الجمعة، 26 يناير 2018

غزوة أحد بين الماضي والحاضر

غزوة أحد بين الماضي والحاضر


هناك مسلَّمات يجب على كل مسلِم أن يعرفها ويوقنَ بها، ومن هذه المسلَّمات أن الصراع بين الحق والباطل لا ينتهي إلى يوم القيامة، وأنه يتخذ أشكالاً متعددة، والمسلِم صاحب البصيرة يُدرك حقيقيةَ الصراع وأهدافه، ولا تتلبس عليه الأمور؛ لأن كثيرًا من الذين لا بصيرة لهم وأصحاب النظرة الضيقة يحسمون قضية الصراع بين الحق والباطل من الجولة الأولى؛ وذلك عندما يرَوْن تأخرًا في نُصرةِ الحق، ويزداد الأمر التباسًا عندما يرون ظهورًا مؤقتًا للباطل، ويشتدُّ التعقيد عندما يرون بعضًا ممن يُظَن بهم أنهم من أهل الحق قد انحازوا إلى الباطل وأهله، وأنقُل لكم صورة من صور الصراع بين الحق والباطل؛ لنستفيد منها في واقعنا المعاصر، هذه الصورة نقتبسها من مشاهد غزوة أُحُد في شهر شوال من العام الثالث من الهجرة؛ حيث استعد أهل الباطل بأموالهم وإعلامهم وعَدَدهم وعُدَّتهم للقضاء على الإسلام والمسلمين، والأخذ بالثأر بسبب الهزيمة غير المتوقعة في غزوة الفرقان - غزو بدر الكبرى - وقد سطر القرآن للأمة أحداث الغزوة في سورة آل عمران والأنفال، ومن خلال هاتين السورتين نكشف حقيقية الصراع القديم الحديث، ونأخذ الدروس والعِبَر، ومن هذه الدروس:
1- الصدُّ عن سبيل الله الهدفُ الأساسي لأهل الباطل:
أهل الباطل يحاولون دائمًا إيهامَ الناس أنهم أصحاب حضارة، وأنهم يبحثون دائمًا عن حقوق الآخرين، ولكن القرآنَ كشَف سترهم، وبيَّن حقيقة الدوافع الخفية لتحركاتهم؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال: 36، 37]، ولم ينحصرِ الأمر في إنفاق المال، بل هناك أداة أشد خطرًا، وهي الصدُّ بالأفواه عن سبيل الله، مستخدمين الأبواقَ الإعلامية وشيوخ السلطان؛ قال - تعالى -: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 8، 9].

ويأتي دورُ المنافقين - وهو الدور الأكبر - في الصدِّ عن سبيل الله؛ حيث يُطِلُّ على الأمة من حينٍ لآخر عبدُالله بن أُبَي ابن سلول وأعوانه، محاولين تقويض الأمة الإسلامية؛ حيث يتآمرون بنفاقِهم الفاجر، محاربين اللهَ ورسولَه والمسلمين، مظهرين الشفقة والخوف على الأمة، كما بيَّن لنا القرآنُ؛ قال الحسن: كانوا يأتون رسول الله، فيعتذرون إليه ويقولون: إنْ أرَدْنا إلا الحسنى، وما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا؛ (تفسير الرازي 8/107)، بل إن المنافقين يزعمون أنهم أصحاب عقيدة سليمة، متديِّنون بالفطرة، يؤمنون بالله ورسوله، بل الأدهى من ذلك أنهم يحاولون إفهامَ الناس أنهم أشدُّ إيمانًا من غيرهم، وجعلوا أَيْمانَهم الكاذبة وقايةً وسترًا لهم من افتضاح أمرهم، فصدوا الناسَ عن سبيل الله؛ قال - تعالى -: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 1، 2].

2- الأيام دُوَل .. يومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ:
﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140].

لقد أصاب المسلمين القرحُ في غزوة أُحد، وأصابهم القتلُ والهزيمة، أصيبوا في أرواحهم، وأصيبوا في أبدانهم بأذًى كثير، قُتِل منهم سبعون صحابيًّا، وكسرت رَباعِيَةُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - وشُجَّ وجهُه، وأرهقه المشركون، وأُثخِن أصحابُه بالجِراح، وكان من نتائج هذا كله هزةٌ في النفوس، وصدمةٌ لعلها لم تكن متوقعةً بعد النصر العجيب في بدر، حتى قال المسلمون حين أصابهم ما أصابهم: "أنَّى هذا؟"، وكيف تجري الأمور معنا هكذا ونحن المسلمون؟!

والقرآن الكريم يرُد المسلمين هنا إلى سنن الله في الأرض، يرُدهم إلى الأصول التي تجري وَفْقَها الأمور، فهم ليسوا بدعًا في الحياة; فالنواميس التي تحكم الحياةَ جاريةٌ لا تتخلف، والأمور لا تمضي جزافًا، إنما هي تتبع هذه النواميس، فإذا هم درسوها، وأدركوا مغازيها، تكشَّفت لهم الحكمة من وراء الأحداث، وتبينت لهم الأهداف من وراء الوقائع، واطمأنوا إلى ثبات النظام الذي تتبعه الأحداثُ، وإلى وجود الحكمة الكامنة وراء هذا النظام، واستشرفوا خط السير على ضوء ما كان في ماضي الطريق، ولم يعتمدوا على مجرد كونهم مسلمين؛ لينالوا النصر والتمكين، بدون الأخذ بأسباب النصر، وفي أولها طاعةُ الله وطاعة الرسول..، والسنن التي يشير إليها السياق هنا ويوجه أبصارَهم إليها هي:
عاقبة المكذبين على مدار التاريخ، ومداولة الأيام بين الناس، والابتلاء لتمحيص السرائر، وامتحان قوة الصبر على الشدائد، واستحقاق النصر للصابرين والمَحْق للمكذبين؛ (في ظلال القرآن: 1/450).

3- ترك الوهنِ.. والتمسكُ بشرف الإيمان:
قال - سبحانه -: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، لا يصحُّ لكم أيها المؤمنون أن تضعُفوا، أو تحزنوا، أو تستسلموا للوهن والحزن؛ فأنتم الأعلون بمقتضى سنَّة الله في جَعْل العاقبة للمتقين، وعلو كلمة الإسلام؛ التفسير الوسيط للزحيلي 1/240، 241).

وقال - تعالى -: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ [محمد: 35].

ينهى الله - تعالى - عباده المؤمنين أن يضعُفوا عن قتال أعدائهم من الكافرين، ويَدْعُوا الكافرين إلى الصلح والمهادنة، وهم الأعلون اعتقادًا وتصورًا للحياة، وأنتم الأعلون ارتباطًا وصلةً بالعليِّ الأعلى، وأنتم الأعلون منهجًا وهدفًا وغاية، وأنتم الأعلون شعورًا وخُلقًا وسلوكًا، ثم أنتم الأعلون قوة ومكانًا ونصرة، فمعكم القوة الكبرى: ﴿ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ [محمد: 35]، فلستم وحدكم، إنكم في صحبة العليِّ الجبار القادر القهار، وهو لكم نصير حاضر معكم، يُدافِع عنكم، فما يكون أعداؤكم هؤلاء والله معكم؟ وكل ما تبذلون، وكل ما تفعلون، وكل ما يصيبكم من تضحيات، محسوب لكم، لا يضيع منه شيء عليكم: ﴿ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 35]، ولن يقطَعَ منها شيئًا لا يصل إليكم أثره ونتيجته وجزاؤه، فعَلامَ يهِنُ ويضعف ويدعو إلى السَّلْم؟ من يقرر الله - سبحانه - له أنه الأعلى، وأنه معه، وأنه لن يفقِدَ شيئًا من عمله، فهو مُكرَم منصورٌ مأجور."؛ (أيسر التفاسير4/97، وفي ظلال القرآن 6/455، بتصرف يسير).

4- كيفية معالجة الأخطاء:
ترفَّق القرآنُ الكريم وهو يعقِّب على ما أصاب المسلمين في (أُحُد) على عكس ما نزَل في بدر من آيات، فكان أسلوب القرآن الكريم في محاسبة المنتصر على أخطائه أشدَّ مِن حساب المنكسر، فقال في غزوة بدر: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67، 68]، وقال في أُحُد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]؛ (دروس وعبر في تربية الأمة وبناء الدولة، د. علي الصلابي 6/208).

قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: ((لو خُيِّرت بين الهزيمة والنصر يوم أحد لاخترت الهزيمة))؛ لما في تلك المعركة من تربية وعظة وعبرة، أهمها أن مخالفة أمر النبي خروج على سنة الله في تحقيق الظَّفَر.

فها هي دروس الماضي تتجلى في مشاهد الحاضر والمستقبل؛ لكي تأخذ الأمة الإسلامية درس التاريخ، ولا سيما سيرة خير المرسلين - صلى الله عليه وسلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق