السبت، 13 يناير 2018

مقدمة ابن خلدون : في أن الظلم مؤذن بخراب العمران


مقدمة ابن خلدون  
في أن الظلم مؤذن بخراب العمران
 (الفصل الثالث والأربعون)

اعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها و مصيرها انتهابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها و تحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك وعلى قدر الاعتداء و نسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب.
إن كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته و العمران ووفوره و نفاق أسواقه إنما هو بالأعمال و سعي الناس في المصالح و المكاسب ذاهبين و جائين فإذا قعد الناس عن المعاش و انقبضت أيديهم في المكاسب كسدت أسواق العمران و انتفضت الأحوال اختل باختلاله حال الدولة و السلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة
و انظر في ذلك ما حكاه المسعودي في أخبار الفرس عن "الموبذان”: صاحبالدين عندهم أيام السلطان "بهرام"
أنكر الموبذان على الملك بهرام ما كان عليه من الظلم و الغفلة عن الدولة بضرب المثال في ذلك على لسان البوم : حين سمع الملك أصوات البوم , سأله
عن فهم كلامها فقال له الموبذان: إن بوما يريد الزواج من بوم أنثى وإنها شرطت عليه عشرين قرية من الخراب في أيام الملك بهرام فقبل شرطها، وقال لها: إن دامت أيام الملك أقطعتك ألف قرية!
فتنبه الملك من غفلته و خلا بالموبذان و سأله عن مراده فقال له :
أيها الملك, إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة و القيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره و نهيه و لا قوام للشريعة إلا بالملك و لا عز للملك إلابالرجال و لا قوام للرجال إلا بالمال و لا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل! و العدل ميزان منصوب بين الخليقة نصبه الربو جعل له قيما و هو الملك.
و أنت أيها الملك عمدت إلى الضياع فانتزعتها من أربابها و هم أرباب الخراج و من تؤخذ منهم الأموال, و أقطعتها الحاشية و الخدم و سومحوا فيالخراج لقربهم من الملك و وقع الحيف على من بقي من أرباب الخراج و عمار
الضياع. فانجلوا عن ضياعهم و خلوا ديارهم و أووا إلى ما تعذر من الضياع فسكنوها فقلت العمارة و خربت الضياع و قلت الأموال و هلكت الجنود والرعية و طمع في ملك فارس من جاورهم من الملوك.
فلما سمع الملك ذلك أقبل على النظر في ملكه و انتزعت الضياع من أيديالخاصة و ردت على أربابها و حملوا على رسومهم السالفة و أخذوا في العمارة و قوي من ضعف منهم فعمرت الأرض و أخصبت البلاد و كثرت الأموال عند جباة الخراج و قويت الجنود و قطعت مواد الأعداء و شحنت الثغور و أقبل الملكعلى مباشرة أموره بنفسه فحسنت أيامه و انتظم ملكه.
فتفهم من هذه الحكاية أن الظلم مخرب للعمران و أن عائدة الخراب فيالعمران على الدولة بالفساد و الانتقاض.
و لا تنظر في ذلك إلى أن الاعتداء قد يوجد بالأمصار العظيمة من الدول التي بها و لم يقع فيها خراب و اعلم أن ذلك إنما جاء من قبل المناسبة بينالاعتداء و أحوال أهل المصر فلما كان المصر كبيرا و عمرانه كثيرا و
أحواله متسعة بما لا ينحصر كان وقوع النقص فيه بالاعتداء و الظلم يسيرا،،لأن النقص إنما يقع بالتدريج فإذا خفي بكثرة الأحوال و اتساع الأعمال في المصر لم يظهر أثره إلا بعد حين و قد تذهب تلك الدولة المعتدية من أصلها
قبل خراب و تجيء الدولة الأخرى فترفعه بجدتها و تجبر النقص الذي كان خفيا فيه ،فلا يكاد يشعر به إلا أن ذلك في الأقل النادر و المراد من هذا أن حصول النقص في العمران عن الظلم و العدوان أمر و اقع لا بد منه لما
قدمناه و وباله عائد على الدول.فلما كان الظلم كما رأيت مؤذنا بانقطاع النوع لما أدى إليه من تخريب العمران، كانت حكمة الخطر فيه موجودة، فكان تحريمه مهما، و أدلته من القرآن و السنة كثيرة، أكثر من أن يأخذها قانون
الضبط و الحصر.
المصدر:مقدمة ابن خلدون (الفصل الثالث و الأربعون)


هناك تعليق واحد:


  1. رحم الله العلامة ولي الدين عبد الرحمان بن محمد ابن خلدون، مؤسس علم
    الاجتماع وواضع المقدمة الشهيرة والتي ترجمت لأكثر من مائتي لغة في العالم،
    بل وتحفظ له مخطوطة شهيرة في متحف فيينا وأخرى في براغ، مقدمته أبهرت
    الإنسانية وغيرت نظرة الانسان لتحليل الأحداث، من أقواله الشهيرة : "الفتن
    التي تتخفي وراء قناع الدين تجارة رائجة جداً في عصور التراجع الفكري
    للمجتمعات"
    "الحق لا يقاوم سلطانه، والباطل يقذف بشهاب النظر شيطانه، والناقل إنما هو
    يملي و ينقل، والبصيرة تنقد الصحيح إذا تمقل، والعلم يجلو لها صفحات القلوب
    و يصقل"
    "حينما ينعم الحاكم في أي دولة بالترف والنعمة، تلك الأمور تستقطب إليه ثلة
    من المرتزقين والوصوليين الذين يحجبونه عن الشعب، ويحجبون الشعب عنه،
    فيصلون له من الأخبار أكذبها، ويصدون عنه الأخبار الصادقة التي يعاني منه
    الشعب"
    وهو القائل أيضا : "إن العرب لا يتغلبون إلا على البسائط. وإن العرب إذا
    تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب"
    "أهل البدو أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر، والسبب في ذلك أن أهل الحضر
    ألقوا جنوبهم على مهاد الراحة و الدعة، وانغمسوا في النعيم و الترف ووكلوا
    أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم إلى واليهم"
    وهو أيضا القائل (وهي منحوتة باللغة اللاتينية على قوس النصر في باريس) "إن
    التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق"

    ردحذف