‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حسام الغمري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات حسام الغمري. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 17 مايو 2018

لماذا قد يكون استمرار حكم السيسي "نهاية العالم"؟


لماذا قد يكون استمرار حكم السيسي "نهاية العالم"؟
حسام الغمري



أنا من الذين يعتقدون بأن هناك حربا عالمية ثالثة توشك أن تندلع، بل لعل أحداثها قد بدأت بالفعل دون أن يدري الكثيرون، فالتاريخ يذكر أن أحداث الحرب العالمية الثانية بدأت بسبب نزاع (ألماني - بولندي) حول ممر وميناء دانتزج، ثم قيام هتلر باحتلال النمسا ودمجها مع ألمانيا ثم ابتلاع بولندا وتشيكسلوفاكيا مما اضطر الحليفتين الرئيسيتين في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا) إلى إعلان الحرب ضد هتلر، وتطلب الأمر شهورا حتى أعلنت أمريكا والاتحاد السوفيتي واليابان دخول الحرب ضمن قوات الحلفاء والمحور.

والقاعدة الأساسية لقيام حرب عالمية أن يتحول العالم من نظام متوازن ثنائي القطبية إلى نظام أحادي القطبية يقوم فيه القطب الأعظم بدور شرطي العالم، وبعدها يعود العالم إلى نظام متعدد الأقطاب المتنازعة، عندها يمكن توقع اندلاع الحرب.
السيسي هو الجزء الأضعف في الحلقة لأنه يأسر شعبا تعلم كيف يكسر القيد مرة في الأمس القريب، ومازالت الأنشودة تتردد في الوجدان، وحلم الميدان في القلوب والأذهان
ولكن نهاية العالم ليست غدا على أية حال، بل لعلها بدت فرصة لاستدعاء فكرة مسلسل تليفزيوني أنتج في ثمانينيات القرن المنصرم من تأليف الكاتب الراحل يسري الجندي، وبطولة الفنان الكبير الراحل أيضا حسن عابدين، والذي استطاع مؤلفه أن يتدرج من الخاص إلى العام بحرفية كبيرة، ليجعل مشكلة حارة "المناديلي" التي انهارت فيها القيم والفلسفة ودروس التاريخ أمام توحش الرأسمالية وسطوتها على حضارات الشعوب القديمة هي مشكلة العالم الذي انهارت فيه كل القيم والمثل والمبادئ، بل أكاد أجزم أن خامة إنسان العصر الحديث قد تغيرت عن أخلاق أسلافه، فنحن في عصر يفتخر فيه المثلي أنه كذلك يا سادة بل يجد من يُزوجه ويظهر ذلك إلى العلن دون حياء.
ومع إدراكي بأن لهذا العالم حكومة خفية توقد نار الحرب وفق أجندة محددة تنفيذا لمخطط بات معلوما حتى لدى العامة، تظل مصر في تقديري مرشحة لإيقاف رحلة صعود تتار العصر الحديث، ولعل هذا هو قدرها، فأحلام التتار تحطمت على عتبات مصر قديما، كما بدأ العد التنازلي لخروج الصليبيين من القدس حين قدم إليها صلاح الدين الأيوبي وعمه أسد الدين شريكوه وخططا لاستعادتها من الحكم العبيدي الخبيث إلى رحم الخلافة العباسية، أقول هذا، ليس من باب التمني ولكن لأن نظام السيسي هو الجزء الأضعف في الحلقة الأخطبوطية التي تلتف بهدوء وثقة حول هذا الكوكب لتسرقه تنفيذا لوعود أساطير قديمة.

فالسيسي ليس كمحمد بن سلمان حيث خزائن الأرض من النفط والدولار، وليس محمد بن زايد حيث التسلل الهادئ كالحيّات، وهو أيضا ليس كبشار حيث القدرة على استدعاء الحلفاء والأنصار، السيسي يجلس فوق فوهة بركان قوامه 100 مليون مصري غاضب، بل وصل الحنق مداه، شعب اغتر عسكره بصبره فبلغ الاستخفاف به إلى مُنتهاه، كما تابعنا في ملهاة الانتخابات الأخيرة وهذا الموسى الذي ظهر ورُشح بليل ليشرعن وجود الفرعون وفق الآليات الغربية الديكورية و المسماة بالديمقراطية والتي انتخبت لعالمنا هذا "الترمب" وتلك "التريزا" وحافظت على بقاء "الميركل"، وربما سيؤرخ مستقبلا بيوم وصول ترمب إلى البيت الأبيض كبداية نهاية سيطرة الغرب الرأسمالي على العالم.

السيسي هو الجزء الأضعف في الحلقة لأنه يأسر شعبا تعلم كيف يكسر القيد مرة في الأمس القريب، ومازالت الأنشودة تتردد في الوجدان، وحلم الميدان في القلوب والأذهان. السيسي هو الجزء الأضعف لأنه لا يأسر شعبا تحكمه العادات القبلية أو العشائرية حيث يمكن إخضاع شبابه لتفاهمات تحدث مع كبراء القوم وشيوخ القبائل، وبالتالي يمكن توقع أن يثور شبابه من جديد وهناك من الأسباب العشرات التي يمكن أن تدفع الناس إلى الشارع ثانية وقد تعلموا الكثير من التجارب السابقة.
نهاية العالم ليست غدا، لذا يجب على كل من يجد في نفسه القدرة على تقدم الصفوف أن يعلن عن نفسه ولا حرج في ذلك

فإذا ما استعاد المصريون مصرهم من مغتصبيها ونوابهم ووكلائهم وهي في موقع القلب من جسد المؤامرة، سيتعطل دون شك مسار عجلة الحرب التي تدفع العالم صوب حافة الهاوية، لأن مصر ورغم كل ما مرت به تظل هي الروح الناهضة والعراقة النابضة والمكانة الثابتة، وبهذا تستطيع أن تساعد في ملء الفراغ المقصود في الشقيقة ليبيا، ولها مع الجزائر الشقيقة التاريخ والثورة والشراكة والتضحيات والنجدة والمساعدات، وآفاق إطلاق وتحرير المستقبل المقعد دون مبرر واضح، ولها في السودان الأصل والنسب، وفي فلسطين الجوارح والأفئدة، وفي الشام المدد والعون والود الأصيل، وفي الجزيرة العربية مطلع الشمس ومشكاة النور، وفي تركيا المظلة التي تقي من العواصف والأعاصير.

تخيلوا شكل هذا العالم لو عادت مصر، إن الثورة الكامنة في الشوارع والحارات، في المناطق الشعبية والعشوائيات، بحاجة لمن يطلقها، ونظام السيسي يعلم ذلك جيدا، لذا نجده لا يتأخر ولا يتردد في البطش بأي صوت صادق، أو رمز جاد يحلم بتصحيح المسار، لأن سر بقاءه ومعيار نجاحه يكمن في قدرته على تدجين الأجيال كما فعل مبارك طوال 30 عاما من الرقص البهلواني حول تطلعات الشعب وآماله وأحلامه وثوابته، فتظل مصر هي بلد "الكباري" والقرى السياحية، والمهرجانات الفنية، والنزاعات الكروية، أما ما دون ذلك من تصنيع أو زراعة أو تكنولوجيا، أو اقتصاد حقيقي وليس اقتصاد مضاربات أو قروض، يجب ألا يكون لمصر نصيب منه أو من أي بناء حقيقي يمكن أن يؤسس لمستقبل قيادي يؤلها له التاريخ والجغرافيا والكثافة السكانية.

نهاية العالم ليست غدا، لذا يجب على كل من يجد في نفسه القدرة على تقدم الصفوف أن يعلن عن نفسه ولا حرج في ذلك، حيث فعلها فوق نفس الأرض من قبل نبي الله يوسف حين قال للملك: "قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ"، لعل الفارق مجددا ينطلق من مصر.

الجمعة، 16 فبراير 2018

تنظيم ولاية السيسي

تنظيم ولاية السيسي

حسام الغمري


لست أدرى لو كان البعض مازال يصدق الدعاية الأميركية الكبيرة التي تلت أحداث 11/ سبتمبر رغم عشرات الكتب والشهادات التي أكدت أن إرادة خفية شيطانية كانت تقف وراء هذا الحادث، وأن الطريقة التي سقط بها برجا التجارة لا يمكن أن تحدث كما شاهدناها إلا بوضع متفجرات داخل البرجين.

وهذا يجعلنا نفهم معادلة أنه إذا كان طرف يمتلك الإعلام الأقوى والأكثر تأثيرا، فإن هذا الطرف يستطيع ارتكاب الفعل الإجرامي ثم إلصاق التهمة بخصمه عبر وسائل الإعلام ومن ثم شيطنته، ثم حشد الناس لمجابهته لتطهير العالم منه، وصولا إلى تحدي إرادة الجميع كما فعل بوش الإبن حين توعد العالم قائلا: من ليس معنا فهو ضدنا.

ربما لا يعلم الكثيرون أن آخر خليفة حقيقي وفاعل للمسلمين وهو السلطان عبد الحميد الثاني قد سقط وأجبر على التنحي بهذه الطريقة، حين دبرت أحداث عنف ونسبت لمناصري الخلافة التي وصفت بالديكتاتورية والرجعية وعداوتها للحرية...، إلى آخره من تهم مازال يرددها حماة المنظومة العالمية الحالية التي مكنت الصهاينة من أرض فلسطين ورعت نبتهم الشيطاني ومازالت تمنحه الدعم المُطلق.
 
فكرة الأجهزة الأمنية باختصار أنه إذا كان البعض مازال يحلم باستعادة مجد الإمبراطورية الإسلامية فنحن سننتج لهم صورة بشعة مُرعبة مصغرة تستند على نفس النصوص الدينية وتروج لها
كان لدى المحافظين الجدد هدف إسقاط صدام حسين لأنه يعمل خارج منظومتهم العالمية، لا سيما وقد فكر في فك ارتباط النفط بالدولار، ولتسويق هذا الغزو البربري المتوحش كان يعوزهم فقط حادث كبير كــ 11 سبتمبر، ثم الدعاية التي تلته!
 
وإذا انتقلنا إلى الثورة السورية نجد أن دعاية بشار الأسد دأبت على وصف الثوار منذ اليوم الأول بالجماعات الإرهابية المسلحة، والتزمت بهذا التوصيف رغم صبر الثوار على سلميتهم التامة في شهور الثورة الأولى، وبالتزامن مع هذا بدأت أجهزة الأمن التابعة لبشار في إطلاق سراح مجموعة كبيرة من التكفيريين المصنوعين داخل معتقلات الأمن، وربما لا يعلم البعض أن فكرة التكفير كانت قد ظهرت بالصدفة للمرة الأولى داخل معتقلات التعذيب المصرية، ثم قامت أجهزة الأمن المصرية بالتقاط طرف الخيط، والسعي لتأصيل التجربة وصولا لمنهجية إنتاج التكفيريين داخل المعتقلات عند الحاجة باستخدام التعذيب الشديد وطرق غسيل الأدمغة بتلقين الشخص المستهدف أثناء تعذيبه.

وهذا ليس خيالا جامحا من كاتب هذه السطور، حيث نشرت جريدة "النيوزويك" تحقيقا مطولا في العام 1974 حول أنشطة وتجارب سرية مارستها أجهزة المخابرات والجيش الأميركي على مواطنين أمريكان ، وقد أثار هذا التحقيق ضجة كبيرة في الولايات المتحدة الأميركية، فتم على إثرها تشكيل لجنة في الكونغرس للتحقيق في هذه المزاعم، وخلال التحقيقات ولجان الاستماع التي استمرت لعدة سنوات تم الكشف عن بعض جوانب مشروع (أم كي الترا) للتحكم بالعقل، ولكن الصورة الكلية والحجم الفعلي للمشروع ونوعية العمليات التي نفذت بقيت طي الكتمان، وعلى إثر هذه التحقيقات قامت حكومة الولايات المتحدة وكندا بدفع تعويضات كبيرة لمجموعة من البشر ثبت أنهم كانوا ضمن هذه التجارب.

لذا فليس من المستغرب وأنت تشاهد الفيديوهات البشعة التي ينتجها تنظيم ولاية سيناء -والتي لا تصدر إلا في توقيتات تخدم السيسي تماما وتثري دعايته، بل وتنقذه أحيانا من بعض أزماته بتحويل الأنظار عنها- أن تتعرف على شباب قام الأمن المصري بالقبض عليهم وإخفائهم قسرا ليعودوا ويظهروا بعد ذلك في إصدارات التنظيم مقاتلين ومنظرين وقضاة شرعيين وهم مازالوا صبية في المهد.
 
ليس من المستبعد وأنت تشاهد الإصدار الأخير لتنظيم ولاية سيناء المشبوه، وفيه نشاهد مُستأمنين يُغتالوا في محلاتهم التجارية وأمام تجارتهم البسيطة أن تقتنع بأن هكذا وسائل استخدمت من قبل لحمل الفلسطينيين على ترك بيوتهم في فلسطين
الجزيرة
  
فكرة الأجهزة الأمنية باختصار أنه إذا كان البعض مازال يحلم باستعادة مجد الإمبراطورية الإسلامية فنحن سننتج لهم صورة بشعة مُرعبة مصغرة تستند على نفس النصوص الدينية وتروج لها، ثم ندع هذه المجموعة تسيطر على بقعة محدودة من الأرض ليقيموا عليها خلافتهم الضالة، وبالتأكيد لن ينتج عن هذا المسخ إلا نموذجا مشوها مُنفرا، يعصم الغالبية العظمى من المسلمين من الحنين إلى الفكرة التي كانت تزلزل أوروبا وتهز عروش طغاتها قبل قرن ونصف من الزمان.

إبحث عن المستفيد، فلسفة يعتمد عليها المفتشون الجنائيون لفك ألغاز القضايا الكبرى، فإذا رجحنا أن غزو العراق كان مصلحة إستراتيجية للمحافظين الجدد لتدشين ما سموه بالفوضى الخلاقة في المنطقة وبالتالي يمكن قبول فكرة تورطهم في أحداث 11 سبتمبر، فلا عجب ونحن على أعتاب صفقة سموها هم صفقة القرن، الهدف منها تصفية القضية الفلسطينية تماما وإنهاء حق العودة، بإقامة دولة فلسطينية في شمال سيناء، وهو الذي أعلن مبارك أنه قام برفضه قبل شهور من تخليه عن السلطة حين قام نتانياهو بعرض بذرته عليه، وإذا كان السيسي هو من أعلن بنفسه أمام ترمب دعمه المخلص لهذه الصفقة.
 
المؤامرات والبشاعات التي شهدها العالم في القرن الأخير جعلت هذا الكوكب رهينة لمجموعة من القتلة الذين نجحوا في ترويض 1.6 مليار مسلم ، وإرهابهم باسم الإرهاب
فليس من المستبعد وأنت تشاهد الإصدار الأخير لهذا التنظيم المشبوه، وفيه نشاهد مُستأمنين يُغتالوا في محلاتهم التجارية وأمام تجارتهم البسيطة أن تقتنع بأن هكذا وسائل استخدمت من قبل لحمل الفلسطينيين على ترك بيوتهم في فلسطين الحبيبة، وأنه لتهجير أهالي سيناء فالأمر لا يتطلب إلا هكذا أفعال تروع المدنيين والآمنين باسم الإسلام، فضلا عن مذبحة مسجد الروضة، التي تمت بأريحية شديدة رغم وجود وحدات للجيش على بعد أمتار، ولكن أحدا لم يتحرك حتى انتهى الجناة بعد 20 دقيقة من قتل مئات المصلين العزل بدم بارد.

حتى توقيت ظهور الإصدار الأخير البشع جاء ليخدم العملية التليفزيونية التي أطلقها السيسي يوم الجمعة الماضي، ليعيد تقديم نفسه في صورة البطل مُحارب الإرهاب قبل مسرحية إعادة انتخابه، وأيضا ليشغل جيشه حتى يضمن عدم حدوث قنصوة (نسبة للعقيد أحمد قنصوة) لمزيد من ضباط الرتب المتوسطة والصغيرة، والأخطر من ذلك، توثيق ارتباط اسم سيناء بالعنف حتى تتحول عند غالبية المصريين إلى مُثير منفر فيسهل عليهم بعد ذلك قبول فكرة التفريط في أجزاء منها مقابل حفنة من الدولارات، وكانوا قد استعادوها بالدم قبل عقود.

إن المؤامرات والبشاعات التي شهدها العالم في القرن الأخير - قرن الشيطان- جعلت هذا الكوكب رهينة لمجموعة من القتلة الذين نجحوا في ترويض 1.6 مليار مسلم، وإرهابهم باسم الإرهاب الذي لو سمح للباحثين يوما بالاطلاع على جميع الوثائق دون حجب أو إخفاء لتأكدوا من كونه صناعة غير عربية.

الجمعة، 10 فبراير 2017

صدق السيسي.. إحنا عملنا إيه؟

صدق السيسي.. إحنا عملنا إيه؟

حسام الغمري
قبل ثورة يناير/كانون الثاني كنت أعتقد أني لن أكره في حياتي من بعد الصهاينة سوى مبارك كنزهم الاستراتيجي حتى أطل السيسي برأسه الوقح على المشهد السياسي المصري، بعد ثورة ظننت أنها ستنتشل بلادي من المستنقع الذي كادت أن تغرق فيه.

ولكن هذا لا يمنعني من التأكيد على ما قاله أثناء مؤتمره الديكوري الذي عقده بأسوان والذي اعتبره بعض المحللين بداية لحملته المتوقعة لانتخابات 2018، ولا عاقل يظن أنها ستكون انتخابات نزيهة.

إحنا فقرا قوي.. إحنا عملنا إيه؟
صدق السيسي وهو كذوب، كما سيصدق الشيطان مع الأرواح التي سيزحزحها عن الجنة حين سيقول لها إنه وعدها وكذبها، وإنه لم يكن يملك عليهم سلطاناً إلا أنه دعاهم فاستجابوا له، كما دعا السيسي المصريين فاستجاب له قطاع منهم.

نعم نحن فقراء جداً على الرغم من أننا ننتمي لبلاد منّ الله عليها بكل النعم، من موقع متميز يتحكم في حركة التجارة العالمية، لأرض طيبة خصبة جادت عبر آلاف السنين، ونيل كريم أوصل الماء العذب لنا قروناً دون عناء، بلاد تحتضن معظم آثار العالم وأروع شواطئه، بلاد صحراؤها تجود بالمعادن وجبالها بالذهب وسيناؤها بالفيروز، فقراء لأننا سلمنا هذه الثروات لمن جرفوها وما زالوا؛ لتمتلئ بنوك العالم، وليس أدل على ذلك من التقرير الصادر عن المركز العربي للنزاهة والشفافية في يونيو 2015 الذي أكد أن الأموال التي خرجت من مصر فقط بعد يناير 2011 تقدر بــ 132 مليار دولار!!

هل تتخيلوا ضخامة هذا المبلغ الذي من شأنه كف يد التسول التي امتدت لرز الخليج فأصابتنا بالعار دون النعم التي بشر بها تواضروس؟

وإذا كان هذا هو المبلغ الذي خرج من مصر فقط بعد ثورة يناير/كانون الثاني، فكيف إذا بحثنا عن الأموال التي جرفت في 30 عاماً اعتلى فيها آل مبارك حكم بلادنا، وفي العهدين السابقين لعهده.

نعم بلادنا فقيرة؛ لأنها استسلمت للعبودية، بلادنا فقيرة؛ لأنها لم تدعم الأحرار الذين رهنوا حياتهم دفاعاً عن شعبها بالقدر الكافي.

بلادنا فقيرة؛ لأنها استسلمت لمن خدعها باسم القومية والاشتراكية، أو باسم الانفتاح والتعددية الديكورية، أو باسم العمل الدؤوب لمحدودي الدخل، وأخيراً.. استسلمت لمن صنعوا هالة وهمية وقداسة مزيفة لمؤسسة عسكرية هناك الكثير من الشكوك حول مهنيتها، وقد خذلتنا في 48 و56 و67 وعند الثغرة التي أنهت حرب أكتوبر/تشرين الأول والأعداء على بعد أميال قليلة من عاصمتنا القاهرة.

ماذا فعلنا؟

صدق السيسي أيضاً وهو يعاير المصريين قائلاً: انتو عملتوا إيه؟

نعم ماذا صنعنا؟ هل ثُرنا على عبد الناصر بعد نكسته وأسقطناه وافتلينا من بين ظهرانينا قائداً فذاً كالفريق سعد الدين الشاذلي ليقود باسمنا معركة التحرير واسترداد الكرامة، ويا لَلعجب.. لقد صمتنا حين أمر مبارك بحبس أفضل من أنجبت العسكرية المصرية ثلاثة أعوام، ربما ما كانت تحلم بهم اسرائيل ليلة 8 أكتوبر 73.

ماذا صنعنا؟ هل ثُرنا وحاكمنا السادات الذي أصر على تطوير الهجوم شرقاً يوم 14 أكتوبر فساق للذبح مئات من الضباط والجنود قضوا في ساعات نهار فضلاً عن تدمير مئات المدرعات التي ضربنا أعناق الإبل والمعاناة لتدبير أثمانها؟

ماذا صنعنا حين قادنا السادات للارتماء في حضن أميركا وتوقيع سلام مع الصهاينة لطخنا كلنا بالعار، بوعد بالرخاء؟ وماذا صنعنا حين ضاع حلم الرخاء؟

ماذا صنعنا ونحن نرى حاملات الطائرات الأميركية تعبر قناة السويس لدك عراقنا الحبيب الذي احتضن مئات الآلاف من المصريين الذين انتشلوا أسرهم من الفقر الذي يعايرنا به السيسي عبر تحويلاتهم؟

ماذا صنعنا حين أطل علينا جمال الوريث بفكره الجديد الذي كان من شأنه أن تزداد طبقة رجال الأعمال توحشاً، ويزداد الفقير سحقاً، والطبقة المتوسطة انحساراً وهي الطبقة التي تحمل القيم الأصيلة للمجتمع وإمكانية إنجاب العلماء والمبدعين والمبتكرين؟

نعم خرجنا في ثورة ولكنها لم تكتمل، سرقت كما تسرق الأحلام من الغلمان حديثي السن معدومي الخبرة.

انتو عملتوا إيه؟
صفعة صادقة من السيسي علنا نفيق، صفعة طالتنا جميعاً، ونتحمل مسؤولية الرد عليها جميعاً فكيف السبيل؟

في مصر التي صنعت جهاز الكفتة لسنا بحاجة لاختراع العجلة، ولعلنا ونحن بهذا الوهن لا نستطيع، والحل يعرفه القاصي والداني لنقل البلاد من الفقر الذي نُعير به لمصاف الدول القوية الغنية مستلهمين تجارب عديدة صنعت ذلك فقط بعد الانتقال إلى الحكم الرشيد الذي يعمل لصالح الشعب وليس لصالح أعدائه.

بات من المعلوم يقيناً أن المؤسسة العسكرية لن تتخلى عن نفوذ الحكم وامتيازاته إلا بثورة شعبية حقيقية ليست كسابقاتها، ولكن وقد فشلت كل دعوات النزول من بعد الانقلاب حتى مرت الذكرى السادسة دون حراك يذكر، يجب أن نبحث عن آلية عمل شعبي جديدة تسبق دعوات الحراك.

يجب أن نكون قد أدركنا أننا لسنا في حالة سلام مجتمعي، وأن أحداث السنوات الست الماضية قد عمقت الجراح والانقسامات البينية، وصارت حواراتنا جميعاً أكثر حدة وصخباً، وهذا هو الوقود النافع الدافع لعجلة السيسي؛ لذا فإن أولى مراحل إسقاطه يجب أن تكون وقف هذا التدفق غير المبرر لمشاعر الكراهية بين صفوف الشعب الراغب في غد أفضل متكافئ.

لا يمكن اعتبار مبادرة ميثاق الشرف الوطني التي اجتمع عليها سياسيون من الداخل والخارج لبنة يمكن البناء عليها لا لشيء سوى أن البناء عليها قد تأخر، وهي آفة إهدار الوقت التي ما زلنا نعاني منها، ولكنها مؤشر رائع يعكس كوننا لم نفقد بعد سبل العمل المشترك من أجل إنقاذ هذا الوطن.

ولو كان السيسي قد جعل عام 2016 هو عام الشباب فسحق الشباب، وعام 2017 عام المرأة وها هي تئن تحت جحيم الأسعار وانسداد الأفق وهي الأكثر بحثاً عن الاستقرار والحياة الهادئة، فلنجعل نحن عام 2017 عام اللُّحمة المجتمعية، عاماً ننبذ فيه جميع المصطلحات التي تدعو إلى التفرقة والتشرذم، مثل سيساوي ومرساوي وثورجي وفلول، دعونا نتفق أننا جميعا نعيش في بلد "فقيرة قوي" وأن الحكم العسكري الذي دفعه إلى الهاوية بات يعايرنا بهذا الفقر وهم الذين نهبوها وأفقرونا، دعونا نتفق أن يكون عام 2017 هو عام المبادرة صوب الآخر ما عدا الذي تورط في دم أو حرض عليه،

دعونا نغزل رسائل حب كل الحب لكافة المصريين، دعونا نتفق أننا تألمنا جميعاً وخُذلنا جميعاً، أننا حلمنا جميعاً وغدر بنا جميعاً، دعونا نتفق أننا في مربع الهزيمة نتابع جسدنا العربي الذي يتم التهامه قطعة بعد قطعة، دعونا نتفق أننا بضعفنا أصبحنا مُهيئين لأي مخطط مرعب أراده الأعداء لنا، دعونا نتفق أننا جميعاً نرفض هذا الواقع.

دعونا ولو لفترة إنقاذ نلفظ الحزبية ونؤجل الأيديولوجية حتى نسترد الحرية، فالمسلمون الأوائل لم يجهروا بالدعوة حتى مكن الله لهم سُبل الجهر بالدعوة، ورخص لهم حتى إنكار الإيمان للنجاة، بالطبع أنا لا أقر بعودتنا تماماً للجاهلية الأولى كي تسرى علينا أحكامها، ولكن يبقى السعي إلى الحرية مقدماً على فرض الأيديولوجية، بل إن الهوية الإسلامية ليست إلا عبودية لله وحده وحرية تامة أمام ما هم سواه، لا سيما طواغيت البشر، وهذا لا يتحقق إلا بعد انتزاع الحرية.

لنتفق أننا جميعاً مصريون ننتمي إلى وطن عظيم هو الأقرب إلى الإفاقة والإنعاش قبل جيرانه ما من شأنه إنقاذ أمتنا التي تلتهم، وهو قدر مارسته مصر من قبل حين صدت عن أمتها كيد الصليبيين وهمجية المغول.

الأربعاء، 30 نوفمبر 2016

فقلت هما أمران أحلاهما مُر

فقلت هما أمران أحلاهما مُر


حسام الغمري

أمران حدثا في الأسبوع المنصرم ذكَّراني ببيت شاعرنا العربي أبي فراس الحمداني الذي قال فيه:

وقال أصحابي الفرار أو الردى ** فقلت هما أمران أحلاهما مُرّ

أولهما الحديث عن المصالحة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام العسكري الباطش في مصر، رغم يقيني أن الحوار والمصالحة هما النهاية المنطقية لأي صراع، ورغم تكرار النفي الرسمي من جماعة الإخوان المسلمين عبر بيانات عديدة، فضلاً عن حوار أجراه الدكتور مصطفى الفقي، المقرب دوماً من النظام -قبل أيام- تحدث فيه عن شروط عبثية لإتمام هذه المصالحة، كإعلان الجماعة حل نفسها، على غرار ما فعله الحزب الشيوعي المصري في زمن عبد الناصر.

على أية حال فحوار الدكتور مصطفى الفقي بلغ من الرداءة السياسية مبلغاً بعيداً، كما بدا متأثراً بأصداء فضيحة تزوير أصوات الناخبين في دائرة دمنهور، التي مكَّنته من دخول برلمان مبارك، رغم أحقية القيادي الإخواني الدكتور جمال حشمت بالمقعد البرلماني.

والسبب أن شواهد المصالحة أكثر جلاء من بيانات النفي الرسمية، أعتقد أنها بدأت قبل الخامس والعشرين من يناير/كانون الأول 2016، حين تم تغيير المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان والملقب تيمناً بمحمد منتصر، الأعلى نبرة قبل يومين من حراك شعبي متوقع، ثم ظهور الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين مع الإعلامي أحمد طه بحديث هادئ النبرة، سمعنا بعده أخبار انقسام لا نتمناه في الجماعة وجدل حول الثورية والعقلانية أعقبته قرارات فصل لا نتدخل فيها بالطبع، ولكنها عطلت دون شك العمل المقاوم.

ظهور طنطاوي، المرشد الأعلى للقوات المسلحة، في ميدان التحرير، عقب فشل الغلابة في الحشد، وحديثه المعد سلفاً عن الشعب الواحد، وكأنه يريد أن ينهي الخرافة التي أطلقها علي الحجار بأغنيته البائسة: "إحنا شعب وانتو شعب"، كان مؤشراً هاماً لا تخطئه عين، لا سيما بعد حديثه عن إلغاء متوقع لأحكام الإعدامات التي طالت قيادات الجماعة.

لم يتأخر نائب المرشد إبراهيم منير طويلاً في رد التحية بأحسن منها، وتحدث عن شرفاء داخل المؤسسة العسكرية وتلميحات حول المصالحة.

ولكن المؤشر الأهم هو قيام القاضي الأشرس شعبان الشامي بإصدار أحكام بالبراءة لحوالي 16 عضواً من أعضاء جماعة الإخوان صنِّفوا من قِبل دولة السيسي بأنهم ضمن ما يسمى باللجان النوعية داخل الجماعة.

كواليس قيادات الجماعة بالخارج تتردد فيها عبارة تنظيرية جديدة تتحدث عن الفارق بين إسقاط النظام وإسقاط الدولة، وهو حوار تنظيري أتفق معه تماماً على المستوى النظري، ولكن أرتاب في توقيته، مهما بلغت رومانسية ونقاء هذا التنظير!

أعترف أن أحداً لا يحق له التدخل في شؤون الجماعة الداخلية، أو اتخاذ القرارات نيابة عنها، أو توصيف ما يجب عليها فعله وما يجب ألا تفعله، ولكن ليتهم يتذكرون أن ملايين المصريين صوَّتوا لهم أكثر من مرة، أي أنهم وضعوا في أعناق الجماعة أمانة الحفاظ على ثورة يناير وإدارة مكتسباتها، والخوف كل الخوف أن تستخدم الجماعة من جديد في إعطاء قُبلة حياة لنظام السيسي بعودتها لرعاية شريحة داخل المجتمع لم تطَلها مظلة دولة مبارك رغم وجود 36 مليار دولار كاحتياطي في البنك المركزي ليلة تخليه عن السلطة.

يدرك النظام العسكري أن هذه الشريحة التي اعتادت جماعة الإخوان على تقديم العلاج لها بجنيهات قليلة، وتوفير الدواء وغيره من الخدمات بأسعار رمزية، قنبلة موقوتة ستنفجر في وجهه إن آجلاً أو عاجلاً على الرغم من عدم نزولها الشارع في 11 /11، وما أحوج النظام المترنح اقتصادياً، والذي يحاول أن يبتز أوروبا تارة بالمهاجرين المحتملين، وتارة بخمسة ملايين مهاجر يدَّعي أنه يرعاهم، ما أحوج النظام لجماعة الإخوان كي تنقذه من محنته الاقتصادية المستفحلة في مقابل تخفيف الضغط عن أسرى الجماعة ومطارديها، ويبقى تباطؤ جماعة الإخوان في المشاركة في الجلسات التحضيرية للجمعية الوطنية المصرية لغزاً محيراً، على الرغم من ثنائهم المعلن دوماً على أي عمل وطني يبني مظلة جامعة بمرجعية أهداف وشعارات ثورة يناير.

ولعلي أستعير في هذا الصدد بعض عبارات قالها المشير طنطاوي، حين كان حاكماً للبلاد باسم المجلس الأعلى المكلف من مبارك، طالب فيها جماعة الإخوان بتدبُّر دروس الماضي، والماضي مليء بالدروس والعبر.

كما تابعت في أسبوعي هذا وثائقي العساكر الذي بثَّته قناة الجزيرة بسبب الضجة الكبيرة التي صنعها إعلام النظام حوله، وأنا كواحد من الملايين الذين خدموا في القوات المسلحة أؤكد أن ما جاء بهذا الوثائقي نزر يسير مما هو في واقع المجند المصري، وأفهم قيمة أن تتبنى شاشة عملاقة كشاشة قناة الجزيرة هذا الملف، وأبشع ما ورد فيه هو الإهمال في تدريب جنودنا كمقاتلين، بل لعل كلمة إهمال غير مناسبة؛ لأن تجربتي أثبتت أن الشيء الوحيد الذي لا نتعرض له أثناء خدمتنا في الجيش هو التدريب القتالي، بدليل خسائرنا المؤلمة في سيناء، ومع ذلك.. كنت أتمنى ألا أشاهد هذا الوثائقي على أي شاشة، فالجرح غائر، والفضيحة مدوية، رغم إدراكي أنه لا إصلاح دون مكاشفة، ولا تغيير دون مواجهة، ولا انتصار بغير صبر، وهما في حالة جيشنا أمران أحلاهما مُر.

إن الحديث عن تقديم تنازلات مؤلمة ذكَّرني بما قاله شارون وهو يجر أذيال الخيبة فاراً من غزة هادماً المستوطنات التي بناها بسبب ضربات المقاومة الباسلة التي جعلت ثمن بقائه على الأرض فادحاً، بل غير محتمل، أما الحديث عن تقديم تنازلات لمندوبيهم في حكم مصر لهو العوار بعينه، ليس فقط لأن أحداً من المعارضين للحكم العسكري يعزو إليه أسباب سوء وضع النظام اقتصادياً، فبالتالي يتفاوض للكف عن ذلك، ويقبل ببعض التنازلات، فإدارة السيسي تُفشل نفسها بنفسها دون أي مساهمة تذكر منا جميعاً، بل نحن فشلنا حتى في تكوين تحالف سياسي واسع من معارضي السيسي في الداخل والخارج، وتبنّي وتسويق خطاب يقبله المنسلون من معسكر 30 يونيو/حزيران.

كما يتبادر إلى ذهني تساؤلات بمجرد سماع أحاديث المصالحة عن وجود ضمانات حقيقية لأي تسويات محتملة مع هذا النظام الغادر، والأولى من إظهار البراعة السياسية فقط عند الحديث عن التنازلات كمفهوم راسخ عند بدء أي مفاوضات سياسية يدركه طالب الفرقة الأولى في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الدفع باتجاه الجمعية الوطنية، والتنازل لأبناء الصف الواحد، والهم الواحد، ومعركة الحرية الواحدة من أجل سرعة الانتهاء من تكوينها لتضمّنا جميعاً في مواجهة النظام القمعي.

إن الثورة قادمة لا شك لديَّ في ذلك، والسؤال: هل ستكون ثورة ضد النظام فقط أو ستكون ضد النظام وحواشيه؟!

الأربعاء، 9 نوفمبر 2016

وهكذا انتصرت ثورة الغلابة

وهكذا انتصرت ثورة الغلابة


حسام الغمري

كنت أتابع معركة الجمل عبر شاشات قناة الجزيرة بصحبة أخي الأصغر لظروف وجودنا خارج القاهرة، وهو الذي لا يعمل بالسياسة أو الإعلام، ورغم ذلك قال لي: "دي أول معركة بين إرادة المصريين الحقيقية وإرادة الصهاينة في القرن الجديد".
وجدته حينها بعفوية أصاب كبد الحقيقة، فموقعة الجمل لم تكن فقط بين أولئك الذين أرادوا استمرار نظام مبارك، الكنز الاستراتيجي، وبين مَن أرادوا لمصر الحرية، ولم تكُن بين أولئك الذين باتوا على استعداد لسحق بني جلدتهم من أجل بضعة جنيهات، ولكنها كانت بين من صمَّم لمصر هذا المصير، كي تهنأ إسرائيل بحدود جنوبية لا أقول هادئة؛ بل أقول متعاونة لأبعد مدى، وبين مَن أرادوا تحرير مصر من هذا المخطط الملعون.
كانت مشاعرنا بالطبع تدعم هؤلاء الشباب الذين ضحوا بدمائهم من أجل الكرامة، وتلعن أولئك المغيبين الذين شوَّهوا صورة ثورتنا الجميلة بالجِمال والجياد في صراع جعلوه أشبه بذلك الذي كان يحدث في العصور الوسطى.
ولكن يبقى السؤال الأهم: إن كان الفقر والجهل هما ما دفع هؤلاء للهجوم على الميدان بهذه الصورة المقززة، فما الذي يحمله المستقبل لهذا البلد وقد ارتفع حاجز الفقر ليشمل 28% من المصريين وفق إحصاءات الجهاز المركزي للمحاسبات.
ومرت الشهور واستطاع السيسي وحزبه بخبث ودهاء تحويل المعركة المصرية المصيرية من معركة الحرية والكرامة إلى معركة ضد قوى الشر الوهمية، متمثلة في جماعة الإخوان المسلمين ومحبيها، وأيضاً كل المدافعين استحقاقات ثورة يناير/كانون الثاني، المدركين لبشاعة وفظاعات الحكم العسكري.
ثم حدث انقسام داخل الانقسام؛ حيث ظل جزء من الرافضين لانقلاب 3 يوليو/تموز متمسكين بعودة الرئيس محمد مرسي، وقسم آخر يرى حتمية توحيد الشعب خلف مبادئ وشعارات ثورة يناير حتى إسقاط النظام العسكري، ثم يُترك الأمر للشعب؛ ليقرر ما سيكون بعد ذلك.
وانتقل التلاوم والتلاسن بين أنصار كل رأي، وصولاً إلى التخوين والاتهام بالعمالة.
ثم حدثت المفاجأة وصدمنا جميعاً بانقسام آخر يضرب جماعة الإخوان ويشطرها إلى نصفين؛ نصف متهم بالراديكالية التعايشية مع الأنظمة، وآخر متهم بالإفراط في الثورة، وكأن السيسي ينتظر هدية من الفصيل الأشد تضرراً منه وتألماً من ممارساته بأن ينقسم ضعفاً على نفسه ويتصارع مكتبياً وإدارياً!
كما تم فصل أسماء كبيرة عرفنا بها ومنها ومن خلالها روعة ونقاء جماعة الإخوان.
وفي ظل هذا الأفق المنغلق، أُريد لدعوة ثورة الغلابة أن تنتشر ليسمع بها جميع أهل مصر المحروسة، بعض الشكوك صاحبت هذه الدعوة بسبب قيام إعلام النظام بالترويج المستمر لها، وكانت الفرضية الرائجة أن السيسي يحاول تضخيم هذه الدعوات حتى يمرر قراراته الاقتصادية التي ستسحق الغلابة، وهو ما حدث بالفعل، ولم يتداعَ الشعب تلقائياً كما حدث في يناير 77، وهو السيناريو الذي يخشى منه النظام؛ لأن الجميع بات ينتظر "11 - 11"، وهكذا يتم امتصاص الصدمة.
انتصرت ثورة الغلابة؛ لأنها رفعت الشعار الذي استطاع توحيد قوى الشعب الثائر، واستطاعت تخطّي الجدلية الأزلية حول عودة الدكتور مرسي.
نجحت لأن كل القوى والتيارات السياسية أصدرت بيانات بها تعاطف، إما صريحاً، أو ضمنياً مع السحق الذي يتعرض له الغلابة في ظل اختطاف السيسي وزمرته لمقعد القيادة في مصر.
انتصرت؛ لأنها طالبت بتخفيض الأسعار التي بات يكتوي من لهيبها معظم من يعيش في ربوع المحروسة.
انتصرت؛ لأنها تطالب بمضاعفة الحد الأدنى للأجور إنصافاً لملايين المصريين الذي صدقوا الحكومة وانتموا إليها فتركتهم، إما لفساد مهين أو فقر مدقع، كما طالبت بربط الزيادة السنوية للمرتبات بالتضخم وارتفاع الأسعار في إسقاط واضح للقانون المسيء الذي سمَّاه السيسي قانون الخدمة المدنية.
انتصرت ثورة الغلابة؛ لأنها تطالب بالمساواة بين أجور العسكريين والمدنيين الذين يعملون في الدولة.
انتصرت؛ لأنها تطالب برفع مخصصات الصحة والتعليم في الموازنة العامة وفقاً لما حدده الدستور كحد أدنى، بدلاً من إهدار أموال المصريين في صفقات مشبوهة مثل الرافال والمستيرال.
انتصرت؛ لأنها تطالب بتوفير إعانة بطالة لمدة عامين لا تقل عن نصف الحد الأدنى للأجور لكل مصري فشل النظام العسكري في خلق الوظائف المناسبة لاستيعابه وتمكينه من استكمال دورة حياته بصورة طبيعية مُرضية.
انتصرت؛ لأنها تطالب بفتح المصانع المغلقة، والخاسرة، والأهم أنها تطالب الجيش بالخروج من الأنشطة التجارية والاقتصادية والتفرغ لدوره الأسمى في حماية الحدود وتصنيع الأسلحة وتصديرها للأشقاء.
انتصرت؛ لأنها تطالب بتقديم كشف حساب للشعب عن المعونات الخليجية وأين ذهبت؟ ومحاسبة المسؤولين عن اختفائها!!
انتصرت؛ لأنها تطالب بوقف التنازل عن ثروات مصر وأراضيها ومحاسبة من فرطوا فيها.
انتصرت؛ لأنها تطالب بوقف الإنفاق على المشاريع الوهمية، المشاريع التي كان الهدف منها فقط منح شرعية الإنجاز الوهمية للسيسي، ومحاسبة المسؤولين عنها وإعادة ما أنفق عليها للشعب.
انتصرت؛ لأنها تطالب بتنفيذ الحد الأقصى للأجور في الدولة وإلزام جميع القطاعات به.
وقبل كل ذلك وبعده، القصاص لجميع شهداء الثورة منذ الخامس والعشرين من يناير وحتى موعد إسقاطها لهذا النظام الخائن.
مَن في مصر كلها شرقها وغربها، مِن مطروحها أو سينائها، من صعيدها أو رشيدها يمكن أن يختلف مع هذه المطالب اللهم إلا المنتفعون مُكدسو الثروات زبانية هذا النظام مصّاصو دماء الغلابة الفقراء.
من يجرؤ أن يعترض ولو على مطلب واحد من هذه المطالب التي من شأنها حال تحقيقها إعادة توزيع الثروات والدخول مما يحتم إحداث انتعاشة فورية في الاقتصاد، وتحفيز أصحاب الصناعات البسيطة والمتوسطة لإشباع شرائح الدخول الجديدة المتولدة، مما يساهم بشكل جدي ومباشر في خلق وظائف جديدة.
من ينكر حجم معاناة الغلابة طوال ستة عقود ذاقوا فيها الويلات بسبب حكم عسكري ظالم أعاد إلى الأذهان ذكريات نهايات عهد المماليك، أما آن الأوان أن يشارك الغلابة مباشرة وعبر ممثلين حقيقيين في تقرير مصيرهم.
إن عدم النزول يوم 11 - 11 يعني منح السيسي تفويضاً جديداً لسحق المواطن المصري لصالح شريحة تمتص ثروات البلاد لترسو في النهاية أرصدة مخبأة في البنوك الأوروبية.
قد لا يحسم الأمر يوم الجمعة المقبل، ولكنه دون شك سيكون من الأيام الفارقة في طريق الحرية التي تنتزع ولا تمنح، ويبذل في سبيلها الدماء، ولا يقعد دونها سوى العبيد.

الأحد، 16 أكتوبر 2016

بتصفية "كمال" الغلابة يأكلون لحم السيسي

بتصفية "كمال" الغلابة يأكلون لحم السيسي



حسام الغمري

تحدثت مع سائق التوك توك الذي قال لها:

- يا مدام، أنا بقالي كام يوم موش لاقي لبن لابني.. وقلت لمراتي لو موش هتستحملي روحي بيت أهلك.. وأنا نازل ثورة الغلابة واللي يحصل يحصل.

وأرسلت سيدة أخرى قائلة:-

- احنا في مصر وصلنا لأبعد حدود الظلم والفساد وفيه ناس كتير تعبانة، لكن خايفة، ومحتاجة أعداد كبيرة تنزل عشان تتشجع وتنزل.. 
هي بتراقب الوضع لكن بأمر الله أنا بنت وهنزل عشان الظلم والقهر خنقنا، وكفاية حكم العسكر لحد كده البلد بتضيع.. وعلى فكرة أنا بنت عميد في القوات المسلحة، رحمه الله، يعني أنا بنت العسكر، ويسقط يسقط حكم العسكر.
تحدثت سيدة ثالثة قائلة:-


- كلنا نفسيتنا وأعصابنا تعبت..
وبقينا قاعدين منتظرين مين فينا اللي عليه الدور.. يا رب فرجك علينا ونصرك معانا.. يا رب لقد بلغ الظلم مداه.. صفّوا الدكتور محمد كمال من غير حتى محاكمة.. دي ما بقتش بلد.. دي بقت غابة بتحكمها عصابة.

ربما لم يكن من ضرب موعداً لثورة الغلابة أحداً من كبار رموز المعارضة المصرية، أو قطباً من أقطاب السياسة الذين يشار إليهم بالبنان ، ولكن لا يوجد من ينكر اليوم أن أحداً لم يسمع عن 11/11، أو ما تسمى ثورة الغلابة، وذلك لعدة أسباب، لعل أبرزها هو كونها مجهولة النسب، فلو كان الإخوان رغم جراحهم، وآخرها جريمة تصفية الدكتور محمد كمال عضو مكتب الإرشاد، ورفيقة ياسر شحاتة هم مُطلقيها لخرج من وصف الدعوة بالثورة الإرهابية أو أنها أمل ما زال في كرسي الحكم، ولو أطلقها أكاديمي نخبوي مثل العالم الجليل الدكتور سيف عبد الفتاح، لظن البعض الغارق في إشكالية الهوية رجماً بالغيب، أنها قادمة من واشنطن لتغييب الهوية الغائبة بالفعل على أرض الواقع، فالشارع في حالة رفض حاد لكل ما تنتجه النخبة لأسباب عديدة مع وجود سلة اتهامات جاهزة لأي نتاج فكري من شأنه توحيد الصف المهترئ.

ومن الأسباب أيضا هو التوفيق غير العادي لمن أطلق هذا المسمى - ثورة الغلابة - على الثورة القادمة، فلقد ضرب بهذا الاسم كبد الحقيقة، ولعب على أكثر نقاط السيسي ضعفاً، وهي قسوته المفرطة ضد الغلابة، ودفعه المحموم باتجاه تنفيذ اجندة صندوق النقد الدولي المشبوهة دوماً، فباتت أنات الغلابة الذين اكتووا بجحيم ارتفاع الأسعار تملأ الافق وتهدد أجهزة الإفاقة التي يستمر بها نظام السيسي الميت إكلينيكياً، في الوقت الذي تنعم فيه حاشيته من الضباط والقضاة بزيادات مُفرطة في رواتبهم وامتيازاتهم، حتى بات خبر رفع معاشات الضباط أو بدلات القضاة أشبه بخبر الكلب الذي عض رجلاً، لا يثير اهتمام الصحافة من كثرة تكراره، وبكل أسف أقول إن الخبر الذي بات لا يلفت الانتباه أيضاً لكثرة تكراره هو خبر سقوط ضحايا في سيناء!

لم يكن توفيق صاحب الدعوة فقط في اختيار اسم ثورة الغلابة، بل قد وفق أيضاً في اختيار تاريخ 11 / 11 ليكون موعداً لانطلاق الثورة، فرقم 11 اكتسب هيبة وبات مرتبطاً بالأحداث الكبرى منذ 11 سبتمبر/أيلول، و11 / 11 اختيار به ملمح من براعة الملحنين الموسيقيين، حين يختارون جملة موسيقية مميزة بهدف أن تلتصق بالأذن بسرعة فيطلقون عليها حينئذ " مذهب زي البومبوناية"!!

يحاول البعض، ولهم كل الاحترام والتقدير، لطرحهم تشبيه ثورة الغلابة بحركة تمرد، لدرجة أن البعض اطلق عليها بالفعل تمرد 2، وكأنه يريد أن يوحي بأن جهة ما داخل المؤسسة الامنية بمفهومها الواسع، رأت أنه لم يعد من المناسب أن يكمل السيسي ولايته الأولى، لأن في ذلك تهديدا كبيرا للدولة العميقة بكل امتيازاتها المتراكمة عبر عقود، أي أن السيسي أصبح خطرا على النظام، وبات التخلص منه أولوية حتى يستطيع النظام أن يحافظ على نفسه ومكتسباته، ويستثمر آليات بقائه المستندة على الآلة العسكرية التي فقدت الكثير من بريقها بسبب أداء السيسي المهترئ، ومعهم بالطبع كل الحق، فالسيسي الذي بدأ ومعه العالم كله شرقا وغربا مدعوما بأرز الخليج والنفوذ الصهيوني، صار عبئا على الجميع، يراه الخليج خائناً مبتزاً مهدراً للمليارات، وتراه أميركا الشخص الذي بسببه ستصل مصر إلى مرحلة الانفجار، مما يهدد مصالحها في بقائها مستقرة، وترى أوروبا أنها ابتزته بما يكفي بالرافال والميتسرال وعقود السيمنز وقطارات المجر، ويرى الروس أنه قدم ما لديه في الضبعة وشرق بورسعيد، وبالقمح الملوث بفطر الأرجوت الذي مرره للمصريين وكأن قائمة الأمراض التي ابتلوا بها تنتظر المزيد.

وتبقى إسرائيل التي منحها السيسي رفح المدمرة، وغزة المحاصرة بعد أنفاق مهدمة، وسيناء المشتعلة المغمورة أجواؤها صبح مساء بطائرات الصهاينة الزنانة بحجة التنسيق الأمنى المشترك ضد الإرهاب، وكأن سيناء البطولات قد خلت من رفات شهدائنا ومنهم أسرى ذبحتهم إسرائيل بدم بارد عام 67، وقبل كل ذلك وبعده، تعترف إسرائيل بحجم امتنانها للسيسي؛ لأنه وجه ضربات موجعة للجماعة القوية المنظمة التي تعمل بصدق ضدها منذ عام 48، والذي ذكّر الرئيس المنتخب من بين ظهرانيها بالحنين إلى القدس إبان عدوانهم الهمجي على غزة في 2012، وهو من أبى أيضاً أن ينطق باسم كيانها الغاصب في أي من خطاباته أو لقاءاته التليفزيونية، وكأنه يسحب اعتراف السادات الضمني بإسرائيل بتوقيعه كامب ديفيد، ويكفى جماعة الإخوان فخراً كون حركة حماس التي أذلت إسرائيل وحطمت كبرياءها جنيناً شرعياً لها أثمر صبيا نابها فاق أبويه ذكاء وحكمة وصلابة وسياسة وعسكرية!!
ولكن إسرائيل ذكية بما يكفي للتخلص من أوراقها المحروقة، ولها في التاريخ حوادث مشابهة مشهورة، وتبقى القاعدة السياسية الذهبية التي تقول إنك يجب أن تتهيأ للرحيل حين لا يبقى لديك شيء لتقدمه، وهذا هو واقع السيسي اليوم بالنسبة لمن وضعوه على الكرسي الذي يستحق منصة الإعدام جزاء وفاقاً وليس الجلوس عليه.

فقط الشريحة التي ورطها السيسي في جرائمه تتمسك به، الشريحة التي تخشى ان تقدم للمحاكمة العادلة بمجرد غياب السيسي عن المشهد، لذا فليس من المستبعد أن تدافع عن السيسي الذي ربطت مصيرها ببقائه حتى النهاية، ولعل أبرز مثال على ذلك هو الدعوة الوهمية التي نادى بها الإعلامي الانقلابي عمرو أديب باسم الشعب، يأمر ومين يصدق أن التاجر الذي يعاني أصلا من كساد في حركة البيع والشراء يحتاج إلى ندائه المضحك كي يخفض من أسعار بضاعته 20%، ولكنه الخوف من مصيرهم الذي بات قريباً، هو ما يدفعهم إلى الاستمرار في هذه المسرحيات الهزلية، ما أسخفهم!

إن صدقت فرضية أن جزءاً من المؤسسة الأمنية يدعم ثورة الغلابة، فسيكون هذا بغية وضع الغلابة في كفة ميزان أمام هذه الشريحة الأكثر التصاقا بالسيسي والمتمتعة بثروات ضخمة وأوزان نسبية كبيرة، والنصر بالطبع سيكون للغلابة الذين اكتووا بكير الغلاء وفجيعة جرائم كتلك الجريمة البشعة التي حدثت للشهيد محمد كمال وصاحبه.

الرأي الوحيد الذي اجتمع عليه عقلاء هذه الأمة أنه لا حل للأزمة المصرية إلا بعد اختفاء السيسي، وأن استمراره يعرض مصر لأصعب السيناريوهات، وأنه يخطو بها صوب الهاوية بتسارع غريب، لذا فإن دعم ثورة الغلابة ضرورة وطنية، فضلا عن كونها ضرورة أخلاقية تعيد الغلابة إلى المشهد رقما مهما لن يستطيع أحد بعد ذلك تهميشه، فالغلابة هم من اضطرتهم السياسات الخاطئة والفساد المتأصل والنهب المنظم لخيرات البلاد إلى ذبح السيسي وأكل لحمه في استدعاء مأساوي للشدة المستنصرية التي عرفتها مصر من قبل، ولكن في زمن يعيش فيه الإنسان العادي فوق تلال من الرفاهية والكرامة الإنسانية التي خرج من أجل تحقيقها الشباب يوم 25 يناير/كانون الثاني.

وأخيراً فبقدر ما آلمني ما حدث للدكتور محمد كمال ورفيقه، إلا أنني أتمنى أن تكون هذه الفاجعة سبباً لإنهاء انقسام جماعة الإخوان، فلا ثورة دون الجماعة، ولا جماعة إلا بالاتحاد وإنهاء الانقسام غير المبرر أمام وحش دموي يبدو أن تعطشه للدماء لا ينتهي.

الثلاثاء، 27 سبتمبر 2016

عنبر العقلاء.. أم الدنيا سابقاً

عنبر العقلاء.. أم الدنيا سابقاً


حسام الغمري

عزيزي الإنسان، إذا أردت أن تعرف كيف انهارت الأوضاع في مصر المحروسة، بلد الــ100 إنسان تحمل جيناتهم ميراث حضارة عظيمة أبهرت العالم يوماً وما زالت.. 
حضارة استوعبت حضارات أخرى ثم صارت بمثابة القلب لإمبراطورية عالمية استمرت ثلاثة عشر قرناً من الزمان!!

إذا أردت أن تعرف كيف انهار فيها نظام التعليم والصحة، كيف يلفظ اقتصادها أنفاسه الأخيرة على مرأى ومسمع من أبنائها، كيف كبلتها الديون الخارجية! ..
كيف باتت تفرط في أرضها، كيف أتت بالروس وملكتهم آلاف الأمتار شرق بورسعيد ومكنتهم من الضبعة.

عزيزي العاقل، إذا أدهشك انهيار قطاع السياحة فيها وهي تحتضن ثلث آثار العالم وشواطئ مبدعة، إذا تذكرت أن قطاعاً للصناعة أنشئ في بدايات القرن التاسع عشر ومصانع للأسلحة، ثم فوجئت أن أعظم صناعاتها اليوم هي صناعة الكحك والبسكويت.

عزيزي المدرك، إذا لاحظت أن الشركات الكبرى تهرب من مصر، والعلماء ينزحون عنها، وإعلامها تحول إلى وصلات مستمرة من الردح البلدي البذيء، إذا وجدت شعبها يتدرج من أكل القمح المسرطن إلى لحوم الحمير، ثم الفاكهة والخضراوات ببقايا الروث.

عزيزي المندهش، إذا تأكدت أن مصر أصبحت لا تفهم تاريخها وجغرافيتها وأبداً لا تحسن استغلال مواردها فإليك السبب:

قبل أيام بث التليفزيون الرسمي للدولة على شاشته الأولى لقاء تليفزيونياً مع اللواء أركان حرب نجم الدين محمود، مدير المتحف الحربي، أي من وجد فيه قادة عسكرنا الأشاوس الفهم والقدرة على تحمل أمانة التاريخ، ممثلاً في المتحف الحربي.

سأله المذيع عن أهم معارك الجيش المصري "برجاء ملاحظة أن البرنامج لم يكن كوميدياً أو ترفيهياً". فأجاب:- " أهم معارك الجيش المصري معركة حطين في عصر الفراعنة بقيادة تحتمس الثالث ضد الحيثيين وانتصر فيها تحتمس".

"برجاء ملاحظة أن السيد مقدم البرنامج مرر هذه المعلومة ولم يجرؤ على تصويب سيادة اللواء أو ربما ظن صحة هذه المعلومة".

ثم قال أيضاً:- معركة عين جالوت كانت بقيادة صلاح الدين وانتصر فيها صلاح الدين على الصليبيين.

" كالعادة مرر سيادة مقدم البرنامج المحترم هذا الهراء".

ثم تحدث سيادة اللواء عن معركة بحرية سماها "نسيب" كان قائدها الابن الأكبر لمحمد علي باشا وكانت هذه المعركة في الأستانة.

مقدم البرنامج الحكومي كان كالهواء لا لون له ولا طعم ولا رائحة".

ليست الكارثة أن المتحدث برتبة لواء، فلقد أتحفنا السادة اللواءات من قبل بتفاهات كجهاز الكفتة، والرياح الشمالية غربية التي ستعيد صواريخ إسرائيل إلى ضبط المصنع، والأشجار التي تنتج الأسمنت، ويبدو أن الكلية الحربية التي كانت يطلق عليها مصنع الرجال، باتت مصنعاً لإنتاج مروجي الخرافات والأساطير.

الكارثة أن المؤسسة العسكرية وجدت أن هذا اللواء هو الجدير بإدارة متحف يعرض تاريخنا الرائع المشرف الذي أساء إليه بالفعل هؤلاء الجنرالات الذين ليس لهم من الفكر العسكري إلا الرتب التي تزين بزاتهم، يرهبون بها كل من هم تحت سيطرتهم، ويسيطرون بها على أمة، سطوا على كل مفاصل الحكم فيها فأصبح الــ 100 مليون مصري أسرى لديهم!!

ثم خرج علينا كبيرهم الذي علمهم خداع الناس يطلب وسيلة تمكنه الحصول على "الفكة" بطريقة أشبه بطرق البلطجية وقطاع الطرق دون مسوغ من دستور أو قانون.. وكأن اقتصاديات الدول تدار بأسلوب أكشاك السجائر التي تستبدل الباقي بعُلب الكبريت، يالها من سخافة ما بعدها سخافة أن يستمر هؤلاء الجهلاء في إرهابنا بالسلاح الذي اشتريناه بقوت أبنائنا، إن الجاهل لا يولي إلا الأجهل منه.

وهذا عكسه تماما تليفزيوننا الرسمي الذي لم يتوفر فيه معد أو رئيس تحرير أو حتى رقيب أو مدير برامج أو رئيس للتليفزيون يمنع ظهور هذه الحلقة الكارثية التي اساءت لتاريخ أمتنا، وهؤلاء جميعهم لا أظن أن محتواهم الثقافي يختلف كثيراً عن محتوى الجنرال الذي استضافوه، بل لعلهم دونه!!

ان فرصة وجودي خارج مصر المكلومة بهؤلاء السفهاء مكنتني من رؤية المشهد عن بعد، كما وفرت لي ظروف عملي فرصة متابعة أخبار المنحوسة - المحروسة سابقاً - يوماً بيوم، ولا أبالغ إن قلت ساعة بساعة، فتكونت عندي قناعة ما أبشعها، كم أرفضها وأكرهها ولطالما حاولت الهروب منها، إن مصر بلادي التي أعشقها، وأتمنى العودة قريباً إليها أصبحت عنبراً للعقلاء بمفهوم الفيلم السينمائي القديم، الذي ظهر فيه معتوه يتحدث كنيرون، وآخر من المجانين يتحدث كنابليون، وثالث كعنترة.

واليوم نجد فيها أحاديث مشابهة من مجانين يتحدثون بصفة جنرالات وخبراء استراتيجيين، بل تمدد الأمر وتولوا الحقائب الوزارية ووثبوا على مقعد رئاسة الجمهورية.

أي مصير بغيض هذا الذي ارتضاه لك أبناؤك يا مصر، كيف سمحوا ويسمحون بهذا الهراء؟ كيف طفا الغث وتوارى السمين؟ كيف استمر الزبد ورحل ما ينفع الناس!!

إن استمرار زمام أمورها ومقاليد حكمها في يد هؤلاء السفهاء لن يفرز إلا مزيداً من الهوان، إنهم كالعميان يقودون حافلة مسرعة صوب الهاوية ة، ولا نجاة إلا بإبعاد هؤلاء عن صدارة المشهد ومحاكمة كل من شارك في صناعة هذا المشهد العبثي القبيح!!

إنهم يوماً ما قرأوا تاريخها كذلك لم يقدروها.
إنهم يوماً ما عرفوا قيمتها فقزموها وعجزوها.

قدراتهم العقلية محدودة فأفقروها، ثقافتهم معدومة فحطموا قوتها الناعمة وخذلوها، حتى صارت أم الدنيا سابقاً أشبه اليوم بعنبر العقلاء الذي يضم الملايين من البشر!!

الأربعاء، 21 سبتمبر 2016

إني مُبتليكم بنخبة


إني مُبتليكم بنخبة

حسام الغمري

بعد انقضاء 18 يوماً أطلقنا عليها ثورة يناير/كانون الثاني التي أطاحت بآل مبارك وبطانتهم المقربين، انتشرت جملة بين الثوار ذات دلالة هي:

- إحنا أخدنا أرقام بعض لما كنا في الميدان، وهي رنة.

ولبث النشطاء في ترديد جملة:

- لو موش عاجبنا.. الميدان موجود.

ثم صار حلم العودة إلى الميدان أشبه بالخيال المفُرط كما في رائعة شكسبير حلم ليلة صيف، كل هذا حدث في بضع سنين.

ومن الإنصاف أن أشيد بجدية عمل الأجهزة الشبحية بالدولة العميقة التي انقلبت على الثورة برشاقة دون أن تنجر حينها إلى ما فعله شاه إيران مثلاً الذي أمر بضرب ثورة شعبه يوماً بالنابالم، ولعل هذه الحصافة وهذا التخطيط التآمري الهادئ لأجهزتنا الشبحية هو ما مكنها من الاستمرار حتى الآن، ولكن في المقابل، كيف تصرفت النخبة المنوطة بالحفاظ على ثورة شباب يناير، والدفع من أجل تحقيق ما خرجوا من أجله من طموحات مشروعة في المستقبل الذي هو لهم وحدهم دون دولة العواجيز البالية؟

قبل أن أستطرد في هذه المقارنة دعونا نتذكر مقولة أخرى انتشرت على مواقع السوشيال ميديا قبل الانقلاب على الرئيس المدني بشهور قليلة؛ حيث أفاد أحد شباب السلفيين بأن أحد ضباط أمن الدولة أقسم أمامه أنهم وضعوا خطة من أربع مراحل لإعادة الأمور إلى عهدها السابق، تم تحقيق ثلاث مراحل منها، وبقيت الرابعة، ولسوف تجمعون وتُعتقلون من جديد!!

شهادة أخرى قرأتها أيضاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أبريل/نيسان 2013 سردها طبيب مُلتحٍ غير منتمٍ لأي تيار إسلام سياسي قال فيها:

- أعرف أحد البلطجية في المنطقة التي تقع فيها عيادتي الطبيبة، أخبرني أن ضابط الشرطة الذي يتعامل معه تحدث معه بأنهم مكلفون بعد الـ30 من يونيو/حزيران بالتعرض لأي ملتحٍ أو منتقبة في الشارع، وطلب مني بإلحاح أن أتخلص من لحيتي في أقرب فرصة!!

كل هذه المعلومات المتواترة والإشارات المؤكدة والسادة نخبتنا كانوا في سباتهم العميق يعمهون.

الانقلاب لم يحدث كما يتصور البعض يوم 3 يوليو/تموز أو حتى 30 يونيو، ولكن الحق أقول لكم إنه حدث في الثالث والعشرين من يونيو 2013 حين خرج الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الخامسة التي عقدتها القوات المسلحة وقال ما نصه:"إن القوات المسلحة يتحتم عليها التدخل لمنع انزلاق مصر إلى نفق مظلم، من الصراع أو الاقتتال الداخلي" وأضاف:" يخطئ من يعتقد أننا في معزل عن المخاطر التي تهدد الدولة المصرية، ولن نظل صامتين أمام انزلاق البلاد في صراع يصعب السيطرة عليه!!

هذا هو يوم الانقلاب الحقيقي يا سادة، وبدلاً من أن تضغط النخبة بمقالاتها الجادة على الرئاسة لعزل وزير الدفاع الذي سمح لنفسه باقتحام الحياة السياسية وتوفر حاضنة شعبية لهذا القرار، صمتت النخبة على هذا، بل لقد علق مصدر بالرئاسة معقباً على ما قاله السيسي قائلاً:"كلمة الفريق السيسي ليس لها دوافع سياسية".

يمنعني الأدب من التعليق على تعقيب مصدر الرئاسة هذا، ولكن لم تشهد هذه الفترة استنفاراً لهذه النخبة كالذي نشهده اليوم إذا ما تجرأ أحدهم على طرح مبادرة أو فكرة أو وثيقة، قد لا نكون بالطبع متوافقين على كل بنودها، ولكن هذا النعيق المتوالي الذي يتطرف به البعض إلى حد اتهام رفاق نفس المعسكر بالخيانة أو حتى الكفر لا يتناسب مع كيفية نضالهم ضد ملامح الانقلاب التي اتضحت في واقع الأمر منذ ديسمبر/كانون الأول 2012.

العشوائية تحكم أداء معارضي الانقلاب بالخارج، أقولها بكل أسف، بل أزيد وأقول إنهم سوى القليل المعد على أصابع اليد الواحدة علاقتهم بالسياسة كعلاقة نادي أسمنت أسيوط بكرة القدم، والقلة التي مارست السياسة واحترفتها ولم تصنع أسماءها الأزمةُ أتابعها عن كثب، وهي تبذل معظم طاقتها في تأليف قلوب هؤلاء الذين صارت أناملهم أكثر نعومة بسبب إقامتهم التي طالت بالخارج.

أسماء أفرزتها الأزمة وصنعتها تداعيات الانقلاب، ولكنهم ليسوا الأفضل مهنياً أو فكرياً والمؤسف أن كل المؤشرات تدل على وجود غليان كبير داخل داخل مصر لشعب ملأ الميادين مرات ومرات في عام 2011 لأسباب أقل بكثير عما يقترفه السيسي يومياً، ودليل هذا الغليان مقالتان خرجتا لاثنين من كتاب النظام في هذا الأسبوع، ومن خلال منبرين لطالما دعما الانقلاب وروَّجا له.

المقال الأول نشرته بوابة الشروق للكاتب عماد الدين حسين بعنوان "قبل الانفجار" ويا له من عنوان صدر من داخل مصدر يتنبأ بقرب الانفجار الذي سيطيح بهم قريباً، والمقال الثاني نشرته جريدة المصري اليوم للكاتب سليمان الحكيم بعنوان "دولة تتطوع بمبررات سقوطها".

ورغم هذين المؤشرين اللذين لا يغفلهما إلا جاهل بالسياسة، نجد أسيادنا النخب المهاجرة في حالة عجز تام عن إيجاد لبنة يمكن البناء عليها، وصولاً إلى أجندة شعبية تتم دعوة الجماهير المصرية التي أدركت يقيناً أن انقلاب السيسي يقودها إلى الهاوية، وتعميق الانقسام المجتمعي، وليس أدل عليه من نداءات كنيسة تواضروس الطائفية المؤازرة لزيارة السيسي لنيويورك، وقد بلغ الشطط بأحد كهانها حد الادعاء بأن السيسي مُرسل من إلهه، في خلط فج للدين بالسياسة استنكروه من قبل على جماعة الإخوان الأكثر ديمقراطية في بنائها الداخلي، واعتناقاً لآلية الصندوق كوسيلة وحيدة للحكم الرشيد.

ولعلها فرصة كي أكرر الدعوة التي تشرفت بإطلاقها في ديسمبر 2015 عبر برنامج نافذة مصر على قناة الحوار في ضيافة الصديق العزيز الإعلامي أسامة جاويش، حيث طالبت بعقد مؤتمر وطني لكل القوى السياسية، ممثلة في رمزها خارج مصر، يعقد في مدينة إسطنبول يستمر لمدة ثلاثة أيام، وأن يتداعى له كل الرموز والشخصيات العامة ورجال الأعمال وممثلي الجالية المصرية في البلدان المختلفة، لا سيما أوروبا وأميركا، وأن تبث فعالياته على الهواء مباشرة، على أن يتقدم فيه كل سياسي أو حزبي أو شخصية عامة بورقة عمل لإنقاذ الأمة المصرية يتم التصويت عليها بعد مناقشتها من الحضور.

وقبلها يُعلن على الملأ أسماء من وجهت لهم الدعوة ورفضوا تلبية نداء الوطن، ليتم فضحهم ولتخرس ألسنتهم عما سيسفر عنه هذا المؤتمر من أجندة وطنية ترسم ملامح دولتنا القادمة، وتشرح تفاصيل الفترة الانتقالية، وتحسم أمر استحقاقات انتخابية سابقة بكل وضوح وشجاعة، ثم يتم نشرها عبر الإنترنت ودعوة الشعب للتوقيع عليها، وعن طريق لجنه يتم انتخابها من المشاركين في هذا المؤتمر برئيس ووكيلين يتم توجيه الدعوة إلى الشعب للنزول السلمي في توقيت محدد، كما توجه خطابات باسم المؤتمر للأمين العام للأمم المتحدة والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي، يحملهم مسؤولية أي إطلاق نار يحدث ضد المتظاهرين السلميين من مجرمي السيسي القتلة باسمه.

وأن توجه الدعوة بالتزامن لجميع المصريين بالخارج للتظاهر أمام السفارة المصرية في البلدان المتواجدين فيها، وأمام مقرات الأمم المتحدة، كي يوضع هذا العالم المنافق أمام مسؤولياته بشأن هذه الأمة العريقة التي بات مواطنوها يأكلون لحم الحمير، فضلاً عن خضراوات وفاكهة بالروث، وهم من بني الإنسان الذي كرمه خالقه، وفضله على جميع مخلوقاته.

اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.

الأربعاء، 14 سبتمبر 2016

كذلك خانت مصر من قبل!

كذلك خانت مصر من قبل!


حسام الغمري
مصر لما تخون.. دم العرب بيهون

يحتفظ الناصر صلاح الدين الأيوبي بمكانة عالية في وجدان المسلمين العرب، رغم أصله الكردي، لا لسبب غير نجاحه في استعادة بيت المقدس من الصليبيين بعد 90 عاماً من اغتصابها، كما أن اسمه يشكل هاجساً دائماً للوجدان الغربي، وليس أدل على ذلك من مقولة الجنرال الفرنسي غورو شامتاً أمام قبر صلاح الدين بعد انتصاره في معركة ميلسون عام 1920م: "ها قد عدنا يا صلاح الدين".

ولأن هناك من تعمد تغييب تاريخنا العربي والإسلامي عن المدارس وعن وسائل الإعلام، سواء الحكومية أو الموالية لها، تجد الكثيرين لا يعلمون كيف كان موقف مصر زمن اغتصاب القدس قبل أن يأتي إليها الناصر الذي استعاد مصر قبل أن يستعيد الأقصى، بل نستطيع أن نجزم بأنه لولا عودة مصر لما عاد الأقصى، وكأنه بضياع مصر تضيع المقدسات، وتنتهك الحرمات، وما أشبه الليلة بالبارحة.

فالتاريخ يخبرنا أنه في سنة 491هـ (1098م)، تمكن الصليبيون من تأسيس أول إمارة لهم في أرض الإسلام، وهي إمارة الرها (بين الموصل وحدود الشام)، ثم استطاعوا في نفس العام تأسيس إمارتهم الثانية وهي إمارة أنطاكية (شمال غرب سوريا)، ورغم المقاومة التي أبداها السلاجقة الأتراك الذين كانوا يحكمون آنذاك بلاد الشام، كانت الدولة الفاطمية تراقب الوضع عن كثب، لا لنصرة المسلمين كما هو المأمول والمرجو والمتوقع، أو لتقديم العون للأتراك للتصدي للصليبيين، وهذا أضعف الإيمان، إنما كانت المراقبة لأمر آخر لطخهم بالعار حتى يومنا هذا، هذا العار هو تماماً ما أشعر به اليوم كمواطن يحمل الجنسية المصرية؛ لأنه شديد الشبه بما نراه من حكومتنا الانقلابية!! التي لا تلبث تكيل الاتهامات لغزة الصابرة وأهلها المقاومين - بعض هذه الاتهامات كانت سبباً في سخرية المراقبين الدوليين - كما تعالت النبرات التي تتوعد بالحرب على بعض منا يقاوم وحده رغم غدر الحصار بعد أن ألصقوا به تهمة الإرهاب، بخلاف دور السيسي الداعم لإجرام الصهاينة الذي دمر ثلت غزة في صيف 2014!!

يقول د. محمد طقوش: في الوقت الذي وصلت فيه طلائع الحملة الصليبية الأولى إلى بلاد الشام كان الوزير الفاطمي الأفضل قد تحكّمت فيه روح العداء للأتراك المقاومين في بلاد الشام؛ لذلك لم يتحمس آنذاك لفكرة الجهاد ضد الصليبيين، وربما رأى بعض أركان الدولة في هؤلاء الغزاة درعاً تحميهم من الأتراك.

وكان على رأس الدولة الفاطمية آنذاك المستعلي بالله الفاطمي، وكان الوزير الأفضل بن بدر الجمالي هو صاحب السلطة الفعلية في الدولة وقائد الجند؛ إذ إن الدولة الفاطمية عاشت سنوات طويلة في ظل تسلط الوزراء وسيطرتهم على مقاليد الأمور.

وأثار موقف الوزير "الأفضل" من حصار الصليبيين لأنطاكيا، وتخاذله عن نجدة المحاصرين فيها استياء معظم المسلمين، حتى إن المؤرخين الذين يميلون في العادة إلى تسجيل الوقائع والأحداث بشكل مجرد دون التعليق أو إبداء الرأي استفاضوا في ذم خيانة مصر في عهد الأفضل، ويبدو أن التقاعس والتخاذل بلغا حدّاً جعل المؤرخ المصري ابن تغري يقول: ولم ينهض الوزير الأفضل بإخراج عساكر مصر، ولست أدري ما كان السبب في عدم إخراجهم مع قدرته على المال والرجال.
ويشرح ابن تغري أيضاً كيف خرجت عساكر المسلمين في العراق وبلاد الشام لصد زحف الصليبيين قائلاً: كل ذلك وعساكر مصر لم تُهيّأ للخروج واكتفت بقمع المصريين في الداخل الذين طالبوا بإعلان الجهاد على الغازي المحتل الصليبي.

- ويبدو أن براعة عساكر منذ القدم تتجلى فقط في قمع المصريين

ثم يستطرد ابن تغري قائلاً: ولم يكتفِ الوزير الأفضل بهذا، وبدلاً من أن يجيّش الجيوش لصد المعتدين، أرسل سفارة إلى الصليبيين بينما كانوا يحاصرون أنطاكيا، وتفيد بعض المصادر الصليبية بأن الوزير الأفضل عندما رأى حصارهم لأنطاكيا قد طال، خاف من أن يتسرب الضعف والملل إلى نفوس الصليبيين؛ لذا أرسل إليهم يرجو قادتهم مواصلة حصار المسلمين، وأكد لهم أنه سيساعدهم بالإمدادات العسكرية والمواد الغذائية، وكلّف سفراء مخصوصين بالعمل على كسب قلوب قادة الصليبيين.

- ولعله أرسل إليهم من يرفه عنهم أيضاً

وبشيء من الأسى يقول المؤرخ جمال بدوي: لم يجد الوزير الأفضل في الانتصارات التي أحرزها الصليبيون في آسيا الصغرى وأنطاكيا كارثة عامة حلّت بالمسلمين، وإنما وجد فيها أمنية عزيزة هي تخليص الشرق الأوسط من سيطرة الأتراك من أهل السنة والجماعة، ولم يكتفِ هذا الوزير الخائن بموقف المتفرج فقط، ولا عرض التحالف مع الصليبيين ضد السلاجقة والمسلمين السنة فقط، إنما وجه طعناته إلى الاتراك باحتلال عدد من المدن التي بحوزتهم وعلى رأسها مدينة صور، أي أن الأفضل بدلاً من أن يوجه جنوده وقواته إلى محاربة الصليبيين، وجّهها إلى قتال الأتراك الذين كانوا منهمكين في قتال الصليبيين والدفاع عن المدن الإسلامية!!

ويفجر الباحث الأستاذ يوسف إبراهيم مفاجأة؛ إذ يقول: كانت الدولة الفاطمية على علمٍ بأهداف الصليبيين وخطّ سيرهم حتى قبل وصولهم إلى أراضي المسلمين، فقد بلّغ الصليبيون أهدافهم للوزير الأفضل، فرماه بعض المؤرخين بالخيانة.

ويقول ابن الأثير في كتابه "الكامل في التاريخ": إن الوزير الأفضل لما رأى قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزّة ورغبتهم في إحياء الدين، ولم يبقَ بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم، خافوا وأرسلوا إلى الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه.

يقول أيضاً ابن تغري: والعجيب أن الفرنج لمّا خرجوا إلى المسلمين كانوا في غاية الضعف من الجوع وعدم القوت، حتى إنهم أكلوا الميتة في الطريق، وكانت عساكر الإسلام (أي قوات الوزير الأفضل) في غاية القوة، والكثرة، ومع ذلك تركوا الصليبيين يقتلون المسلمين ويمزقون جموعهم.

وهكذا بسبب خيانة هذا الوزير الملعون ظلّت القدس بيد الصليبيين، إلى أن أرسل الله لمصر بطلاً من أبطال الأمة، هو صلاح الدين الأيوبي الذي تمكّن من إعادة مصر عن غيها، وضمها لمحيطها الإسلامي السني، وفي سنة 583 هـ (1187م) تمكن من تحرير القدس بعد معركة حطين الشهيرة، استطاع صلاح الدين ذلك بعد إصلاح ما أفسده الوزير الأفضل الخائن للدين والعروبة هو وأتباعه الذين ساروا على دربه من بعده.

فمن يستعيدك اليوم يا مصر من هذا السيسي الذي حمل شعبها على التهام لحوم الحمير، ونشر الفتنة والتضليل، وشوه الأمين، ومكن الفاسد، وطارد الثوري، ومهد لمخطط التقسيم كما لم يمهد له خائن من قبله.

وما أشبه الليلة بالبارحة!!