‏إظهار الرسائل ذات التسميات إبراهيم المدهون. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إبراهيم المدهون. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

أبو عبيدة.. أيقونة الإعلام المقاوم في زمن غزة المحترقة

 أبو عبيدة.. أيقونة الإعلام المقاوم في زمن غزة المحترقة

د. محمد إبراهيم المدهون
 رئيس أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا.


                      أبو عبيدة الأيقونة  

أبو عبيدة، أيقونة الحرية وسيد الإعلام المقاوم، يقف وحيدا فوق ركام بيوت غزة، يصنع من بين الأنقاض نسيج الأمل، ويجمع في راحة يده البطولة وفصل الخطاب، محيكا لكل فتى كوفية وكاميرا وضمادة جرح، ليحيل فلسطين حية في قلب كل مؤمن.

يترجل وجه الطوفان والمحرقة في ساحات الشرف؛ فاستشهاده قدر شعب اختار الدفاع عن دينه ووطنه، والقلب الشجاع وحده يضيء الطريق، وتصحيح السردية يفتح أبواب التحرير.

صرخته "أنتم خصومنا أمام الله" ستبقى تتجاوز الزمان، تهز ضمائر أمة الغثائية، وتوقظ رجولة تأخرت، وتدفع للفعل بدل البكاء على قارعة الانتظار

حذيفة الكحلوت، رمز وفارس نبيل، خرج لله ليحرر أرضه ويعيد أهله إلى المجدل ونعليا، واضعا نصب عينيه شهادة الانصهار في سبيل الله، وعلى درب تحرير القدس، حاملا رسالة الأجداد، وغرس حب الأرض وروح الصمود في كل حجر ودم وقصة، ليصبح كل فعل وكل لحظة شهادة حية على الصبر والجهاد، وإيمانا لا ينكسر بأن فلسطين ستظل شامخة، نابضة بالأمل، حية في قلب الظلمات مهما اشتدت.

خطواته ممتدة بالكيلومترات، وصدى صوته يرفع راية الثبات، ودمه يجري كنهر حي في شوارع غزة، يروي أرصفة الوطن ويزرع الأمل في وجوه أطفالها، ويعلمهم نطق الحروف الأولى في مدرسة السردية والمقاومة.

الملثم، الذي أخفى وجهه ليتضح وجه فلسطين، لم يكن مجرد ناطق أو اسم في سجلات الثورة، بل سيرة شعب كامل في شاب واحد؛ عاش معسكر جباليا الثورة على أنغام خطى عماد عقل، وقلبه يسبح في فلسطين من رفح إلى الناقورة، رمزا خالدا لشعب عظيم.

هدير صوته ونبض كلماته كانا بوصلة الحائرين في بحر أمة متعثرة، وهو يحمل مشروعا لا يساوم ورؤية لا تنكسر. تخرج شابا يافعا في مدرسة الإعلام المقاوم، وحولته قيادة المنعطفات الحاسمة من رد فعل إلى مشروع سردية سباقة، جامعا بين الوعي والثورة والكاريزما، ثابتا على الأصول لا يبدل ولا يتراجع.

عاش فلسطين جرحا وأملا ومصيرا، وفارسا أيقونة، ملتحقا بقافلة الطائفة المنصورة، ليبقى حاضرا في ضمير الأمة، شاهدا على أن الكبار لا يرحلون بل يورثون الأمانة للأجيال: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾.

ومن طفولته بين جباليا الثورة والبحر، من دفاتر الأطفال ومراكبهم الورقية إلى ساحات المعارك وصواريخ القسام، ترسخ اسمه في الحجر والأرض والأشجار، ليصبح رحيله انفجارا في كل قلب أمة الخذلان، ولا يكون نهاية حياة.

غزة المحرقة لم تعرف الراحة منذ سنتين؛ فالليل يتسلل بخيوطه حاملا "أبو عبيدة" كالشظايا المشتعلة في قلب كل حر، في لحظة يغدو الزبد فيها كثيرا والمقاتلون قلة

صرخته "أنتم خصومنا أمام الله" ستبقى تتجاوز الزمان، تهز ضمائر أمة الغثائية، وتوقظ رجولة تأخرت، وتدفع للفعل بدل البكاء على قارعة الانتظار، لتصبح هذه اللحظة انطلاقا لا وداعا؛ فكل دم يراق وكل صوت يسكت هو نبراس يذكرنا أن "أبو عبيدة" حي في عزيمتنا، وأنه لم يمت، لأن أثره باقٍ في أمته.

من المحراب بدأت رحلة فارس الكلمة والكاميرا، فانطلق القطار نحو تحرير فلسطين، وقوده الدم والكلمة والكاميرا. إعلاميوه يعتلون صهوة المجد، يرفعون صورا أبلغ من ألف كلمة، ويوثقون سقوط وتهاوي بيت العنكبوت؛ فبالدم كتبت أفعالهم: "ليسوؤوا وجوهكم". يسير القطار شامخا بلا توقف، يخترق الحدود، وما كان حلما يصبح واقعا.

أبو عبيدة منارة حجبت الظلام، وأنارت دروب الحقيقة، وأعادت كتابة سردية فلسطين السليبة، فاستحق كل تقدير وأجيالا تتذكره كأيقونة، متمنطقا بالشهادة، يحاصر الموت، ويتجاوز المكان والزمان، شامخا كعلم مقاومة لا يسقط، يواجه الظلام بالكلمة والكاميرا، يحاصر الأوغاد بصدق روايته، ويكتب بدمه وأشلائه نورا على الأزقة، ليبقى طريق القدس مفروشا بالصبر والصدق، وتبقى الشهادة كتابا مؤجلا بيد الله، ومنارة سامقة في جبين الوطن، محفورة في كل شبر، تروي للأمة أن العظماء لا يرحلون، بل يورثون الأمانة والبطولة، تاركين الوطن مشرقا بذكراهم، منارة لا تنطفئ على فجر التحرير المنتظر.

غزة المحرقة لم تعرف الراحة منذ سنتين؛ فالليل يتسلل بخيوطه حاملا "أبو عبيدة" كالشظايا المشتعلة في قلب كل حر، في لحظة يغدو الزبد فيها كثيرا والمقاتلون قلة، والحواجز والأشواك تتربص بالعيون المقاتلة صوب كل بقاع فلسطين. فاحتراق الأيقونة يعني أنه ترك فلسطين محتضنة عباءته المصنوعة من زيتون، ووجهه مشرق على حدود الشهادة، يتراءى رمزا للرجل المعنى في زمن تهاوت فيه المعاني.

أبو عبيدة أسقط مع صحبه سردية امتدت قرنا كاملا، منذ الاحتلال البريطاني والنكبة عام 1948، مرورا برعاية أميركا جرائم الاحتلال، وصولا إلى المعاناة المعاصرة

في زمن ضاقت فيه الأرض بما رحبت، وسقطت الأقنعة، برز رجال غزة كجبال شامخة، كالضياء الذي لا يخبو، يكتبون بدمائهم ودموع أمهاتهم تاريخ الأمة. من أنفاق الصبر خرجوا لا يطلبون إلا وعد الله الحق، عارفين أن طريق القدس مفروش بالألم لا بالورود؛ قضى منهم من قضى، وبقي منهم من ينتظر، ولم يبدلوا تبديلا. هم رهبان الليل وفرسان النهار.

هم الطائفة المنصورة التي لا تهزها خيانات ولا محن، يرتقون شهداء بأشلاء ممزقة وأجساد ذائبة، لكن أرواحهم تعلو فوق الركام فتصير منارات للأمة، وصرخاتهم ترتفع في علياء السماء: "يا رب خذ من دمنا وأهلنا حتى ترضى". هم غزة العزة، أيقونة العالم وجسر التحرير، الذين كتب الله أن يكون شهداؤهم سادة الشهداء، وباقيهم سادة الدنيا، حتى يكتمل الوعد وتشرق شمس التحرير:﴿أليس الصبح بقريب﴾.

فيا أيقونة المجد في زمن الانهيار، ويا شعلة نور انفجرت في وجه الطغيان. أقسمت ألا تعود إلا منتصرا بسردية الحق، متجاوزا ذاتك وتاريخك وجراحك، مقدما للأمة أيقونة تكتب بالدم الطاهر، قرآنا من صبر وثبات، وآية حية من رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ثابتا لا تنكسر.

راقبت النصر يتسلل من شقوق الظلام، مترقبا وعد الله بالاستخلاف ودخول المسجد كما دخله المؤمنون أول مرة، كاشفا الزيف وموقدا الضمائر الغافية، صانعا رسالة إعلامية تغير الموازين وتشكل الرأي العام في صمود أسطوري، يحقق وعد الله بمحق الظالمين وتمحيص المؤمنين.

فلسطين تتوشح بكم. فسلام عليك أيها القمر المنير، سلام يا بصمة الروح الثائرة، سلام أيها الفارس الأيقونة

أبو عبيدة أسقط مع صحبه سردية امتدت قرنا كاملا، منذ الاحتلال البريطاني والنكبة عام 1948، مرورا برعاية أميركا جرائم الاحتلال، وصولا إلى المعاناة المعاصرة، موضحا للعالم جرائم الاحتلال وسائر الصمت الدولي المخزي، مثبتا أن ما يرتكب في غزة نكبة حية، وأن انتصار الإرادة الفلسطينية حتمي: {وما ذلك على الله بعزيز}.

معركته الإعلامية كانت اختبارا للصدق والثبات. ثبت في محرقة النار والجوع بقلب لا يلين، وواجه جيشا من سحرة فرعون وأصحاب رواية التضليل الإعلامي، مؤمنا بأن النصر يصنع بالصبر لا بالكثرة: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله}. فمن هؤلاء من ارتقى شهيدا، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، مدركين أن الموت كتاب مؤجل لا يقدم ولا يؤخر إلا بإذن الله.

سيد الكلمة وفارس الصورة، سنستلهم منك ما نشاء، ونقطف من أشجارك دروس الشجاعة لأطفالنا، وننقش اسمك على صدورهم، ونروي لهم حكايتك الأسطورية لرجل صدق، لتبقى فطرتهم مشتعلة بالحنين إلى الشهادة، بينما أجسادكم المنثورة في مدائننا وسواحلنا تحرس قباب الأقصى، وتشهر الإيمان في وجه الطغيان، تبقى منارات ضياء لا تنكسر، صاعدة على ممرات نورانية نحو مشارف الجنة.

فلسطين تتوشح بكم. فسلام عليك أيها القمر المنير، سلام يا بصمة الروح الثائرة، سلام أيها الفارس الأيقونة. هكذا يرتقي الأبطال، لا كأجساد، بل كشعلة تضيء الطريق، كشجرة تمتد جذورها في السماء، تنتقل من حياة إلى حياة، من دار إلى دار، تاركة بصمات خالدة: شجاعة، وتضحية، وحرية لا تعرف الانكسار. ومن حاول إطفاء ناره سيكتشف أنه، وإن رحل جسده، حي في كل حجر وزاوية وراية، وفي كل قلب حر يعرف أن الأيقونة لم تمت، وأن خطوته ستظل بيتا لكل الفلسطينيين، ودمه وصية ترشد الأجيال إلى الشجاعة والكرامة والحرية.

ستشرق الشمس، عاجلا أم آجلا، من قلب الركام والدماء والأشلاء، كشمس لا يحجبها دخان ولا يطفئها ليل، تضرب بحزم على وجوه الظلام، معلنة أن الطريق ممتد، وأن البوصلة لا تنحرف

في سماء الوفاء والعزة، نرفع التحية لأبطال لا يموتون: أبو إبراهيم محمد، أبو معاذ رائد، أبو عمر السوري، أبو أنس شبانة، وأبو إبراهيم حذيفة. نجوم رجال صدقوا، أولئك الذين أضاؤوا دروب الحرية بنورهم الصادق. ارتجفت القلوب، ليس خوفا من فراغ قيادي، بل خشية أن تنكسر البوصلة عن درب التحرر الأبدي، وأن يضيع الطريق في ظلام الاستسلام.

ها هي السفينة، رغم كل الأعاصير والمحن، تشق عباب المحرقة والإبادة والعواصف المزلزلة منذ سنتين وأكثر، متسلحة بالإرادة، صامدة أمام كل موجة عاتية تهدد بسحقها. وها هو العام الأول يشهد فقدا لأعمدة القيادة: هنية، والسنوار، والعاروري، وأجيال من فرسان الحق. لكن الدعاء صار مجدافا يوجه السفينة نحو بر الرشد، والإيمان غدا شراعا يشدها في بحر الظلمات، واليقين بالله هو صخرة لا تهزها الرياح، وعنوان الثبات الأبدي.

ستشرق الشمس، عاجلا أم آجلا، من قلب الركام والدماء والأشلاء، كشمس لا يحجبها دخان ولا يطفئها ليل، تضرب بحزم على وجوه الظلام، معلنة أن الطريق ممتد، وأن البوصلة لا تنحرف، وأن الحق، مهما طال غيابه، سيعود في لحظة قدر كصرخة نور تهز الأرض والسماء، وتوقظ في كل نفس حية شعلة المقاومة والصبر، والإيمان بأن فلسطين ستظل حية في قلوب أبنائها، شامخة لا تنكسر ولا تقهر، ولا تسلب من ذاكرة الأحرار.

في ضوء ارتقاء القادة العظام، يتجلى أن مسيرة المقاومة لا تعرف الانكسار؛ فالقائد يخلفه قائد، والراية تبقى عالية لا تسقط. إنهم يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يظل مشعلا يورث المجد، ويغرس في الأجيال جذوة لا تنطفئ، يذكرهم بأن النصر وعد لا يخلف. وما استشهادهم إلا عهد جديد يضاعف إصرار شعبنا وثباته على درب التحرير والعودة، حيث تحمل الراية بأيدٍ مؤمنة بأن العزة قدر مكتوب، وأن المسيرة ماضية حتى يتحقق الوعد.



الاثنين، 6 أكتوبر 2025

غزة بعد سنتين من الحرب والإبادة

 غزة بعد سنتين من الحرب والإبادة



  • 730 يوما.. سبعمائة وثلاثون يوما من الألم، من النار، من الدموع..

"أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد" (المجادلة: 6)، 730 يوما على آلة إبادة أطلقتها عصابات الاحتلال على أهل غزة، من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حتى 6 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

في غزة، حيث الأرض تصرخ باسم الشهداء، ارتفعت رايات الألم فوق آلاف القلوب التي نزفت براءة ودماء. عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى.. كواكب غابت عن سماء الحرية. بيوت هدمت على رؤوس ساكنيها، مشافٍ فقدت أنفاسها، ومدارس تحولت إلى ركام لا يحتضن سوى الحزن.

هذا العدوان السادي لم يرحم صغيرا ولا كبيرا.. لكنه لم يضعف الإرادة. غزة تروي بأسى قصة صمود شعب يعانق الجراح بعزيمة لا تنكسر، ويكتب بأحرف من نار أن غزة لن تموت، بل ستولد من رمادها أبطالا لا يقهرون. صوتها سيظل ينبض في صدور الأحرار، صامدا كجبل لا تهزه رياح الظلم والدمار.

 94 % من الأراضي الزراعية دمرت، والإنتاج الغذائي تراجع من 405 آلاف طن إلى 28 ألف طن فقط، وتضررت 100٪ من الثروة السمكية

مرت سنتان على الإبادة الجماعية -عامان (730 يوما) من القصف والتجويع والتطهير العرقي- ولكن غزة لم تنهزم.

أكثر من 2.4 مليون نسمة يعيشون تحت تهديد مستمر، في مساحة يسيطر عليها الاحتلال بنسبة 80٪ وعلى أنقاض تقدر بحوالي 90٪ من القطاع. ألقي أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات على أرض تحمل ذاكرة شعب بأكمله.

الدماء على الطرقات تتحدث: 76 ألفا و639 شهيدا، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، 12 ألفا و500 امرأة، 9 آلاف أمّ، و22 ألفا و426 رجلا. آلاف الشهداء من الطواقم الطبية (1670)، والدفاع المدني (140)، والصحفيين (254)، وموظفي البلديات (176). 787 شهيدا من الشرطة ومساعدي الإغاثة، و894 من الرياضيين، و460 شهيدا ماتوا جوعا.

الأرض نفسها تهتز من الدمار: حوالي 268 ألف وحدة سكنية دمرت كليا، وحوالي 148 ألفا غير صالحة للسكن، وحوالي 153 ألفا دمرت جزئيا. أكثر من 2 مليون مدني نزحوا قسرا، بينما فقدت أكثر من 288 ألف أسرة مأواها.

المدارس والمؤسسات التعليمية لم تسلم: 95٪ من المدارس تضررت، و668 مبنى مدرسيا تعرض للقصف المباشر، وأكثر من 785 ألف طالب حرموا من التعليم. المستشفيات والمراكز الصحية: 38 مستشفى و96 مركزا خرجت عن الخدمة، و197 سيارة إسعاف استهدفت.

المزارع والأراضي الزراعية صارت مجرد ذكريات: 94٪ من الأراضي الزراعية دمرت، والإنتاج الغذائي تراجع من 405 آلاف طن إلى 28 ألف طن فقط، وتضررت 100٪ من الثروة السمكية.

المرافق العامة والبنية التحتية أيضا دمرت: 5080 كيلومترا من شبكات الكهرباء، و700 ألف متر من شبكات المياه والصرف الصحي، وحوالي 3 ملايين متر طولي من الطرق، إضافة إلى 247 مقرا حكوميا و208 مواقع أثرية وتراثية استهدفها الاحتلال.

المساعدات الإنسانية مقيدة: 220 يوما على إغلاق المعابر، و120 ألف شاحنة مساعدات ووقود منعت من الدخول، و650 ألف طفل مهددون بالموت جوعا. أكثر من 12 ألفا و500 مريض سرطان يواجهون الموت، و3 آلاف مريض يحتاجون للعلاج خارج غزة، لكن الاحتلال يمنع سفرهم.

هذه ليست أرقاما.. إنها صرخة شعب صامد، إرادة لم تنكسر، وصمود أسطوري يتحدى آلة الحرب والإبادة.. غزة تقول للعالم: الحياة والكرامة لا تقهر.. والعدالة الإلهية ستنصف أهلها مهما طال الزمن

الخسائر المباشرة تتجاوز 70 مليار دولار في جميع القطاعات الحيوية: الصحة، التعليم، الإسكان، الزراعة، الصناعة، التجارة، النقل، الكهرباء، والخدمات البلدية. كل رقم، كل إحصاء، كل وحدة دمرت، تحكي قصة حرب إبادة، لكنها أيضا تحكي عن صمود شعب لا يلين.

غزة ليست مجرد أرض محاصرة، إنها رمز المقاومة، شهادة حية على قدرة الإنسان على الصمود رغم القتل والتجويع، رغم الدمار والخراب. غزة تعلم العالم أن الحرية والكرامة لا تموت، وأن الأمل يولد على أنقاض الحطام.
غزة صامدة.. غزة باقية.. غزة ستبقى.

هذه ليست أرقاما.. إنها صرخة شعب صامد، إرادة لم تنكسر، وصمود أسطوري يتحدى آلة الحرب والإبادة.. غزة تقول للعالم: الحياة والكرامة لا تقهر.. والعدالة الإلهية ستنصف أهلها مهما طال الزمن.

الجمعة، 12 سبتمبر 2025

أسطول الصمود يبحر إلى وجع الإنسانية

أسطول الصمود يبحر إلى وجع الإنسانية



ينطلق أسطول الصمود العالمي في رحلة الحرية، أكبر حراك بحري دولي ضد حصار غزة، محملا بأحلام الشعوب وإرادة الأحرار.

اجتمعت نحو 70 سفينة من 44 دولة، ويتوقع أن يلحق بهم بحارة مصر، وأصحاب اليخوت والقوارب، ليقولوا جميعا للعالم: غزة ليست وحدها.. لقد أصبح البحر ميدان تضامن أممي، وصارت الكاميرات والأقلام والوسوم (# أسطول_الصمود) (GlobalSumudFlotilla #) سلاحا يشق جدار الحصار.

في قلب البحر، وقف البطل المسؤول عن الأسطول، مخاطبا أوروبا بصوت يزلزل القلوب، مؤكدا أن حمولة الشعب ستصل غزة سالمة دون أن يمسها خدش. تجسدت روح المقاومة والعدالة، كما تجسد صمود غزة على أرضها: شامخة، لا تُبدّل، لا تُهزم، لتثبت للعالم أن العزة والإيمان لا يُستبدلان، وأن الحق سينتصر مهما اشتدت الرياح.

في زمن أُطفئت فيه أنوار الضمير، وتكسرت فيه مرايا الإنسانية، يبحر أسطول الصمود من أقصى غرب المتوسط.. ليس قاربا عاديّا، بل هو صوت الإنسانية الذي أدار ظهره للعالم الظالم، متجها نحو غزة، حاملا على متنه ما تبقّى من عِزة الشعوب، وشهقة المقهورين، وصرخة المظلومين.

اليوم، أسطول الصمود لا يُبحر وحده؛ بل خلفه أرواح الشهداء، أيدي الجرحى، أحلام الأسرى، حنين الشتات، وشعوب الإنسانية المنتفضة ضد العنصرية الصهيونية

أسطول الصمود لا يحمل سلاحا، ولا تحرسه غواصات نووية، إنه يحمل الخبز، والدواء، والأمل، والحقيقة التي خجل منها العالم ودفنها تحت رماد الازدواجية. في وجه المدافع يمضي، وفي زمن الطائرات المسيّرة يركب البحر كأنه يركب الشهادة، حيث يهاجَم مركب من الأسطول بعدوان، لإرهاب الجمع الإنساني ومنع وصوله لغزة.

وفوق زبد الموج، يكتب أسطول الصمود للإنسانية نداءه الأخير: "افتحوا لغزة نوافذ السماء، أو اتركوا البحر لنا!".

ينطلق أسطول الصمود في يوم تنتفض فيه شعوب العالم مع غزة، بينما بعض العرب يغرقون في بحر الغثائية… يوم تجف فيه البطون ولا تجف فيه الكاميرات، يوم يتأرجح فيه جسد طفل على سرير المجاعة، ولا تهتز فيه كراسي الأمم! المحرقة لم تعد حكاية تاريخ، بل صارت بثا مباشرا، والسكين لم تعد مجازا، بل بتنا نرى لحما حيا يُذبح كل فجر.

اليوم، أسطول الصمود لا يُبحر وحده؛ بل خلفه أرواح الشهداء، أيدي الجرحى، أحلام الأسرى، حنين الشتات، وشعوب الإنسانية المنتفضة ضد العنصرية الصهيونية.. يبحر وهو يعلم أنّ العواصف قد تبتلعه، لكنه يصرخ بوجه الاحتلال: "الموت في عرض البحر أهون من حياة تُعدَم كل لحظة داخل قفص الإبادة والمحرقة".

لقد سقطت أسطورة التسوية كما سقطت أبراج غزة، حين فشلت في فتح نافذة واحدة للشعب الفلسطيني على الأمل بـ"حل الدولتين"

لقد آن للزمن أن ينقلب، آن للعالم أن يرى غزة من البحر، لا من شاشات القتل.. آن لقوافل الأحرار ألا تتوقف: لا برا، ولا بحرا، ولا جوا. فلتُبحر السفن من كل مرفأ، ولتُحلّق الطائرات من كل أرض، ولتسِر القوافل من كل مدينة.. كل زاد، وإن قلّ، هو في ميزان غزة وقود حرية، وكل يد تمتد إليها، ولو بحفنة قمح، هي يد تهدم جدار الظلم والظلام.

أما أولئك الذين يصمتون، أو يقطعون طريق قوافل الصمود، كما فعلوا مع "مادلين" و"حنظلة" و"قافلة الصمود البرية"، فليسوا من ركب أسطول الصمود. فمن أراد إنقاذ غزة، فلا يقطع وريدها، بل يُشعل مرفأها.

لقد سقطت أسطورة التسوية كما سقطت أبراج غزة، حين فشلت في فتح نافذة واحدة للشعب الفلسطيني على الأمل بـ"حل الدولتين".. تهاوت أوراق "أوسلو"، واحترقت خرائط "دولة فلسطينية"، وبقيت الحقيقة واضحة كالشمس: لا سيادة دون مرفأ، ولا حرية دون خط بحري يكسر القيد.

من قال إن البحر حكر على الاحتلال؟ من قال إن غزة وُلدت لتحاصَر؟ من قال إن الميناء حلم بعيد؟ لقد انسحب الاحتلال من غزة 2005، وقدّم وثيقة رسمية لمجلس الأمن يعلن فيها انتهاء مسؤوليته عن القطاع. فليُفتح البحر إذًا، ولتُكسر قيود الجغرافيا، وليُبحر الغزيون نحو العالم كما يُبحر العالم نحوهم.

ليس مطلوبا فتح كل المعابر في لحظة، بل إبقاء باب الأمل مواربا، ليكون بابا يُدخل ضوءا إلى غرفة مظلمة منذ 19 سنة!

حتى يكتمل الحلم، فلنبدأ بالقليل: سفن صغيرة، مراكب جرّ، نقاط تفريغ في عرض البحر، عبّارات مؤقتة.. لا يهم كيف، المهم أن نشقّ الموج الأول، أن نُحدث الثغرة في جدار الصمت، وأن يُقال: "هنا كان الحصار والمحرقة، وهنا ابتدأت الحرية".

ليس المطلوب معجزة، بل إصرارا.. ليس المطلوب جيوشا، بل مواقف.. ليس مطلوبا فتح كل المعابر في لحظة، بل إبقاء باب الأمل مواربا، ليكون بابا يُدخل ضوءا إلى غرفة مظلمة منذ 19 سنة! غزة لا تطلب سوى الحياة، لا تطلب سوى أن تفتح نافذتها على البحر، لترى العالم كما يراها.

أسطول الصمود، قوارب الإنسانية من السائرين في درب الأمل، هو رسول الشعوب، ولعنة الصامتين والمتخاذلين والمتآمرين.. فيا بحر غزة، افتح صدرك للحرية، فإن قوارب الصمود قادمة، وإن الصمت سينتهي، وإن الوعد بات قريبا.. قريبا جدا.

{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.

السبت، 19 يوليو 2025

خطاب أبو عبيدة.. نداء الأمة الأخير

 خطاب أبو عبيدة.. نداء الأمة الأخير
إبراهيم المدهون


بعد ما يقارب العامين من حرب الإبادة التي لا تزال مستعرة في قطاع غزة، وبعد أربعة أشهر من التجويع المتعمد والقصف الوحشي والاستهداف المنهجي لكل ما هو حي، من القادة إلى الأطفال، ومن النساء إلى الشباب، في ظل نزوح جماعي وانتشار الجوع والمرض والإنهاك، يطل علينا الناطق باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، بخطاب يمكن وصفه بأنه خطاب تاريخي بكل المقاييس.



خطاب حمل فيه الأمة العربية والإسلامية، بكل وضوح، مسؤولية ما يجري في غزة، وساءل قادتها وعلماءها أمام الله وأمام ضمائرهم، في لحظة مصيرية عظيمة، لم يتردد خلالها في توجيه العتاب واللوم، دون أن يغادر مربع القوة والثبات.

ورغم كل هذا العتب، ورغم مشاعر الخذلان، جاء خطاب أبو عبيدة ليؤكد أن كتائب القسام لا تزال واقفة على أرض صلبة، وأنها تمتلك رؤية واستراتيجية واضحة، هدفها إيقاع خسائر فادحة في صفوف الجنود الإسرائيليين، وأن الدبابات التي يظن العدو أنها تحميه، لن تنقذه من المصير المحتوم في غزة. فهناك، لا ينتظرهم سوى الموت، مهما فعلوا، ومهما قتلوا ودمروا وأبادوا.

ما قاله أبو عبيدة لم يكن مجرد تحد، بل إعلان لمرحلة جديدة. ومن يتابع المشهد يدرك أن كتائب القسام اليوم في أفضل حالاتها منذ أكثر من عام، وأنها أعادت ترتيب أوراقها بهدوء، وأعدت العدة لمفاجآت قادمة.

فقط ظهوره، بهذا التوقيت، هو بحد ذاته رسالة بأن القسام لا تزال حاضرة، قوية، وفاعلة، وأن يدها على الزناد، وعقلها على التخطيط، وجهازها العسكري العملياتي لا يزال ممسكاً بزمام المبادرة. وهذا وحده كفيل بإعلان فشل الحرب على غزة، وفشل رهان الاحتلال على الجوع والتدمير كوسيلة لحسم المعركة.


بل على العكس، يبدو أن هذا الخطاب هو تمهيد لما هو آت. فالمقاومة ترفض الخرائط التي طرحت عليها، وتدرك خطورتها. ومعها ترفضها الفصائل وكل من يفاوض باسم الشعب الفلسطيني. لذلك، أتوقع أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً في العمليات، وعودة لعمليات الأسر والقتل في صفوف جنود الاحتلال.


ولا يستبعد أيضاً أن يشهد الشارع العربي والإسلامي حالة صحوة جديدة، يقودها العلماء والرموز، إذ لم يترك أبو عبيدة مجالاً للغموض: تحركوا قبل فوات الأوان.


أما  غزة، فتعيش واقعاً بائساً، قاسياً، كارثياً بكل معنى الكلمة. شعب يتعرض لحصار وتجويع وقتل وتدمير غير مسبوق في تاريخ البشرية. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرض تقاوم، ولا تزال كتائبها ترسم ملامح المرحلة القادمة.


الأربعاء، 25 يونيو 2025

حين تدخلت أمريكا.. كيف سترد إيران؟

 حين تدخلت أمريكا.. كيف سترد إيران؟


التدخل الأمريكي الأخير في استهداف منشآت إيرانية حساسة كان خطوة كبيرة واستفزازية لإيران، لكنه لم يكن مفاجئًا، بل كان متوقعًا ضمن مسار التصعيد المستمر منذ شهور.
رغم خطورة هذا التدخل، اختارت إيران أن تتعامل معه بحكمةعالية، واضعة نصب عينيها هدفًا إستراتيجيًا واضحًا: تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن.

إيران معنية بالحفاظ على نفسها كدولة قوية وعلى مشروعها الكبير والممتد في المنطقة، وهي تدرك أن الذهاب إلى معركة صفرية مع الولايات المتحدة سيكون مكلفًا وخطيرًا، لا عليها وحدها، بل على المنطقة بأسرها.

في المقابل، الولايات المتحدة أيضًا ليست معنية بحرب صفرية مع إيران، بل تريد دفعها إلى الإذعان، إلى التراجع، وليس شرطاً إسقاط النظام.

أما «إسرائيل» فغايتها أبعد وأخطر؛ تريد إسقاط النظام الإيراني نفسه، واستبدال نظام عميل يخدم مشروعها في المنطقة به، لكن إيران دولة تعرف ماذا تفعل، ليست مستعجلة ولديها نفس طويل، وليست غافلة عن طبيعة العدو الذي تواجهه، وقدراتها على التحمل والصمود أكبر مما يظنه الاحتلال «الإسرائيلي»، وأكبر مما تقدره واشنطن نفسها، إيران قادرة على الرد بشكل مؤلم، لكنها لا تريد خلق بيئة تدفع الولايات المتحدة لاستخدام أسلحة غير تقليدية أو شن ضربات مدمرة ومفاجئة ضدها.

تدير إيران معركتها بحسابات دقيقة، وبنفس طويل، حتى الآن، اختارت أن تركز ردها على الاحتلال «الإسرائيلي»، وستعمل على تكثيف هذا الرد تدريجياً، مع إبقاء باقي أوراقها الكبرى في يدها دون استخدام.

إيران لم تستخدم بعد كامل ما تملكه من خيارات، ومن أبرزها:

1- استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.

2- تهديد أمن الطاقة العالمي من خلال خيارات مثل مضيق هرمز أو باب المندب.

3- تفعيل جبهات الحلفاء: «حزب الله» في لبنان، والفصائل العراقية، والحوثيين.

4- استهداف المنشآت الحساسة داخل الكيان «الإسرائيلي»، مثل مفاعل ديمونا أو منشآت الأمونيا، وهي خيارات تعرف إيران جيدًا حجم تأثيرها المدمر.

رغم امتلاك هذه الأوراق، تبقى إيران ملتزمة بخيار الحرب الذكية وليس الحرب المفتوحة، إنها تدرك أن معركة بهذا الحجم ليست مجرد مواجهة مع جيش أو حكومة، بل هي صدام مع مشروع دولي ضخم تقوده الولايات المتحدة، مدعومًا بأوروبا، وتنفذه «إسرائيل».

الخطورة اليوم تكمن في عقلية نتنياهو المتطرفة، التي تدفع الجميع نحو حرب شاملة بلا سقف
تقف إيران اليوم بثقة، لم تنكسر، ولم تفقد توازنها، بل تخوض واحدة من أعقد المعارك السياسية والعسكرية في تاريخ المنطقة، وتمتلك القدرة على امتصاص الضربة، وتمتلك قدرة أكبر على الرد المتوازن، فالمعركة لم تنته، والصراع ما زال في بدايته، والزمان قد يكون في صالح من يحسن إدارة المعركة بأعصاب باردة وعقل إستراتيجي.

«الشرق الأوسط» أمام اختبار الوجود




الأربعاء، 18 يونيو 2025

«الشرق الأوسط» أمام اختبار الوجود

«الشرق الأوسط» أمام اختبار الوجود

إبراهيم المدهون




بعد السابع من أكتوبر، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة لا تقبل العودة إلى الوراء، لم تعد «إسرائيل» كما كانت في السابق، ولم يعد الإقليم محكوماً بنفس المعادلات القديمة، من لم يتغير مع هذا الزلزال السياسي والعسكري سيدفع الثمن باهظًا، وربما يخرج نهائياً من معادلة التأثير.

«إسرائيل» اليوم أكثر تطرفًا ووحشية؛ لأنها تدرك أن لحظة الحقيقة قد وصلت، كل توازناتها القديمة اهتزت، وكل الضمانات التي اعتادت أن تحتمي بها أصبحت موضع شك، ولهذا لجأت إلى التصعيد المفتوح، محاولةً فرض معادلات جديدة على المنطقة تقوم على الإخضاع الكامل والهيمنة المطلقة.

إيران حينما ترددت في الدخول المباشر منذ بداية الحرب، كانت أمام فرصة أن تكون جزءًا من التحول الكبير منذ لحظاته الأولى، لكنها اختارت حساباتها الخاصة، اليوم تدخل إيران إلى المشهد العسكري بعد أن تمكن الاحتلال من التقاط أنفاسه وإعادة ترتيب خطوطه، تدخل في توقيت اختاره العدو، لا توقيت الفعل المفاجئ الذي كان يمكن أن يغير قواعد اللعبة بشكل جذري.

يُحسب لـ«كتائب القسام» ولقوى المقاومة في غزة أنهم اتخذوا قرار المبادرة، وكانوا يريدون للضربة أن تكون شاملة، جامعة لكل القوى المتضررة من المشروع الصهيوني؛ الضفة الغربية، لبنان، سورية، العراق، إيران، وربما الأردن، ضربة واحدة تنقل المنطقة إلى مرحلة جديدة بالكامل، لكن من اختار التردد أو التباطؤ وجد نفسه اليوم أمام استحقاقات أكبر وأكثر تعقيدًا.

العالم يتغير بشكل متسارع، من كان يملك خيار المبادرة بالأمس، قد يجد نفسه مجبرًا على الدخول في المواجهة غدًا بشروط أكثر صعوبة وكلفة أعلى.
  
الواقع يقول: إن المواجهة لن تتوقف عند إيران وحدها، «إسرائيل» الآن تعلن صراحة أنها تريد إخضاع الشرق الأوسط بأكمله، تريد من الجميع أن يقبلوا بقيادتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، هذه ليست معركة حدود أو ردع؛ بل مشروع هيمنة شاملة.





أمام القوى الكبرى في المنطقة؛ الخليج، مصر، العراق، الجزائر، تركيا.. وسواهم، خياران لا ثالث لهما: إما الانخراط في صياغة معادلة جديدة توازن هذا التوحش «الإسرائيلي» وتمنع فرض مشروع الاحتلال على المنطقة، أو القبول عملياً بالتبعية والخضوع التدريجي حتى يصبح الاحتلال شريكاً ورأس القرار الإقليمي.

الخميس، 29 مايو 2025

الجوع الثائر

 الجوع الثائر



600 يوم مضت، كأنها دهر يسكب في كف الزمن قطرة قطرة، 600 يوم من النار التي لا تنطفئ، ومن الدمع الذي لا يهدأ، ومن الوجع الذي صار خبزاً يومياً على موائد الغياب، ومع ذلك، ما انحنى الرأس، وما خبا الوهج، وما أطفأ التوحش «الإسرائيلي» شعلة الإنسان في قلوب الغزيين.

أرادوا أن يعلموا هذا الشعب معنى الهزيمة، أن يعيدوا تشكيله بالطائرات والمدافع والطعام المشروط، أن يهندسوا جوعه كما تهندس الحدائق في قصر بعيد عن الله والعدالة، لكنهم نسوا أن الجائع إذا غضب، كتب على جدران الحصار ملحمة، وأن الجرح إذا نطق، أفصح أكثر من كل المؤتمرات.

فاليوم، حينما اقتحم الغاضبون مراكز توزيع المساعدات، لم يكونوا يركضون نحو الطحين، بل كانوا يقتلعون قناع الإنسانية الزائف عن وجه من جوّعهم ثم تظاهر بالشفقة، كانوا يعلنون للعالم بوضوح لا يعرف المجاز: «لن نأكل من يد ملطخة بدمنا، ولو هلكنا جوعاً».

الاحتلال لم يفشل فقط في اقتلاع هذا الشعب، بل فشل في ترويضه، وفي برمجته، وفي تحويله إلى رقم في جدول المحتاجين، أرادوا شعباً يسير خلف الشاحنات، فجاءهم شعب يقتحم أسوار المذلة ويصرخ: «كفى!»، أرادوا مشهداً من الانكسار، فصنع لهم شعبنا مشهداً من الكرامة البركانية، المشتعلة حتى الرمق الأخير.

قالوا: إنهم يقيمون «ممراً إنسانياً»، ونسوا أن كل ما أقاموه على هذه الأرض هو ممر للدم، وممر للخذلان، وممر للنفي، الفقاعة التي حاولوا أن يطلوا من خلالها على العالم، انفجرت اليوم تحت أقدام من رفضوا أن يكونوا متفرجين على موتهم، وجودهم هو الفقاعة الوحيدة، وقد شارفت على الزوال.

يا لهذا الشعب! ما أعجبه! يحاصر فيغرس علمه في الجوع، يجوع، فيصنع من الحنظل نبوءة، يخذل، فيجعل من عظامه جسراً لعودة قادمة.

يا غزة، يا ابنة النار والبسالة، من رحمك يولد العناد، ومن عريك يولد الكبرياء، ومن تجاعيد جوعك يولد التاريخ الذي لا ينسى.

إن هذا الشعب لم يخلق ليروّض، ولم يخلق ليأكل على موائد القتلة، بل خلق ليكون الحرف الأخير في جملة الحرية، والنقطة التي تسقط سطر الاحتلال إلى الأبد.

السلام عليك يا غزة الجائعة.. الثائرة.. النقية.. السلام على من لا يزالون ينهضون كل فجر، وهم أضعف جسداً، لكنهم أصلب من الحديد.