خلجات
رحم المعاناة
جرى على ألسنةِ كثيرٍ من الناس، لا سيما من وجد لنفسه مجالاً يظهر فيه ـ أو يتظاهر به ـ بين الناس، أن إبداعه وما وصل إليه إنما هو نتاج معاناةٍ وُلِدَ من رحمها، وتأثر بها، فأنتجت تلك المعاناةُ ذلك المبدع الذي قدّم نفسه على أنه صاحب إبداع.
والحقيقة أننا جميعاً ذلك الرجل، وإن اختلفت الظروف والمسببات والأرحام ومجالات التباهي، دون يقين إن كان الداعم حقيقةً أم وهماً.
إن الحياة بيومياتها، وظروفها وتقلباتها، تقذف بالإنسان من صلب الركود إلى رحم المعاناة، ليستقر في قرارٍ مكينٍ إلى قدرٍ معلوم.
وبعد أن يمكث فيه مدةً يظن معها أن هذا موضعه ومقامه، تضيق عليه الظروف، فينقلب حاله؛ فيدفع بنفسه خارج تلك المعاناة، أو تدفعه هي دفعاً، ليجد نفسه في حياةٍ جديدة.
وأول ما يعتريه حينئذٍ هو البكاء، وهو الأمر الذي فُطر عليه ألماً ووَحشةً من واقعٍ لا يدرك أبعاده، ولا يفقه مما يراه ويسمعه إلا حاجته إلى الطمأنينة والاحتواء.
ومع ذلك، يبتسم المحيطون به ممن سبقوه إلى هذه المرحلة، لإدراكهم أنها ليست نهايةً بل بدايةٌ جديدة. وبعد أيام تبدأ ملامحه في التشكل، وربما ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة، علامةً على التأقلم والراحة بعد المعاناة.
وهكذا هو الإنسان بعد خروجه من رحم الشدة التي مر بها.
غير أنني تساءلت في نفسي:
بما أن الإنسان منطقياً لا يولد للحياة إلا مرةً واحدة، فهل يكون إبداعه كذلك ذا ولادةٍ واحدة؟ أم أن لكل إبداعٍ ولادة، ولكل مجالٍ مخاضه الخاص؟
قد يكون الدخول في المعاناة أمراً لا يد للإنسان فيه، أما الخروج منها فإما أن يكون قراراً منه، وإما أن تخرجه الظروف دون اختيارٍ منه، كأن يأتيه الفرَج من العالم الخارجي. فالجنين قد يدفع بنفسه خارج الرحم، وقد يبلغ أجله فيه فيلفظه الرحم بانتهاء وقته، ليواجه الحياة وتتشكّل ملامح شخصيته وإبداعه بحسب مقدار تجربته، وما اكتسبه من فهمٍ وصبر، وما استقر في نفسه من ميول وما استثمر من مواهب.
وهكذا تكون المعاناة، بما تحمله من ألمٍ وضيق، رحماً يلد المبدعين كما يلد المدّعين.
وما إن يستقر الإنسان في مرحلةٍ من حياته، أو يبلغ طوراً من أطوار إبداعه، حتى يظن أنه قد استقر، وأن فكره قد نضج، وربما ظن أن عطاءه قد نضب.
غير أن التجارب والأقدار والاختيارات تعاود قذفه إلى رحمٍ آخر، يخرج منه ـ بعد ضيقٍ وألم ـ أكثر نضجاً، وأوسع عقلاً، وأرسخ حكمةً مما كان ، ليزداد عطاءً وعمق فكر.
ومن معاناةٍ إلى أخرى، ومن رحمٍ إلى رحم، يتنقل الإنسان في مسيرته الحياتية. وقد يجتمع عليه ـ مجازاً ـ رحمان في آنٍ واحد، أحدهما على صعيدٍ شخصي، والآخر على صعيدٍ فكري أو عملي، فتَلدُه الحياة بجلَدٍ وقوةٍ وعمق.
وهذه كلها تهيئاتٌ كتبها سبحانه وتعالى لعبدٍ أنعم عليه بالبصيرة، بعد ابتلاءٍ وصبرٍ ومصابرةٍ وحمدٍ ومرابطة؛ ليتهيأ لحمل ما أراد الخالق له أن يحمله من أعباء أهل الفضل والخير، والسير على مسلكهم، والاقتداء بخطاهم.
فيجري الله على يديه نفعاً، أو علماً، أو حسن تعامل، أو صبراً، أو إضافةً نافعةً للبشر، لا للتباهي والتشدق وادعاء المعاناة، وإن كانت معاناة كل إنسان على قدر أقداره وظروفه.
وأكاد أعتقد أن الإنسان ما إن يخرج من رحمٍ حتى يدخل في آخر، وما إن ينجو من معاناةٍ حتى يُقاد إلى أخرى، فيزداد مع كل تجربة عمقاً وإبداعاً، ويتأمل مراد الله منه، والحكمة المرجوة، والدرس المستفاد من تلك المعاناة ومن رحمها.
فما الحياة إلا رحلة تأملٍ دائم، وبحثٍ متواصل عن مرادات الله منا. ولعل حياة الركود والركون، ودوام النعم والتنعم، والبعد عن المعاناة، تكون في حقيقتها عين المعاناة؛ إذ قد تغرّ الإنسان بضبابيتها، وتخدعه بزخرفها وتدليسها.
فالحياة ليست صادقةً دائماً في هدوئها، ولعل أصدق ما فيها هو المعاناة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق