الجمعة، 22 مايو 2026

في انكشاف لعبة سرديات الصهاينة الزائفة وانهيارها

في انكشاف لعبة سرديات الصهاينة الزائفة وانهيارها

نيقولاوس فان دام

خلال سنوات عملي في وزارة الخارجية الهولندية، نشرتُ القليل عن فلسطين وإسرائيل، ليس أقلّه لأن هذا لم يكن ليُقبل في ظل القواعد السائدة آنذاك. فعلى الرغم من أن النشر كان مسموحاً به رسميّاً، كان على المرء أن يأخذ في الحسبان العواقب السلبية المحتملة، سيما عندما تنحرف النصوص عن السياسة الرسمية. وقد رأى بعض المسؤولين أن مسيرتهم المهنية تضرّرت بعد نشر مقالات اعتُبرت شديدة الانتقاد، بينما نجا آخرون، بمن فيهم أنا، من مثل هذه التداعيات.

في بداياتي داخل الوزارة، كان عليّ أن أعتاد على حقيقة أن التعبير عن التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يكن أمراً بديهيّاً، حتى وإن كان مبررّاً بالكامل. ففي أحد الاجتماعات المنعقدة في إطار الحوار الأوروبي- العربي في لاهاي، ألقى ممثل جامعة الدول العربية خطاباً حماسيّاً دعم فيه الفلسطينيين. وانفجر الحضور بالتصفيق، فانضممتُ إليهم بحماس. غير أنني، عندما التفتُّ بضع مقاعد إلى يساري، حيث كان يجلس رئيسي المباشر، رأيته ينظر إليّ بنظرة عتاب، فتصفيقي لم يكن يعكس سياسة الحكومة الهولندية، ولذلك ما كان له أن يحدُث.

في ذلك الوقت، كنت أعتقد أن ما هو سليم علميّاً أو أكاديميّاً لا يمكن الطعن فيه بصورة معقولة لأسباب سياسية. وقد تبيّن أن هذا الافتراض كان ساذجاً، فالتقارير التي كانت تُكتب بصفة مراقب يُفترض فيه الموضوعية حول تطورات الشرق الأوسط لم تكن تلقى دائماً ترحيباً عندما لا تنسجم مع الخط السياسي للوزير أو الحكومة. ولطالما واجهتُ صعوبةً مع الحالات التي لا تُبدي فيها الحكومة استعداداً للإصغاء بجدّية إلى آراء الخبراء. ففي هذه الحالات، كان الجهل يميل إلى أن يسود. أو ربما كان الأمر مجرّد تجاهل متعمّدٍ تدفعه دوافع سياسية أو انتهازية سياسية. وأحياناً ربما لم يكن المسؤولون الحكوميون مدركين جهلهم هم أنفسهم، إذ كان تفكيرهم مدفوعاً أكثر بالتعاطف والانحياز منه بالتحليل العقلاني. وقد تناولتُ لاحقاً هذا التوتر في محاضرة ألقيتها في جامعة لايدن بعنوان: "عدم أهمية البحث الأكاديمي في صنع السياسة الخارجية".

التعاطف مع القضية الفلسطينية لم يكن أمراً بديهيّاً، حتى وإن كان مبررّاً بالكامل

وأتذكر سفيراً هولنديّاً في بيروت كان، في سبعينيات القرن الماضي، يرفع تقارير موضوعية عن القصف الإسرائيلي للبنان. وكانت ردة فعل بعض الشخصيات الأساسية في الوزارة ساخرةً ومستخفّةً: "لقد فقد هذا الرجل صوابه تماماً". وعن دبلوماسي آخر كان قد زار مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان، قيل: "كأنه أصبح فلسطينياً بالكامل!".

في سنواتي الأولى في لاهاي، حين كنت أعمل في الإدارة السياسية لشؤون الشرق الأوسط، تلقّى وزير الخارجية مرّة طلباً غير مألوف. فقد سعى مهندس هولندي إلى الحصول على دعم مالي لمشروع يتعلق بغزّة، قدّمه بوصفه "مساهمة عملية" في حل القضية الفلسطينية. وبحكم شهرة الهولنديين في أعمال استصلاح الأراضي وتجفيف البحار، رأى أن بإمكانهم أن يؤدّوا دوراً خاصّاً في هذا المجال. وكان اقتراحه بسيطاً بقدر ما كان لافتاً: لماذا لا يتم إنشاء مساحة من الأراضي المستصلحة، تمتد على عدة كيلومترات مربعة، في البحر قبالة ساحل غزّة؟ ويمكن نقل فلسطينيي قطاع غزّة إلى هذه الجزيرة الاصطناعية الجديدة، ما يخفف الضغط السكاني، بينما يحصل المستوطنون اليهود في غزّة على مساحة أكبر.

وقد طُلب من إدارتنا إعداد ردٍّ على هذا المقترح. وتبعاً لقاعدة عامة، كانت كل رسالة تُوجَّه إلى الوزير، مهما بدت غير مألوفة، تستحق جواباً، ولو مجرّد إشعار مهذّب باستلامها. لكنني، بحكم قلة خبرتي الإدارية آنذاك، شعرتُ بأن هذا الاقتراح، الذي بدا لي غير واقعي تماماً، إن لم يكن مُشيناً، لا يستحق أي ردّ، وربما كان من الأفضل أن يُودَع بهدوء في أحد الملفات. ومن الناحية التقنية، ربما كان الاقتراح مثيراً للاهتمام، أما سياسيّاً فكان غير مقبول إطلاقاً. وكان يكفي فقط عكس المنظور. تخيّلوا اقتراحاً يقضي بنقل جميع اليهود الإسرائيليين إلى جزيرة اصطناعية قبالة سواحل إسرائيل لكي يتخلص الفلسطينيون منهم. عندئذٍ كان من المؤكد أن يُتَّهم صاحب الاقتراح بمعاداة السامية، بغض النظر عن حسن نياته أو افتقاره إلى الوعي السياسي.

غير أن رئيسي الأكثر خبرة كان له رأي مختلف. فقد اعتبرها فكرة مبتكرة تستحق ردّاً مهذباً، مقترحاً أن نشكر المهندس على ابتكاره، مع توضيح أن الوزارة لا تملك الموارد المالية اللازمة لتنفيذ هذا المشروع. وهكذا، وفي الوقت المناسب، أُرسلت رسالة مهذّبة بهذا المعنى باسم وزير الخارجية.

وفي عام 1978 وقع توغل عسكري إسرائيلي واسع في لبنان، وقد استخدمتُ في مذكرة داخلية مصطلح "الغزو" الإسرائيلي. غير أن رئيسي غيّره إلى "عملية"، لإعطاء الانطباع بأن ما يجري أقل خطورة مما هو عليه. وجدير بالذكر أن هذه "العملية" (مع بعض فترات الانقطاع) لا تزال مستمرّة، مترافقة مع عمليات قتل ودمار إسرائيلية واسعة. ولم يكن حزب الله موجوداً في ذلك الوقت؛ إذ لم يظهر إلا لاحقاً نتيجة الغزو الإسرائيلي لبنان عام 1982، تماماً كما تأسّست حركة حماس في ديسمبر/ كانون الأول 1987، بعد فترة قصيرة من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي.

المصطلحات مهمّة بطبيعة الحال، فقد كانت الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 تُوصَف في البداية في إسرائيل بأنها "الأراضي المحتلة"، ثم أصبحت تُسمّى "الأراضي المُدارة" أو "الأراضي المحتجزة"، ثم اختُزلت التسمية لاحقاً إلى مجرّد "الأراضي"، وكأن الاحتلال لم يعد قائماً. وفي الوقت نفسه، بدأ يُشار إلى الضفة الغربية المحتلة بأسمائها التوراتية: يهودا والسامرة. بل جادل رئيس الوزراء مناحيم بيغن، في اجتماعنا مع وزير الخارجية الهولندي كريس فان دير كلاو عام 1981، بأن الأمر لا يتعلق أصلًا بـ"احتلال"، قائلًا: "كيف يمكن لكم الحديث عن احتلال شيء هو ملك لكم أصلاً؟".

تخيّلوا اقتراحاً يقضي بنقل جميع اليهود الإسرائيليين إلى جزيرة اصطناعية قبالة سواحل إسرائيل لكي يتخلص الفلسطينيون منهم

أما النسخة الإنكليزية من قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242 لعام 1967، فتتحدّث عن "انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراضٍ احتُلّت في النزاع الأخير". فهي لا تشير إلى "الأراضي المحتلة" بصيغة التعريف، بل تستخدم تعبيراً عاماً ومبهماً هو "أراضٍ احتُلّت"، ما أحدث، في البداية، انطباعاً بأن إسرائيل قد لا تكون مطالبة بالانسحاب من جميع الأراضي التي احتلتها عام 1967. ومع ذلك، وبما أن القرار نفسه شدّد على "عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب"، فقد كان واضحاً أن المقصود هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل. وفي حل وسط، أُدخل غموض متعمَّد (ما يسمى الغموض البنّاء)، لأنه لولا هذا لما كان القرار قد اعتُمد.

ومن خلال الإبقاء سنوات على هذا الغموض بشأن ما إذا كان ينبغي لإسرائيل أن تنسحب بالكامل إلى حدود ما قبل 1967، أُتيحت لها تدريجيّاً فرصة الاستيلاء على الأراضي بصورة غير قانونية وإقامة المستوطنات من دون إثارة احتجاجات واضحة من المجتمع الدولي الغربي. وقد تجلّت حساسية هذه القضية في هولندا عندما جرى، في أوائل 1974، تعليق مهام الناطق باسم وزير الخارجية الهولندي، كريستيان توركوف، لأنه قدّم علناً تفسيراً غير مطابق للسياسة الهولندية، حين أوحى بأن على إسرائيل الانسحاب من جميع الأراضي المحتلة، الأمر الذي أثار انتقاداتٍ داخل مجلس النواب الهولندي.

بعد فترة قصيرة من حرب الأيام الستة، كان الموقف السائد في سورية على النقيض، ففي 1970، تحدثتُ في حلب مع أحد أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأشرتُ إلى "الأراضي المحتلة". ولأنه استنتج من كلامي أنني أعترف بإسرائيل، ردّ عليّ بشيء من الانزعاج قائلًا: "أي أراضٍ محتلة تقصد بالضبط: أراضي 1948 أم أراضي 1967؟". في ذلك الوقت، كانت وسائل الإعلام السورية تتحدث فقط عن "فلسطين المحتلة" و"الكيان الصهيوني". ثم ظهرت لاحقاً كلمة "إسرائيل" بين علامتي تنصيص. وفي نهاية المطاف، اختفت حتى هاتان العلامتان من الصحافة السورية. وكان هذا يعكس عملية تدريجية من تقبّل إسرائيل ضمن حدود ما قبل 1967.

وعندما رافقتُ وزير خارجيتنا فان دير كلاو إلى سورية عام 1978، سأل وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام نظيره الهولندي عمّا إذا كان يؤيد فكرة قيام دولة فلسطينية إذا كان الفلسطينيون أنفسهم يريدون هذا. 

وأضاف: أليست هولندا تعترف بحق الشعوب في تقرير المصير؟ فأجاب فان دير كلاو بالإيجاب، مؤكدًا أنه يؤيد فكرة الدولة الفلسطينية في تلك الحالة، وكان يعني ما قاله فعلًا. وقد دوّنتُ ذلك بأمانة في التقرير، غير أن رئيسي في الوزارة حذف هذه الفقرة "لأنه كان عليك أن تحمي الوزير من نفسه". 

فبحسب رأي رئيسي، على الأقل، كان من المفترض أن يأخذ الوزير في الاعتبار بالكامل الرأي العام الهولندي المؤيد بقوة لإسرائيل، رغم أنه كان يمتلك السلطة السياسية التي تخوّله اتباع خط مختلف. لكن رئيسي كان محقّاً من زاوية معيّنة، إذ كان يمكن أن يضرّ الاعتراف العلني، في ذلك الوقت، بفكرة الدولة الفلسطينية بصورة خطيرة بالموقع السياسي الداخلي للوزير في هولندا.

المشكلة لا تكمن في نقص بيانات الإدانة، بل في غياب القوة، أو بالأحرى غياب الإرادة لاستخدامها

وخلال فترة عملي في وزارة الخارجية، نشرتُ دراسات عن سورية والعراق، رغم أن القضايا التي تناولتها (الطائفية والعشائرية والإقليمية، وهي موضوعات أطروحتي للدكتوراه)، كانت شديدة الحساسية. وغالباً ما تُعدّ من المحرّمات في تلك البلدان. ومع هذا، بدا أن هذه المنشورات مرّت إلى حدّ كبير من دون أن تُلاحظ داخل وزارة الخارجية في لاهاي. أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فكان الوضع مختلفاً؛ إذ لم يكن النقد يُقبَل بسهولة، سيما في العلن. أما داخليّاً، فقد تناولتُ القضية بصورة أكثر مباشرة. ففي مؤتمر للسفراء عام 1984، ألقيتُ محاضرة عن السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس طائفية وإثنية، وهي سياسات تدميرية أصبح من الواضح بصورة متزايدة، خلال العقود الأربعة الماضية، حجم آثارها، بينما كانت في ذلك الوقت تُعتبر إلى حد كبير أمراً مسلّماً به.

في 1981، وفي أثناء عملي في بيروت، عُيّنتُ أميناً لبعثة الشرق الأوسط التابعة للرئاسة الأوروبية الهولندية، وأُتيحت لي فرصة فريدة لمرافقة وزير خارجيتنا، فان دير كلاو، نحو خمسة أشهر في زيارات إلى إسرائيل و14 دولة عربية. وكانت تلك تجربة فريدة ومثيرة، وأعتقد أنها كانت أوسع بعثة أوروبية إلى الشرق الأوسط. وقد أجرينا محادثاتٍ مهمّة مع ملوك وأمراء ورؤساء وشيوخ وسلاطين وأمراء، إضافة إلى رؤساء حكوماتهم ووزراء خارجيتهم وغيرهم من المسؤولين الحكوميين. والسؤال المطروح: ماذا بقي من هذه الجهود الأوروبية، ومن الجهود اللاحقة، للمساعدة في التوصّل إلى حل للصراع العربي الإسرائيلي بعد نحو 45 عاماً؟ أخشى أن الجواب: لا شيء إيجابي. ... فقد ظلت التصوّرات الإسرائيلية لمفهوم "العدالة" متعارضة جذريّاً مع ما يراه معظم العرب عدالة، الأمر الذي جعل التوصل إلى تسوية وسط أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

لا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرّاً بلا هوادة، من دون أي حل مُرضٍ يلوح في الأفق؛ بل على العكس، يزداد الوضع سوءاً

وبالنظر إلى الماضي، يمكن للمرء أن يتساءل عن جدوى هذه البعثة والعديد من الجهود الأوروبية الأخرى. لقد مرّ ما يقرب من 60 عاماً على حرب 1967. فما الذي تغيّر؟ أو بالأحرى: ما الذي تحسّن؟ في الواقع، لا شيء يُذكر بالمعنى الإيجابي. فمن وجهة النظر الفلسطينية والعربية، تدهور الوضع بشكل خطير، والسبب الرئيسي أن كل ما قامت به إسرائيل تقريباً جرى التسامح معه، بل وتشجيعه أحياناً.

ولطالما تساءلتُ عمّا إذا كان من الممكن ألا نكون قد رأينا ذلك كله قادماً منذ عقود. ففي بعثتنا عام 1981، أخذنا الإسرائيليين على محمل الجد، وكنا نأمل، بسذاجة تبدو واضحة عند النظر إلى الماضي، أن يصبحوا أكثر "قابلية للاحتكام إلى العقل" خدمةً للسلام. ولكن يمكن القول أيضاً إننا لم نأخذ الإسرائيليين على محمل الجد إطلاقاً، لأننا كنّا نأمل أن يفعلوا شيئاً مختلفاً عمّا كانوا يعلنونه باستمرار. لقد اعتقدنا أن مفهوم "العدالة" سينتصر في نهاية المطاف داخل إسرائيل، ولا يزال بعضهم يعتقد هذا. غير أن التفكير القائم على التمنيات كان متفشياً آنذاك، ولا يزال.

ولا يزال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمرّاً بلا هوادة، من دون أي حل مُرضٍ يلوح في الأفق؛ بل على العكس، يزداد الوضع سوءاً. وتتحمل معظم الدول الغربية مسؤولية مشتركة عن هذا بسبب سياستها، عقوداً، القائمة على التسامح مع إسرائيل ودعمها، وبسبب عدم استعدادها لتطبيق المبادئ والمعاهدات التي أعلنت هي نفسها التزامها بها ووقّعتها. ففي هذه القضية، ثبت بوضوح أن "عدم القيام بأي شيء"، باستثناء إطلاق تصريحات فارغة لا تُحصى، كان خطأً فادحاً، فالمشكلة لا تكمن في نقص بيانات الإدانة، بل في غياب القوة، أو بالأحرى غياب الإرادة لاستخدامها.

ظلّ جزءٌ كبيرٌ من العالم الغربي خاضعاً، أكثر من 80 عاماً، لتأثير دعاية "الهسبارا" الإسرائيلية، والعنصرية الاستعمارية

في 1998، وفي أثناء عملي سفيراً في تركيا، نشرتُ كتاب "السلام الذي لم يتحقّق" بالاشتراك مع الصحافي الهولندي يان كويلِن. تناول الكتاب فلسطين وإسرائيل، إضافة إلى تجاربي في لبنان والأردن وفلسطين وليبيا والعراق ومصر. وقبيل صدور الكتاب، أجريتُ عدة مقابلات نُشرت في الصحف والمجلات يوم صدوره الرسمي. وقد اخترتُ عدم عرض المخطوطة مسبقاً على الوزارة، لأنني توقّعت أن يُطلب إجراء اقتطاعات جوهرية منها، كانت ستجعل من الصعب عليّ تحمّل المسؤولية الشخصية الكاملة عن النص النهائي. فضلًا عن هذا، كان العرض المسبق سيعني ضمناً تقاسم المسؤولية مع الوزارة، وهو ما فضّلت تجنّبه.

مع ذلك، طلبتُ من صحافي صديق أن يراجع المخطوطة بهدف إزالة أي حساسيات غير ضرورية. وقد قدّم لي عدة اقتراحات مفيدة. وبعد ظهور التغطية الإعلامية الأولى، تلقيتُ اتصالاً عاجلاً من قسم الصحافة في الوزارة يسألني عن سبب تقديمي الكتاب مسبقاً إلى الوزارة. فأجبت: "كونوا سعداء لأنني لم أرسله إليكم مسبقاً، وإلا لكنتم الآن مضطرّين إلى التعليق عليه". ولم تنشأ بعد ذلك أي مشكلات. وبعد فترة قصيرة، تم ترشيحي سفيراً لدى ألمانيا، وهي من أهم البعثات الدبلوماسية الهولندية في الخارج.

ومن المذهل حقّاً كيف أن الجزء الأكبر من العالم الغربي استطاع أن يكون أعمى إلى هذا الحد، ولا يزال يتظاهر بهذا، تجاه سلسلة متواصلة من جرائم الحرب الإسرائيلية، والاحتلال، وانتهاكات حقوق الإنسان، والتطهير العرقي، والتمييز العنصري، وانتهاكات القانون الدولي، والخداع والأكاذيب. لقد ظلّ جزءٌ كبيرٌ من العالم الغربي خاضعاً، أكثر من 80 عاماً، لتأثير دعاية "الهسبارا" الإسرائيلية، والعنصرية الاستعمارية، وشعور مضلِّل بالذنب. وقد لعب الصهاينة هذه اللعبة بمهارة، لكن سرديّاتهم الزائفة بدأت تتهاوى تدريجيّاً.




سفير هولندي سابق لدى العراق ومصر وتركيا وألمانيا وإندونيسيا، ومبعوث خاص إلى سورية. عمل دبلوماسياً في لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة وليبيا. مؤلف كتابي "الصراع على السلطة في سورية" و"تدمير وطن. الحرب الأهلية في سورية".                                                                           

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق