‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الستار قاسم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات عبد الستار قاسم. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 3 أغسطس 2018

السيسي وفن صناعة القطيع وابتزازه



السيسي وفن صناعة القطيع وابتزازه

عبد الستار قاسم
من أبرز الذين تحدثوا عن طبيعة وشخصية المصريين هو العالم والمفكر الدكتور جمال حمدان في موسوعته الفذة المعروفة (شخصية مصر)، وقد تحدّث بشكل مباشر عن النفسية المصرية، وأنها تحتاج إلى ثورة قبل كل شيء.

يقول، "إن ما تحتاجه مصر أساسا إنما هي ثورة نفسية، بمعنى ثورة على نفسها أولا، وعلى نفسيتها ثانيا، أي تغيير جذري في العقلية والمُثل وأيدلوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها، ثورة في الشخصية المصرية وعلى الشخصية المصرية، ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية وكيان ومستقبل مصر".

لماذا هذه الثورة الداخلية على النفس قبل الثورة على النظم الظالمة، أو القيادة المتجبِّرة، لأن هذه النظم، والقيادات الفارغة تحاول بكل السبل التأثير على الأتباع وجعلهم في قالب واحد يسير على خطى الزعيم، وينهل من علمه وفكره، ومن أبرز الأمثلة على ذلك نموذج (سيسي مصر)، الذي انقلب على المسار الديمقراطي لأهم تجربة حقيقية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، فهو الذي قال في أثناء زيارة له لألمانيا في فترة سابقة، إن "ربنا خلقني طبيب أوصف الحالة، هو خلقني كده، أبقى عارف الحقيقة وأشوفها، ودي نعمة من ربنا، اسمعوها مني، وزعماء كل الدنيا خبراء المخابرات والسياسيين والإعلاميين، وكبار الفلاسفة، قالوا للناس اسمعوا كلام الراجل ده".

أريدك، أيها القارئ الكريم، أن تتخيل معي كيف أن هذا الرجل الذي لا يحمل أي مؤهلات، إلا أنه رجل عسكري محدود التفكير، يريد للجنود أن يسيروا حوله وخلفه، ويصنع منهم مجموعة من التابعين الذين يأتمرون بأمره ويسيرون على نهجه، (وبالمناسبة هذه طبيعة العسكر في معظم حالاتها ونماذجها عبر التاريخ)، يريد أن يجعل كل مصر، لا بل العالم كله أن يستمع إليه ويأخذ الحكمة منه، لأنه طبيب الفلاسفة!

ولن أبتعد كثيرا عن حالة (سيسي مصر) لأنه نموذج فجّ لفكرة صناعة القطيع، الذي يزعجه هشتاج يطالبه بالرحيل، حيث قال في مؤتمر للشباب افتُتح يوم السبت الموافق (2018-7-28) بجامعة القاهرة: "إحنا دخلونا في أمة ذات عوز، عارفين ماذا تعني أمة العوز؟ أمة الفقر، وأما آجي أخرج بيكم منها يقول لك هاشتاج #ارحل_ياسيسى، وتساءل "عايز أخرجكم من العوز وأخليكم أمة ذات شأن تعملوا هاشتاج #ارحل_ياسيسي؟ أزعل ولا مزعلش؟" وأضاف "في الحالة دي أزعل".

أقول لك يا سيسي: طالما أنك تدّعي بأنك تريد للأمة المصرية أن تكون ذات شأن، وتترك الفقر والعوز إلى التقدم والرفاهية، ما هي العلامات والنتائج التي تشير إلى ذلك:

-هل قهر الشعب المصري واستعباده، وتأخره في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، سيكون سببا في تقدمه؟!

-هل سحق الشباب المخالف لك بالسجن والقتل والإبعاد والإخفاء القسري، وعمل بروباجندا بمؤتمر للشاب، يشير إلى التقدم في مؤشر التنمية البشرية؟!

-هل استخدام العبارات الغريبة مثل: "والله العظيم أنا لو ينفع أتباع... أتباع... علشان مصر"، و"الشعب يجوع عشان نبني البلد" و"لدينا إنجازات كثيرة.. لكننا نخفيها عن الأشرار" يزيد من وعي الشعب أم تجهيله؟! 

-هل بيع أصول مصر مثل: تيران وصنافير للسعودية، وحقول النفط في مياه البحر المتوسط لقبرص واليونان، يزيد من ثراء مصر؟!

-هل زيادة الأسعار الجنونية التي تحرق قلوب المصريين، قبل أن تحرق جيوبهم، وفرض أتاوات على كل شيء، تجعلهم سعداء؟!

-هل تقييدك لحرية الرأي والتعبير، وغلق مئات المواقع ومحاولتك الدؤوبة لتأميم الإعلام والسيطرة عليه، يجعل مصر متقدمة في الحريات العامة؟!

-هل تدمير سيناء بهذه الطريقة، وتهجير أهلها لصالح عدو لدود لكل العالم العربي والإسلامي بحجة مواجهة الإرهاب، سيزيد من استقرار الأوضاع؟!

-هل حالة القضاء المصري الذي جعلته في المرتبة 110 من 113 في النزاهة والشفافية، يجعل الشعب يثق في مثل هذا القضاء الذي يحكم على المئات بالإعدام دون أي جريرة؟!

-هل توجيه الأموال الضخمة وصرفها في مشاريع كبيرة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وتفريعة قناة السويس؛ تعود بالنفع على الرجل البسيط في مصر؟!

-هل عسكرة كل مؤسسات الدولة، والهيمنة على كل المشاريع الأساسية، وتكليف القوات المسلحة بالأمر المباشر للقيام بتنفيذها، يزيد من الاستقرار الاقتصادي؟!

-هل الانسياق وراء الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وهما من أشدّ المعادين لحرية الشعوب، يزيد من رفع مكانة مصر على المستوى الإقليمي؟!   

ماذا يريد السيسي لمصر؟

أتصور أن السيسي في نهاية المطاف لا يريد إنجازا حقيقيا لشعب مصر في تخريج نماذج ذات شأن في الميادين المختلفة، بل الواضح أن كل الكفاءات المهمة والمتميزة؛ تركت البلد وذهبت بلا رجعة، لأنها لا تريد أن تسير في فلك القطيع الذي يريده السيسي، ومن ثمَّ نجد أن كل شيء في الدولة تحت هيمنة وسيطرة السيسي، بحجة أنه الذي يعرف كل شيء ويفهم في أي شيء، وعلى الجميع أن يسير خلفه!

هذه العقلية التي تسير على سياسة صناعة الوهم، والترويج له عبر وسائل إعلام مشوهة، أفقدت الكثيرين التفكير بعقلانية في مستقبل واعد للمصريين، لأنها في النهاية محكومة بشخصية محدودة التفكير، مُنعدمة الرؤية الحقيقية لبناء الدولة، وما يشغلها أن تجعل الجميع يسير في فلك القطيع، ومن يخرج على ذلك فهو يضرُّ بالأمن القومي للدولة ومن أهل الشر، ويتآمر على مصر وعدو لها، ومن ثمَّ يجب محاربته، وتشويه سمعته، ومطاردته، ووصمه بالإرهاب إن تطلَّب الأمر ذلك!

والنتيجة التي يريد السيسي أن يكون عليها مُجمل الشعب المصري، في فترة وجيزة وبسرعة خارقة، وبدعم إقليمي ودولي للأسف، هي: 

تغييب وعي الشعب المصري، وتجهيله في ميادين المعرفة الحقيقية، باستخدام آلة الإعلام الجهنمية. 

وإبعاده عن الدين بحجة تطوير الخطاب الديني، وإبراز شخصيات مهترئة في هذا المجال، وتغييب العلماء الذين يعترضون على طريقته. 

وصناعة إنجازات وهمية لا طائل منها، وتضخيمها للتغطية على فشله الذريع في شتى الميادين.

وابتزاز الشعب المصري بحجة الحرص على أمنه من أهل الشر، والإرهاب. 

وصناعة عدو وهمي طوال الوقت، والتأكيد أنه السبب الحقيقي في المشاكل التي تعاني منها الدولة.

أقول إن المواجهة الحقيقية لما يقوم به السيسي من تدمير للدولة المصرية في ميادينها المختلفة، لا بد أن تقوم على دعامتين أساسيتين:

الأول: زراعة الوعي في الكتلة الصُلبة من الشعب المصري، بتبيين الحقائق والمخاطر التي يريدها السيسي لطمس مستقبل ومكانة مصر، مع إيجاد البدائل والحلول المناسبة لمواجهة المشاكل التي تعاني منها الدولة على جميع المستويات.

الثاني: عدم تكرار لما يقوم به السيسي من صناعة قطيع بشكل وأسلوب آخر، بإبعاد أصحاب الكفاءات والإمكانيات التي ترغب في التطوير والتغيير في التكتلات البشرية والجماعات المختلفة التي تحمل لواء إنقاذ مصر من السيسي.     

الخميس، 4 مايو 2017

الجديد في وثيقة حماس



عبد الستار قاسم

تحدثت وسائل إعلام متعددة عن وثيقة جديدة لحماس، وما كان علينا إلا انتظار إعلانها، وهذا ما حصل في 1 أيار 2017 على لسان السيد خالد مشعل. وقد لاحظت البون الشاسع بين التسريبات الإعلامية وحقيقة الوثيقة. لقد تمادت التسريبات الإعلامية بالكثير من التكهنات حول تنازلات حماس بشأن القضية الفلسطينية، وأعطت انطباعا أن حركة حماس تسابق منظمة التحرير في التفريط بالقضية الفلسطينية.

لكن المشهد بدا مختلفا بعد قراءة بنود الوثيقة. الوثيقة لم تنتهك المحرمات الفلسطينية، ولم تتناقض مع الثوابت الفلسطينية، ولم تنتقص من الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.

هناك جديد في وثيقة حماس فيما يتعلق بأمرين فقط وهما: 

1- ديباجة الوثيقة التي ألقاها السيد مشعل تدل على نضوج فلسفي وعلمي، ولأول مرة أسمع قائد فصيل فلسطيني يتحدث منطقا وعلما وفلسفة متخليا عن التهريج والشعارات الجوفاء. تحدث مشعل بعلمية عن ضرورة التجديد في الفكر والثقافة لأن الرتابة الممتدة على مدى طويل من الزمن تغرس النمطية والتحجر والبلادة في النفوس، ويتحول الإنسان عن طريق الإبداع إلى عبادة أصنام الماضي.

وأضح أن الشعوب التي لا تراقب التطورات في محيطها وبيئتها لا تستطيع القيام بالتطويرات الضرورية التي تبقيها في مستوى العصر، وبالتالي لا تستطيع أن تتجنب المخاطر المترتبة على الانفصام الزمني. المفروض ألا تكون الشعوب خلف الزمن، وما يجعلها كذلك هو قدرتها على مواكبة التطورات في مختلف مجالات الحياة، واتخاذ الإجراءات المناسبة لاتقاء الأضرار. السيد مشعل شرح جدليته بشكل جيد.

2- تعرض الغلو الديني إلى إعادة تقييم بحيث نصت الوثيقة على التمييز بين اليهود والصهاينة، وإلى أن الإسلام دين وئام ومحبة وسلام وتسامح، وأن التعصب والعنصرية والقتل العشوائي ليس من الإسلام في شيء. وهذا ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن الوثيقة موجهة أساسا إلى العرب والمسلمين الذين شطحوا بعيدا في غلوهم الديني وبرروا القتل وسفك الدماء وسبي النساء.

يدور بعض اللغط حول البند رقم عشرين من الوثيقة والذي ينص على موافقة حماس على إقامة دولة فلسطينية على الأرض المحتلة 67 شريطة عدم الاعتراف بإسرائيل وعودة اللاجئين الفلسطينيين.

اعتبر بعضهم أن هذا البند يشكل خطوة أولى نحو الاعتراف بإسرائيل واللحاق بركب منظمة التحرير المفرط بالحقوق الوطنية. لكن هذه الموافقة الحمساوية على هكذا دولة ليس جديدا إذ سبق أن أعلنت حماس عن استعدادها لقبول دولة فلسطينية على المحتل 67 دون الاعتراف بإسرائيل، وسبق أن طرحت مبادرتها الخاصة بإقامة هدنة مع إسرائيل لعشر سنوات إنما دون الاعتراف بإسرائيل. طبعا هذا الطرح عبثي ولا يمكن قبوله من قبل إسرائيل والدول الغربية المؤيدة لها. إذا كانت إسرائيل ترفض إقامة دولة فلسطينية لسلطة تعترف بها وتنسق معها أمنيا ولا تدفع باتجاه عودة اللاجئين، فكيف بها تقيم دولة لمن يرفض الاعتراف بها؟

لم يكن من الحكمة أن تطرح حماس هذا الموضوع بوثيقتها وهي تعلم مسبقا أن الطريق أمام طرحها مغلق تماما. وهذا جزء من مشكلة فلسطينية قديمة تتمثل بتكرار طرحهم لمبادرات لا هم قادرون على إنفاذها ولا الآخرون مستعدون لقبولها. 

والبند هذا لا يعني أن حماس تطرح مبادرة، إنما يعني أن حماس لن تعارض إذا أفرزت المسيرة التفاوضية مع إسرائيل دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران. وهنا كان مشعل موفقا في التوضيح من حيث أن الواقع قد يفرز حلا من هذا القبيل، والمنطق لا يدعو إلى رفضه. لكن مشعل لم يكن موفقا عندما وصف التفاوض بأنه آلية دون أن يوضح جيدا متى يمكن استعمالها. صحيح أن التفاوض مع إسرائيل يشكل مساومة، والمساومة على الحقوق الفلسطينية ليست واردة من ناحية المبدأ. 

العرب مجتمعون رفضوا التفاوض مع إسرائيل من ناحية المبدأ، ولم يقبلوا بالمفاوضات الثنائية المباشرة إلا بعد أن تأكدوا أنه لا يوجد لمبدئهم ظهر يحميه. المفروض تم التوضيح أن التفاوض لا يشكل خيارا إلا عندما تصبح إسرائيل غير قادرة على رفض إعادة الحقوق إلى أصحابها.

أما فيما يتعلق برد فعل ما يسمى المجتمع الدولي على هذه الوثيقة الجديدة، فإنه من غير المتوقع قبولها أو التعامل معها لأنها لم تقدم جديدا ينسجم مع شروط هذا المجتمع. وهنا يجب أن نكون حذرين في التعامل مع فكرة المجتمع الدولي لأن الولايات المتحدة وبعض أوروبا الغربية وإسرائيل يحصرون المجتمع الدولي بأنفسهم. الوثيقة الحمساوية ليست مبادرة للتسوية. إنها أشبه ما تكون بوثيقة دستورية لحركة حماس، ومصممة لتكون إحدى الأعمدة الفكرية للحركة. وأشد ما تحرص عليه هو إخراج الحركة من الفكر الكلي الاحتكاري إلى الفكر الإنساني الذي يرى العالم بآفاق رحبة.

الخلل الوحيد الذي لمسته في الوثيقة أنها لم تعالج التناقض مع ميثاق الحركة لعام 1988. هناك تباين بين بنود الوثيقة وبنود الميثاق، والتصادم بينهما سيحصل يوما، فما هو الحل؟ كان المفروض تعديل الميثاق أولا بما يتناسب مع الوثيقة حتى تتجنب الحركة النزاع القانوني مستقبلا.



وثيقة المبادئ والسياسات العامة

الجمعة، 24 مارس 2017

الأمم المتحدة في ميزان ريما خلف


الأمم المتحدة في ميزان ريما خلف


عبد الستار قاسم

معلوم من ميثاق الأمم المتحدة أن المنظمة الأممية لا تحترم الديمقراطية، وهي في الغالب مؤسسة خاصة للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن. 
التمسك بالمبادئ الديمقراطية يتطلب المساواة بين الدول، والعدالة في توزيع المهام والمسؤوليات، والأمم المتحدة أبعد ما يكون عن ميزان العدل والمساواة. 
هناك خمس دول فقط تستطيع الاعتراض على مشاريع قرارات وتحول دون أن تتحول إلى قرارات وذلك وفق أمزجة ذاتية لهذه الدول. أما باقي الدول والتي يصل عددها إلى 189 لا تملك إلا المساهمة في قرارات هامشية تتخذها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وغالبا لا تجد طريقها نحو التنفيذ. 
لا يتم تنفيذ القرارات التي تتخذها الجمعية العامة إلا إذا كانت برضى الدول الخمس دائمة العضوية وبرغبتها للتنفيذ. 
تتخذ الجمعية العامة قرارات، ومنها تحصل على موافقة الدول الخمس لكنها لا تجد طريقا نحو التنفيذ لأن رغبة هذه الدول أو بعضها غير متوفرة.

إذا كان لنا تتبع مزاج مجلس الأمن الدولي نجد أن موافقة الدول الخمس ليست شرطا لتنفيذ قرارات معينة، وليس شرطا أن يتم اتخاذ قرار في بعض الأحيان. 
فمثلا تصرفت أمريكا عسكريا ضد العراق دون أن يكون هناك قرار دولي باستعمال القوة لإسقاط صدام حسين. 
الدول الأربع الأخرى لم تستطع إيقاف الولايات المتحدة، وبعضها ساهم في الحرب مثل بريطانيا وفرنسا. 
أما روسيا التي كانت قد ورثت تركة ثقيلة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اكتفت بللتعبير عن عدم الرضا. 
وفي الحالة العربية،  عملت أمريكا بجد واجتهاد من أجل اتخاذ قرار في الجمعية العامة لتقسيم فلسطين. 
لقد ناورت كثيرا وضغطت بقوة على العديد من الدول من أجل التصويت لصالح التقسيم. 
ولم توافق أمريكا على طرح المسألة للتصويت إلا بعدما ضمنت أغلبية الثلثين في الجمعية العامة، في حين أن الدول الأخرى لعبت دورا هامشيا. واتخذت الجمعية العامة قرارا مائعا بخصوص عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم لكنه لم ينفذ لأن دولة مثل أمريكا ليست مهتمة، بل تعارض عودة اللاجئين. واتخذ مجلس الأمن قرارا حمل رقم 425 قضى بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان دون قيد أو شرط، لكن المجلس فشل في التنفيذ ولم تقم أمريكا بأي إجراء ضد إسرائيل لترغمها على الانسحاب. المعنى أن الأقوى له نصيب أكبر في كيفية توجيه الأمم المتحدة. روسيا لها بعض الدور الذي لا يوازي دور الولايات المتحدة، والصين تحتفظ بنفس المكانة.

نحن في المنطقة العربية نعي تماما الدور السام الذي لعبته الأمم المتحدة ومن قبلها عصبة الأمم ضد العرب، ونعي تحيز الولايات المتحدة المطلق لصالح العدوان الصهيوني والاحتلال، ونعي أيضا أننا لسنا على مستوى المسؤولية في الدفاع عن أنفسنا في المنظمة الدولية. سبق للجمعية العامة أن اتخذت قرارا يدرج الصهيونية ضمن قائمة المنظمات العنصرية، لكن هذا الإدراج تم شطبه بعد أن قررت دول عربية الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات معها. وقد جاء قرار الشطب بناء على رغبة إسرائيلية-أمريكية، ولم يتحدّ العرب الأمر.

تعامل الأمم المتحدة مع منظمة الأسكوا بقيادة السيدة ريما خلف لم يتناقض مع سيرتها البشعة بحق العرب عموما والشعب الفلسطيني خصوصا. أعدت السيدة ريما تقريرا علميا موثقا توثيقا دقيقا ووفق المعايير والمقتضيات العلمية الحديثة، وقام بعمليات البحث والتدقيق اثنان من المحترفين في البحث العلمية والالتزام بالمنهجية العلمية. وبالرغم من ذلك، لم يعجب التقرير
أمين عام الأمم المتحدة، وطلب سحبه، لكن ريما وقفت عند عملها واحترمت نفسها وقررت الاستقالة كمديرة تنفيذية للأسكوا. وقع الأمين العام تحت ضغط الصهاينة والولايات المتحدة، وهددت الولايات المتحدة بالتوقف عن دفع المستحقات المالية للأمم المتحدة. لم يدافع الأمين العام عن الحقيقة، ولا عن البحث العلمي وفضل أن يبقى أداة بيد الولايات المتحدة. 
لقد اصطف مع العنصريين ولم يراع المبادئ والقيم الأخلاقية، ولم يكترث بالقيم العالمية التي يزعم العالم أنه يتبناها الآن مثل مناهضة العنصرية والدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية، والعمل على القضاء على الفقر والجهل والتمسك بالمبادئ الديمقراطية. لقد أدار ظهره للقيم الإنسانية من أجل أن يبقى أمينا عاما وما يرافق ذلك من امتيازات ورواتب عالية.

لم يكن غريبا تصرف أمين عام الأمم المتحدة لأنه أصلا لا يستطيع أن يتبوأ المنصب إلا من خلال الدول دائمة العضوية وعلى رأسها الولايات المتحدة. 
هو يرتضي لنفسه منذ البداية أن يكون مجرد أداة، وأن يبقى تحت ضغط مصالح هذه الدول، وبالتالي لا يوجد لديه الاستعداد للتضحية بمصالحه من أجل الإنسان. 
والأمين الحالي لا يختلف عن أمناء آخرين كانوا يتعمدون تجاهل القانون الدولي مخافة غضب المنتهكين. ولهذا لن يتصرف أمين عام الأمم المتحدة وفق قناعاته الإنسانية والمبادئ الإنسانية الكونية ما لم يتم تعديل ميثاق الأمم المتحدة بطريقة تضمن المساواة والعدالة على الساحة الدولية.

الجمعة، 12 أغسطس 2016

إسلامنا بين "المتحجرين" و"المتحررين"

إسلامنا بين "المتحجرين" و"المتحررين"  
عبد الستار قاسم
تحيا الأمم بتراثها الثقافي والفكري، وبقدراتها على تطوير هذا التراث بحيث يجاري ويسابق التطورات العصرية على مختلف المستويات. الأمة الحية لا تأخذ كل جديد يظهر على الساحة الحضارية الإنسانية، لكنها تبقى دائما متيقظة لمواكبته فتصهره في مسيرتها الحضارية وفق ما يتلاءم مع تراثها الحضاري ووفق ما يمكن أن يعود عليها بالفائدة.

والأمم الحية لا تتخذ من التراث سجنا لها فلا تغادره، ولكنها تجري تقييما لسلوكها وعاداتها وتقاليدها ومنظوماتها القيمية باستمرار لكي تبقى متحفزة نحو المزيد من التقدم والعطاء والنهوض.

ليس مطلوبا من أمة أن تغادر تراثها ومقومات حضارتها ومكونات ثقافتها، لكنه مطلوب منها مراجعة مختلف الأمور حتى لا تبقى خلف الأمم أو تفقد قدرتها على المساهمة في الحضارة الإنسانية. الأمة التي تنفصل عن تراثها وثقافتها تنفصل حقيقة عن ماضيها وعن جزء لا بأس به من مكوناتها التربوية والنفسية، وبذلك ينفصم حاضرها عن ماضيها، وتفقد كنزا ومخزونا ثقافيا يعينها على القفز من واقع إلى آخر أفضل.
ليس مطلوبا من أمة أن تغادر تراثها ومقومات حضارتها ومكونات ثقافتها، لكنه مطلوب منها مراجعة مختلف الأمور حتى لا تبقى خلف الأمم أو تفقد قدرتها على المساهمة في الحضارة الإنسانية
من الخطأ والخطورة أن تضرب أمة بجذورها الثقافية جانبا لتتقمص ثقافة أخرى بعيدة عن مكوناتها التربوية؛ فربما تفقد هذه الأمة صلتها بتاريخها، ولا تتمكن من إتقان منظومة ثقافية جديدة. 
فكما أن المرء لا يستطيع أن يفكر بعقل غيره، أو أن يمشي بأرجل غيره، لا يستطيع أيضا أن يحيا وينظم أموره بثقافة أمة أخرى غير أمته.
 الأمم تأخذ بعضها من بعض، وتتبادل الأمم التجارب والخبرات، لكن الأمم لا تنفي نفسها لصالح الاستيراد الثقافي والفكري.

بين الإسلاميين والتحرريين
هكذا هي حالنا مع الإسلام ومع الإسلاميين المتحجرين، ومع التحرريين الذي يريدون إخراج الإسلام من المنظومة الثقافية العربية. هناك هجمة كبيرة على الإسلام بسبب تصرفات أغلب التنظيمات والجماعات الإسلامية، والهجمة تأتي في الغالب من قبل الذين لم يدرسوا الإسلام ويتطلعون إلى الحضارة الغربية على أنها الأرقى ومن المفروض التشبه بها. لا يجوز محاكمة الإسلام بناء على تصرفات المسلمين، كما لا يجوز محاكمة النظرية الماركسية بناء على تصرفات الاتحاد السوفييتي.

الكثير من تصرفات المسلمين لا تعكس الفكرة الإسلامية وهي خارجة عن المنظومة الأخلاقية الإسلامية وتسيء للإسلام. المسلمون هم أكثر من يسيء للدين الإسلامي، والدين يمكن أن يحيا لو تنحى الفقهاء جانبا وتركوا الدين للمفكرين.

الدين الإسلامي هو الأرضية الأساسية للثقافة العربية بغض النظر عن هوية المواطنين الدينية أو المذهبية.
 الدين الإسلامي هو الثقافة التاريخية للمسلمين والمسيحيين في الساحة العربية، ولمختلف الطوائف والمذاهب الإسلامية. والعرب عرفوا تاريخيا بالإسلام، وعرف الإسلام بهم، ومن الصعب أن يتطور مستقبل ناهض للعرب بدون الإسلام، والإسلام لا ينهض إلا بالعرب.

الأمة تحيا بتراثها الثقافي والحضاري. الأمة التي تتخلى عن عوامل بنائها التاريخي يختل توازنها وتفقد سيطرتها على البيئة من حولها وتصبح عرضة للانحطاط والتخلف وهيمنة الآخرين. أمتنا أمة عريقة وذات حضارة متميزة ساهمت في الفكر الإنساني والبناء الحضاري وقادت العالم لفترة غير قصيرة من الزمن، ولا يوجد ما يبرر لها تقليد الآخرين أو السير حسب القوالب الفكرية للأمم الأخرى ومفاهيمها.

تتميز أمتنا بأنها أمة الإسلام وحاملة لوائه وناشرة مبادئه وشرائعه. بنينا أمجادنا بالإسلام وعرفتنا الأمم بالإسلام وثقافتنا يتصدرها الإسلام؛ ولذلك فإن تمسكنا بالإسلام هو تمسك بالذات، والتخلي عنه اغتراب عن النفس وتيه حضاري يعرضنا لأطماع الأمم. الإسلام حاضن للهوية والانتماء حتى للعربي غير المسلم الذي اصطبغت ثقافته بثقافة الإسلام.

لكن عن أي إسلام يتم الكلام؟ لقد تعددت المدارس الفقهية الإسلامية وليس الفكرية حتى تشتت المسلمون ونصبوا العداء بعضهم ضد بعض وحملوا السلاح واقتتلوا وما زالت دماؤهم تنزف.

الفكر الإسلامي
غياب الفكر الإسلامي يشكل أكبر مشكلة واجهها المسلمون عبر التاريخ وما زالوا يواجهونها حتى الآن. ركز المسلمون منذ البداية على قضايا الفقه الإسلامي، أي قضايا الحلال والحرام، ونحوا جانبا القضايا الفكرية، أو قضايا الحق والباطل.
 لقد قمع المسلمون العقل الإنساني وما زالوا يقمعونه حتى الآن، وحولوا الدين في كثير من الأوقات إلى موضوع كهنوتي منشغل بالغيبيات على حساب تفاعلهم مع الواقع ومسؤوليتهم في البحث العلمي وعقلنة الدين. 
لقد انشغلوا بسبب تركيزهم الفقهي في إصدار الفتاوى الفقهية على حساب الفتاوى الشرعية فابتعدوا عن الفكرة الإسلامية وأخذوا يدخلون في المحرمات تحت شعارات دينية كهنوتية.
أمتنا أمة عريقة وذات حضارة متميزة ساهمت في الفكر الإنساني والبناء الحضاري وقادت العالم فترة غير قصيرة من الزمن، ولا يوجد ما يبرر لها تقليد الآخرين أو السير حسب القوالب الفكرية للأمم الأخرى 
وبسبب ازدحام الفتاوى الفقهية، وغياب مرجعية دينية تضبط الأمر، تعددت اجتهادات الفقهاء وتنوعت وتناقضت، وأدت إلى ظهور الفرق الإسلامية فتشتت الناس وأخذت كل فرقة تكفر الأخريات إلى أن أصبح المسلمون مجموعات متناثرة تحاول كل واحدة أن تجعل من أزماتها النفسية ومآزقها الاجتماعية مادة دينية على حساب القرآن الكريم.

لقد أساء بعض الفقهاء للدين، ووضعوا الفكر جانبا مؤمنين بأن العقل الإنساني ضال ولا يهدي إلى الطريق القويم مستهترين بمئات الآيات في القرآن الكريم التي تشيد بدور العقل والفكر والتدبر والنظر في الوصول إلى الحقيقة. وعليه، يجب إخراج الدين الإسلامي مما اعتوره من شوائب ومتناقضات وهلوسات وغيبيات تعطل قدرات الإنسان العقلية والمنطقية والتحليلية والعلمية. ومن هنا تنبثق النقاط التالية التي سيساهم تطبيقها في تحويل الدين من دين فقهي غيبي إلى دين فكري علمي يستند إلى الإيمان وليس إلى التدين الكهنوتي:

مرتكزات الفكر الإسلامي
1- الإسلام دين أخلاق وعلم وعمل وجهاد؛ إنه يشرّع للفضيلة كأساس للمعاملات، وللمنهج العلمي الاستقرائي كأساس للتقدم، وللعمل كأساس للإنجاز.

2- الكهنوت ليس من الإسلام. عامل ينفع الناس أفضل بكثير من معتكف يستعطي، والتقوى لا تنحصر بالشعائر والأدعية وإنما هي في الأساس العمل الاجتماعي العام النافع، والعمل العلمي الذي لا تنهض أمة بدونه.

3- التطبيق العملي هو المؤشر الحقيقي على صدق الإيمان، ولا فوز بدون اجتماع الإيمان والعمل الصالح.

4- يركز الفكر الإسلامي على قضايا الحرية والبناء الأخلاقي والالتزام والتقدم العلمي والصالح العام والحس بالمسؤولية والنهوض بالإنسان ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا بهدف بناء الشخصية المميزة والقادرة على البناء والعطاء.

5- الفكر الإسلامي يقيم دولة العدل بين الناس، وهي ليست دولة دينية إذ لا يوجد في الإسلام مصطلح اسمه التدين. هناك إيمان فقط ويعني التمسك بمبادئ وقناعات مشفوعة بالعمل.

6- عدم التحيز ضد غير المسلمين، والتأكيد على أن المسيحيين خاصة جزء لا يتجزأ من الوطن والشعب. هم للمسلمين والمسلمون لهم دون تشنج أو حتى تفكير بالتمييز. نمطهم الديني خاص بهم، وهم شركاء في النمط الثقافي العام.

7- رفض العصبية بكافة أشكالها الدينية والقومية والعرقية والمذهبية والجنسية والحزبية.
8- يحيا الإسلام بالعدل والأسوة الحسنة وليس بالقمع وقهر الآخرين. العدل هو مركز الدعوة الإسلامية ومحورها، وإذا غاب العدل، غابت الرسالة الإسلامية. دولة العدل دولة مدنية تتقاطع مقوماتها الأخلاقية مع المقومات الأخلاقية الإسلامية.

9- الحرية مكفولة بالخلق وليس بالاجتماع. خلق الله الإنسان بقدرة تمييزية وله الحرية فيما يختار. الاعتداء على حرية الآخرين لا تشكل فقط مخالفة شرعية وإنما اعتداء على خلق الله.

الفكر الإسلامي فكر متحرك يعبر عن قدرة الأمة الإسلامية على التعامل المرن مع مختلف الظروف عبر الزمان والمكان، وعن واجبها في التطوير والابتكار والتجديد. إنه نقيض الفكر الجامد الذي يبقي صاحبه في دائرة التخلف والابتذال والضعف
الفكر الإسلامي فكر متحرك يعبر عن قدرة الأمة الإسلامية على التعامل المرن مع مختلف الظروف عبر الزمان والمكان، وعن واجبها في التطوير والابتكار والتجديد. إنه نقيض الفكر الجامد الذي يبقي صاحبه في دائرة التخلف والابتذال والضعف. لم يكن للأمة أن تتجرع الذل والهوان لو لم تتخل عن الفكر وتجدده لصالح الجمود الفقهي الذي أدخلها في تفاصيل كهنوتية تضر ولا تنفع. الفكر المتحرك يفتح المجال واسعا أمام الرأي والاجتهاد، بعكس الجامد الذي يصر على البقاء في الماضي وعلى تفاصيل حياتية يومية تثقل وتعسّر.

الفكر الإسلامي ليس منغلقا عن الثقافات والأفكار والفلسفات الأخرى. لا حدود للمعرفة والعلم من الناحية الإسلامية ومن واجب المسلم أن يطلع على ما يطرحه الآخرون، ومن حقه أن يستفيد من تجارب الأمم الأخرى وأفكارها ووسائلها وأساليبها في معالجة مختلف القضايا. التقليد الأعمى كما الانغلاق غير مقبولين إسلاميا. 

الفكر الإسلامي ليس مقيدا بعادات وتقاليد ولا يجوز تطويعه للعادات والتقاليد، وهو ليس فكرا تكفيريا يحمل سوطا لصد الآراء ومنعها من التعبير وتقديم الأدلة والبراهين، ولا بالفكر الذي ينشغل بتوسيع دوائر التحريم ليشل قدرة المرء على الانطلاق والتجديد.

هناك اتجاه نحو أسلمة التقاليد العربية، أي جعلها جزءا من الدين الإسلامي ومن ثم تقديسها وتكريسها. فمثلا تطورت في الوطن العربي مراسيم كثيرة للزواج وهي تثقل على أهل العريس والعروس وعلى الناس الذين عليهم أن يشاركوا فيها. وتطورت لدينا أيضا تكاليف الزواج بحيث أصبحت تستمر في التصاعد. وكلما تحدث أحد عن التكاليف الباهظة والتي تحول دون الشباب والزواج يخرج علينا من يقول إن امرأة تحدت عمر بن الخطاب في المهر فسكت لأن ارتفاع المهر لا يتناقض مع الإسلام. 

وأسلمة التقاليد العربية تظهر بوضوح في نظرة الناس إلى المرأة. لفقد طوروا ألبسة وأعرافا من شأنها عرقلة نشاط المرأة وعرقلة ظهورها العام ومشاركاتها باسم الدين الإسلامي. إنهم يثقلون المرأة بالكثير من التعاليم التي ليست دينية باسم الدين. وحتى فكرة الاحتشام خرجت تماما عما هو منصوص عليه في القرآن الكريم لتشكل تفصيلات لباسية كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان. العرب يعتبرون المرأة تاريخيا عارا، وما زالت جذور هذه النظرة قائمة حتى الآن، أما الإسلام فيعتبرها إنسانا عليها واجبات ولها حقوق.


الفكر الإسلامي ليس مقيدا بعادات وتقاليد ولا يجوز تطويعه للعادات والتقاليد، وهو ليس فكرا تكفيريا يحمل سوطا لصد الآراء ومنعها من التعبير وتقديم الأدلة والبراهين
الخطير في الأمر أن العيب أصبح في مفاهيمنا أهم من الحرام. إذا كان هناك عمل محرم فإنه من الممكن للشخص منا أن يتجاوزه ويغض الطرف عنه، أما العيب فيحظى باحترام أكبر من الحرام. أي أننا نخشى الناس في كثير من الأحيان أكثر مما نخشى الله سبحانه وتعالى. كثير من الناس يقدمون على أعمال يعتبرها الشرع نقيصة، ولكنهم يمتنعون عن أعمال يعتبرها المجتمع نقيصة.

وما هو أسوأ هو تطور الدين الكهنوتي على حساب الدين العلمي والعقلاني. الدين الكهنوتي يهتم بالتفصيلات الشعائرية، ويذهب بعيدا في البحث في غيبيات لا يمكن للعقل الدنيوي أن يتعرف عليها أو أن يهتدي إليها. وهذا يتناسب مع العقلية السحرية العربية التي تؤمن بالشعوذة والحظوظ وتغيب عقل الإنسان وقدراته. بينما الدين الإسلامي دين علم وأخلاق وجهاد وعمل، وليس دين كهنوت وتدين.

لا تدين في الإسلام وإنما هناك علم وعمل وإيمان. نحن نغرق الآن في الشعائر ونستمر في زيادة حجمها لكننا نبتعد كثيرا عن العبادات المنسجمة مع العطاء والإنتاج والجهاد والاشتغال بالعلم وتربية الأجيال. نحن نشوه الدين الإسلامي، ومشكلتنا الكبيرة أن الذين يشوهون الدين الإسلامي هم الذين يحكمون رؤى الناس العاديين للدين.

الأربعاء، 20 يوليو 2016

الشعب التركي يدافع عن نفسه

الشعب التركي يدافع عن نفسه
 

عبد الستار قاسم

حياة الشعوب من حياة القائد
أردوغان يصنع أمة
بين تركياومصر
تداعيات الحدث



يذكرنا تصرف الشعب التركي حيال الانقلاب العسكري بتصرف شعب فنزويلا عندما انقلب العسكر على شافيز، لقد هبت الجماهير في تركيا كما هبت في فنزويلا دفاعا عن خيارها الانتخابي، دفاعا عن أصواتها وعن الذين أفرزتهم صناديق الانتخابات ليتولوا مسؤولية إدارة الشؤون العامة.

لقد نجحت جماهير فنزويلا بتحرير شافيز من قبضة الانقلابيين، ونجحت جماهير تركيا ولو جزئيا في القضاء على الانقلاب في مهده.

حياة الشعوب من حياة القائد
الشعوب الحية هي التي تتلمس مشاكلها وهمومها وتشخصها جيدا وتتصور العلاج المناسب وتندفع نحو تصحيح الأوضاع بصورة تلقائية وعن وعي مسبق بأهمية حركة الشعوب في مواجهة الطغيان والقمع والفساد والإفساد.

هناك شعوب حية في هذا العالم وتمتلك من الوعي السياسي ما يكفي لردع الاستبداد والاستعباد والعدوان، وهي ليست بحاجة لمن ينشطر صدره وهو يبث الوعي اللازم للحركة والنشاط، وهناك أيضا شعوب شبه ميتة وبطيئة الحركة وتعاني العجز والكسل والاتكالية، وهي بحاجة إلى الكثير من المنشطات والعلاجات والأدوية لكي تتحرك دفاعا عن دولتها وعن نفسها وحقوقها، والشعوب العربية تندرج غالبا تحت هذا التصنيف. كم من الإذلال والهزائم والإحباطات والمآسي والأحزان أصابت هذه الشعوب، وبقيت تستدعي الذات الإلهية والأنبياء والأولياء ليهبوا لنجدتها وإنقاذها مما هي فيه من كروب وآلام، دون أن تقوم بخطوات عملية لتغيير أوضاعها.

إذا لم تكن الشعوب حية فإن قائدها هو الذي يملك عصا التغيير. فإذا كان القائد متنورا ورؤيته للمستقبل واضحة بوسائلها وأساليبها فإنه يستطيع أن يبث نوره وعلمه ومعرفته وطموحه وتطلعاته في نفوس الشعب فيبدأ بشحذ الهمم والخروج من الانطواء والكسل إلى الحركة والنشاط. وإذا كان القائد خائبا لا رؤية لديه ولا معرفة ولا علم ولا أخلاق، فإن الناس يزدادون خمولا وترهلا وكسلا. في حالتي تركيا وفنزويلا، واضح أن قائدي البلدين قد بثا مشاعر الكرامة والعزة والإباء لدى شعبيهما فقطفا ثمار ما نقلوه للناس.

هناك ثلاثة أنماط تاريخية عريضة للتغيير السياسي وتتلخص بالتالي: التغيير من داخل القصر وهو الأسهل والأقل تكلفة على المستويين المادي والاجتماعي. يقوم الملك أو الرئيس بالانكفاء عن سياساته القائمة لصالح بعد سياسي جديد يتسم بالانفتاح والمشاركة الجماهيرية والحرص على الأموال العامة فيغير طواقمه المدنية والعسكرية ويستنجد بأهل العلم والمعرفة والأخلاق الراقية.

أما النمط الثاني فيعتمد على مفكري الأمة ومثقفيها وكتابها وروادها الذين يعملون على بث الوعي في صفوف الناس وتحريضهم من أجل أن يطوروا استعداداتهم للدفاع عن أنفسهم ومصالحهم. هذا نمط يأخذ وقتا طويلا لكنه يتمخض في النهاية عن ثورة شعبية تخرج الناس من الظلمات إلى النور.

أما النمط الثالث فيرعاه الناس الأحياء الذين لا يسكتون على ظلم ولا يجبنون أمام القمع والقهر والتنكيل. الشعب الحي لا يصبر على ضيم أو ظلم ولا يخضع للإذلال والإهانة والهزيمة فينتفض بقوة لتصحيح الأوضاع أو لتغييرها. روما كانت مثلا على التغيير من داخل القصر، والدول الأوروبية تشهد للمفكرين بجهودهم، وإيران تمثل الحركة الشعبية الصلبة التي أطاحت بالشاه.

هناك حكام لا يدخرون جهدا في احتقار الشعوب وإذلالها وبث روح الخنوع والخضوع فيها، وما أكثر هؤلاء في الساحة العربية؛ هؤلاء ليسوا حكاما حقيقيين وإنما زعماء عصابات شهوانية هوجاء تترنم على آلام الشعوب.

أردوغان يصنع أمة
عانت تركيا الكثير بسبب الانقلابات العسكرية وما جرته على البلاد من ويلات وأحقاد وكراهية وبغضاء. أدرك أردوغان منذ بداية حكمه خطورة بقاء الجيش التركي في مقدمة الحياة السياسية للأتراك، وحاول أن يقلص دور الجيش معتبرا أن حراسة النظام الديمقراطي تقع على عاتق الحكومة وليس على عاتق الجيش، وتدريجيا استطاع أن يحقق إنجازات في تقليص دور الجيش في توجيه دفة الدولة.

لكن الأهم أن أردوغان عمل على صناعة دور إقليمي ودولي لبلاده لتكتسب احترام الدول والشعوب، وكانت سياسة بث الكرامة في نفوس شعبه إحدى ركائز هذا الهدف. لا يمكن لقائد أن يحقق موقعا إقليميا أو دوليا متميزا ما لم يكن شعبه عزيزا وقويا ومحترما وموحدا.

هناك من يختلفون مع أردوغان في بعض سياساته، لكن هذا يجب أن لا يطغى على حقيقة مفادها أن الشعب التركي أخذ يرفع رأسه على المستوى العالمي في عهد حكم حزب العدالة والتنمية. مع هذه السياسة المعنوية المتوافقة مع خطوات عملية، عمل حزب العدالة والتنمية على تحسين الظروف المعيشية للناس. لقد نهض الاقتصاد التركي، وارتفعت مناسيب التجارة الخارجية، وأصبحت تركيا مركزا تجاريا إنتاجيا عالميا تستقطب المستوردين والمستثمرين من كل حدب وصوب. ارتفع مستوى الدخل في تركيا، وبدأت الخدمات تتوفر للناس في كل أرجاء تركيا، ولمس الناس واقعا جديدا أضفى على حياتهم الاسترخاء المادي والمعنوي.

مشكلة أردوغان الأساسية والتي من الممكن أنها حفزت الانقلابيين على الانقلاب وهي استعداؤه لجيرانه ومن هم أبعد من جيرانه؛ بدأ أردوغان يعمل على تصفير مشاكل تركيا مع الآخرين بخاصة أرمينيا واليونان، لكنه انتهى إلى استعداء الجيران في سوريا والعراقوروسيا وإلى حد ما إيران. لقد أخفق كثيرا في اتباع التكتيكات السياسية الملائمة ليجنب تركيا عداوات ليست بحاجة لها، وأخفق أيضا في سياساته الداخلية تجاه الأكراد ولم يقم بما يلزم من أجل تجنيب تركيا الأعمال الإرهابية. وبالرغم من هذا حاز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة على ثقة الناس.

بين تركيا ومصر
يصاب العربي بالغيرة عندما يرى شعوبا تدب فيها الحياة بينما يبقى العرب يجترون آلامهم وأحلامهم دون أن يحركوا أنفسهم نحو إنجاز هدف. بالأمس جرى انقلاب في مصر على أول رئيس مصري منتخب مباشرة من الشعب المصري، لكن الشعب المصري لم يتدفق إلى الشوارع دفاعا عن صوته.

هناك من لم يحب مرسي، وهناك من نقم عليه، وهناك من ظن أنه يقود مصر إلى الهاوية، لكن كل هذا يتآكل ويتقلص أمام المبدأ الذي وقف معه مثقفو مصر وكتابها ومفكروها وهو مبدأ الديمقراطية. لقد دافع الناس عن الديمقراطية على أساس أنها تفتح المجال للحريات وتقيم بيئة مناسبة للتقدم والنهوض، لكن تمسكهم بهذا المبدأ انهار مع أول اختبار على أرض الواقع.

وكان السؤال المطروح: ما الأهم: مناهضة مرسي والتخلص منه أم الدفاع عن الديمقراطية وحرية المواطن المصري؟ في مصر، تخلى المثقفون والمفكرون والكتاب في أغلبهم عن المبدأ لصالح الرغبة، وكان ذلك خطأ كبيرا ألحق الأضرار بمصر. المبدأ يعلو دائما على الرغبة، ويجب ألا تستحوذ الرغبة على المبدأ لما في ذلك من مخاطر على المستويات الثقافية والفكرية والسياسية. تم تحشيد الشعب المصري ضد مرسي، ولم يخرج الناس إلى الشوارع دفاعا عن مرسي، واستقوت الدبابات والمدافع الرشاشة على الناس وأهلكت أعدادا كبيرة منهم.

الأمر في تركيا مختلف، وكان منظر الناس مذهلا وهم يتدفقون إلى الشوارع دفاعا عن نظام حكمهم؛ خرج الناس يدافعون عن أنفسهم، عن أصواتهم وعن صناديق الانتخاب.. كان من الممكن أن ينفعل الناس وينجروا وراء وعود الانقلابيين لكنهم تريثوا ولبوا نداء رئيسهم في الخروج إلى الشوارع. التمسك بمبدأ الديمقراطية أرقى توجها من التخلص من أردوغان مهما كان الموقف منه. مسايرة الانقلاب يهدد الديمقراطية التركية، ويهدد مستقبل تركيا لفترة طويلة من الزمن، ويغرق البلاد من جديد في حالة فوضى. وقد جربت الأمم الاستبداد وغياب صناديق الانتخابات النزيهة، والشعب التركي اتعظ بتجارب الآخرين.

تداعيات الحدث
بداية هزت الأحداث مكانة وصورة الرئيس التركي إلى حد ما، ومن المحتمل أن تدفعه لمراجعة سياساته بخاصة على المستوى الخارجي، وبالتحديد فيما يتعلق بدول الجوار. لقد بدأ أردوغان بالتخفيف من حدة سلبيته تجاه عدد من الدول، لكنه للأسف بدأ بالكيان الصهيوني. روسيا هي الأولوية لما لها من مكانة عالمية ومن وضع اقتصادي متميز. وبالرغم من أن أردوغان قد فقد جزءا من هيبته لمجرد حدوث انقلاب، إلا أن مكانته تعززت بخروج الجماهير دفاعا عن النظام القائم.

من المتوقع أن يستمر أردوغان في مشروعه إصلاح ما أفسده من علاقات تركيا مع الآخرين، وربما يدير وجهه صوب العراق وسوريا وإيران، ومن المحتمل أن يعود إلى سياسته القديمة القائمة على أن دول المنطقة العربية الإسلامية هي الدول الحاضنة لتركيا وليس بالضرورة الدول الغربية. ليس من السهل أن يعود أردوغان إلى سياسة صفر مشاكل، لكن من الممكن أن يتبنى سياسة التخفيف من المشاكل والتقليل من عدد الأعداء.

ولكن هل من الممكن أن تكون للحدث تداعيات على العرب؟ ليس من السهل تغيير السياسات التركية المتبعة منذ عام 2011، لكن الداخل التركي سيكون أكثر وعيا بسياسة تركيا الخارجية، ومن الوارد جدا أن يساهم الرأي العام التركي في إعادة صياغة العلاقات بين بلادهم وكل من سوريا والعراق.

لكن هل سيتعلم العرب الدرس ويحرصون على التمسك بالمبدأ كما فعل الأتراك؟ واضح أن الوعي السياسي لدى الأتراك أرقى من الوعي السياسي لدى العرب. نحن العرب ما زلنا قابلين للخداع السياسي ويمكن أن ننجر بسهولة وراء الخطابات الانفعالية والنارية.

لقد نجحت القيادة التركية في رفع مستوى الوعي لدى جماهير الشعب التركي، وبثت في الناس بعض مشاعر الكرامة والفخار، لكن قادة العرب غير قادرين على بعث الوعي لدى الناس لأنهم هم بحاجة لمن يبث الوعي في نفوسهم وعقولهم. نحن نعاني، لكننا لا نملك حتى الآن الأسلحة الفكرية والمعنوية للوقوف جماعة ضد الظلم والطغيان والتهميش.

الثلاثاء، 12 يوليو 2016

هل فتحت تركيا بابا للتطبيع مع إسرائيل؟

هل فتحت تركيا بابا للتطبيع مع إسرائيل؟




عبد الستار قاسم
كاتب وأكاديمي فلسطيني

الحقيقة الموضوعية
مآزق الأطراف
رفع الحصار
وضع حركة حماس
تتعرض تركيالانتقادات واسعة من قبل المعارضين للتطبيع مع الصهاينة بسبب توقيعها الاتفاق الأخير مع الكيان الصهيوني. يقول المنتقدون إن تركيا تفتح بابا جديدا للتطبيع مع الكيان، وهي تشجع الدول العربية والإسلامية على التطبيع أو الاستمرار به بالنسبة للدول المطبعة. 

وعلى هذا يخلصون إلى نتيجة مفادها أن تركيا التي قالت إنها مع الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني تؤدي بهذا الاتفاق خدمة للصهاينة على حساب الشعب الفلسطيني.

أرى أن في هذا الانتقاد أمرين قد تم إغفالهما وهما:
1- تركيا لم تكن يوما ضد التطبيع مع الصهاينة، ومن المعروف أنها كانت ثاني دولة إسلامية تعترف بالكيان الصهيوني عام 1949 بعد إيران الشاهنشاهية، وبقيت تركيا ثابتة عند هذا الاعتراف وعملت على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية والسياحية مع الكيان، وطورت تعاونا في المجالين العسكري والأمني. ولم تتأثر العلاقات إلا منذ ست سنوات بسبب الهجوم الصهيوني على سفينة مرمرة التركية.

2- الفلسطينيون على المستويين الشعبي والرسمي هم أكثرهم تطبيعا مع العدو الصهيوني. وقد لحقت أغلب البلدان العربية بالفلسطينيين وبدأت تقيم علاقات تطبيعية مع هذا العدو. المستوى الرسمي الفلسطيني لا يخجل من إقامة علاقات أمنية مع الصهاينة، ولديه الاستعداد دائما لاعتقال فلسطينيين والتنكيل بهم دفاعا عن الأمن الصهيوني، وإذا كان لمعارضي التطبيع الذين أعتبر نفسي منهم أن يوجهوا سهاما ضد المطبعين فإنه يجب توجيهها نحو السلطة الفلسطينية أولا ونحو البلدان العربية ثانيا.

الحقيقة الموضوعية
ربط العلاقات الجدلية بعضها ببعض يشكل الأساس الأقوى للتوصل إلى النتائج الصحيحة، والكاتب أو السياسي الذي لا يعرف في العلاقات الجدلية أو طريقة ربطها لا يستطيع أن يصل إلى الاستنتاج الصحيح. حقيقة ساطعة أن تركيا عضو في حلف الأطلسي، والحلف مرتبط بطريقة أو بأخرى أمنيا وعسكريا بالكيان الصهيوني، وشئنا أم أبينا ترتبط تركيا بصورة مباشرة وغير مباشرة أمنيا وعسكريا بإسرائيل. الارتباط الأمني والعسكري أقوى بكثير من الارتباط الاقتصادي والسياحي، وليس من السهل فضه. وإذا كان لتركيا أن تفض التزامها الأمني تجاه الصهاينة فإن عليها الخروج من حلف الأطلسي، وما دامت تركيا تحافظ على عضويتها في الأطلسي فهي تحافظ على التزامها الأمني تجاه الصهاينة، وعلينا نحن ألا نفاجأ بتطبيع علاقات بعد ذلك

والحقيقة الثانية أن تركيا لم تغلق الباب أمام علاقاتها مع الكيان؛ هي أبقت الباب على مدى السنوات السابقة مواربا لكي تبقى فرصة الحوار مع الكيان قائمة. أي أنها لم تدر وجهها بعيدا عن الكيان بل أبقت ناظريها مسلطتين على إمكانية رأب الصدع الذي طرأ. تركيا لم تخرج الكيان من حساباتها، ووضعت شروطا لإعادة العلاقات إلى مجاريها. أي أن الاستعداد لعودة الأمور إلى نصابها بقي قائما.

والحقيقة الأخرى أن علينا ألا نتوقع أن يكون الأتراك أكثر فلسطينية من الفلسطينيين. من يطلب من الآخرين التضحية عليه أن يكون في مقدمة المضحين.

مآزق الأطراف
الأطراف المعنية مباشرة بما جرى بين تركيا والكيان هي غزة وتركيا والكيان، وواضح أن كل طرف يعاني من مآزق خاصة ويأمل أو كان يأمل في أن يتغلب الاتفاق على هذه المآزق:

غزة تعاني من مأزق خطير جدا ألا وهو الحصار الذي يطال مختلف تفاصيل الحياة اليومية والمدنية للشعب الفلسطيني في غزة. غزة في ضائقة شديدة جدا لأنها تفتقر إلى المياه الصالحة للشرب واللازمة للأعمال اليومية والبيتية، وتفتقر إلى الكهرباء التي لا غنى عنها لكل بيت في العالم.

الموسم صيف والحرارة شديدة في غزة، والناس لا يتمكنون حتى من استعمال المراوح. والضائقة المالية أيضا شديدة بسبب منع انتقال الأموال إلى القطاع، والعالم كله يراقب المصارف ويمنعها من تحويل الأموال. هذا فضلا عن النقص في الوقود ومستلزمات الحياة بصورة عامة. ولهذا كانت تنتظر غزة رفع الحصار الصهيوني لكي يتمكن الناس من التنفس. غزة مخنوقة صهيونيا وعربيا وعلى الأرجح من قبل فلسطينيين يحرضون باستمرار على إبقاء الحصار وتشديده.

أما تركيا فقد حشرت نفسها في زاوية عندما تخلت عن سياسة تصفير المشاكل. تركيا لا تتمتع بعلاقات طيبة مع جيرانها واستمرت هذه العلاقات بالتدهور منذ بداية الحراك العربي بخاصة في سوريا. هي تعاني من علاقات متوترة مع سوريا والعراقوإيران وروسيا وأرمينيا واليونان، وفقدت الكثير من تجارتها مع العديد من الدول، وفقدت أعدادا هائلة من السياح خاصة من روسيا ومن الكيان الصهيوني نفسه.

ومن الواضح أن الرئيس التركي أدرك أخيرا تبعات العلاقات المتوترة مع الآخرين، وأدرك أن عليه فتح النوافذ على الآخرين فكان الكيان أولها. وقد تردد أن أردوغان قد اعتذر للرئيس الروسي عن إسقاط الطائرة الروسية فوق سوريا.. استمرار التوتر بالتأكيد يضر بالاقتصاد التركي وسيؤثر على شعبية ومكانة حزب العدالة والتنمية، وعلى نتائج أي انتخابات قادمة.

أما الكيان الصهيوني فرأى أن تراكم الضغط على غزة قد يؤدي إلى انفجار قد يدفع الكيان إلى حرب جديدة. سبق لقطاع غزة أن انفجر بوجه مصر عام 2008 بسبب تشديد الحصار. انفجر الناس ضد الحدود الاستعمارية القائمة بين فلسطين ومصر ودخلوا سيناء عنوة واشتروا ما أرادوا من احتياجات. الكيان لا يستبعد قيام فصائل المقاومة الفلسطينية بإطلاق صواريخ أو التسلل عبر أنفاق إلى تجمعات سكانيةصهيونية مما قد يثير الكيان فيبدأ حربا جديدة ضد غزة.


الكيان الصهيوني لا يريد حربا جديدة ضد غزة الآن بسبب عدم جهوزية جبهته الداخلية
غرد النص عبر تويتر، وبسبب الموقف الدولي من الوضع في القطاع. الجبهة الداخلية الصهيونية مهلهلة ويبدو أن الجيش الصهيوني يعاني من الاسترخاء إثر فشله في حروبه المتواصلة على لبنان وغزة.

أما الأطراف الدولية فتبحث عن طرق لتخفيف الضغط على غزة حتى لا تنفجر الأمور إلى حرب تنعكس نتائجها السلبية على المنطقة ككل وعلى المصالح الغربية. المعنى أن كل الأطراف بحاجة إلى حل للحصار على غزة، أو تخفيفه لكي يتم تجنب ما هو أسوأ.


رفع الحصار
هناك من تفاءل برفع الحصار عن قطاع غزة، وإنهاء هذه الكارثة الإنسانية، لكن التفاؤل لم يكن في محله. لقد اضطر مراسل صحافي أن يخوض معي جدلا طويلا حول رفع الحصار. كان المراسل متفائلا، وأنا حاولت أن أقنعه أن تركيا لا تستطيع رفع الحصار عن غزة لأنها لا تشكل ثقلا عسكريا واقتصاديا حاسما في التأثير على القرار الصهيوني، والكيان الصهيوني لا يمكن أن يرفع الحصار لأسباب أمنية.

الكيان مقتنع أن الفلسطينيين سيعملون على تهريب السلاح والمال إذا رفع الحصار وأن المقاومة في غزة ستبني ترسانة هائلة من الصواريخ إذا فتحت الأبواب. وتركيا لا تعمل ضمن التعريف السياسي القائل بأن السياسة هي الإصرار على ما هو ممكن وإنما وفق التعريف أن السياسة هي فن الممكن. وهذا التعريف الثاني ينسجم مع الاستعداد للتنازلات والانحراف والتهاون والتفريط.

وأخيرا ظهر الاتفاق دون أن يشمل رفع الحصار. وإذا كان للصهاينة أن يرفعوا الحصار، فهل ستعمل مصر على رفع الحصار أيضا؟ مشكلة غزة ليس مع الصهاينة فقط وإنما مع الصهاينة العرب أيضا.

تنازلت تركيا عن شرطها المتعلق برفع الحصار عن غزة، لكنها حققت إنجازات أيضا. فمثلا حصلت على موافقة الصهاينة على تعويض أهالي شهداء سفينة مرمرة، وحصلت على امتياز تقديم خدمات إنسانية لغزة وعلى رأسها تطوير الوضعين المائي والكهربائي، وتزويد غزة بالاحتياجات الإنسانية. وتأكيدا على عدم رفع الحصار اشترط الكيان تفتيش البضائع التركية في ميناء أسدود ووافقت تركيا على ذلك.

وضع حركة حماس
الصهاينة يطلبون دائما طرد المقاومة الفلسطينية من أراضي الدولة التي تعقد معهم اتفاقيات، حتى أن هذا الطلب يشمل السلطة الفلسطينية. على السلطة أن تلاحق أفراد حماس وتصادر أسلحتهم وتعتقلهم إذا شاءت أن تبقى على الخريطة السياسية في الأرض المحتلة عام 1967، وذات الطلب لا بد أن تم توجيهه للأتراك على الرغم من أنه لم يعلن عن شيء من هذا القبيل.


وتقديري أن الأمر خضع للجدل والنقاش بين الجانبين، وعلى الأغلب أن تركيا وافقت على منع أي نشاط أمني أو عسكري لحماس على الأرض التركية، ووافق الكيان على بقاء مكاتب إدارية لحماس في تركيا. المكاتب الإدارية خالية من الأسلحة ومن نشاطات التنظيم وإعداد دورات التدريب. أي أن هذه المكاتب قد تقتصر على بعض النشاطات الثقافية والاجتماعية، ويشمل ذلك أيضا منحا دراسية لا تؤثر في مجملها على الصراع الدائر. وحماس لا تملك من الأمر شيئا، ويبدو أن الأتراك قد أحاطوا السيد خالد مشعل علما بما تم الاتفاق عليه.

المفروض أن يهدأ الفلسطينيون كلما سمعوا قائدا يصرح لصالحهم؛ الفلسطينيون ينفعلون بسرعة إزاء تصريحات سياسية تؤيد مطالبهم، ويهرعون إلى المصرحين متوسمين بهم تحرير فلسطين. المفروض ألا يتخذ الفلسطينيون قراراتهم بناء على ظروف آنية أو لحظية، وإنما يجب أن يبنوا علاقاتهم وفقا لتقديرات إستراتيجية. جيد أن يدعم أردوغان الحقوق الفلسطينية، لكن هل يستطيع مواصلة المشوار حتى النهاية؟

الهم الثاني الذي يشغل بال حماس هو تبادل الأسرى والدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا في هذا المجال. بناء على التجارب، من الأفضل أن تقوم دولة غير عربية بدور لإتمام التبادل.

لقد جرب الفلسطينيون مصر، لكن مصر لم تكن تحترم دورها؛ والدليل على ذلك أن الكيان الصهيوني قام باعتقال العديد من محرري صفقة وفاء الأحرار ورفض الإفراج عن الدفعة الرابعة. مصر الوسيط لم تصنع شيئا ولم تضغط باتجاه إلزام الكيان بما تم الاتفاق عليه. ربما تحترم تركيا دورها، وتبقى متيقظة في رصد الانتهاكات الصهيونية وغياب الالتزام.