د. جاسم الجزاع
فالحقيقة أنه عندما تشتد الأزمات الإقليمية فإن أول من يتأثر بها ليس الجيوش ولا الحكومات بقدر ما تتأثر الأسر والشعوب التي تعيش داخل المجتمع، فإن الحروب الكبرى تعيد ترتيب أولويات الناس، وتجعل مفاهيم الأمن والاستقرار تحتل موقعاً مركزياً في التفكير اليومي للأفراد، وفي الخليج تحديداً، حيث لا تزال الذاكرة الجمعية تحتفظ بتجربة الغزو العراقي للكويت وغزو العراق لاحقاً وقبلها الحرب الإيرانية العراقية وما تبعها من تحولات عميقة في الوعي السياسي والاجتماعي وعلاقة الخليج بالامريكان والعراق وايران، فإن أي تصعيد جديد في المنطقة يعيد تذكير المجتمع بأن الاستقرار الذي ينعم به ليس أمراً بديهياً أو دائماً، ولهذا يمكن ملاحظة أن كثيراً من الأسر الخليجية بدأت تنظر إلى ما يحدث حولها بقدر أكبر من الجدية، فنرى ارتفاع قيمة التلاحم الوطني، وتعزز الشعور بأهمية وحدة الصف، وتنامت ثقافة الأمن المجتمعي بوصفها ضرورة لا ترفاً فكرياً، فقد أعادت التوترات الأخيرة تذكير الناس بأن الأمن ليس شعاراً سياسياً، بل هو شرط أساسي لاستمرار الحياة الطبيعية والازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا فإن المرحلة القادمة تتطلب من دول الخليج قيادات وشعوبا قراءة أكثر عمقاً لطبيعة التحولات التي يشهدها الإقليم المضطرب، فالعالم يتغير بسرعة، والصراعات الكبرى لم تعد بعيدة عن حدود المنطقة كما كانت في عقود سابقة، ولهذا يصبح من الضروري تعزيز التكامل الخليجي في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد، لأن قوة الخليج الحقيقية لا تكمن في قدرات كل دولة على حدة، بل في قدرتها على بناء منظومة إقليمية متماسكة قادرة على حماية استقرارها في بيئة دولية مضطربة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق