الثلاثاء، 19 مايو 2026

مقياسُ النَّجاح في التجربةِ الإِسلامية السوريةِ! تصويباتٌ منهجيةٌ في ظِلال الوَحي

مقياسُ النَّجاح في التجربةِ الإِسلامية السوريةِ!

تصويباتٌ منهجيةٌ في ظِلال الوَحي

 مضر أبو الهيجاء

يحاولُ توم براك ومن خلفه المشروعُ الأمريكيُّ المتصهينُ أن يجرَّ أهلَ الشامِ الكرامَ وثوارَها الأحرارَ من مساحةِ العملِ الإسلاميِّ الإصلاحيِّ النهضويِّ إلى مربعٍ آخرَ مختلفٍ في بواعثِه وتصوراتِه ومحدداتِه، بحيثُ يتحولُ المسارُ السوريُّ إلى مشروعِ علفٍ آدميٍّ مجرّد!

الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عنِ المنكرِ هو المقياسُ.

يقولُ سبحانهُ وتعالى في بيانِ خيريّةِ الأمةِ المرتبطةِ بالأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ:

﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾

إنَّ خيريّةَ الأمةِ هي علامةٌ فارقة، ولكنها ليست صفةً تكوينيةً ولا توقيفية، بل هي صفةٌ توفيقيةٌ مكتسبة، ترتبطُ بالقيامِ بأمرِ اللهِ في الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكر وفقَ ضوابطِه التي قررها العلماءُ من خلالِ الاستنباطِ لمعاني الوحيِ في القرآنِ والسنةِ وسيرةِ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلم، وسيرةِ مدرستِه الأولى التي جسدها الصحابةُ الأوائلُ المعدَّلونَ بنصِّ القرآنِ الكريم.

مقاصدُ قاصرةٌ ومعانٍ مضطربةٌ في الشامِ الحرةِ

جانبَ الصوابَ كلُّ من ذهبَ -بعد تحققِ التحريرِ في سورية- إلى القولِ بأنَّ الثورةَ قد انتهت، وأنَّ أهلَها انتقلوا من الثورةِ إلى الدولة!

وإذا كان الانتقالُ من الثورةِ إلى الدولةِ توصيفًا صحيحًا من حيثُ الشكلُ والأدواتُ والخطاب، فإنَّ مقصودَ الانتقالِ والتغييرِ من حيثُ الجوهرِ كارثي؛ إذ لا يوجدُ فرقٌ في الفلسفةِ الناظمةِ للعملِ الثوريِّ أو إدارةِ الدولةِ عند الرساليين، فكلاهما يستهدفُ بناءَ الخيرِ وهدمَ الباطل، الأمرُ الذي يجبُ أن يُفهمَ في إطارِ تغييرِ الوسائلِ والآلياتِ لتحقيقِ نفسِ الأهدافِ والغاياتِ النهائيةِ للثورةِ والثوار، ولكن من خلالِ وسيلةِ الدولةِ التي تُحقِّقُ قفزاتٍ أسرعَ وأكبرَ بعدَ منعرجِ الثورةِ باعتبارِها أداةً لتجاوزِ العقباتِ وهدمِ الأسوار وفتح الطُّرق.

تضخيمُ الأوهامِ وإضعافُ الحقائقِ والعبثُ في الأفهامِ.

إنَّ جوهرَ عمليةِ هدمِ الباطلِ أو بناءِ الحقِّ هو الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر.

وإنَّ التراجعَ المشهودَ في القيامِ بواجبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ في مسيرةِ الهدمِ والبناءِ في تجربةِ الشام الواعدة جاء نتيجة عدةِ أسباب، لعلّ من أبرزِها تضخيمُ إمكانيةِ استثمارِ الفلول لحركةِ المعارضةِ من أجل شلِّ الدولةِ السورية.

والحقُّ أنَّ هذه الشبهةَ ينفيها التمييزُ بين واجبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ الذي يقومُ به العلماء، وبين حركةِ المعارضةِ الشعبيةِ التي تُعبِّرُ عن رضى الناسِ تجاهَ السياساتِ القائمة.

وقد جاء في تفسير قوله تعالى: 

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم 

ما رواه السعدي: إن الله لا يغير ما بقوم من النعمة والإحسان ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها، وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة الله، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة.

وقال الجزائري: يخبر تعالى عن سنة من سننه في خلقه ماضية فيهم، وهي أنه تعالى لا يزيل نعمة أنعم بها على قوم من عافية وأمن ورخاء بسبب إيمانهم وصالح أعمالهم حتى يغيروا ما بأنفسهم من طهارة وصفاء بسبب ارتكابهم للذنوب وغشيانهم للمعاصي نتيجة الإعراض عن كتاب الله وإهمال شرعه وتعطيل حدوده والانغماس في الشهوات والضرب في سبيل الضلالات.

دورُ العلماءِ الربانيينَ والدعاةِ الرساليينَ هو الفيصل.

إذا كان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منوطا بالعلماء، وسببا في تحقيق الخيرية المكتسبة كما وصف الله بها الأمة المسلمة، فإن صوابية مسيرة الإصلاح والتغيير تظهر ابتداء في مقياس دقيق لا يخطئ مطلقا، وهو دور العلماء والدعاة في ميزان التقييم الشرعي على أرضية القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أراده الله أن يكون.

ولعل أهم عناوين ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو النقد الناصح، والذي يعكس مقصد البيان الشرعي كما وضحه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾.

التكاملُ الواجبُ بينَ العلماءِ والأتباعِ مؤشِّرُ تحقيقُ النتائِج.

إذا كان قيامُ العلماءِ بدورِهم الواجبِ في الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ دليلًا على استقامةِ الطريق، فإن تجاوبَ الأتباعِ خلفَ العلماءِ يُشكّلُ شرط النجاح، وذلك بتحققِ حركةٍ اجتماعية راشدة مسؤولة ومنتظمةِ الإيقاع، تُعبِّرُ عن وعيٍ جماعيٍّ سليمٍ يُدركُ أهميةَ التكاملِ بين القيادةِ العلمائية والحاضنة الشعبيةِ في مسيرةِ الإصلاحِ والتغيير، وهو ما يعجزُ عن منعِه معسكر الباطل.

الخلاصة

لن تستقيم مسيرة الإصلاح والتغيير على أرض الشام دون أن يقوم العلماء بدورهم الواجب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل واع راشد ومسؤول، فوق السلطة، وبعيدا عن اعتبار السياسات المرحلية المرتبطة بالحكومات.

كما لن تنجح مسيرة الإصلاح والتغيير في تحقيق الثمرات وإحراز النتائج دون تكامل بين دور العلماء الربانيين والدعاة الصادقين، وبين الإطار المجتمعي المتفاعل في سياق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنضبط خلف العلماء.

وبقدر ما يقوم العلماء بدورهم بقدر ما تتحقق سوية الطريق، وبقدر ما يتكامل الإطار المجتمعي خلف العلماء بقدر ما تتحقق الثمرات وتنجح التجربة.

إن ما ننشده ونتمناه ونسعى لتحقيقه على أرض الشام في ظل التجربة الإسلامية الواعدة هو دفع مراكب الإصلاح والتغيير لتبحر في الاتجاه الصحيح، الأمر الذي يوجب ضبط الأشرعة، وهنا تكمن أهمية النقد الناصح والتصويب في زمانه ومكانه الصحيح.

فهل سيلتقط العلماء الفكرة ويقومون بدورهم على النحو الكامل والصحيح؟ وهل سيبدع العاملون في سياق التجربة الإسلامية الشامية الواعدة وسائل ضبط وتوجيه وتفعيل للشرائح المجتمعية خلف العلماء وبالاتجاه الصحيح؟

إن الجواب على هذا السؤال هو ما ستجسده أفعال العباد، والله يقول:

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.

ويقول سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

مضر أبو الهيجاء بلاد الشام 16/5/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق