الأربعاء، 21 سبتمبر 2016

إني مُبتليكم بنخبة


إني مُبتليكم بنخبة

حسام الغمري

بعد انقضاء 18 يوماً أطلقنا عليها ثورة يناير/كانون الثاني التي أطاحت بآل مبارك وبطانتهم المقربين، انتشرت جملة بين الثوار ذات دلالة هي:

- إحنا أخدنا أرقام بعض لما كنا في الميدان، وهي رنة.

ولبث النشطاء في ترديد جملة:

- لو موش عاجبنا.. الميدان موجود.

ثم صار حلم العودة إلى الميدان أشبه بالخيال المفُرط كما في رائعة شكسبير حلم ليلة صيف، كل هذا حدث في بضع سنين.

ومن الإنصاف أن أشيد بجدية عمل الأجهزة الشبحية بالدولة العميقة التي انقلبت على الثورة برشاقة دون أن تنجر حينها إلى ما فعله شاه إيران مثلاً الذي أمر بضرب ثورة شعبه يوماً بالنابالم، ولعل هذه الحصافة وهذا التخطيط التآمري الهادئ لأجهزتنا الشبحية هو ما مكنها من الاستمرار حتى الآن، ولكن في المقابل، كيف تصرفت النخبة المنوطة بالحفاظ على ثورة شباب يناير، والدفع من أجل تحقيق ما خرجوا من أجله من طموحات مشروعة في المستقبل الذي هو لهم وحدهم دون دولة العواجيز البالية؟

قبل أن أستطرد في هذه المقارنة دعونا نتذكر مقولة أخرى انتشرت على مواقع السوشيال ميديا قبل الانقلاب على الرئيس المدني بشهور قليلة؛ حيث أفاد أحد شباب السلفيين بأن أحد ضباط أمن الدولة أقسم أمامه أنهم وضعوا خطة من أربع مراحل لإعادة الأمور إلى عهدها السابق، تم تحقيق ثلاث مراحل منها، وبقيت الرابعة، ولسوف تجمعون وتُعتقلون من جديد!!

شهادة أخرى قرأتها أيضاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي في أبريل/نيسان 2013 سردها طبيب مُلتحٍ غير منتمٍ لأي تيار إسلام سياسي قال فيها:

- أعرف أحد البلطجية في المنطقة التي تقع فيها عيادتي الطبيبة، أخبرني أن ضابط الشرطة الذي يتعامل معه تحدث معه بأنهم مكلفون بعد الـ30 من يونيو/حزيران بالتعرض لأي ملتحٍ أو منتقبة في الشارع، وطلب مني بإلحاح أن أتخلص من لحيتي في أقرب فرصة!!

كل هذه المعلومات المتواترة والإشارات المؤكدة والسادة نخبتنا كانوا في سباتهم العميق يعمهون.

الانقلاب لم يحدث كما يتصور البعض يوم 3 يوليو/تموز أو حتى 30 يونيو، ولكن الحق أقول لكم إنه حدث في الثالث والعشرين من يونيو 2013 حين خرج الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الخامسة التي عقدتها القوات المسلحة وقال ما نصه:"إن القوات المسلحة يتحتم عليها التدخل لمنع انزلاق مصر إلى نفق مظلم، من الصراع أو الاقتتال الداخلي" وأضاف:" يخطئ من يعتقد أننا في معزل عن المخاطر التي تهدد الدولة المصرية، ولن نظل صامتين أمام انزلاق البلاد في صراع يصعب السيطرة عليه!!

هذا هو يوم الانقلاب الحقيقي يا سادة، وبدلاً من أن تضغط النخبة بمقالاتها الجادة على الرئاسة لعزل وزير الدفاع الذي سمح لنفسه باقتحام الحياة السياسية وتوفر حاضنة شعبية لهذا القرار، صمتت النخبة على هذا، بل لقد علق مصدر بالرئاسة معقباً على ما قاله السيسي قائلاً:"كلمة الفريق السيسي ليس لها دوافع سياسية".

يمنعني الأدب من التعليق على تعقيب مصدر الرئاسة هذا، ولكن لم تشهد هذه الفترة استنفاراً لهذه النخبة كالذي نشهده اليوم إذا ما تجرأ أحدهم على طرح مبادرة أو فكرة أو وثيقة، قد لا نكون بالطبع متوافقين على كل بنودها، ولكن هذا النعيق المتوالي الذي يتطرف به البعض إلى حد اتهام رفاق نفس المعسكر بالخيانة أو حتى الكفر لا يتناسب مع كيفية نضالهم ضد ملامح الانقلاب التي اتضحت في واقع الأمر منذ ديسمبر/كانون الأول 2012.

العشوائية تحكم أداء معارضي الانقلاب بالخارج، أقولها بكل أسف، بل أزيد وأقول إنهم سوى القليل المعد على أصابع اليد الواحدة علاقتهم بالسياسة كعلاقة نادي أسمنت أسيوط بكرة القدم، والقلة التي مارست السياسة واحترفتها ولم تصنع أسماءها الأزمةُ أتابعها عن كثب، وهي تبذل معظم طاقتها في تأليف قلوب هؤلاء الذين صارت أناملهم أكثر نعومة بسبب إقامتهم التي طالت بالخارج.

أسماء أفرزتها الأزمة وصنعتها تداعيات الانقلاب، ولكنهم ليسوا الأفضل مهنياً أو فكرياً والمؤسف أن كل المؤشرات تدل على وجود غليان كبير داخل داخل مصر لشعب ملأ الميادين مرات ومرات في عام 2011 لأسباب أقل بكثير عما يقترفه السيسي يومياً، ودليل هذا الغليان مقالتان خرجتا لاثنين من كتاب النظام في هذا الأسبوع، ومن خلال منبرين لطالما دعما الانقلاب وروَّجا له.

المقال الأول نشرته بوابة الشروق للكاتب عماد الدين حسين بعنوان "قبل الانفجار" ويا له من عنوان صدر من داخل مصدر يتنبأ بقرب الانفجار الذي سيطيح بهم قريباً، والمقال الثاني نشرته جريدة المصري اليوم للكاتب سليمان الحكيم بعنوان "دولة تتطوع بمبررات سقوطها".

ورغم هذين المؤشرين اللذين لا يغفلهما إلا جاهل بالسياسة، نجد أسيادنا النخب المهاجرة في حالة عجز تام عن إيجاد لبنة يمكن البناء عليها، وصولاً إلى أجندة شعبية تتم دعوة الجماهير المصرية التي أدركت يقيناً أن انقلاب السيسي يقودها إلى الهاوية، وتعميق الانقسام المجتمعي، وليس أدل عليه من نداءات كنيسة تواضروس الطائفية المؤازرة لزيارة السيسي لنيويورك، وقد بلغ الشطط بأحد كهانها حد الادعاء بأن السيسي مُرسل من إلهه، في خلط فج للدين بالسياسة استنكروه من قبل على جماعة الإخوان الأكثر ديمقراطية في بنائها الداخلي، واعتناقاً لآلية الصندوق كوسيلة وحيدة للحكم الرشيد.

ولعلها فرصة كي أكرر الدعوة التي تشرفت بإطلاقها في ديسمبر 2015 عبر برنامج نافذة مصر على قناة الحوار في ضيافة الصديق العزيز الإعلامي أسامة جاويش، حيث طالبت بعقد مؤتمر وطني لكل القوى السياسية، ممثلة في رمزها خارج مصر، يعقد في مدينة إسطنبول يستمر لمدة ثلاثة أيام، وأن يتداعى له كل الرموز والشخصيات العامة ورجال الأعمال وممثلي الجالية المصرية في البلدان المختلفة، لا سيما أوروبا وأميركا، وأن تبث فعالياته على الهواء مباشرة، على أن يتقدم فيه كل سياسي أو حزبي أو شخصية عامة بورقة عمل لإنقاذ الأمة المصرية يتم التصويت عليها بعد مناقشتها من الحضور.

وقبلها يُعلن على الملأ أسماء من وجهت لهم الدعوة ورفضوا تلبية نداء الوطن، ليتم فضحهم ولتخرس ألسنتهم عما سيسفر عنه هذا المؤتمر من أجندة وطنية ترسم ملامح دولتنا القادمة، وتشرح تفاصيل الفترة الانتقالية، وتحسم أمر استحقاقات انتخابية سابقة بكل وضوح وشجاعة، ثم يتم نشرها عبر الإنترنت ودعوة الشعب للتوقيع عليها، وعن طريق لجنه يتم انتخابها من المشاركين في هذا المؤتمر برئيس ووكيلين يتم توجيه الدعوة إلى الشعب للنزول السلمي في توقيت محدد، كما توجه خطابات باسم المؤتمر للأمين العام للأمم المتحدة والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي، يحملهم مسؤولية أي إطلاق نار يحدث ضد المتظاهرين السلميين من مجرمي السيسي القتلة باسمه.

وأن توجه الدعوة بالتزامن لجميع المصريين بالخارج للتظاهر أمام السفارة المصرية في البلدان المتواجدين فيها، وأمام مقرات الأمم المتحدة، كي يوضع هذا العالم المنافق أمام مسؤولياته بشأن هذه الأمة العريقة التي بات مواطنوها يأكلون لحم الحمير، فضلاً عن خضراوات وفاكهة بالروث، وهم من بني الإنسان الذي كرمه خالقه، وفضله على جميع مخلوقاته.

اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق