سنة وتملصت أميركا عن تقديم أي عون لمصر وأخلت مسؤوليتها، واستنزفت المال الخليجي ووفرت معونتها لنفسها، ولكي لا يقال تخلت عن الإخوان وخذلتهم كما خذلت صديقها الحميم مبارك، حجبت مساعداتها لتبرير موقفها من الانقلاب على رئيس منتخب ديمقراطيا، فرمت عدة عصافير بحجر، وفرت مساعداتها لنفسها وهي بحاجة إليها، وضمنت أمن إسرائيل ومصالحها بالتفاهم مع قادة العسكر، وأظهرت وليدها السيسي بطلا شعبيا يقاوم إرادة أميركا، وصيرته جديرا برئاسة مصر وأنه خليفة عبدالناصر الذي نكل بالإخوان وبنى السد العالي متحديا أميركا التي امتنعت عن تمويل المشروع، فزادت نصيبه الشعبي في الترشح لرئاسة مصر. 
هكذا اعتاد الغرب خاصة أميركا طبخ الأكلات المسمومة بدهاء، لتمتص الأموال العربية، وتبقينا ندور في حلقة التخلف المفرغة.


نشر في  تشرين الأول 15, 2013


الجمعة، 8 يناير 2016

الأنبار... تحرير أم تدمير!

الأنبار... تحرير أم تدمير!
د.عمران الكبيسي
dr.omran@gmail.com

منذ الاحتلال الأميركي للعراق ومحافظة الأنبار تعيش وضعا كارثيا لا إنسانيا بكل المعايير والقيم التي عرفتها الإنسانية منذ فجر ولادتها حتى يومنا.
فلم يشهد التاريخ مدنا تحاصر وتدمر بكاملها مرة تلو أخرى كمدن الأنبار، لا في حروب طروادة وحصارها فيما قبل الميلاد، ولا روما التي أحرقها نيرون في القرن الأول، ولم تشهد لنينجراد أو موسكو واستالينغراد، ولا برلين في التاريخ الحديث ما شهدته وتشهده محافظة الأنبار ولاسيما الرمادي والفلوجة وما حولها من مدن وقرى خلال عشر سنوات مضت. خراب ودمار، جوع وعري، دم ودموع، غصات وحسرات.
كانت المجزرة والمأساة الأولى مع الفلوجة على يد الاحتلال 2004، في معركتين متتاليتين مع المقاومة الوطنية، بين الأولى والثانية أشهر قليلة، دمرت فيها المدينة تماما، ففي المعركة الثانية ألقيت 170 حاوية عنقودية على الفلوجة خلال اسبوع ناهيك عن الراجمات والمدفعية وقصف الصواريخ من الجو والأرض وقنابل الفوسفور، حيث ضاعف الأميركان قواتهم سبعة أضعاف المعركة الاولى، وشهدت ساحة الأنبار بعدها تصفيات جسدية ومعارك ضارية مع تنظيم القاعدة حين حاول التنظيم إذلال أهالي الأنبار وسلب إرادتهم فانتفضوا وطهروها من فلول القاعدة وعدت منظمة إرهابية، ثم انتفضت الأنبار على حكومة المالكي الطائفية إثر تعرض شبابها لسلسلة إعدامات ومداهمات واختطافات وسجون ومكائد تدبر بليل ظلما وبهتانا، فتظاهر الانباريون مع ست محافظات أخرى وقدموا مطالب عادلة مشروعة، وامتدت انتفاضتهم السلمية اكثر من سنة انتهت باجتياح ميليشيات المالكي مخيمات الاعتصام بالنار والرصاص وحرقها فقتل وجرح المئات، واستمرت الملاحقات حتى دخلت داعش الخط.
داعش لا أصل لها ولا فصل؟ ولا يعرف من أين اتت ولا من يقف وراء تسليحها وتمويلها، وليقولوا أي شيء في داعش، لو لم تكن وراءها دول عظمى ما كان لها أن تعيش وتستمر، داعش نبتة دخيلة خبيثة مسيرة، لا يربطها بأهل الأنبار رابط، واتخذت ذريعة وشماعة، لتدمير الأنبار وإذلال أهلها، فبسببها تهجروا وتشردوا، وعانوا ما عانوا من ويلات البرد والحر في العراء يستجدون الخيام والماء والطعام بذل ومهانة، واليوم تُجْهز الحكومة والتحالف الدولي على ما تبقى في مدن الانبار لتجعل عاليها واطيها، ولا تبقي فيها ولا تذر. 
لقد ابتلي العراق بالمليشيات المسلحة، كما ابتلي بقادة سياسيين عملاء تتقاسمهم دول الشرق والغرب العظمى، ودول إقليمية لها اطماع وعلى رأسها إيران، المليشيات تسببت بعلم منها أم غفلة في ضياع سوريا والعراق واليمن وليبيا وتسعى لضياع دول عربية أخرى، المليشيات المسلحة تقدم المبرر لروسيا وأميركا القطبين الأقوى في العالم لجعل منطقتنا مختبر تجارب لأسلحتهم، فهم لا يكتفون بسلب أموالنا وطمس هويتنا ومسخ قيمنا وثقافتنا، واستلاب ولائنا لأمتنا وعقيدتنا وإنما، مسح كل ما هو موجود على الأرض من حجر ومدر، وزرع وضرع، وعقل وفكر!
لم نسمع من قبل أن من يريد تحرير مدينة غالية وعزيزة فيها مليون نسمة يدمرها عن آخرها، ولا يبقي فيها بناء مشيدا ولا معلما ولا شارعا ولا مدرسة ولا جامعا ولا مستشفى، يقولون هناك ألف مسلح من داعش في الرمادي وألف في الفلوجة، ولنفترض ألفين أو ثلاثة آلاف، فهل من المبرر شرعا ووطنيا تدمير مدينة وحصار أهلها الذين يتجاوز عددهم المليون للقضاء على ألف مسلح، وهل تستخدم الحاويات العنقودية والصواريخ والمدفعية والراجمات في تحرير مدن فيها مئات الآلاف من المدنيين بينهم أطفال ونساء وكبار سن؟ ونتساءل: لو كان المهاجمون غزاة مستعمرين ومحتلين وليسوا أبناء بلد، ماذا كانوا يفعلون؟ 
ما يجري في الأنبار تدمير لا تحرير، على يد داعش والحكومة العراقية معا، المدن لا تحرر بالأسلحة الثقيلة، ثم لماذا احتلت داعش الأنبار بساعات ليعاد تحريرها بسنوات، وكيف سلمها الجيش والأمن المحلي من دون إطلاق نار ليعاد تحريرها بالقاذفات وصواريخ السكود. أجندة صفراء، وريح عفنة، هدفها المعلن التحرير، وباطنها تغير ديموغرافي مغرض وخبيث.