‏إظهار الرسائل ذات التسميات منيرالعكش. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منيرالعكش. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 11 يناير 2024

حق التضحية بالآخر:أمريكا والإبادات الجماعية


عقلية اﻹرهاب المؤسسة للموقف اﻷمريكي

حق التضحية بالآخر:أمريكا

والإبادات الجماعية



المؤلف: منير العكش . 

الناشر: دار رياض الريس ، بيروت، ط1، 2002م . 
عدد الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط . 



  • التأكيد على المعنى الإسرائيلي لأمريكا وتوظيف النصوص الدينية ما هو إلا غطاء لتبرير وتمريرالقرارات والمصالح السياسية الأمريكية فى الداخل والخارج . 
  • عقدة العرقي والثقافي تتحكم بالمستعمر الإنجليزى وتدفعه إلى التضحية بالآخر ( الهندي ) وإبادته بأعتى أنواع الأسلحة الجرثومية الفتاكة . 
  • استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة هي الفكرة الأم التى تأسست عليها أمريكا ، وقامت بترجمتها إلى واقع عملي فى علاقتها بالآخر المتوحش . 
  • مارس الإنجليز أكبر حملة إبادة جماعية مقصودة فى التاريخ الإنساني لحوالى 112 مليون هندي ، بهدف تفريغ الأرض من سكانها ونهب ثرواتها. 

    حق التضحية بالآخر، وعقدة التفوق العرقي والثقافي ، وتقمص الدور الخلاصى للعالم ، ومن ثم القدرة على التوسع اللانهائي فى كل اتجاهاته ثوابت راسخة تعمل الولايات المتحدة - بخلفيتها الإسرائيلية - على ترجمتها إلى واقع عملى فى علاقتها بالآخر، معتبرة التضحية بهذا الآخر حقًا وتفويضًا اختصها به الرب ، وهذه الفكرة ( استبدال شعب بشعب ، وثقافة بثقافة ) هى الأساس الفكري لنشأة أمريكا، والتطبيق العملي للفهم الإنجليزي لفكرة إسرائيل التاريخية ، والتى حاول الاستعمار الإنجليزي لشمال أمريكا أن يجد مبرراته فى ظلها. 

    وهذه اليهودية الجديدة - بثوابتها الاستعمارية الدموية - تكشف مناخ العنف والدم الذى رافق رحلة الولايات المتحدة على مدى 400 عام من الإبادات الجماعية . 

    وهذا الكتاب يضيء للقارئ الجوانب الخفية فى التاريخ الدموي الأمريكى ، وتجربة الاستعمار الإنجليزى فى أمريكا، وإبادة ملايين الهنود الحمر، ورؤية التاريخ الحديث والسياسة الخارجية الراهنة للولايات المتحدة فى إطارها. 

    الوباء البديع : 
    وكعادتها فى المراوغة وخلط الأوراق لم تعترف الولايات المتحدة قط بعدد الهنود الذين أبيدوا فى الشمال الأمريكى منذ الغزو الأبيض الذى دشنه ( خوان يونس) و( وليون) باكتشاف فلوريدا فى عام 1513م ، كما لا تعترف كتبها المدرسية بتاريخ هذه المجاهل قبل كرستوفر كولومبس، وتعتبر أن القلة الضئيلة المشاغبة من الهنود ( مليون شخص آنذاك) هى التى حفرت قبورها بأيديها عندما عارضت الإرادة الإلهية بإرسال الإنجليز لتعمير هذه المنطقة الخربة ، بينما تشير الوثائق إلى أنهم - أى الهنود - كانوا فريسة للأوبئة والأمراض الفتاكة ( الأسلحة الجرثومية ) التى حملها الأوروبيون (الإنجليز) معهم إلى جانب حروب الإبادة الجماعية التى قضت على حوالى 112 مليون هندى ، وليس كما تزعم المصادر الإنجليزية والأمريكية أنهم لم يتجاوزوا المليون أو المليونين، ومما يحيل قصة الإبادة الجماعية للهنود إلى مسرحية هزلية تلك المبررات والادعاءات الهزلية التى ترفعها أمريكا بأن هذه الأسلحة الجرثومية والأمراض الفتاكة (الجدرى - التيفوئية - الحصبة..) لم تكن السبب الرئيس فى وفاتهم ، بل يرجع السبب إلى ضعف مناعتهم الذاتية فى مواجهة هذه الأوبئة التى لم يكن الإنجليز المسالمون يعرفون شيئًا عن خطرها، غير أن الشهادات التى أدلى بها الكتاب والمفكرون الغربيون عن الحرب الجرثومية المتعمدة التى شنها الإنجليز على الهنود تكذب ادعاءاتهم ببراءتهم من دم هؤلاء الهنود ، فها هو ( هوارد سيمبسون ) يؤكد فى مقدمة كتابه (دور الأمراض فى التاريخ الأمريكى) أن المستعمرين الإنجليز لم يجتاحوا أمريكا بفضل عبقريتهم العسكرية أو دوافعهم الدينية أو طموحاتهم أو حتى وحشيتهم، بل بسبب حربهم الجرثومية التى لم يعرف لها التاريخ الإنسانى مثيلاً. 

    هذا الجنس اللعين : 
    ويروى " كينيث كارلى" فى (انتفاضة شعب سو) كيف تعرض هنود " سانتى داكواتا" المسالمون للتجويع القاتل والسخرة لتقويض معنوياتهم ، وعندما اعترض زعيمهم " تاويا تدوتا" (الغرب الصغير) على هذه السياسة اللاإنسانية أجابه مفوض الدولة الاتحادية بعبارات استفزازية: «اذهب أنت وشعبك فكلوا من حشيش الأرض، وإذا شئتم فكلوا...» فلم يتمالك تدوتا نفسه، وهجم على المفوض وقتله وحشا فمه بالحشيش، فكانت النتيجة نصب المشانق لكل زعماء السانتي . 

    ومن المثير للدهشة أن هؤلاء الغزاة بفظاعاتهم المذكورة كانوا يسمون بالحجاج والقديسين، وكانوا ينظرون للعالم الجديد باعتباره بديلاً عن أورشليم والأراضى المقدسة، لذا فقد استخدموا أساليب القتل التى ترويها الأسفار المكتوبة بأهواء بعض الأحبار، ومنها البطاطين المسممة بالجراثيم بهدف استئصال هذا الجنس اللعين، وتفريغ القارة الأمريكية من أهلها، وتحقيق فكرة أمريكا ( استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة ). 

    من المتوحش؟ : 
    إن هذا السؤال يجد إجابته فى مراجعة التاريخ الاستعمارى الإنجليزى ومذابحه فى العالم الجديد ( أمريكا - استراليا - نيوزلندا) ، والتى استهدفت تفريغ الأرض من أهلها وتملكها ونهب ثرواتها، وكانت تحركها عقدة الاختيار الإلهى والتفوق العرقى والعنصرية الذى وصل إلى تأليه الذات ، وأوهمهم بأنهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لكل من عداهم دون التزام إنسانى أو قانونى تجاه هذه الشعوب التى يستعمرونها باعتبارها مخلوقات متوحشة . 

    وهنا يفرض التساؤل نفسه من جديد : مَنْ هو المتوحش ؟ صاحب الأرض أم من يهاجمه ، ويستولى على أرضه ومقدراته، ويسلبه حريته وحقه فى تقرير مصيره ؟! 
    والإجابة معروفة وواضحة فى ضوء العدوان العسكرى الأمريكى الدائر حاليًا على العراق، والذى أعلنت الولايات المتحدة أن من أهم أهدافه إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، وتنصيب نظام جديد ليس لتحقيق مصالح الشعب وتحسين أوضاعه ، إنما لحفظ مصالحها هى، وضمان إحكام قبضتها على ثروات العراق ، وتقليم أظافره بنزع أسلحة الدمار الشامل لتأمين الكيان الصهيونى الخبيث ، وضمان تفوقه على نظرائه فى المنطقة . 

    ولم يقتصر التوحش الأمريكي على إبادة الهنود الحمر، ففى التاريخ الحديث وفى أربعينيات القرن العشرين أدرجت اليابان فى قائمة الشعوب المتوحشة حينما أكد الأمريكيون أن جمجمة اليابانى - الآخر - متخلفة عن جمجمتنا « الأنجلو ساكسونية » أكثر من ألفي سنة ، وما كان ذلك إلا رخصة للتحلل من أى التزام أخلاقي أو إنساني أو قانوني تجاه ضحاياهم فى الحرب العالمية الثانية . 

    وفى أواخر الستينيات من القرن الماضى مارست سياستها العنصرية الدموية فى فيتنام ، وعلق أحد أبطال ومنفذي هذه السياسة قائلاً : « ما فعلنا هنا ليس استثناء لقد فعلناه فى كل مكان »، وقال آخر: « لقد كنا نتسلى » ، ومن " ترومان" وحتى " بوش " حاول كل رؤساء أمريكا التوسع ، وأرادوا بسط سيطرتهم على منابع النفط العربية فى نفس السياق التاريخى لسياستهم العنصرية والدموية . 

    اقتل الهندى واستثن الجسد : 
    وتحت زعم أن ثقافة الهنود مضرة بالمصلحة الوطنية قام المستعمرون الإنجليز بتدمير هوية الهنود وثقافتهم وبنيتهم الاجتماعية التى لا تؤمن بالملكية الفردية ، بحيث لم يبق للهنود من هنديتهم إلا التركيب البيولوجى فتم تحريم ممارسة الشعائر الروحية للهنود باعتبارها خطرًا على المصلحة العليا الأمريكية ، ليس هذا فحسب ، بل لقد تم ترحيل أطفال الهنود عن أهلهم وإخضاعهم فى سن مبكرة لعملية غسيل مخ منظمة داخل معسكرات مدرسية أعدت خصيصًا لنحت أرواحهم، وإعادة صياغة ذاكرتهم الجماعية ووعيهم لأنفسهم وللعالم ، وفى إطار هذه السياسة نشطت خطة التذويب الثقافى ، وأحرزت نجاحًا هائلاً فى شطب 108 من الشعوب الهندية المعترف بها رسميًا، وما ترتب على ذلك من تبخر حقوقهم التاريخية فى أرضهم وثرواتهم ، وتم تعقير 42% من النساء الهنديات، إلى جانب تحويل الهنود إلى حقول تجارب فى المختبرات الطبية والبيولوجية بدلاً من الفئران. 

    المضي الإسرائيلى لأمريكا : 
    لقد أراد الإنجليز الذين جاءوا لاستعمار أمريكا أن يبنوا وطنهم على أساس العهد القديم ، ولذا اتخذوه أساسًا أيديولوجيًا لقوانينهم وعاداتهم وممارساتهم ، باعتبارهم ( الشعب المختار) الذين اختصهم الإله ( يهوه ) بالسيطرة على العالم تنفيذًا لإرادته. 

    وبرغم وضوح هذا المعنى الإسرائيلي لأمريكا فقد حاول المفكرون والساسة الأمريكيون النأي بدولتهم عن فظاعات التاريخ العبرانى، والتحذير من العهد القديم الذى يفسد البشر، ويحيلهم وحوشًا، إلا أن الخطاب السياسى لبعض رؤساء أمريكا مثل كلينتون يفضح نواياهم ، ويؤكد التزامهم بتحقيق « حلم أجداد اليهود » بأن تبقى إسرائيل ( أورشليم – القدس ) لشعب إسرائيل إلى الأبد. 

    والأصولية الأمريكية الراهنة تملك من أسلحة الدمار الشامل ما يقتل سكان 17 كوكبًا، وقد قضت بإرادة الرب على 400 شعب وأمة ، وهى تعمل على إعادة صياغة مفردات النظام العالمى والسياسة والأيديولوجيا السائدة التى تحرك الأمم المتحدة بالإرهاب والعنف، وتعتبر تشويه ثقافة الآخر ومسخ تاريخه وأخلاقه ومعتقداته ضمن إرادة الله ، مما يعطى هذه العملية معنى الإطلاق والشمول والضرورة. 

    باراباس اليانكي : 
    وتقوم السياسة الأمريكية بتوظيف النصوص الدينية والرموز المقدسة لتغطية قراراتها ومصالحها السياسية فى داخل أمريكا وخارجها، وحول هذا يقول الكاتب الأمريكى " جورج بوش " فى كتابه عن « حياة محمد » 1831: « ما لم يتم تدمير إمبراطورية السارزن ( المسلمين) فلن يتمجد الرب بعودة اليهود إلى وطن آبائهم وأجدادهم »، وكما يقولون: « لقد قتلوه.. الآخر الهندى واليابانى والعربى ليحيا باراباس اللص ». 

    وهذا الإلحاح على المعنى الإسرائيلى لأمريكا، وتشبيهها بإسرائيل الدولة اليهودية التى لم يتم تقرير من هو اليهودى فيها إلى الآن يعنى أن أمريكا لم تبارح ما كانت عليه مستعمرة بليموث التى وصلها المستعمرون الأوائل، ومعهم كل العتاد اللاأخلاقي اللازم لإبادة وحوش المجاهل، بل إن الرئيس الأمريكى يؤكد فى خطابه أن سياسته الخارجية تقوم على الالتزام بتحقيق المصير القدرى للأفراد والشعوب والأمم ، كما نصت عليه الأسفار المزورة التى وضعها " توماس باين " بأنها تصنع من البشر وحوشًا، وتعطل العقل والشرائع والقرارات الدولية ومبادئ حقوق الإنسان، وتقيم سيركًا ضخمًا لتزوير معجم السياسة الدولية بدءًا بتزوير معنى الإرهاب ، وانتهاء بتزوير معنى السلام.
 جديرة بالقراءة خاصة بعد إعلان تحالفهم الجديد ضد اﻹرهاب!

الجمعة، 28 نوفمبر 2014

تلمود العم سام أساطير صنعت أمريكا!

تلمود العم سام 

أساطير صنعت أمريكا!




نبذة عن هذا الكتاب:
يتحدث هذا الكتاب تلمود العم سام عن الإبادات الجماعية التى يقوم بها الاحتلال البريطانى الساكسوني لامريكا على الهنود الحمر, مع السطو الثقافي و الفكري على تاريخهم و عوائدهم بعد السطو على أراضيهم و أرواحهم...مع عرض موسع للصهيونية المسيحية و أثر هذه العقيدة في تعامل أمريكا و الغرب عموماً مع الشعوب البدائية


قراءة وعرض أحمد العساف
إن معرفة الإرث الذي يقف خلف كيان يساعد كثيراً في فهم منطلقاته، وتوقع تصرفاته في الحاضر والمستقبل، فضلاً عن أنه يفسر كثيراً من حوادث ماضيه. وإذا كانت هذه المعرفة ضرورية بين الأفراد فلا ريب أنها أساسية بين الدول والحضارات، وتزداد خطورتها عندما تكون خاصة بدولة تحرك العالم، وتتصرف في المنظمات والأحداث دون نكير أو منافس، وهذا يصدق على واقع أمريكا اليوم.

وأمامي كتاب يتحدث عن المكون الثقافي لأمريكا، عنوانه: تلمود العم سام: الأساطير العبرية التي تأسست عليها أمريكا،
 تأليف: منير العكش، صدرت الطبعة الأولى منه عام(2004م) عن دار رياض الريس للكتب والنشر، ويقع في (324) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة وقسمان، القسم الأول يتكون من ستة فصول، والقسم الثاني يتكون من خمسة فصول، ويتبعهما ملحقان، وفهرسان للأعلام والأماكن، والأماكن كلها تشتاق للخلاص من هذه القوة الغشوم المشبعة بالأساطير.

استرجع المؤلف في المقدمة شيئاً من يوميات "المستكشف" كريستوفر كولومبس حين خطف ذهبُ الهنود عيونه؛ فراسل الملكة إيزابيلا، والبابا عام (1492م) ليقنعهما ببعث المزيد من الجنود كي يجمعوا-يسرقوا-أكبر قدر ممكن من ذهب معابد الهنود وبيوتهم، على أن يُستخدم هذا الذهب في تحرير أورشليم من المسلمين!

وقبل أن يلفظ كولومبس أنفاسه في العشرين من مايو عام(1506م) -غير مأسوف عليه-كتب في وصيته أمراً لابنه وورثته بأن يتولوا هذه المهمة المقدسة إذا تخلى عنها عرش أسبانيا، وما أخلص هذا "المستكشف" لدينه في كشوفاته غير البريئة، وفي وصيته وهو يغادر الحياة.

وسطر المطران بوتولومي دي لاسكازاس شهادته على وحشية الأسبان المحتلين؛ الذين غَشَوا أرض الهنود وفعلوا بهم كما تفعل الذئاب الجائعة، والسباع الضارية، مع الخراف الوديعة لأجل الذهب، وهي فظاعات غريبة غير معهودة، حتى أن زعماء الهنود لاحظوا شراهة الأسبان في جمع الذهب، واعتبروا أن الذهب هو هدفهم الأول وغايتهم الرئيسة.

ويقول المؤلف -وهو الدارس الخبير-بأن الإنكليز الذين اجتاحوا الشمال الأمريكي بعد ذلك بزُّوا الأسبان في جرائمهم، بيد أن جرائمهم وحرصهم على الذهب كان أكثر "روحانية"، وأشد ارتباطاً بالمعاني الدينية التي خدمت فكرهم الرأسمالي، وجنونهم الاستعماري.

وعلى مدى قرون أربعة اختطفت فكرة أمريكا روح الدين؛ وطوعته لأهدافها الإمبراطورية الثلاثة التي استعارتها من فكرة إسرائيل التاريخية؛ وهي:

1- اجتياح أرض الغير.
2- استبدال سكانها بآخرين غرباء واستعباد من يظل حياً منهم.
3- استبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين الغرباء وتاريخهم.


ومنذ ما عُرف بالصحوة الكبرى (1720-1740م) كانت هذه الروح الرأسمالية تعيد صياغة الظاهرة الدينية بما يناسب مجتمعات السوق والثروة، وبمجرد أن يصبح اجتياح أي بلد ذا فائدة اقتصادية تبدأ عمليات غسيل الدماغ الشعبي، ووضع ملابسات الأحداث في إطارات "قيامية"، ولا مانع لديها من الكذب الفج لدرجة ادعاء مجيء الله-تعالى الله عن إفكهم-إلى البيت الأبيض.
ولا يعتقدنَّ أحد أن هذه الروح الإسرائيلية التي تمد بلاغة العنف الأمريكي بأدبياتها وصيغتها المقدسة خاصة بالمحافظين واللاهوتيين، بل إنها تحرك العلمانيين والليبراليين بصيغتها الحديثة التي تعرف اليوم بالدين المدني، وللمؤلف مشروع كتاب عن الدين المدني في أمريكا، وعسى أن يرى النور قريباً.

ومن المتغيرات الحديثة في الفكر الأمريكي أن الأحداث "القيامية" كانت تُنتظر من إله العبرانيين، ولهم في ذلك حسابات وتاريخ طويل من التوقعات؛ بيد أنهم أخيراً أحالوا أمر استعجال القيامة إلى الجنرالات والساسة؛ بعد أن خلطوها مع مصالح شركات النفط، ومصانع السلاح، وداء الكَلَب الاستعماري، وغذَّوها بواسطة ثقافة الكره لحضارات العرب والمسلمين. ويجزم المؤلف أنه لا يوجد جماعة بشرية مسكونة بهستيريا القيامة، ونهاية البشرية أكثر من الأنكلو سكسون، وهذا الهوس بالخطاب القيامي ليس قصرا على متطرفيهم، بل يشترك فيه العامة والساسة ولكنهم يتلطفون في التعبير عنه.

يحمل القسم الأول جزءاً من عنوان الكتاب:
 
تلمود العم سام: حق التضحية بالآخر وتطبيقاته على الهنود والعرب، ويضم ستة فصول أولها بعنوان فكرة أمريكا، وتصافح عين القارئ في أوله مقولة لمفكر غربي يقول: "تاريخ الدين المدني في أمريكا هو تاريخ القناعة الراسخة بأن الأمريكيين هم الإسرائيليين فعلاً، وشعب الله حقاً"، ولأجل هذه المشاعر الاستعلائية تقع مدينة واشنطن فوق مقبرة جماعية لسكان مدينة هندية تُدعى"نَكن شَتَنكه"؛ كانت مزدهرة عامرة بالناس والأسواق قبل أن تطرقها أقدام البيض القتلة، بينما يشاع في التاريخ الأمريكي الذي يدرسه الأطفال بأن جورج واشنطن-البريء جداً!- اختار هذا الموقع الجميل في أرض عذراء! وإنها لعذراء مغتصبة تجري من تحتها دماء شعب كونوي بدءاً من عام(1623م)، ومن الإمعان في التضليل إقامة متحف لهولوكست النازية في هذا الموقع؛ وكأن الأنكلوسكسون أبرياء بررة؛ وليسوا جناة برابرة!

ويؤكد المؤلف ما أفرد له كتباً خاصة-كتبت عنها مراجعة فيما مضى-من أن الجندي الأبيض يتعلم تجريد عدوه من إنسانيته قبل أن يزحف إلى ساحة المعركة؛ وبذلك يذيق أعداءه صنوف العذاب والهوان دون وخز ألم؛ أو تأنيب قلب، وتصبح معاركه مقدسة مسوغة بعلل التفوق العرقي والاختيار الإلهي، وإن جنوداً تملأ هذه العقيدة نفوسهم الخالية من الديانة والأخلاق لوحوش كاسرة لا ينفع في صدها غير الحديد اللاهب، والنار المستعرة، والكلام الغليظ، أما الرخاوة فمآلها لا يختلف عن مصير سكان أمريكا وأستراليا ونيوزلندا.

كما يرى العكش أن فكرة أمريكا استوعبت كل أطروحات هرتزل وأحلامه قبل أن تخلق لحيته بثلاثة قرون، وأن ملاحم نهاية التاريخ، وتدمير بابل، وإبادة أهلها، وتأسيس دولة يهودية في فلسطين، كانت هواجس ثابتة لدى صهاينة الشعب الإنكليزي على طرفي الأطلسي، والحقيقة أن المواقف الأمريكية-البريطانية من اليهود منذ هرتزل حتى لحظة كتابة هذه المقالة لتؤكد على أن القوم يرتكزون إلى عقيدة أكثر من مجرد المصالح، وأي مصلحة لهاتين القوتين في قطعة أرض محصورة بين مخالفيها، وليس فيها نفط، ولا ثروات خلافاً لجيرانها؟

ونظراً لحضور الإرث الديني في ثقافة البيض؛ تمتلئ خطب الرؤساء بالتعابير الدينية، والكلمات التوراتية والتلمودية، بل يشَّبه الزعماء أنفسهم بالأنبياء؛ فكلينتون يرى نفسه مثل النبي سليمان-عليه السلام ونزه الله مقامه-، وبوش لفرط رعونته يقارن نفسه بكليم الله ونبيه الكبير موسى-عليه السلام ونزه الله مقامه-، وقلما تخلو خطب رؤساء أمريكا ومراسلاتهم من نصوص دينية.

عنوان الفصل الثاني
 
من الافتراس إلى الهضم وهو عنوان واضح الدلالة، فهناك جدل متلازم بين النهب من أجل الإبادة وبين الإبادة من أجل النهب، وكل جريمة تعقبها الأخرى مباشرة أو يسيران في طريق متواز غير متوار عن أنظار من يبصر الأحداث بعقله لا بعينه فقط. ولا مانع لدى الأمريكان من توقيع الاتفاقيات ثم خرقها كأن لم تكن؛ والتاريخ يشهد أن حكومة واشنطن وقعت (371) معاهدة مع الهنود ولم تحترم واحدة منها، بل إن أحد مسؤوليها وصف أوراق المعاهدات بأنها أقل رتبة من مناديل المراحيض؛ وإن قوماً هذه قيمة المعاهدات عندهم لقوم بهت وغدر؛ ومن الحمق تصديقهم.

وبعد قرون من الحروب؛ رأت الإدارة الأمريكية أن تحيل الفتك بالهنود إلى صنائع من بني جلدتهم-وظلم القريب وفتكه أعظم وأشد-، وأسست مكتباً للشؤون الهندية، ومع الزمن تغير اسمه ومرجعيته الإدارية؛ بيد أن مهامه وسمات زعمائه وموظفيه لم تتغير، وتتلخص في التطابق التام مع الإرادة الأمريكية، وإلحاق الأذى بشعوبهم الهندية، وتطبيق القوانين التي وضعتها الحكومة الأمريكية؛ لتسويغ خنق المستضعفين ونهبهم بعلل واهية، ومنطق القوة غالب ما لم يُغالب بعقل ويد ولسان ومال وإيمان.

وليس بغريب أن يرى زعماء المقاومة الهندية بأن أول خطوة لإنقاذ الشعب الهندي تتمثل في القضاء على هذا الكيان الوظيفي المسيَّر بالتحكم عن بعد والمسمى "مكتب الشؤون الهندية "، فالأمم المنكسرة في الحروب وجدت خلاصها في رفض الحكومات الدمى المفروضة عليها من المنتصر؛ لأن الرضى بهذه الحكومات المصنوعة بيد العدو يعني قبول الهزيمة واستمراء الذل؛ ولا يصبر حر على هوان يراد به.

أما الفصل الثالث فهو خطير على قصره، وعنوانه:
الثقافة المستباحة: شيء عن كارلوس كاستنيدا، وللمؤلف كتاب عن الإبادة الثقافية-سبق عرضه-، بيد أن هذا الفصل يعرض قصة مهمة تخبرنا كيف يسعى الجلاد ما وسعه الجهد كي يرى المستهدفون أنفسهم بعيون الجلادين، ولنتصور خطورة الأمر بافتراض أن المحتل يعطي لكل فرد من الهنود-أو أي شعب بغى عليه-صورة شخصية بشعة، ويسلط عليه وسائله ليوقن أن هذه الصورة معبرة عنه، وليست تلك التي يراها في مرآة مجلوة أو على سطح بحيرة صافية هادئة، فكيف بالتزوير حين يتجاوز الصورة إلى الثقافة بجوانبها؟ إنها مذبحة روحية كما يعبر عنها الهنود، وقد نفذ كارلوس جزءاً من المذبحة حين وضع ثلاثة كتب استباح فيها الروح الهندية، وكسب ملايين الدولارات من وراء كذبه المفضوح الخالي من الوثائق والصور، علماً أنه بدأ رحلاته المزعومة عام (1963م)، وهي تذكرني ببعض رحلات الغربيين الكاذبة على شعوبنا وحضارتنا الإسلامية، ومع أن كاستنيدا لم يستطع الجواب عما وجه إليه من أسئلة تفضح افتراءه؛ إلاَّ أن كتبه يُحتفى بها في مكتبة الكونجرس، وتُفهرس ضمن أنثروبولوجيا الهنود، وجميل أن نعي أن ما يُكتب، أو ينُتج، ويتداول على أنه وثيقة إدانة؛ قد لا يعدو كونه عملاً سيئاً بإخراج رديء بعد تفحصه.

الفصل الرابع
يحمل عنوان بيضة الأفعى، ويلخص عمق إسرائيل في الوجدان الأنكلوسكسوني، ويخفف من غلواء نسبة التعصب الأمريكي لصالح إسرائيل على أنه رضوخ للوبي اليهودي، ولسنا ننكر أثر اللوبي، بيد أنه يستند إلى ثقافة عميقة لا تخدم أي "لوبي" آخر. وفي سياق هستيريا آخر الزمان تتبع المؤلف تاريخ بعض النهايات المتوقعة التي باءت بالفشل، وذكر منها خبر الحاخام الأكبر في تركيا سابتاي تزفي، الذي كان له أثر كبير في تكوين يهود الدونمه، وإسقاط الخلافة العثمانية، وقد قرأت عنه وعن جماعته فصولاً مثيرة في رسالة دكتوراه مطبوعة بعنوان العلاقات التركية اليهودية تأليف د. هدى درويش. ومن المفاجآت في كتاب العكش أن إسحق نيوتن صاحب نظرية الجاذبية وضع تراثاً قيامياً أكثر من تراثه العلمي، وصمم مبنى المعبد اليهودي مكان المسجد الأقصى، واجتهد في دراسة هذا التصميم وتحديد أبعاده!

وكان مشروع تجميع اليهود في فلسطين، وضمان استمرارهم فيها، هماً مشتركاً وقديماً بين عدد من مشاهير العلماء، والساسة، والدبلوماسيين، والعسكريين، على اختلاف أزمانهم مثل نيوتن، والسياسي كرومويل، وجورج فوكس، والفيلسوف هنري جيسي، والكيمائي جوزيف برستلي، والمستشار الملكي هنري فينش، والدبلوماسي وليم هكلر الذي نقل مشروع هرتزل لزعامات أوروبا، والجنرال الاستخباراتي الإنجليزي في فلسطين وينغايت الذي أدهش الصهاينة بحماسته لمشروعهم؛ وكان موشيه دايان من أبرز تلامذته.
وختم دافيد هارتلي وهو من مؤسسي علم النفس الحديث أحد كتبه بقوله: "لن تكون هناك سعادة حقيقية خالصة ولن تنزل أورشليم السماوية ولن تقوم مملكة الله إلا بعد دمار فلسطين وبابل وأهلهما بالنار"؛ فما ظنكم برئيس قيامي أهوج يؤمن بهذه الهرطقات، ويمتلك القوة؟! وقد تفاخر كلينتون ونائبه آل غور بدوام النظر في التوراة، وأكثرا من استعارة بعض فقراتها، وكان الأخير يستخدم التقويم العبري بأيامه وشهوره وسنواته، وبعض المهزومين يستحي من استخدام التقويم الهجري.


العقيدة القيامية ودم الشيطان
هو عنوان الفصل الخامس، وفيه حديث عن تراث الحقد على حضارات العالم القديم، حتى أن الإنكليز يستعجلون التدبير الإلهي لمملكة الله، وينصبون في سبيل تحقيق النبوءات؛ وبعضهم يرى علامات نهاية الزمان في الأحداث الكونية والتطورات العلمية، ووقر في خلد زعمائهم بأن سفينة التاريخ البشري تطوي أشرعتها!

ثم استعرض المؤلف بعض النظريات القيامية الشهيرة، فمنها نظرية القيامي وليم ستون، ونظرية الفيزيائي توماس بيرنت، وهو جد مارك سايكس الإنجليزي الذي قسم عالمنا بقلمه الرصاص مع الفرنسي بيكون، ونظرية توماس مخيفة مشحونة بالمصطلحات العلمية والدمار الذي يسبق النهاية السعيدة بقيام مملكة الله على أورشليم. ومع رفض كثير من رموز حركة التنوير التصور القيامي عند العبرانيين، فقد ظهر في صفوف حركة التنوير من أسس لعلم الطبيعة القيامي، وقرر أن سعادة العالم تبلغ أقصاها بدمار بابل وفلسطين، وتجميع اليهود في أرض فلسطين.

ومع الثورة الصناعية دخلت الصناعات الحربية الثقيلة عنصراً أساسياً في الفيزياء القيامية، وصنعت هذه التكنولوجيا لاهوتاً سياسياً وعسكرياً محاذياً نقل العقيدة القيامية من الهذر إلى الجد، ومن انتظار الأسطورة إلى صناعتها، ومن "الرؤيا" وأسفارها إلى تن دواننغ ستريت والبيت الأبيض، وأصبح الإنكليز على طرفي المحيط أوصياء على صناعة نهاية التاريخ!

ويرى الكاتب أن العقيدة القيامية جعلت اللوبي الصهيوني-وبعضنا يبالغ في قدرته على التأثير- أقل خطراً من باقي أعداء العرب في واشنطن المتعطشين للدم الإسلامي، والمتشبعين حد التخمة بهاجس صناعة القيامة التوراتية، وهو ما يؤكده مدير مركز الدراسات الألفية في جامعة بوسطن ريتشارد لاندِس، حيث يفسر الناس في واشنطن الأحداث قيامياً، ويعتقدون بأنهم محور الدراما الكونية، ولذا فقد دلفنا إلى المنطقة الساخنة من الزمن القيامي كما يقرره الباحث في ذات المركز ستيفن أوليري في كتاب مطبوع عن الخطاب القيامي، وليت المهم من إصدارات هذا المركز أن يترجم من المركز القومي في مصر، أو المجلس الثقافي في الكويت؛ أو مراكز دراسات فلسطين، لأن القياميين في أمريكا أخطر من هتلر.

وينصح الباحث الدول العربية والإسلامية بالكف عن المثالية في التعامل مع الأنكلوسكسون، ونبذ تعظيم تأثير اللوبي الصهيوني على القرار الأمريكي، فالقوم صهاينة توراتيون ملتزمون بإسرائيل منذ قرون سبقت وجود اللوبي الذي نضفي عليه عبقرية مبالغاً فيها، ولذا فلا حل لهذه الأمة في تعاملها مع هؤلاء القياميين إلا أن تثوب إلى رشدها، وتؤوب إلى إسلامها وعروبتها، أو تركن على أقل تقدير إلى غريزة البقاء، لأنها تنتحر وهي تستجدي صداقة عدو أصيل العداوة، وأي عاقل يستحلب العسل من أنياب الأفعى؟

وكتب جورج ستيفانوبولوس كبير مستشاري كلينتون مقالاً يؤكد فيه حق أمريكا في القتل، واصفاً سفك الدماء بأنه عمل لازم بل نبيل وإنساني! وأتمنى أن سفارات المسلمين واستخباراتهم ووسائل إعلامهم تتابع ما يكتبه المقربون من سواد البيت الأبيض وتخوم الكونجرس؛ ليس لنشره ولكن لفهم طبيعة القوم إن كان في حكام المسلمين من يرغب في فهمهم دون الانهماك الأعمى في طاعتهم، فالنهم القيامي جعل الأنكلوسكسون يعيشون بذهنية المأزق، والبحث الدائم عن "شيطان" يتطلب وجوده أو إيجاده فلسفة أمنية متشددة تقتل بالحدس، ومن يدري فقد يكون هذا "الشيطان" ممن جلس يوماً حول موقد البيت الأبيض!

ينتهي القسم الأول مع الفصل السادس بعنوان
يعبدون إسرائيل ويكرهون اليهود، وخلاصته أن فكرة إسرائيل تسكن الثقافة الأمريكية، وتكوّن نواة صلبة لفكرة أمريكا، وقد كتب تفاصيلها إيزيدور ماير في كتابه "التاريخ المبكر للصهيونية في أمريكا". وفي عام (1891م) قدم وليم بلاكستون خطة للرئيس بنجامين هاريسون لإرجاع فلسطين لليهود تحقيقاً للإرادة الإلهية-وقد زار فلسطين عام(1888م)-، وشرح بلاكستون للرئيس هذه الخطة المكتوبة في رسالة وقع عليها (413) شخصية سياسية ومالية، ودينية وإعلامية، منهم رئيسان لاحقان لأمريكا، وعدد غفير من أعضاء الكونجرس، وحكام الولايات، وعمد المدن، ورؤساء تحرير أكبر (93) مطبوعة ما بين صحيفة ومجلة، ولم يضم هذا العدد الضخم سوى (30) يهودياً هامشياً؛ بل رفض جل الزعماء اليهود مضمون هذه الرسالة، وقد ترجم كتاب بلاكستون إلى (36) لغة؛ ولا أعلم هل العربية من ضمنها أم لا؟ وكان هذا الكتاب مؤثراً على جل الرؤساء الأمريكان؛ حتى أن ترومان ذرفت دموعه فرحاً بعد صدور قرار التقسيم عام(1947م)، مع أنه معروف بقساوة القلب.

يبدأ القسم الثاني المعنون بإمبراطورية الله -وهو عنوان كتاب لوليم ترولنغر نشرته جامعة وسكنسون، ويتناول تاريخ الفكر والثقافة في أمريكا-بالفصل الأول الذي يحمل عنوان حدود الإمبراطورية، وفي أوله نص صادم لجيمس شليزنغر يقول فيه بأن الحرب هي الجنة، والسلام هو الجحيم! فمن ذا يأمن لحضارة هذه جنتها وجحيمها؟! وروى المؤلف قصة حرب الفلبين، وادعاء الرئيس الخامس والعشرين مكنلي بأن الله كلمه لتحرير الفلبين، وإنقاذ أهلها من الوثنية، وطرد الأسبان منها عقاباً على فعلهم باليهود عام (1492م) -وهي سنة طرد المسلمين من الأندلس وابتداء محاكم التفتيش ضد المسلمين ثم اليهود-.

وفي الفصل آراء مروعة؛ فأحد أعضاء الكونجرس يقر بقسوة الأعمال الحربية التي ارتكبها الجيش الأمريكي، ويعللها بأن الطبيعة قاسية! وأحدهم يؤكد أن العنف الذي لازم فكرة أمريكا عنف مقدس؛ ويالهول هذه المعلومة حين تصك آذان بعض قومنا دعاة التمايع لدرجة الذوبان، ويعترف ثالث بأن أجدى تعامل مع الأعراق الدنيا ما كان بالسكين والبندقية.

وأما رأي أهل هذه البلاد المحتلة والأعراق المنحطة فلا قيمة له ألبته، وقد عبر عن ذلك السناتور هور حين قال: إن الاعتماد على آراء أهل هاوائي مثل الاعتماد على آراء أطفال الميتم أو مدارس المعتوهين! وحلها بحرية الرأي، وحق تقرير المصير، وغيرها من كلمات جميلة يمطرنا بها الغرب، ويعاقبنا على تركها حسب وجهة نظره؛ لكنه لا يتمثلها معنا! وهل يرضخ القوي لضعيف مستكين خاصة وأحد الضباط البيض يقول في العلن: لن نتردد أبداً في مسألة إبادة أي عرق آخر يقف في وجه التقدم والتنوير؟! وضابط آخر يؤكد قناعته وباقي الجيش من ضباط وجنود بأن شعب الفلبين ليسوا أفضل من الكلاب!

الفصل الثاني عنوانه
موسى العصر والنزعة القيامية، وهو يتحدث عن نزعة جورج بوش الابن القيامية المتطرفة، وعن اعتقاده بأنه موسى العصر كما أشار في كتابه عن نفسه، ويعود تأثره بشخصية النبي موسى – عليه السلام وبرأه من هذه القدوة الرعناء- إلى دروس تربوية تلقاها عام (1986م) ذات سبت بين يدي بيلي غراهام الرمز الصهيوني الأنكلوسكسوني، ولم يكتف التلميذ بوش بذلك؛ بل إنه أحضر كثيراً من رفاق الدرس معه إلى البيت الأبيض، وشارك اثنان منهم في صياغة خطابه الشهير عن محور الشر، وهذه الدروس التربوية الصهيوإنجيلية غير مقتصرة على بوش؛ لكنه يزيد على بقية الرؤساء بامتداد جذوره إلى جده القس الحاقد، وأما تجميع الرفاق في مكان العمل فسمة شبه عامة.

ويعود سر إفراط بوش باستخدام اللغة القيامية إلى أمرين مهمين هما: قوة سلطانها على قلوب الأمريكان وعقولهم، ولأنها لغة حمالة أوجه، ولا تقول جملة مفيدة؛ وبالتالي يعلو التفسير البشري على النص المقدس عند المخاطبين، ويعطي فرصة لتجديد هذا التفسير وفقاً للحوادث، أو للخطط، أو لمتطلبات سوق السلاح والنفط، وأورد المؤلف في المتن والحاشية معلومات جمة عن القيامة التي يحفظ الأنكلوسكسون نصوصها أكثر من حفظهم لأسفار كتابهم المقدس، وتدور تعابيرها ورجالاتها في أروقة البيت الأبيض خاصة منذ أيام ريغان، وتحظى مؤتمراتها بحضور جمع غفير من رجالات الحكومة، وليس بغريب حين يقول المؤلف: يجب على من يعي ذلك أن يتحسس رقبته!

حق الحرب هو عنوان الفصل الثالث، ويذكر الباحث أن الروح الأمريكية تستعر بأخطر نزعتين قياميتين عرفهما تاريخ البشر هما: عقيدة القدر المتجلي التي تقود لشبق إمبراطوري نحو إعادة صياغة العالم، وفكرة إسرائيل التي تمثل مقدمة لنزول القدس السماوية، وقد ظهرت النزعتان جلياً في مشروع "من أجل قرن أمريكي جديد" الذي أُفتتح بغزو العراق، وسوف يستمر حسب تخطيط دعاة الحرب من القياميين في البنتاجون ليشمل ست دول عربية وإسلامية هي سورية، لبنان، الصومال، السودان، ليبيا، إيران، ومعلوم أن تدمير العراق مطلب انتقامي يهودي، لكن العجيب اهتمام التراث اليهودي بليبيا مع بعدها. 
ويكمل الفصل الرابع وعنوانه فكرة أمريكا وينابيع عنفها الفصل الثالث، فحق الحرب الذي تحتجزه أمريكا لنفسها حق مقدس مرتبط بثقافتها منذ أنشئت؛ ولن تحيد عنه ولو وقَّعت أكواماً من الورق والمواثيق.

عنوان الفصل الخامس والأخير من هذا القسم بحثاً عن أم، وفي أوله مقولة لتوماس هوكر (1631م) -أبو الديمقراطية الأمريكية-يقول فيها: "يوماً ما، سيجد الأتراك-يقصد عموم العرب والمسلمين-أن نار جهنم أرحم بهم من إنكلترا"! ويتحدث هذا الفصل عن الرغبة في توطين اليهود، والبحث عن بلد أم يرعى هذه الرغبة، وأنها سابقة على هرتزل ومخططاته، وثابتة في خلد الصهاينة الإنجيلين أكثر منها لدى اليهود أنفسهم، ولذا يؤيد الأنكلوسكسون أكثر السياسات اليهودية غلواً، لأنها تتوافق مع معتقداتهم والنبوءات القيامية التي يهيمون بها لحد الهوس المخرج عن حدود التعقل.

أضاف المؤلف ملحقين في ستين صفحة، عنوان الملحق الأول: الجلاد المقدس، ويكرر الكاتب ما ذكره من نظرة البيض المقدسة لأنفسهم، والمدنسة لسواهم، حيث رافقت هذه النظرة التوراتية تأسيس أمريكا، حتى أن أول كتاب طبع في أمريكا هو "مزامير داود" عام(1640م)، وكانت اللغة العبرية هي لغة جامعة هارفارد الرسمية حين أنشأت عام(1636م)، ولا عجب بعد ذلك أن تكون ملامح أمريكا مرسومة بريشة توراتية، وتتشابه مع أدبيات اليهود في حتمية تجميع الشعب المختار في فلسطين، وتدمير بابل، وعصر سكان ما بين الفرات والنيل في معصرة غضب الرب كما يزعمون، فهل نحن مستعدون لمواجهة العصر قبل أن نصبح عصيراً بلا قيمة!

عنوان الملحق الثاني عن حوار الحضارات وحرب استئصال الأصالة، وإن أمة هذا فكرها وثقافتها، وهذه عقيدتها كيف تؤمن بالحوار إلا مخادعة؟ بل كيف نصدق جدوى الحوار معهم ونحن نرى أثر أسلحتهم وسطوتهم؛ ثم نضيع ديننا ودنيانا في مطاردة سراب الحوار ووهم التعايش؟! كيف نثق بأمة سادت في الألف الثاني الذي أنهته بمئات الملايين من القتلى، ومئات الحروب، فضلاً عن دمار كبير، وكل ذلك لم تشهده نهاية الألف الأولى التي كانت السيادة فيها للمسلمين!

كيف نصدق عالمَاً بإمكانه أن يعالج بفائض أمواله ومنتجاته مشكلات الفقراء الصحية، والتنموية، والحياتية، بيد أنه لا يفعل ولن يفعل ولو تباكى لأجل الجائعين والمرضى والمشردين؟ كيف نثق بقوة تريد طمس أصالة الحضارات الأخرى وتزوير ما بقي منها، وتسعى لمصادرة حق شرح تعاليم ديننا؛ فالحق ما رضيت به ولو كان حراماً، والباطل ما تأباه ولو كان ثابتاً في كتابنا العظيم، ومراجع ديننا الموثوقة؟ إنهم يخوضون أشرس حرب على ثقافتنا، وبعضنا يقابل إفكهم بابتسامات بلهاء، وخور وعجز، وويح لنا منهم.

ثم يُنذر العكش أمته ويحذرها شفقة عليها، ويؤكد بأن الهرولة لمؤتمرات الحوار ليس سوى عمل دون جدوى، وأننا حين نمد حبال الصداقة لأمريكا فكأنما نعطيها مادة تصنع منها المشنقة لنا، فتجارب قرن من سموم الصداقة مع بريطانيا ثم أمريكا كفيلة بإيقاظ غريزة البقاء حتى عند أحط البهائم! وإن لم نصدق فلنقرأ قول زعيم هنود دولاوير؛ وهم قوم سبقونا بتجربة أمريكا، وقد قال في كلمة مأثورة عام(1787م) ما يلي: " إنهم يفعلون ما يحلو لهم، يستعبدون كل من ليس من لونهم. يريدون أن يجعلوا منا عبيداً، وحين لا يتحقق لهم ذلك يقتلوننا. إياك أن تثق بكلامهم، أو وعودهم. إنها أحابيل، صدقني إنها أحابيل، فأنا أعرف سكاكينهم الطويلة جداً".

وبعد هذا التطواف الطويل مع كتب د.منير العكش، يجدر التأكيد على أن معرفة حقيقة أمريكا مهم للمنبهرين بها، وضروري لقادة الأمة الرسميين والشعبيين؛ حتى لا نكون فريسة طيعة لهؤلاء الغزاة العقائديين، ولعل المخدوعين من أبناء أمتنا أن يستيقظوا على حقيقة مهمة ملخصها أن الأبيض يتخلى عن عملائه متى ما انتهت الحاجة لهم؛ بل يراهم أراذل الخلق، ولعل الجميع أن يستيقن أنه مهما تنازلنا، ونسينا ديننا وثقافتنا؛ فإن الآخر سيظل يرانا أبناء أمة مخالفة معادية لا علاج لها عنده إلا بالذبح المعنوي أو المادي.

قــراءة فـي كـتـاب ... تـلمود العـم سـام
الكاتبة ليلى الهاشمي - لندن www.almhml.com‏


زينت إجازة عيد الفطر بالتوغل داخل هذه التحفة للكاتب الرائع منير العَكش

الكتاب يكشف حقائق أخرى أكثر إثارة من كتابه الماضي " سيرة الإبادة" . والذي قدمت مقتطفات منه في كتابي صليب الدمار عن الهنود الحمر رغم تجريم دار النشر من ينشر ولو مقتطفات من الكتاب لكنني سأفعل لرغبتي القوية في ان يشتري القارئ العربي هذا الكتاب ليتعرف ولو على جزء بسيط مما يحاك له وتقوم بالمقابل منشورات وأفراد كثيرون داخل العالم العربي بوصمنا ببانرويا "المؤامرة" .
من الفصل الثالث الجزء الثاني ص 199 " السيناتور بفردج : هل من قواعد الحرب أن تحرق مدنا وقرى كاملة، وهل تعتقد فعلا أن أهل هذه البلدان والقرى يستحقون هذا الدمار؟ الكولينيل آرثر لو كوود واغنر: نعم... هذا معقول ومبرر. صحيح أننا قتلنا ودمرنا ممتلكات الأبرياء، ولكن ألم يفعل الرب ذلك بسدوم وعمورة؟" سأنقل لكم رأي من هو أفضل مني عن الكتاب وتلخيص رائع وموجز له من جريدة الشرق الأوسط "أفكار غارودي عن الأساطير المؤسسة للدولة العبرية ليست شيئا قياسا بما أتى بعدها، فالكاتب السوري منير العكش يأخذ المسألة باتجاه أعمق ليحكي في كتابه الجديد عن الأساطير العبرية التي تأسست عليها أميركا نفسها. عنوان الكتاب »تلمود العم سام«، وهو نوع من الاضافة والتعميق لكتاب آخر أصدره الكاتب قبل عامين عن أميركا والإبادات الجماعية، ركز فيه على حق التضحية بالآخر وهو حق تلمودي يجيز لشعب الله المختار الفتك بالأغيار فكل ما هو غير يهودي بأعراف التلمود يجوز أن تفعل به ما تشاء. الكتاب الاول، كان يرهص بالثاني ويمهد له ففيه استشهد المؤلف بجورج فوكس الذي قال في منتصف القرن السابع عشر: »أن تكون يهوديا باللحم والدم لا يعني شيئا أما أن تكون يهوديا بالروح فهذا يعني كل شيء«. وقد كان الجيل الأميركي المؤسس تلمودي الروح بامتياز وتفوق.
ان الفكرة المركزية في كتاب »تلمود العم سام«، تذهب الى أن البيوريتانيين الانجليز الذين قامت على أكتافهم أميركا أسسوها منذ البداية وفق الأساطير العبرية فقد قارنوا أنفسهم بقبائل بني اسرائيل، وعاملوا الهنود الحمر كما عاملت تلك القبائل الكنعانيين في القدس وعاي وأريحا. وعندما أوشكت الابادات الجماعية على الانتهاء كانت القارة بكاملها تحت سيطرة عقليات تنتظر نهاية الزمان وتحضر لها لتجعل الواقع المعاصر يتطابق مع النص التلمودي. من هذا المنظور تصبح مقولة نشوء اسرائيل من أفكار هرتزل في كتاب »الدولة اليهودية« عام 1896 مقولة بالية وغير دقيقة، فالآباء المؤسسون لأميركا هم الذين ورثوا فكرة تأسيس دولة صهيون من الثوار الانجليز الذين كانوا يحيطون بكرومويل ونقلوها عبر المحيط ثم عملوا كل ما بطاقتهم لتحويلها الى أمر واقع. لقد اعتقد مروجو تلك الاساطير أن نهاية الزمان ستقع عام 1656 وكان بعضهم يعتقد بيهودية كرومويل والنخبة المحيطة به. فالموسوعة اليهودية تنص صراحة على »ان الانجليز هم الاسرائيليون الذين خاطبهم الله وأراد لهم أن يصنعوا نهاية الزمان بأيديهم«. وبما أن نهاية الزمان، حسب الرؤيا التلمودية، لا تتم الا حين تقوم دولة اسرائيل ليعود اليها المسيح بعد أن يقتل الدجال ويفني قوى الشر ليؤسس على أنقاضها دولة الخير، فإن كل الذين تفرقوا بعد كرومويل في الآفاق حملوا تلك الفكرة ونفخوا فيها الروح وتعصبوا لها، وبينهم عباقرة كبار كإسحق نيوتن. على هذا الضوء يمكن فهم موقف الحاخام لي ليفنجر الذي قال في »تاريخ اليهود في أميركا«، ان تأثير اليهود على الحياة الأميركية لا يكاد يذكر اذ لم يكن لديهم ما يعطونه للانجليز ـ البيوريتانيين الذين كانوا أكثر يهودية منهم. وانطلاقا من هذه الخلفيات، يستنتج منير العكش أن تلك النزعات القيامية التي تستعجل نهاية الزمان بتدمير بابل وفلسطين هي التي مدت أميركا بأخلاقها وقيمها وبررت لها استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة، وهذا ما يجعل اللوبي الصهيوني في واشنطن أرحم أعداء العرب وأقلهم خطرا وتعطشا للدم مقارنة بالزنابير WASPs الذين يحكمون أميركا.
أخطر ما في هذا الكتاب أنه يهز القناعات المستقرة ويقلق ويجعلك تنظر الى اليهود كضحايا، فما هم في النهاية الا أدوات لتحقيق ارادة المتعصبين الاميركيين الذين يعلنون من الآن بأن كل من يظل على قيد الحياة من اليهود، بعد المعركة الفاصلة في تل مجدو، سيباد ان لم يتنصر."‏

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014

أمريكا.. ذات الإبادة! 3/ 3

أمريكا.. ذات الإبادة! 3/ 3



الإبادة الجنسية


قراءة أحمد العساف
بعد أن أفنت أمريكا الشعوب المستضعفة بوسائل متعددة وكثير منها مبتكر مسجل باسم الغزاة البيض، سعت في صياغة ثقافة من تبقى منهم على الكيفية التي تريدها وتخدم مصالحها، ولم تقف عند هذا الحد، بل استثمرت التطورات العلمية لنشر العقم بين الرجال والنساء، وتقليل الفقراء؛ الذين يستهلكون ولا ينتجون، وهم مادة خصبة للفكر الشيوعي بسبب فقرهم المدقع.

هذه الفاجعة موثقة في كتاب بعنوان:
أميركا والإبادات الجنسية:400 سنة من الحروب على الفقراء والمستضعفين في الأرض، تأليف: منير العكش، صدرت طبعته الأولى عام (2012م) عن رياض الريس للكتب والنشر، وعدد صفحاته (197) صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة وستة فصول، ثم ملحق، فهوامش في ستين صفحة تعادل كتاباً مستقلاً، يعقبها المراجع، ثم يتلوها فهرسان للأعلام والأماكن؛ والأماكن كلها تئن من هذا المكر الكبار.

ذكر الباحث العكش في المقدمة أنه قرأ افتتاحية في إحدى الصحف الأمريكية القديمة عن مشروع أمريكي لتعقيم الفقراء؛ يموله برنامج هاريمان-روكيفلر-كارنيغي للتعقيم، وعلة هذا البرنامج تحسين النسل، وحماية المجتمع من ضعفاء العقول؛ باعتبار أن الفقير بلا قدرات عقلية لأنه لم يصبح غنياً!

واستيقظت هذه الافتتاحية في ذاكرة المؤلف حين وقع على وثيقة مكونة من (107) صفحات كتبها د.هنري كيسنجر عام(1974م) إبان عمله مستشاراً للأمن القومي، ووجه نسخاً منها لوزراء الدفاع والزراعة، ولرئيس الاستخبارات المركزية، ولوكيل وزارة الخارجية، ولرئيس موظفي البيت الأبيض، ودوَّن فيها ملاحظة تقضي بسرية هذه الوثيقة، ومنع نشرها دون إذن البيت الأبيض.
وفي السطر الأول من الوثيقة إشارة إلى أنها وضعت بأمر من الرئيس جيرالد فورد، وهي ترسم بدم بارد خطة لقطع نسل نساء(13) دولة في العالم الثالث منها مصر، وتركيا، وباكستان، وذلك في مدة لا تزيد عن ربع قرن. وفي عام(1977م) كُشف النقاب عن تورط جامعتي واشنطن، وجونز هوبكنز في هذا البرنامج الذي استهدف تعقيم ربع نساء العالم القادرات على الإنجاب؛ وعددهن يقدر بخمسمئة وسبعين مليون امرأة، وهي جريمة أغلظ من جرائم الحرب.

وذكر المؤلف أن عملية قطع النسل بدأت قبل كيسنجر ولم تتوقف، بل بلغت أوج سعيرها في عهد الرئيس الحالي الملون باراك أوباما! ويلفت العكش نظر القارئ إلى أنها وجه آخر لثقافة الإبادات التي عاشت عليها فكرة أمريكا المستمدة من فكرة إسرائيل التاريخية، فهم يعاملون الشعوب الأخرى وفق ما نسجه العبرانيون من أساطير عن الكنعانيين، ويعرضون صفحاً عن أي مواثيق إنسانية، أو قوانين أخلاقية، أو مبادئ عقلية؛ لأن الشعوب المنحطة أقل من أن تُعامل بها كما وقر في ثقافة البيض الاستعلائية.

وفي ملاحظات أسفل المقدمة ناشد المؤلف المخلصين في مصر أن يفتحوا تحقيقاً في اتفاقيات النظام البائد مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، ونبه إلى أنه فصل الحواشي في آخر الكتاب؛ وهي بحق كتاب رديف مهم؛ وقد ضمنتها في هذه المقالة داخل الحديث عن كل فصل. ولم يفت على العكش تبرئة العلم من خزايا مستخدميه لأغراض بشعة، وهي مسلَّمة فالعلم النافع سمته السمو؛ وإنما السم الناقع في بعض طرق استخدامه.

تأليه الجشع هو عنوان الفصل الأول، وفي مستهله نقلان صادمان، أحدهما عن دارون إذ يقول:" سيأتي زمان على الأعراق المتحضرة تبيد فيه الأعراقَ الهمجية، وترث منها الأرض حتماً"!
ويقول المؤرخ والروائي البريطاني تشارلز كِنغسلي في الثاني: 
" انتشار الأنكلوسكسون في الأرض توسيع لمملكة الله... وإذا اقتضى الأمر فليكن على جثث الأعراق الضعيفة".

وبانتصار الجشع في جمع الثروة مُنع مئات الآلاف من الأمريكيين في العقود الستة الأولى من القرن العشرين من الإنجاب قسراً وكرهاً بسبب فقرهم أو أصولهم العرقية، وكان الهدف العاجل تعقيم أربعة عشر مليون فقير مستضعف يعرفون بالمعشار الدنيّ من المجتمع الأمريكي، وذلك بقطع النسل، والحرمان من الزواج، والحجر في المصحات العقلية، مع إشاعة العهر والزنا، ولم يندم البيض على جريمتهم المترافقة مع تاريخهم الدموي؛ بل أوجدوا لها المسوغات العرقية، والاقتصادية، والاجتماعية، كما نقلها عالم الاجتماع الأمريكي هربرت غانس في كتابه" الحرب على الفقر".
ويسمي المؤلف هذه العملية النجسة حرب القفازات الناعمة البيضاء في أيدي الجراحين، وكان المراهقون والمراهقات يسلمون أنفسهم لمباضع الجراحين كي يدمروا قدراتهم الجنسية، ويذبحوا نسلهم وذراريهم في الصلب والترائب، حتى صارت بعض المصحات أشبه ما تكون بالمسالخ الجنسية!
ويقف وراء هذه الأعمال الحقيرة تجار وموظفون كبار مثل رئيس المحكمة العليا(!) الذي يسوغ هذه الإجراءات؛ لأنها تقتل المنحطين في الأرحام قبل أن يضطر البيض إلى إعدامهم على الأرض لو ولدوا! وإنه والله لعذر لا يختلف في قبحه عن الذنب.

أما عنوان الفصل الثاني فهو الفقر والغنى:
معادلات مَنَوية، حيث تقول مرغريت سانغر وهي من نجوم الداروينية الاجتماعية بأن الفقراء قمامة بشرية، ولذلك طالبت بتعقيم عاجل للسود والهنود والطبقات الفقيرة، وقادت حملة لتعقيم الزنوج على وجه الخصوص، وحظيت بدعم كلارنس غامبل مالك شركة بروكتر أند غامبل، وتهرف هذه المجرمة بكلمات معناها: أن خير ما تفعله الأسرة الكبيرة هو أن تقتل أولادها!

ويرى المؤلف أن التعسف الفاجر في استخدام الداروينية فتح باب الفناء على الشعوب الضعيفة، وقدمت مسوغات علمية للقتلة والمجرمين البيض؛ فهذه الطبقات الدنيا تنساق وراثياً نحو الانقراض الحتمي؛ فلا بأس على الأبيض حين يستعجل فناءهم؛ فالبقاء للأصلح مقولة بنى عليها الغرب عنصرية علمية لم يفه دارون بكثير من مفرداتها ومعانيها. وقد تجسدت نظريات دارون في أفكار قريبه عالم الحياة الإنكليزي فرانسيس غالتون حين طالب بوضع حد لنسل الفقراء، والتحكم بأذونات الزواج؛ حتى تأتي الولادات الجديدة بالأقوياء فقط.

وفي عام(1864م) نشر الفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر كتابه مبادئ علم الحياة، وشحذ فيه مقصلة عنصرية فتاكة بناء على مفهوم البقاء للأصلح، كما دعى في كتابه سكونيات اجتماعية إلى التخلص من الأعراق الطالحة، لأنها سبب في توريث الفقر والتخلف والجريمة، ولهذا الرجل ولأفكاره بصمات واضحة على علم الاجتماع الأمريكي؛ حيث نادت جماعات أنكلوسكسونية بتعقيم قسري لعشر فئات(منحطة) من المجتمع الأمريكي.

وحمل شارلز دافنبورت عبء تعقيم ستين ألف أمريكي من هذه الفئات؛ ودفن النطف قبل تحولها إلى أجنة، ومولت جرائمه مؤسسة كارنيغي إمبراطور الفولاذ، وماري هاريمان وريثة إمبراطور السكك الحديدية، وجون روكيفلر الثري السخي فيما لا محمدة فيه ولا مثوبة.
وترافق مع هذه الحملة على النسل ووأد الذراري تشريع أعمالها في ثلاثين ولاية أمريكية، شريطة نقل التجربة لباقي بلدان العالم بعد الفراغ من تطهير أمريكا.
 ويشيع وصف ضحايا "التعقير" بالفقر نتيجة للغباء وضعف العقل، وأنهم خطر على المجتمع والإنسانية لابد من استئصاله، ويكثر استخدام هذه الأوصاف في التعابير المتكررة على لسان الزعماء الأمريكان منذ القدم وحتى أوباما.

وأسهمت نظريات الاقتصادي الإنكليزي توماس مالتوس بتحرير النظرة للفقراء من الأغلال اللاهوتية، وأصبح التخلص من الفائض البشري ضرورة اقتصادية!
ورأى مالتوس-المجرم-أن التخلص من الفائض البشري يتم بأسلوبين: رفع معدل الموت، وتقليص معدلات الولادة. ولم يجد كاتب سيرته أصدق من وصفه بأنه رجل يدافع عن الجدري، وعن العبودية، وعن قتل الأطفال، ويرفض تقديم العون للفقراء لأن ذلك سيوسع من رقعة الشر، وكان يعتبر موت أولاد الفقراء نعمة إلهية، ولمالتوس أثر كبير على أفكار النخب السياسية في بريطانيا وأمريكا، حتى أن الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث يتمنى أن يصبح جرثومة فتاكة تساهم في حل مشكلة التفجر السكاني! وإذا كان هذا رأي الأمير الأرستقراطي فما يقول المعتوهون من الساسة والعسكر؟!

ومن قوائم المتأثرين بمالتوس تشرشل، وكيسنجر، وجون هولدرن المدير الحالي لمكتب البيت الأبيض للسياسة العلمية والتكنولوجية، وهذا يعني أن البيت الأبيض مؤمن بأفكار مالتوس خلال عهد أوباما، هذه الأفكار التي كانت خطوة على طريق المحارق الكبرى الأنكلوسكسونية والألمانية، وكانت الأساس الذي بنى مجلس الأمن القومي الأمريكي عليها وثيقة كيسنجر وبدأ تطبيقها عالمياً. ومن خلال هذه النظرية المالتوسية صارت الإبادة إرادة إلهية عند المتدين، وقانونا علمياً لدى غيره، والنتيجة واحدة.

وكان للنظريات العلمية بين عامي (1863-1868م) أثرها في تسويغ أعمال البيض من أجل تطهير العالم والحفاظ على نقاوة عرقهم، ومنها نظريات سبنسر وداروين المشار إليهما سابقاً، ونظرية الراهب التشيكي غريغور مندل حول الهندسة الوراثية، والعلم في غالبه بريء من التهمة؛ بيد أن الغرب بارع في استثمار أي شيء لصالحه.

أولاد إسماعيل رمز الانحطاط البشري! هذا عنوان الفصل الثالث، فالتوراة تخبرنا بأن إسماعيل-حاشاه عليه السلام-كان وحشاً بشرياً، ويروي المؤلف عن مايكل سافج أن معظم الأمريكيين يتمنون رؤية قنبلة نووية تهوي فوق عاصمة عربية كبيرة-ويالهم من شعب متحضر مسالم-. وقد درس أوسكار ماك كولوش قبيلة أمريكية تدعى بن إسماعيل تقطن في إنديانا، وأرجع فقرهم وضعفهم إلى أصلهم العربي، ولذلك كانت ولاية إنديانا أول ولاية تسن قانوناً للتعقيم الإلزامي تنادى له البيض بحماسة بالغة حتى غابت قبيلة بن إسماعيل عن الذاكرة الأمريكية.

ثم بعثت هذه القبيلة بعد عقود من النسيان على يد كاهن مهووس بالإسلام يدعى هوغو ليمنغ، حين نشر فصلاً عن هذه القبيلة، وزعم أن جدها الأول إمام مسلم أفريقي الأصل، وهو مؤسس أول جماعة مسلمة في أمريكا ذات أصول أفريقية وهندية! وأعيد نشر هذا الفصل الأشبه بالتنجيم؛ بل صيره بعض المؤلفين مقدمة لكتب عن التاريخ الخفي للجماعات الإسلامية في أمريكا، ويبدو أن الادعاء بالخبرة في الجماعات الإسلامية رائجة عالمياً وإقليمياً.

عنوان الفصل الرابع شبح مالتوس في البيت الأبيض،
وفي بدايته نقلٌ عن مدير مكتب الحكومة الاتحادية للسكان التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية د.رايمرت رافنهولت (1977م) يقول فيه:" تفادياً للخطر السكاني الذي يهدد كوكب الأرض تعمل الولايات المتحدة على تأمين الشروط اللازمة لتعقيم ربع نساء العالم القادرات على الحمل".
وهذا الرجل مكلف بوضع خطوات عملية لبرنامج تطهير عرقي وطبقي، وبدأت الإجراءات التنفيذية بتدريب بعض الأطباء في كلية الطب بجامعة واشنطن وجامعة جونز هوبكنز، وبلغت الميزانية المرصودة لجامعة واشنطن لتنفيذ هذا البرنامج وحده ملياران ونصف المليار دولار!

وعزى رافنهولت الأسباب وراء سعي الحكومة الأمريكية لإطلاق هذا البرنامج إلى حرصها على حفظ أمن أمريكا، وحماية مصالحها الاقتصادية.
وبيَّن المؤلف العكش أن هذا البرنامج بعد فحصه ما هو إلا تطبيق عملي لوثيقة كيسنجر التي أعدها بناء على طلب الرئيس فورد، واستهدفت الحد من نسل شعوب ثلاثة عشر بلداً هي: بنجلاديش، باكستان، نيجيريا، إندونيسيا، مصر، تركيا، الهند، المكسيك، البرازيل، الفليبين، تايلاند، الحبشة، كولومبيا.
وقد أزيلت السرية عن هذه الوثيقة عام(1989م)، وكانت تطمح إلى تحقيق أهدافها بحلول عام(2000م)، واقترحت الوثيقة اختفاء أمريكا من الصورة تجنباً لإحراج زعماء هذه البلدان، وتكليف صندوق الأمم المتحدة للسكان بتنفيذ هذه المهمة على أن يديره رجل ملون حتى لا يثير الشبهة! ولو قال بعضنا جزءاً مما ورد في الوثيقة لدمغ بأنه مسكون بنظرية المؤامرة.

ومع مرور أربعين عاماً على هذه الوثيقة إلا أن شبح مالتوس مازال يطوف في أروقة البيت الأبيض، ويطارد الفقراء والضعفاء، وذلك من خلال جون هولدرن الذي يتولى أخطر ثلاثة مناصب علمية في إدارة أوباما كلها خاصة بالعلم والتكنولوجيا، فلا يتخذ الرئيس قراراً دون مشاورته والأخذ برأيه؛ ولا عزاء للضعفاء.
وقد ألف هذا المالتوسي منزوع الإنسانية كتاباً بالاشتراك مع زميليه يقع في أزيد من ألف صفحة، وبشر فيه بعصر تفرض فيه أمريكا على شعوب العالم حزام عفة إلكتروني يزرع تحت الجلد لمنع التناسل، ويترافق مع ذلك تنفيذ عمليات معالجة طعام هذه الشعوب وشرابها بعقاقير التعقيم، ويشمل البرنامج الذي يقترحه هذا الحاكم بأمره في مكتب أوباما ما يلي:
1- سيطرة الدولة على خصوبة الرجال والنساء بالتدخل الطبي.
2- إرغام النساء الحوامل على الإجهاض دون إلتفات لرأيهن.
3- تعقيم جماعي للبشر عبر معالجة المنتجات الغذائية شريطة ألا تؤثر على خصوبة الحيوانات!
4- فرض نظام كوكبي لوضع سقف للتكاثر؛ ويجب على الحكومات أن تتنازل عن سيادتها لهذا النظام.


وتحت مظلة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية-وهي ذراع للخارجية ولوكالة الاستخبارات-، وباسم الرحمة والمساعدات الإنسانية سعت أمريكا لتخفيض سكان العالم الثالث، ففي راوندا وحدها نفذت كتائب الرحمة الأمريكية عملية تعقيم وإخصاء (700) ألف طفل رضيع في عهد الرئيس ذي الأصول الأفريقية، والحائز على جائزة السلام، والذي لا يكف عن توزيع الابتسامات! 
واستعرض المؤلف تجربة أمريكا في رحمة شعب البيرو، وتعقيم رجاله ونسائه بطرق ناعمة يتبعها توزيع الهدايا! ولم يكتف الأمريكان بتعقيم ثلث نساء جزيرة بورتوريكو بل عمد أطباء مؤسسة روكفيلر-وهي مؤسسة خيرية(!) ممولة لحملات التعقيم-بإجراء تجارب سرطانية مميتة على شعب الجزيرة، وليلاحظ القارئ أن هذه الجريمة الشريرة تدار بواسطة أطباء وتحت جناح عمل خيري! وزيادة في المكر زرعت الاستخبارات الأمريكية عملاءها مستشارين في حكومات البلاد المستهدفة وذلك لدعم برامج التعقيم.

تطهير الأرحام من الألغام هو عنوان الفصل الخامس
الذي يفتتحه الرئيس ثيودور روزفلت في رسالة كتبها إلى عالم نفس عام(1899م) قائلاً:" لن تنتصر قيمنا الحضارية ما لم نتخلق بالأخلاق البربرية"، ولذا كان من المناسب أن يعقبه عبارة دقيقة للمؤرخ ريتشارد سلوتكين: "إذا كان لابد من شعار يرمز لأميركا وتاريخها فليس هناك ما يعبر عن هذه الحقيقة سوى هرم هائل من الجماجم"!
وإمعاناً في إهلاك النسل يرى الغزاة البيض أن رحم المرأة الهندية مزرعة ألغام تدافع عن الأرض ولذا فلا مناص من استخدام كاسحات الألغام! وأكثر الأرقام تواضعاً تتحدث عن تورط مصلحة الصحة الهندية بتعقيم (25% ) من صبايا الهنود اللواتي لم يتجاوزن الخامسة والعشرين من عمرهن بعد خداعهن، وتوقيعهن بالموافقة على إجراء عملية التعقيم، وأحياناً يكون التوقيع بعد نهاية العملية!

وذهبت بعض الدراسات إلى أن التعقيم شمل (50%) من نساء الشعوب الهندية في الفترة الواقعة بين عامي (1970-1976م)، وقد اكتشفت طبيبة هندية تعمل في مستشفى بولاية أوكلاهوما أن جميع ضحايا التعقيم هن نساء هنديات. وفي رسالة ماجستير جريئة بجامعة نبراسكا أوماها وثقت المؤلفة ارتفاع ميزانية برنامج التعقيم من (51) مليوناً عام (1969م) إلى (250) مليوناً عام (1974م)، وقد صاحب هذا الارتفاع زيادة في عدد الضحايا الهنود من (63) ألف امرأة بين عامي (1907-1964م) إلى (548) ألف امرأة بين عامي (1970-1977م)، وهذا يعني أنه خلال سبع سنوات عجاف تضاعف العدد قريباً من تسعة أضعاف الرقم الذي جرى تعقيره خلال ستين عاماً، فالعلم يتقدم؛ ومستوى الجريمة يتعاظم.
الفصل السادس عنوانه المرضعة الأمريكية للهولوكست النازي، حيث قال جوزيف دو جارنيت مدير معسكر حكومي للتعقيم الجماعي في فرجينيا: "إن هتلر ينافسنا الآن على لعبتنا"، واعترف الفيلسوف الصهيوني ستيفن كاتز بأن "تفريغ العالم الجديد من سكانه الأصليين كان السحابة التي أمطرت بالهولوكست النازي"، ومن لا يحتفل بتاريخ إبادة سكان أمريكا الأصليين فهو إنسان يكره إنسانيته لأنه مخبل، جاهل بليد، فهذه الإبادة ساهمت في تحسين الوضع الإنساني، وهذا الرأي الآفن يقوله كاتب وناقد بريطاني!

وغرض المؤلف من هذا الفصل كسر احتكار اليهود للهولوكست، فهتلر قتل اليهود بيد أنه قتل أعداداً أكبر من أعراق أخرى، وقبل هتلر وبعده أفنى الهولوكست الأمريكي مئات الملايين من البشر، بل إنه كان النموذج المحتذى من النازيين، وهو أفظع وأطول عملية قتل مستمرة في التاريخ البشري، لكنها لم تفضح كمجازر النازيين، ولذلك فهتلر وزمرته مجرمون، بينما الرموز الأمريكية لها مكانتها في الميادين والمدن وأوراق العملة، فمن يصدق أن الهنود يلقبون جورج واشنطن بهدام المدن لأنه هدم (28) مدينة؟ وأي إجرام يعبر عنه الرئيس أندرو جاكسون حين يعتبر قتل الهنود مثل موت جيل لإحلال جيل جديد مكانه!
وعلى من فرح بهزيمة النازيين أن يراجع حساباته؛ لأن المنتصر أكثر شراً منهم، وفي كلٍّ حقه من الشرور.

وتجاوز الإجرام الساسة والعساكر إلى المفكرين والعلماء الذين يفترض فيهم النبل والإنصاف، فهذا المؤرخ جيمس أكستل يقول: "إننا أمة عظيمة ذات قوانين وحساسية مفرطة، ولسنا مذنبين بقتل نساء الهنود وأطفالهم أو بوسم العبيد في جباههم أو باغتصاب أي أرض في العالم!"
ولأجل ذلك يشتد نكير هذا الرجل وإنكاره وجود هولوكست أمريكي، ولا غرابة فمن هذا منطقه لا يرجى منه خير البتة. وأفضل ما يوصف به الإجرام الأمريكي ما قاله الزعيم الهندي رسل مينس: "ليس هناك من قانون لم تنتهكه الولايات المتحدة، ولا جريمة ضد الإنسانية لم ترتكبها...ومازالت هذه الإبادة مستمرة حتى هذه اللحظة".

وفي آخر الكتاب أضاف المؤلف المثابر د. العكش ملحقاً بعنوان أنكل أوباما ولسانه المشقوق، وفي مفتتحه كلمة لعضو الكونجرس سام جونسون تمنى فيها تحميل طائرة حربية من طراز إف15 برأسين نوويين وبطلعة واحدة يتخلص من شيء اسمه سوريا!
وقد أعقبت هذه الكلمة التي ألقاها العضو السام عام(2005م) عاصفة من التصفيق والهتاف ليس في ملعب كرة قدم بل تحت قبة الكونجرس الأمريكي!

ويشيع في أمريكا تسمية الأسود المتأبيض "أنكل توم"، وأول من أطلق على أوباما اسم "العم توم" هو رالف نادر مرشح الرئاسة الأمريكية وأشهر محامي المستهلكين في أمريكا، واتهمه بأنه لا يختلف عن سلفه بوش.
ويجزم المؤلف من خلال متابعته للمعارك الانتخابية الرئاسية والبرلمانية بأنها ليست سوى مباريات ضارية في التضليل وشقشقة اللسان، وأنه لولا رعونة بوش لما تغلب أوباما على العجوز المخضرم جون مكّاين.

ولأن السياسة واحدة فلم يتغير شيء من حرب فيتنام حتى حرب أفغانستان-وحتى ما بعد أفغانستان من حروب-، حيث أسقطت أمريكا خمسين حكومة استبدادية وديمقراطية، وقصفت بالقنابل أكثر من ثلاثين أمة، ودمرت حياة ملايين البشر، ولم يرحل رئيس أمريكي من البيت الأبيض وليس على يديه دم شعب من الشعوب! بل لم يترك أي رئيس وزراء بريطاني منصبه منذ بلفور المشؤم(1902-1905م) وحتى بلير الآثم(1997-2007م) بلا استثناء دون أن يلطخوا أيديهم بدم عربي أو مسلم، وعلى هذا الطريق يسير رئيس الوزراء البريطاني الحالي ديفيد كاميرون.

ولا يخجل أوباما من إعلان التزامه الشخصي والرسمي بإسرائيل وأمنها حتى لو كان يخاطب عرباً، ويؤكد المؤلف أنه مهما اختلف الرؤساء الأمريكان فإنهم يتفقون على المشروع الصهيوني؛ وكأنما قد شربوه مع حليب طفولتهم، أو حُقنوا به ضمن جداول التطعيم! 
ويعلل المؤرخ كونراد شيري ذلك بأنه تعبير عن القناعة الراسخة بأن الأميركيين هم الإسرائيليون فعلاً، وشعب الله المختار حقاً، فالإنكليز على طرفي المحيط-بريطانيا وأمريكا-أشد حماسة من اليهود لتأسيس الدولة الصهيونية؛ وبناء معبد سليمان.

ومع أهمية هذا الملحق إلا أن مكانه الأنسب في كتاب المؤلف: تلمود العم سام، وقد ختم الكاتب الأديب هذا الملحق بسؤال رمزي عما هو العمل المنتظر من الشعوب تجاه هذه القوة الباغية، والنسخ المشوهة من مكتب الشؤون الهندية؟ وأجاب نصاً: "ماذا يفعل الرجل العاقل حين يرى في فراش ابنه أفعى؟".

والخلاصة أن هذا الكتاب يهم على وجه الخصوص العاملين في المنظمات النسائية، والذين يرصدون مؤتمرات الأمم المتحدة ومشروعاتها الخاصة بالسكان والتنمية والطفل والمرأة، وإن كشف هذا التاريخ الكئيب للعامة طريق لإقناعهم بخطر هذه الاجتماعات الأممية المزوقة التي تخفي تحت أوراقها مباضع الجراحين للتعقيم والتعقير والإخصاء.



الأربعاء، 12 نوفمبر 2014

أمريكا.. ذات الإبادة! 2/ 3

أمريكا.. ذات الإبادة! 2/ 3






الإبادة الثقافية
قراءة أحمد العساف

يندر أن يكون احتلال الأرض، وقتل سكانها، هدفاً خالصاً يقف عنده الغزاة، ويتأكد ذلك في حق الغزاة العقائديين الذي ينطلقون من معتقدات في أنفسهم وعن الآخرين. ولذلك فغالباً ما يتبع الاحتلال عمليات تغيير في الثقافة، وهذا التغيير إما سلمي يسانده حسن المعاملة، وطول الملازمة، وعامل الزمن، وإما قسري كما يحدثنا التاريخ؛ ونراه في الواقع المصاحب للعدوان الصليبي على أمتنا.


وبين يدي كتاب يحكي مراحل تغيير قسري مروع، وعنوانه: أميركا والإبادات الثقافية: 
لعنة كنعان الإنكليزية
 تأليف: منير العكش
 صدرت طبعته الأولى عام (2009م) عن رياض الريس للكتب والنشر
عدد صفحاته (307) صفحات
يتكون من مقدمة، وتسعة فصول، ثم وثائق كاشفة، فملحقان ثم المراجع، يتلوها فهرسان للأعلام والأماكن؛ والأماكن كلها تشهد على الجريمة البشعة.

وهذا الكتاب محطة على طريق لا يعرف المؤلف نهايته كما قال في مقدمته، وصلب موضوعه عن كسر العمود الفقري للضحية؛ باستهداف اللغة والثقافة والتراث الروحي، وهي كما عبر عنها رسل مينز أحد زعماء الحركة الهندية "المحرقة الأخيرة للوجود". ولطول هذه المسيرة استحقت أن يمضي المؤلف خمس سنوات من البحث والقراءة والتنقيب؛ ليس في الكتب والمجلات وحدها، بل في الوثائق الحكومية؛ وبعضها مكتوب بخطوط سقيمة، أو بلغة قديمة تحتاج إلى من يفك مغاليقها، ولذا فهذه السنوات الخمس كانت أطول من مجرد خمس سنوات.

الفصل الأول 
بعنوان التطهير العرقي، ونقل الباحث في مقدمته نصاً لتوماس مكولاي مهندس سياسة التعليم الإنكليزية للشعوب المستعمرة حيث يقول: " لا أظن أننا سنقهر هذا البلد ما لم نكسر عظام عموده الفقري التي هي لغته، وثقافته، وتراثه الروحي"، وإذا وعينا هذا النص جيداً فسوف نفهم سر تركيز الغرب وأتباعه على مناهجنا؛ وكيل التهم لتعليمنا، ومنابرنا، وقنواتنا، ومؤسساتنا الدعوية والعلمية.

وتولى مكتبُ الشؤون الهندية كبر التطهير الثقافي بواسطة التعليم، والمكتب تابع لوزارة الحرب عام(1806م)، ثم ألحق بوزارة الداخلية عام(1869م)، وتولى رئاسته الأولى هندي نكرة يبالغ في تقليد الرجل الأبيض، والهروب من تراثه في المظهر واللباس والاعتقاد، وهذه عادة المحتل فيمن يستخدمهم من صنائع.

ولجأ هذا المكتب خلال أكثر من قرن إلى كل وسيلة متاحة بما في ذلك خطف الأطفال الهنود وهم في سن الرابعة، وشحنهم إلى معسكرات أشغال شاقة سميت مدارس، وفيها تعلموا كيف ينظرون لأنفسهم وللعالم بعيون الغزاة، وعملوا مسخرين فيما ألحق بهذه المدارس من مصانع ومزارع، وكان نظام المدارس عسكرياً صارماً.

وحسب الإحصاءات الرسمية مات نصف هؤلاء الأطفال في المدارس، وكان الآباء يقاومون خطف أولادهم في الخريف حيث موسم قطف الصغار، وعندما يلجؤون للقضاء تأبى الحكومة تنفيذ الأحكام التي تصدر لصالح الهنود! 
وزيادة في المكر نُقلت المدارس بعيداً عن القرى الهندية المعزولة للحيلولة دون تواصل التلاميذ مع أهاليهم، ولتسريع تغيير العقل الهندي، وتغيير العقل مفردة أمريكية رسمية قالتها كونداليزا رايس عن تغيير العقل العراقي تقدمة لتغيير العقل العربي.

أما عنوان الفصل الثاني فهو استباحة الجسد
، وهو فصل يقشعر منه البدن؛ لأنه يحكي عن مناقضة الفطر السوية، فلم تخل مدرسة هندية واحدة من الاغتصاب الجنسي؛ حتى وصفت المدارس بأنها مؤسسات للإرهاب الجنسي. 
وقد اعترف ناظر مدرسة-قبحه الله-أنه اغتصب أطفال مدرسته الذين تقع أعمارهم بين السادسة والثالثة عشرة يومياً خلال عشرين عاماً! وأدين معلم في مدرسة أطفال باغتصاب(142) طفلاً! ويزداد الأمر قبحاً حين نعلم أنهم يفعلون ذلك دون تأنيب ضمير؛ بل ينتظرون ثواب عملهم! وأما اغتصاب النساء فأمر شائع، لكن المحزن أن تنطلي فرية الغزو "من أجل تحرير المرأة" على بعض المسلمين نساءً ورجالاً.

ومن أدبيات المحتل الأبيض أنه لا يوجد شيء اسمه فتاةعفيفة ملونة إذا ما بلغت الرابعة عشرة من عمرها، وللقارئ أن يقارن ذلك بقوانين الأسرة التي يريدون فرضها، وإجبار المجتمعات على رفع سن الزواج.
ومن اعتقادات البيض أن أكل لحم الإنسان الأسود يقوي الباه ويطيل العمر، ولا يعتقدن أحد أن الأمر تاريخ مضى، ففي عام(2008م) خطف رجل أمريكي أبيض طفلاً ملوناً ثم اغتصبه، وذبحه وطبخه وأولم عليه لجيرانه؛ ومن ضمنهم أهل الطفل الضحية! وإن هؤلاء القوم ليرتضعون عقيدتهم تجاه الآخر من البيت والمدرسة والكنيسة والسياسة والإعلام.

من يأكل لحم البشر؟ هذا عنوان صارخ للفصل الثالث، حيث صورت أفلام هوليوود الهنود بأنهم أكلة لحوم بشرية في تطبيق فج لنظرية الإسقاط، ورمي الخصم بتهمة الرامي أحق بها، بينما تشهد الحوادث بأن الإنكليز هم الأولى بهذا الوصف، وقد وثق أحد الكتب أكثر من ثلاثمئة حادثة قتل فيها جون جونستون ضحاياه، وأكل كبودهم، حتى سمي جونستون أكّال الكبود، وأصدرت جامعة إنديانا كتاباً عنه وعن ملاحمه.

وحذر المؤلف من تعميم ما ينقله على جميع الإنكليز-وهذا من إنصافه-، وذكر أن هناك طقوساً إنكليزية لأكل لحم البشر؛ وثقها أستاذ قانون في جامعة ميشغان بكتاب منشور، وحدد الإنكليز فوائد صحية للحم البشري حسب العرق، وتفنن المطبخ الإنكليزي في صنوف أطباق اللحم البشري، وتكرر وصف لحوم البشر على أنها لذيذة؛ وأن أكلها مرة واحدة كفيل بإدمانها، وليست هذه الجريمة خاصة بالرجال فقد ضربت المرأة الإنكليزية بنصيب وافر من هذه العادة وطقوسها.
ومن أدبيات البحارة الإنكليز أن غلمان السفينة زاد احتياطي من اللحم الطازج! وأن الإنسان الجسور لا يجوع؛ وبعد هذا الاستعراض الجالب للغثيان أيصدق أحدنا إفكهم عن حقوق الإنسان وأسنانهم جاهزة لمضغ قطع اللحم البشري؟!

عنوان الفصل الرابع الكنعنة سلاحاً، وهو من أخطر الفصول، فالغازي يشيِّد أسطورته على أساسين منطقي وأخلاقي، وبالتالي يمارس جنوده الفظائع دون ندم أو مشاعر إنسانية تجاه الضحايا، وكرر المؤلف هنا تحذيره من التعميم على الجميع، وذكر هوس البيض بكنعنة ضحاياه انطلاقاً من موروث ديني وعد العكش أن يبحثه باستفاضة في كتاب بعنوان "الدين في أمريكا"، ولم ينشر هذا الكتاب حتى الآن فيما أعلم.

ولازمت عقيدة " الاختيار الإلهي" المحتل في جميع حروبه، ولذا لا ينتابه شك في أخلاقية حروبه وما رافقها من "أضرار هامشية"، وهذه الأضرار الهامشية تشمل القتل والاغتصاب والنهب والإفساد، وإذا كانت هذه هامشية فما هو الضرر الأصلي إذاً؟ وإن هذا الاعتقاد يشل جميع المشاعر الإنسانية في نفوس المؤمنين به، وبالتالي فلا تشعر بالذنب، ولا ترضى بمحاكمة عقلية لأفعالها، لأن معايير الضعفاء الأخلاقية غريبة على مسامعهم ولا يدركون معناها، فالقاتل المحتل لا يفهم الدعوة للحوار والتعايش، فلغته القوة، وفهمه محصور في القتل.

وسعى المحتل لتجريد ضحاياه من الإنسانية، تماماً كما يستميت في تفريغ عقولهم، ويتفانى في تشويه ماضيهم وديانتهم وثقافتهم، وعندما اعتبر جون سميث مؤسس أول مستعمرة في العالم الجديد أن الحرب على الهنود استمرار للحرب المقدسة على المسلمين فقد كان يحث جنوده على القتل بلا رأفة.
وشيطنة الخصم حاضرة حتى يومنا في السينما الأمريكية، وفي السياسة العليا على لسان أربعة وعشرين رئيساً أمريكياً ألقوا أزيد من مائة خطبة قبل شن حروبهم، وأجمعت خطبهم على وصف الضحية بأنه خطر وشر، وأن طبيعته شاذة ثقافياً وجسدياً.

وقد جمع مؤلف أمريكي هذه الخطب في كتاب خاص بها عنوانه Calls To Arms ومؤلفه رَسل بوهايت، عميد كلية العلوم والفنون في جامعة ميزوري، وكان إبراهام لنكولن أبلغهم، وجورج بوش الابن أعياهم وأقبحهم مفردات؛ حيث استخدم خمس كلمات قذرة غير معهودة في البيت الأبيض، وأما المعاني فمشتركة، والعقيدة الحربية تكاد أن تكون واحدة، وهذا الكتاب قمين بالترجمة، وليت أحد المراكز الفكرية أو الخاصة بالترجمة أن تنهض له ولغيره مما ذكره المؤلف من مراجع.

"علم إنسان" لا إنساني هو عنوان الفصل الخامس؛
ويكفي من بلاء قراءة عنوانه! ويدور هذا الفصل حول استثمار الأنثروبولوجيا بعد تجريده من الإنسانية؛ كي يكون أداة في يد المحتل يبيد بها الأصناف الهمجية والبربرية من البشر؛ خاصة من لم تنفع معهم عمليات "التمدين"، والتمدين باختصار هو مسخ الضحية حتى تنسى ماضيها كاملاً؛ بل تعيش "فوبيا" من تراثها وثقافتها لدرجة أن تخجل من ذكره، وتكره الانتساب إليه، وتتوارى عن أي شيء يربطها به.
وقد جعل الأنكلو سكسون لأنفسهم فوقية مقدسة-مع أنهم ليسوا عرقاً مستقلاً-وكان لهذه الفوقية سلطان وتأثير كما تأثير الدين، وظهر هذان التأثيران جلياً في الحروب الصليبية.

ولأن عرق الآخر منحط وسافل في ثقافة البيض فإن إبادتهم أعظم قربان، ولا عجب أن يفضل دارون الانتساب إلى نسل قرد شجاع؛ بدلاً من العودة إلى نسل إنسان همجي كما نقل المؤلف عنه في فاتحة هذا الفصل.
ولأهمية الأنثروبولوجيين كتبت عنهم النيويورك تايمز أنهم جعلوا الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق أكثر فاعلية، وأنهم يشكلون سلاحاً حاسماً في الحرب.

وأشار المؤلف إلى مقالتين عن الثقافة العربية والإسلامية كتبها هؤلاء الذين يدَّعون الاختصاص بدراسة عالمنا، وأبان عن مستوى الانحطاط في الدراسات الجامعية عن العرب والمسلمين، وذكر في هوامش هذا الفصل-وهوامش الكتاب ثرية نافعة-تفصيلات يحسن الرجوع إليها خاصة من أولئك المفتونين بما يكتبه الغرب دونما فحص، أو تمحيص، أو تقليب النظر الناقد فيه.

الفصل السادس عنوانه الأرض مقابل الحضارة، وفي أول الفصل روى المؤلف عن الكابتن ريتشارد هنري برات وهو جنرال ومدير سجن عسكري اختارته الإدارة الأمريكية لإنشاء مدارس الهنود، ووضع نظامها وبرامجها-وعسكرة التعليم عملية قديمة حديثة-حيث يقول هذا الجنرال الآثم إن هدف هذه المدارس هو قتل هندية الهنود! والغاية ألا يفكر هندي واحد فيما يسمى بالقضية الهندية! ولابد من القضاء على الدين واللغة لأنهما خط الدفاع الأخير للهنود كما يقول الجنرال المعلم! واعتبر التعليم بهذه الطريقة الهجينة وسيلة تمدين، وتواتر عن غير واحد من الأنكلو سكسون مقولة معناها: الذبح أو التمدين! وهم خياران صعبان؛ بيد أن موت الجسد أهون من خواء الروح عند الأحرار على أقل تقدير.

ولأهمية إفساد الناس من خلال التعليم أقنع توماس مكنّي الكونجرس برصد ميزانية لتأسيس مدارس تبشيرية تمدن الهنود، ووافق الكونجرس على هذا المشروع شريطة أن يصبح الكتاب المقدس في أيدي الأطفال، واللغة الإنكليزية لغتهم؛ لأنها لغة الإيمان! وأواه من "إيمان" هذا صنيعه! واستجاب الرئيس غرانت لإقرار سياسة السلام التي تقوم على كاهل جيش مسيحي من المعلمين؛ مهمته كسب الحرب، والقضاء على البربرية.

وكان من نتائج هذا التعليم أن وضع الهنود سلاح المقاومة، واستسلموا لاتفاقيات السلام المخدرة؛ هذه الاتفاقيات التي قال عن أوراقها ريتشارد وايتسل مدير مكتب الشؤون الهندية: إنه لا يرضى أن يمسح بها مؤخرته! وعلى غيرها من اتفاقيات ومعاهدات يمكن القياس؛ وإن اختلف الزمن والحال وبعض الأطراف.

أولاد مكّولاي هو عنوان الفصل السابع، وكم لهؤلاء الأولاد الأوغاد من أثر سلبي على أقوامهم، وفي أول الفصل مقولة تختصره قالها توماس مكولاي: " علينا أن نربي طبقة تترجم ما نريد للملايين الذين نحكمهم؛ طبقة من أشخاص هنود الدم والبشرة، لكنهم إنكليزو الذوق، والأفكار، والتوجه، والأخلاق، والعقل"، وهي فكرة تعني الاستعمار الداخلي، وتربية جيل من السماسرة يغنون الغزاة عن الجيوش الجرارة.

وقد أطلق مكولاي هذه الفكرة في مذكرة تربوية غدت الأساس التربوي للمحتل الأبيض في كل بلد زحف إليه، وصارت هدفاً تعليمياً يتلخص في تفريغ الجيل من ثقافته، وصنع جيل من العملاء أو الوكلاء.
وللأديب الكبير الراحل محمود محمد شاكر كتاب موثق أجاد فيه استعراض تجربة الاحتلال الغربي لمصر في إفساد التعليم، وتفريغ مخرجاته من ثقافتها، وعنوان الكتاب "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" وقد طبع مستقلاً، كما طبع في مقدمة كتابه الحافل عن المتنبي، وهذه الرسالة القيمة يحسن اهتمام المحاضن التربوية بها؛ كي يعي الجيل مكر عدوه القديم المستحدث.

وأكد مكولاي في مذكرته الخبيثة على أهمية بذل الجهد في إعادة كتابة التاريخ والثقافة الهندية بأقلام هندية لكنها إنكليزية الهوى، ثم تسويق المكتبة الإنكليزية على أنها المرجع الأعلى للمعرفة، وكان لهذا الإنكليزي الماكر أثر فعال في نجاح الاحتلال البريطاني للهند بعدد قليل من الجند، واستثمار المدارس والاختلافات في تخريج جيل ممسوخ؛ منسلخ عن ثقافته، يتكلم ويفكر بروح إنكليزية، واختصر المؤلف أعمال مكولاي؛ ومن المناسب الرجوع إليها في الكتاب، فما فعله المحتل الأبيض من تشويه للتعليم وإفساد لمخرجاته أمر يتكرر بلا مواربة.

الفصل الثامن يحمل العنوان التالي: أطفال "الهمج" في جنان "المدنية"، وصدره المؤلف بنقل عن تقرير حكومي عام(1907م) يؤكد أن نسبة ضحايا الحروب أقل من نسبة ضحايا المدارس! وما أشنع المدارس التي هذه صفتها. وعندما يُخطف الهندي إلى المدرسة تحرق ثيابه أمامه وسط مشاعر الاشمئزاز والإهانة التي يبديها البيض، ويُغير اسمه الهندي إلى اسم إنكليزي رنان كأسماء الرؤساء والقادة الأمريكان، ويعاني الطفل الهندي حتى يتعلم اسمه الجديد؛ ويتقن نطقه والويل له إن نودي به ولم يجب! ثم يُقص شعره الطويل، والشعر الطويل عزيز جداً على الهنود، وغاية هذه الإجراءات العسكرية سحق النفس الأولى وبناء نفس جديدة تكره ذاتها القديمة؛ وتقرف من موروثها.

وفرض أعمال السخرة جزء من نظام هذه المدارس، حيث أثبتت جدواها الاقتصادية، وأصبحت ساعات العمل تزداد سنوياً على حساب ساعات الدراسة، وكانت الحجة الجاهزة لتفسير هذه السخرة هي أن عقول هؤلاء الهمج لا تطيق فهم الكثير من علم البيض، وليس من قبيل المصادفة أن تحمل جميع هذه المدارس أسماء حصون عسكرية أو "قديسين"، ومن الإفراط في تسخير التلاميذ أصبح دخل المدارس يفوق نفقاتها السنوية بأربعة أضعاف! وللقارئ-كي يتصور فداحة هذا العذاب-أن يزور مدرسة ابتدائية؛ ويتخيل أطفالها يؤدون عملاً شاقاً، ثم لا يكون طعامهم جيداً بل رديئاً وملوثاً، وله بعد ذلك أن يبحث عن مصداقية لما يقوله الغرب عن حقوق الأطفال والعمال.

ولأن هذه المدارس كانت معسكرات في حقيقتها، فهي خاضعة للنظام العسكري في العقوبة على أي "جريمة"، وأعظم جريمة وأخطرها هي أن يتكلم الهندي بلغته الأم-فهل يسمع الراطنون؟ -، وتشمل العقوبات التعرية وتقنيع الرأس، والحبس الانفرادي، والتحرش الجنسي، واستخدام الكلاب، وإجبار الطفل على لعق قيئه إن لم يقبل الطعام الرديء.
وأجبرت هذه المدارس تلاميذها على الاحتفال بعيد كولومبوس منذ عام(1892م)؛ وأي مرارة يجدها الطفل وهو يحتفل بذكرى احتلال أرضه وإبادة أجداده؟ ولذا فالهروب من المدرسة هو أعذب أماني الأطفال، ومن لم يفلح حاول الانتحار فردياً أو جماعياً، وبسبب انتشار موات الطلاب فقد سُّخر التلاميذ لحفر القبور في المقبرة الملحقة بكل مدرسة، وكان نجار المدرسة لا يتوقف عن صنع توابيت الأطفال! 
ولعمر الله إن هذا الفصل لكئيب مظلم بيد أنه يكشف جانباً من شخصية المحتل لمن شاء أن يعي.

أما آخر الفصول فعنوانه حصاد الأرواح، فلم تكن استباحة الجسد إلا بداية لما بعدها، وقد جهد البيض لتبديل دين الهندي، وكان المعلم يتلو الصلوات الدينية أمام التلاميذ وهم يرددونها بلا فهم لمعناها، وتضمنت مناهج المدارس في أول نشأتها تعليم اللغة العبرية، وحفظ مقاطع طويلة من التوراة، وفي النهاية يحول الغزاةُ التلاميذ المتنصرين إلى عملاء، وهذا جزء مما يفعله المحتلون بدين الناس مع أنهم بارعون في التباكي على الحقوق الدينية وحرية المعتقد.
ولأن تاريخ أمريكا غاص بالإبادة الثقافية فقد مارست حكومتها ضغوطاً شديدة لمنع الإشارة إلى الإبادة الثقافية في ميثاق جنيف، ولم يشر إليه إلا بعد أربعين عاماً؛ وبعد إضافات أفرغته من محتواه.

انتهت الفصول القصيرة عند الصفحة(154)؛ لكنها فصول مليئة بما يجلب الهم، ثم يرفع الوعي، وقد يقود إلى المقاومة حتى لا نصبح في يوم قادم أمة بلا هوية.
وبعد هذه الفصول أضاف الباحث الجاد وثائق بعنوان مميز "مشاهد من أحشاء الوحش"-والعكش أديب يجيد سبك العبارة واختيار العنوان-وقد التقط هذه الوثائق من سجلات رسمية صرم سنوات طويلة وهو ينقب فيها، وعانى من قراءة خطوطها الرديئة أحياناً، وفهم لغتها القديمة المندثرة، بيد أن نهمه المعرفي أمده بنشاط وصبر؛ فضلاً عن إحساسه تجاه أمته المبتلاة بذات السيناريو، وأشار إلى أن ترتيب الوثائق غير مقصود، ومن الموافقات أن هذه الوثائق تحكي حقائق مخالفة للرواية الرسمية الأمريكية؛ بل وتنقضها تماماً.
وشملت الوثائق وصفاً للمذابح، وعمليات القتل والسلخ وقطع الأعضاء، وجمع الرؤوس بعد سلقها لإجراء بحوث علمية عليها! وكذلك حصار الحصون وإحراقها في منظر بديع كما تصفه الوثيقة!
ومن الوثائق إعلانات عن جوائز مقررة لمن يقوم بعمل يساند الاحتلال كأسر الهنود، أو سلخ فروات رؤوسهم، وكم من إعلان يجلب الغثيان والقرف.
وتتحدث وثيقة عن شوي أجساد الضحايا وأكل البطاطا المطبوخة بشحم بشري، وتتحسر وثيقة أخرى على قلة عدد الجنود؛ ولذا لم يتمكنوا من زيادة عدد القتلى، وأما إتلاف المحاصيل الزراعية، وحرق البيوت والقرى، فأمر كثير الورود في هذه الوثائق التي تدين البيض.

وفي نهاية الكتاب ملحقان؛ فالملحق الأول بعنوان مدنوهم ببندقية؛ وهي من أناشيد الجيش الأمريكي، والبندقية سلاح متغير بيد أن عقيدة الجيش الأمريكي ثابتة باقية، ومن التمدين ما طالب به أمريكي مقاتل في العراق بأن يُكفن المسلمون برقائق الخنزير! والعقيدة الحربية الأمريكية تقوم على أن "الآخر" جنس وحشي، وعرق منحط لا مناص من إبادته أو تمدينه، وأن وجوده في الحياة لا يخرج عن منفعتين اقتصاديتين للعالم القوي: إما مستهلكاً لمنتجاته، أو يداً عاملة مسخرة لنفع الأبيض. ويعتبر البيض أن الأراضي المسكونة من غيرهم مساحات بور، وأن اجتياحها تحرير وليس احتلال!

ومن افتراء الأمريكان الكذب الرئاسي على الشعب، فالرئيس مكنلي تحدث مع الله قبل حرب الفلبين، وبوش الابن تلقى أمراً مباشراً من الله لغزو العراق-تعالى الله عن إفكهم وما يفترون-وقد ذكر فريدريك تيرنر فيلسوف الثغور الحربية أن قدر الأمريكان هو ألا يطفئوا حرباً إلا بنار حرب جديدة!
وتعبر قصة رمزية عن النظرة التجارية وراء الحرب والسلاح الأمريكي، حيث تاجر رجل ببيع الأحذية في بلد أهله حفاة، بيد أنهم لم يبتاعوا منه لانتفاء حاجتهم للانتعال! فزرع صديقه الأرض شوكاً ساماً فهرع الناس لشراء الحذاء راغمين، وكم من بائع وحذاء وشوك ومشتر، والله المستعان.

وأفاد البيض من مبدأ التطور الذي ابتدعه دارون وقضى على الضعيف بالانقراض الطبيعي، وأصبح الأنكلو سكسون يرون غيرهم أعراقاً جديرة بالفناء لأنهم منحطون لم يتموا مسيرة التطور، فانقراضهم أولى حفاظاً على النوع الإنساني؛ خاصة من لم يستجب لعمليات التمدين القسري.
 وطبق الإنكليز رؤيتهم في قارتين هما أمريكا وأستراليا، وكادت الصين أن تغرق بحرب الأفيون.

وفي الهامش قلل المؤلف من كتاب هنتغتون عن صدام الحضارات، واعتبر أن هنتغتون ليس له ولا لكتابه وزن أكاديمي، وقد رفضت مؤسسات أكاديمية انضمامه إليها على اعتبار أنه كاتب مشعوذ! ففكرة أمريكا منبثقة من عقيدة عنصرية قبل هذا الكتاب ومؤلفه. 
كما وضع المؤلف في الهامش روابط لدراسات تثبت وجود علاقة وثيقة بين الجيش الأمريكي وأعمال التبشير. وقارن بين ضحايا الأمريكان وضحايا غيرهم؛ واستنتج بأن ضحايا الجيش الأمريكي رقم ينحني له الطاعون الأسود تواضعاً! وفي هوامشه يؤكد على أن الأنكلوسكسونية كذبة بيولوجية لا أساس لها في الدراسات العرقية.

والملحق الثاني بعنوان افتراس قارة، وهو يحكي باختصار ما فعله الإنكليز بشعب أستراليا الأصلي حيث كرروا جرائمهم مع الهنود الحمر، وسمة العدوان الأنكلوسكسوني متكررة بدرجات متفاوتة في أيرلندا وقارات أمريكا وأستراليا، وفي الفلبين والعالم الإسلامي.
ومنذ وصل الإنكليز إلى شواطئ قارة أستراليا في 12 يناير 1788م شرعوا في عمليات الإبادة؛ فلم يبق من السكان الأصليين في إحصاء عام(1911م) سوى (31) ألف إنسان مع أن مساحة أستراليا أكثر(37) مرة من مساحة بريطانيا؛ وشعب أستراليا الأصلي مشهور بارتفاع نسبة تكاثره.

واستثمر المحتلون مرة أخرى نظريات دارون، واعتبروا الشعوب الأصلية هم الحلقة المفقودة بين الإنسان والقرد، ولأن البقاء للأصلح فقد صاغوا قوانين طبيعية تطبق عقيدة الاختيار الإلهي التي يزعمونها، وبموجبها أبادوا أمماً وشعوباً. واستخدم المحتل وسائل إبادة متنوعة لإفناء السكان الأصليين إلى درجة دس السم في دقيق الإعاشة! وظلت عمليات خطف أطفال أستراليا عملاً قانونياً حتى عام (1963م) حيث خُطف خلالها (90%) من أطفال القارة، وهذا الملحق المليء بخبر الإبادة جدير بأن يكون فصلاً في كتاب المؤلف المؤلم الذي سبق استعراضه: 
أميركا والإبادات الجماعية: حق التضحية بالآخر.


إن إشاعة هذا التاريخ المخزي للمحتلين البيض من التعاون على البر والتقوى، فهو يرفع الوعي، ويزيل الغشاوة، ويفضح تاريخ أمريكا وبريطانيا، وربما يسهم في تخفيف ولَه بعض المفتونين بتلكم الحضارة، وعسى ألا يكون أبناء أمتنا كغالب الشعب الفلبيني الذي يهيم بأمريكا؛ مع أنها أجرمت في بلادهم بأعمال قد يستحي من بعضها الشياطين والمردة، فلأمريكا أكثر من "هولوكوست" تربو على ما فعله النازيون؛ لكن ضحاياه لا بواكي لهم.


الأربعاء، 5 نوفمبر 2014

أمريكا.. ذات الإبادة! 1/ 3

أمريكا.. ذات الإبادة! 1/ 3




قراءة أحمد العساف

كم يؤلمنا الوضع المتردي للوعي عند بعض أبناء أمتنا، ومن تدني مستوى الوعي الانبهار بمنظومة الحقوق التي تدعي أمريكا رعايتها؛ وتشن الحروب لأجلها، فإذا عجز الناس عن قراءة التاريخ واستيعابه؛ أفلا يبصرون الواقع المظلم للتدخلات العسكرية الأمريكية في أكثر بلاد المسلمين؟

وهذا كتاب يحكي شيئاً من التاريخ الذي مضى بأحداثه ورموزه؛ بيد أنه باقٍ عبر ثقافة تحرك أعظم قوة في عصرنا، ويُعاد استنساخه في بقاع أخرى، فضلاً عن وجود آثاره تحت المباني الحكومية الأمريكية شاهدة على جريمة عظيمة حاول المنتصرون طمسها، أو تزويرها، فما استطاعوا وإن ظلت غائبة أو منقوصة أو مشوهة طوال قرون مضت.


عنوان الكتاب المقصود: 
أميركا والإبادات الجماعية: حق التضحية بالآخر
تأليف: منير العَكش، وصدرت الطبعة الأولى منه عام(2002م) عن دار رياض الريس للكتب والنشر،
ويقع في مئتي صفحة من القطع المتوسط، ويتكون من مقدمة، وسبعة فصول، وملحقان، ثم تعريف بالمؤلف، وفهرسان للأعلام والأماكن، والأماكن مشبعة بالذكريات الأليمة؛ فكل بقعة تذكر بشيء!

بدأ المؤلف مقدمته بنقل عن أحد نشطاء الهنود الحمر، ذكر فيه أن أول ما يفعله المنتصر هو محو تاريخ المهزومين، ثم ذرف الدموع على الضحايا! وربط الهندي بين جلاد قومه وجلاد الفلسطينيين؛ فهو جلاد واحد يرى نفسه مقدساً؛ وينطلق من ذات العقيدة.

ثم أشار الباحث إلى قصة "توماس مورتون" الإنجليزي الخليع الذي اندس وسط "الحجاج" الإنكليز الذين أسسوا مستعمرة بليموث مع أنه مخالف لأفكارهم وأخلاقهم، حيث وضع كتاباً بعنوان" كنعان الجديدة الإنكليزية"، يمثل شهادة تاريخية أنصف فيها الهنود.
وقد اعتقلته سلطات الاحتلال مرتين؛ وشحنته مقيداً بالأغلال لإنكلترا، لكنه تمكن من الفرار والعودة إلى العالم الجديد، وفي المرة الأخيرة أتم تأليف كتابه؛ ثم قبض عليه ومات حسيراً في سجنه عقابًا له على بيع السلاح للهنود، وعلى نشر هذا الكتاب الذي كشف أخلاق "العبرانيين" في إبادة كل من يصفونه بالهمجية من "الكنعانيين" بعد استباحة أراضيهم ونهب خيراتهم-والوصف بالهمجية جاهز عند البيض، ويوزع مجاناً على الضحايا والمستهدفين-.

واستقرأ المؤلف خمسة ثوابت رافقت التاريخ الأمريكي منذ النشأة حتى اليوم، وحددها كما يلي:
1- المعنى الإسرائيلي لأمريكا.
2- عقيدة الاختيار الإلهي والتفوق العرقي والثقافي.
3- الدور الخلاصي للعالم.
4- قدرية التوسع اللانهائي.
5- حق التضحية بالآخر.

واعتبر د. العكش أن كتابه شهادة تاريخية، وتعجب من إحجام العرب المقيمين في أمريكا عن الإدلاء بها! 
والذي قاده للتعمق في بحث المسألة الهندية أنه عثر بالمصادفة على كتاب توماس مورتون في مكتبة الكونجرس، وحين بدأ رحلته البحثية توجه إلى مكتب الشؤون الهندية المرتبط بوزارة الداخلية الأمريكية، واكتشف أن معلومات المكتب حكومية تخفي الحقيقة وتزور التاريخ؛ ولذا قطع الصلة بهم حتى لا يلحق بمورتون!
 وتوجه إلى أصدقاء الحركة الهندية لتنكشف له الحجب عن حقيقة مرة ومخيفة. واهتم العكش بهذه المسألة كما لو كان أحد أجداده هندياً! والسر الذي جذبه للاهتمام بتاريخ هنود أمريكا أنه يرى-وهو العربي الأصيل-ذات التجربة تكرر في عالمه العربي والإسلامي وما من نذير أو صريخ!

عنوان الفصل الأول: الوباء البديع، وقد سُّطر بحروف تقطر دماً، ولها رائحة الموت، وصوت أنين الجرحى، حيث أورد المؤلف قصة وصول البيض للعالم الجديد في القرن السادس عشر وإبادة(112) مليون إنسان على الأقل ينتمون لأربعمئة شعب لم يتبق منهم في إحصاء عام (1900م) سوى ربع مليون!
ومع ذلك فقد غابت هذه الجرائم عن كتب التاريخ الأمريكية الرسمية، ومن فرط اللؤم والاستخفاف أن نصبوا تمثال امرأة هندية فوق قبة الكابتول وصيروه رمزاً للحرية، ولو نطقت الأرض التي تحته لأبكت السامعين من تنكيل جرى لأهل هذه المرأة قتلاً، وسلخاً لفروات الرؤوس، وصلماً للآذان، وبقرَ البطون، وذبحَ الرضع بهشم رؤوسهم، فضلاً عن إحراق الأرض، وسرقة الثروات، وإهلاك الحرث والنسل، وطمس الثقافة، وبعض هذه الجرائم سوغها قانون أقره الكونجرس بعنوان حماية الهنود!

ومن تفنن البيض بصنوف القتل أن جلبوا معهم الجراثيم ونشروها، ثم نسبوا الموات المتتابع لعامل الطبيعة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء الجواب عن سبب إصابة الهنود فقط دون البيض بالأوبئة؛ حتى قال دارون في مذكراته:" حيثما خطى الأوربيون مشى الموت في ركابهم إلى أهل البلاد"، وألف هوارد سيمبسون كتاباً عن دور الأمراض في التاريخ الأمريكي، علماً أن المحتل الأبيض نشر(93) وباءاً ضمن حملته العسكرية حصدت أرواح الهنود وأنهكت قواهم، وهذا يفسر هلع الأمريكان من الجمرة الخبيثة، ومن أي حرب جرثومية، وربما يفسر سبب انتشار الأوبئة مؤخراً!

الفصل الثاني عنوانه: هذا الجنس اللعين! فالمحتل الأبيض ينظر إلى عمليات الإبادة التي صاحبت توسعه في الغزو على أنها "أضرار هامشية " استلزمتها أعمال نشر الحضارة وتمدين الأمم المتوحشة.
ومن هذه الأعمال التي يستلزمها "التمدين": 
خطف الأطفال وبيعهم؛ والمختطف أحظى وأغلى عندما يكون فتاة، وحرق البيوت أمام عيون ملاكها، وإتلاف كميات ضخمة من المحاصيل الزراعية، والإسراف في الذبح حتى أن بعض الجثث لم تجد من يدفنها، ومن القهر المضاعف أن تمويل عمليات الإبادة يكون غالباً من عوائد بيع الأطفال والنساء؛ فيكون الطفل ثمناً لسلاح أفنى أهله، وإن تمديناً هذه وسائله لأمر لم يخطر على بال عتاة مجرمي التاريخ؛ فلم يقلها هولاكو ولا جنكيز خان ولا أضرابهم من السفاحين؛ بل لم يجرؤ قاتل على وصف الذبح بأنه أضرار هامشية!
ومع أن المحتلين الأوائل اقترفوا هذه العظائم إلا أن الثقافة الأمريكية تضفي وصف القداسة عليهم، وتسميهم الحجاج الأوائل! 
وأكثر الآباء التاريخيين لأمريكا قتلة برابرة؛ مع أن صورهم على الدولار تظهرهم فرساناً نبلاء، وغالب الرموز السياسية والعسكرية في التاريخ الأمريكي قتلة دمويون، حيث ترتبط بعض المجازر والمذابح بهم، ولفريق منهم ولع في التمثيل بالجثث، ولغالب هؤلاء الرموز حضور في الثقافة الأمريكية، وصور على الدولار، وتماثيل وميادين ومدن تسمت بأسمائهم، ومن لم يشارك في هذه الجرائم بيده فقد أيدها بلسانه وقلمه؛ واعتبرها عملاً لا مفر منه، ولأجل تزيين صورة هؤلاء فقد تم إخفاء بعض الكتب حتى من قوائم مكتبة الكونجرس!

وأما الفصل الثالث فيسأل:
من المتوحش؟ 
حيث نقل عن كلاوس كنور في كتابه الخاص بنظريات الاستعمار الإنكليزية أن الإنكليز-والأمريكان لاحقاً-هم أكثر القوى الاستعمارية ممارسة للإبادة، وأن هدفهم هو إفراغ الأرض من أهلها، وتملكها ووضع اليد على ثرواتها. 
ورأى المؤلف أن مسيرة الإنكليز في الذبح تؤازرها عقيدة الاختيار والتفوق؛ ولذا فهم يملكون حق تقرير الحياة والموت لغيرهم خاصة أنهم يعتبرون الآخرين أعراقاً منحطة أو مخلوقات متوحشة لا تنتمي للنوع الإنساني، وألبسوا جرائمهم المقززة لبوساً دينياً بجعلها تدبيراً إلهياً مباركاً، ولتسويغ القتل نشروا أكاذيب مضحكة عن ضحاياهم لنزع أي رحمة قد تطرأ على قلوب الجنود، ومن هذه الأكاذيب أن الشعوب المستهدفة كائنات نصفها بشر ونصفها وحش، وأنهم يأكلون أولادهم وأزواجهم.

وتعمد الغزاة قتل الأطفال والنساء لمحو مستقبل الهنود، ومتابعة القتل بدون توقف لحماية حضارة الإنكليز، وفي شهادات المستعمرين الأوائل كانوا يسخرون من خلو ثقافة الهنود الحربية من عنصري القتل والتوسع.
ومن فظائع جيش الاحتلال زرع جانبي الطريق المؤدية إلى مقرات الزعماء بالرؤوس المقطوعة لبث الرعب في قلوب سالكيه من الهنود. ولأن القتل، والسلخ، والصلم، صار مهمة تجارية فقد تولت شركات خاصة كبر هذا الإثم بالتعاون مع جيش الاحتلال، وأثرت من وراء هذا العمل ثراءً فاحشاً، وأصبح خبر الرؤوس المقطوعة معتاداً في الصحافة البيضاء دون نكير.
ولنا بعد أن نتخيل هذه الفظائع أن نتأمل قول أحد "الأبطال": لقد كنا نتسلى! ولا غرو فالهندي الصالح هو الهندي الميت كما قال أحد المحاربين.
وكان الهنود المساكين لطفاء مع الإنكليز الوافدين-المحاربين لاحقاً-قبل أن يفهموا أن اللطف معهم انتحار، وأنه لا مقياس للأخلاق عند المحتل سوى مصالحه، ولذا فسينبذون أي تعهد، ويخلفون أي وعد، بمجرد تعارضه مع مصلحتهم، فالكرم الذي يلقاه الأبيض من الهندي لا تفسير له في ثقافة البيض سوى الذلة والخنوع.

وكتب فرانسيس باركمن أشهر مؤرخ أمريكي في عصره بأن الهنود بشر وذئاب وشياطين في آن واحد، وأن فرض الحضارة أمر يستأهل القتل والإبادة، وعبارة "الأمر يستأهل" استخدمتها العجوز مادلين أولبرايت وزيرة خارجية أمريكا في تعليقها على مقتل مئات الآلاف من أطفال العراق إبان الحصار الأمريكي-الإنجليزي، ومع ذلك فلا يزال بعض المخدوعين أو المتخادعين يذوب خجلاً من عملية قتل محدودة ينفذها مسلم، ويغفل المسكين أنه أمام أناس قتلة سفاكين في تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم مالم تستيقظ الشعوب الضعيفة.
ويحتفل كل بيت أمريكي بعيد الشكر، وهو عيد ديني وطني أقدس من غيره حتى من عيد الاستقلال، وفيه يذبح الأمريكان ثلاثين مليون "تركي" قرباناً واحتفاء بأسطورتهم التاريخية، فهل يعلم القارئ أمة تتخذ من ذكرى قتل البشر، ومحو الحضارات، ونهب الثروات، يوم عيد وفرح واجتماع عائلي نادر الحدوث في المجتمع؟ وأي تطامن نحو الحضيض يسير فيه أقوام هذه أعيادهم؟
ولا يظنن أحد أن جرائر الجنود منبتة عن صانع القرار الأمريكي، فقد اعترف أحد قادة حرب فيتنام أن أعمال القتل تمت وفقاً لأوامر مكتوبة من قمة الهرم الحكومي، وعندما قررت أمريكا الخروج من فيتنام كان التوجيه صريحاً بإنقاذ السادة أصحاب البشرة البيضاء فقط دون غيرهم من العملاء والمرتزقة والخونة الملونين، وحين أقلعت طائرة الهيلوكبتر الفارة من سطح السفارة الأمريكية أبدى القنصل هنري بودرو ارتياحه لأن حشود "المتعاونين" التي خلَّفوها لتواجه مصيرها لا يوجد بينهم وجه أبيض! وليت شعري أيقرأ الملونون "المتعاونون" هذا الكلام؟!

كمائن الاتفاقيات هو عنوان الفصل الرابع، فالاتفاقيات في سياسة الغزاة وسيلة إبادة مثل القتل والأوبئة، وغايتها التخدير والتخذيل ثم نقضها حين تبدو مصلحة مخالفة لها، ومن التجارة الخاسرة أن المحتل استخدم بعض الهنود الذين خانوا شعوبهم، وبعد أن انتهت فائدتهم قتلهم أو خلى بينهم وبين المقاومة التي تتحين الفرصة للانتقام منهم؛ وهي سياسة أمريكية مستمرة مع كل خائن.

عنوان الفصل الخامس اقتل الهندي واستثن الجسد، حيث تواكب التذويب الثقافي مع حفلات القتل والسلخ، وعمد الغزاة إلى صياغة جديدة لوعي الشعب الهندي وثقافته وأخلاقه ومسلماته، ولا حرج في أن يعرف الهندي كل شيء إلا ذاته وتاريخه الحقيقي. ومن الصياغة الجديدة لثقافة الهندي نسف تقليد الملكية الجماعية عند الهنود واعتماد الملكية الفردية، ومنع الأطفال من التحدث بلغتهم، أو ارتداء ملابسهم، أو ممارسة شعائرهم، أو حتى تزيين شعورهم وفق موروثهم-وللشَّعر قيمة عظمى عند الهنود-.

وختمت عمليات التذويب الثقافي بإجبار كل الهنود على حمل الجنسية الأمريكية عام (1924م)، وبعد عشر سنوات أقر الكونجرس الأمريكي في 18 يونيو 1934م تكوين سلطة محلية باسم "مكتب الشؤون الهندية" وألحقها بوزارة الداخلية لتتولى تنفيذ خطة التذويب الثقافي، ويشَّبه الهنود هؤلاء العملاء العاملين بمكتب الشؤون الهندية بالتفاحة لأنها حمراء الظاهر بيضاء الباطن-وعليه فالعملاء في عالمنا يشبهون الباذنجان أو البطاطس! -.

ونبه المؤلف في الهامش إلى خطأ وصف جميع الأمم التي كانت تقطن في الأرض التي تحتلها أمريكا بأنها هندية، حيث اسُتخدم هذا الاصطلاح نتيجة الظن الخاطئ-أو المقصود-بأن كولومبوس قد وصل للهند، وصهر الاستخدام الجزافي لهذا المصطلح الاختلافات الثقافية بين أربعمئة شعب وأمة، وفرضها التاريخ المنتصر حتى غدت مسلمة يصعب تجاوزها، بينما هي أكبر كذبة اصطلاحية عنصرية في تاريخ الإنسان كما يقول المؤلف الذي أفرد كتاباً خاصاً عن الإبادة الثقافية سأعرضه لاحقاً.

ويجزم المؤلف بأن وجود قوة أخرى منافسة كالاتحاد السوفيتي حد من الغلو الأمريكي، ومن الإفراط في التدخل في شؤون البلدان خاصة الإسلامية، ونقل أن أمريكا تورطت في أكثر من مئتي مغامرة عسكرية في جميع القارات بدءاً من عدوانها على الأرجنتين عام (1890م).

المعنى الإسرائيلي لأمريكا هو عنوان الفصل السادس، ويؤكد الباحث فيه بأن أمريكا تطبيق لفكرة إسرائيل التاريخية، وأن يهود الروح أشد حرصاً على ذلك من يهود اللحم والدم. وقد سمع المؤلف بأذنيه أربعة رؤساء (ريغان، بوش الأب، كلينتون، بوش الابن) يستخدمون في مناسبات مختلفة رمزاً لأورشليم ولصهيون يصفون به أمريكا، وهو رمز ذو دلالة مهمة، ومعبرة: مدينة على جبل City Upon a Hill ، وقد اعتبر بعضهم ما نزل على موسى –عليه السلام- من ألواح شبيه بما نزل على قلب واضعي الدستور، ويتفق في ذلك الأمريكيون حتى لو لم يكونوا متدينين، وكان الرئيس جفرسون من أبلغ المتحدثين عن المعنى الإسرائيلي لأمريكا.

ومن النظريات المشتركة بين أمريكا وإسرائيل "القضاء والقدر الجغرافي" حيث لا تعترف الدولتان بحدود لهما، وأصبح "القدر المتجلي" عقيدة توسعية تبيح للعرق الأبيض كل شيء دون رادع أو وازع، وكانت هذه العقيدة دافعاً لتخوض أمريكا الحربين العالميتين!
وللمؤلف كتاب خاص عن هذا الموضوع عنوانه تلمود العم سام سأحاول استعراضه في المستقبل.
وتقوم فكرة أمريكا المشابهة لفكرة إسرائيل التاريخية على ثلاثة عناصر هي:
1-احتلال أرض الغير.
2-استبدال سكانها بآخرين غرباء واستعباد من يظل حيا من أهلها.
3-استبدال ثقافتها وتاريخها بثقافة المحتلين وتاريخهم.


وآخر فصل بعنوان باراباس اليانكي 
حيث نقل المؤلف عن القس جورج بوش جد الرئيسين بوش في كتابه "حياة محمد"-وهو مليء بالافتراء-أهمية طرد المسلمين وتدمير بلادهم تمهيداً لعودة اليهود، ويدور هذا الفصل على إبادة وعي المقاومة، وتعطيل العقل، وكم يبوء بهذا الإثم من أفراد وهيئات ومرجعيات!

وفي خاتمة الكتاب ملحقان
أحدهما ينقل خطبة مؤثرة عرفت ب "خطبة الهندي الأحمر" وتنسب للزعيم الهندي سياتل، 
ثم ملحق بعنوان "الواهبون الهنود"، وفي آخره سطور تأكيد على ألم الهنود مما كتب عنهم في التاريخ الأمريكي، حتى أن الطفل الهندي يعود لبيته من مدرسته دامعاً مقهوراً.
وفي نهاية الكتاب نبذة مختصرة عن المؤلف المهتم بتاريخ الهنود وثقافتهم، وبظاهرة الصهيونية غير اليهودية، ويقيم في أمريكا، وهو أستاذ اللسانيات واللغات الحديثة، ومدير البرنامج العربي في جامعة سَفُك ببوسطن، وهو سوري المولد فلسطيني الاختيار؛ كما يحب أن يصف نفسه.

والحقيقة أن الكتاب قيم، وهوامشه ثرية جداً، ولا تكاد تخلو من إضافة، وقد أشار د. منير العكش إلى عدة كتب مؤلفة باللغة الإنجليزية أو غيرها، وهي مهمة وجديرة بالترجمة أو العرض على أقل تقدير لعلها تسهم في رفع الغشاوة عن أعيننا.
واللافت في كتاب العكش هذا وما تبعه عن ذات الموضوع أن معلوماته موثقة، فلا يذكر أمراً ذا بال دون عزو.
وبعض الإشارات والتعابير الواردة في هذه الشهادة ذكية ولماحة؛ لكنها قد لا تتضح إلا بمراجعة التاريخ، وتحتاج بعض المصطلحات إلى شرح ولو فعل المؤلف ذلك باختصار لكان حسناً، ويبقى أن ألمح إلى ما أشار إليه المؤلف من إمكانية تغيير "الهندي" إلى المسلم أو العربي أو الفلسطيني أو العراقي فلن يكون هناك كبير فرق، وبالمثل يمكن تشبيه "مكتب الشؤون الهندية" والعاملين فيه بما يقابله في الواقع العربي.