صلاة تحت صوت الصواريخ!
سعدية مفرح
أتى العيد هذه المرّة مثقلاً بشيء لا يُرى، كأن الهواء نفسه تعلّم أن يحمل الارتباك، وكأن الفرح اضطرّ أن يعيد ترتيب معناه قبل أن يطرق الأبواب. لا أحد يدخل هذا اليوم بالبراءة القديمة ذاتها، ولا أحد يملك ترف الاحتفال الخالص كما كان يحدث في سنوات مضت، ومع ذلك فإن شيئًا خفيًا يصرّ على البقاء، على أن يقول إن الفرح لا يُلغى، بل يتبدّل، ويتخذ لنفسه هيئة أخرى أكثر تواضعًا وأكثر عمقًا.
نفرح، نعم، ولكن بطبقة إضافية من الوعي، نفرح لأن الإيمان ما زال قادرًا على الوقوف في وجه كل هذا الجنون، ونكبّر لأن القلب يحتاج إلى ما يعلو فوق الخوف، ونرفع الدعاء لأن في الأرض جراحًا لا يكفيها التعاطف العابر، بل تحتاج إلى رحمة تلامسها من الداخل وتعيد ترتيب ما تكسّر، أو تمنحنا القدرة على احتماله.يصبح الدعاء في مثل هذه اللحظات فعلًا حقيقيًا، لا طقسًا عابرًا، ويغدو العيد مساحة لامتحان المعنى أكثر من كونه مناسبة للفرح العابر.
وهذه السنة تحمل ما هو أبعد من التبدّل الشعوري، تحمل حدثًا يكاد يعجز العقل عن استيعابه، إذ يغيب صوت صلاة العيد في الأقصى للمرة الأولى منذ عقود طويلة، كأن قطعة من الروح تُنتزع من مكانها، وكأن فراغًا واسعًا يُفتح في ذاكرة الجماعة.
وهذه السنة تحمل ما هو أبعد من التبدّل الشعوري، تحمل حدثًا يكاد يعجز العقل عن استيعابه، إذ يغيب صوت صلاة العيد في الأقصى للمرة الأولى منذ عقود طويلة، كأن قطعة من الروح تُنتزع من مكانها، وكأن فراغًا واسعًا يُفتح في ذاكرة الجماعة.
وفي الجهة الأخرى، في الكويت وفي الخليج، لم تكن صلاة العيد بعيدة عن هذا الارتباك، كانت تقام بينما نسمع أصوات صفارات الإنذار، وتحلّق المسيّرات فوق الرؤوس كأنها تذكير دائم بأن الواقع لم ينسحب ولو لساعة واحدة.
مشهد يكاد يبدو متناقضًا، مصلّون يرفعون التكبير، وأجهزة تنذر، وسماء مزدحمة بما لا يُرى، وخليط يضع الروح أمام اختبار غير مألوف، اختبار يعلّمنا كيف نُصلّي ونخاف في اللحظة ذاتها، وكيف نحافظ على تماسكنا من دون أن ننكر ما يحدث حولنا.
وفي غزة، هناك عيد آخر يُكتب بملامح مختلفة تمامًا، عيد تُقاس فرحته بقدرة البيوت على البقاء، وبعدد القلوب التي ما زالت تنبض رغم كل ما مرّ عليها، عيد لا يطلب الكثير، يكفيه أن يتنفس أهله صباحًا من دون فاجعة جديدة، وأن يجدوا في الدعاء ما يسند يومهم ولو قليلًا.
ومع ذلك، فإن هذا التداخل نفسه يكشف شيئًا عميقًا، يكشف أن الإيمان لا يحتاج إلى ظروف مثالية كي يظهر، وأن الفرح ليس حالة خارجية مكتملة الشروط، بل قرار داخلي يُصاغ رغم النقص. يتعلّم المرء هنا أن الفرح ليس نقيض الحزن، بل رفيقه في أحيان كثيرة، وأن القدرة على الابتسام لا تعني غياب الألم، بل تعني القدرة على حمله من دون أن يتحوّل إلى سيطرة كاملة. هذا العيد يقدّم درسًا صعبًا، ولكنه صادق، درس في إعادة تعريف ما نعتبره بدهيًا.
تبدو التفاصيل الصغيرة أكثر وضوحًا في مثل هذه الأيام، سلام عابر يتحوّل إلى معنى كبير، دعاء قصير يحمل ثقلًا غير متوقّع، نظرة صامتة تختصر كثيرًا من الكلام، وتتراجع المظاهر إلى الخلف، وتقترب المعاني من سطح التجربة، ويصبح العيد أقرب إلى لحظة تأمّل جماعية، لا احتفالًا صاخبًا، وكل شيء يميل إلى البساطة، ولكنها بساطة محمّلة بوعي كثيف.
وهنا تتغيّر أيضًا وظيفة الذاكرة، إذ لا يعود العيد مجرد استعادة لما كان، بل يصبح مساحة لمساءلة ما سيكون، سؤال مفتوح عن قدرة هذا العالم على أن يتعافى، وعن حدود ما يمكن احتماله، ومع كل ذلك يظل الدعاء حاضرًا كخيط دقيق يربط بين الممكن والمأمول، كأن الكلمات المرفوعة إلى السماء تحاول أن تعيد ترتيب الأرض بطريقة ما.
اللهم اجعل هذا العيد سكينة على القلوب، وأمنًا للأوطان، وفرجًا لكل من أثقلته الحرب، واجعل هذا التناقض الذي نعيشه اليوم طريقًا لفهم أعمق، لا مجرد عبور عابر، ففي مثل هذه اللحظات لا يُقاس العيد بما يُرى، بل بما يبقى في الداخل، بما ينجح في الصمود، وبما يرفض أن ينطفئ مهما تغيّرت الظروف.
وفي غزة، هناك عيد آخر يُكتب بملامح مختلفة تمامًا، عيد تُقاس فرحته بقدرة البيوت على البقاء، وبعدد القلوب التي ما زالت تنبض رغم كل ما مرّ عليها، عيد لا يطلب الكثير، يكفيه أن يتنفس أهله صباحًا من دون فاجعة جديدة، وأن يجدوا في الدعاء ما يسند يومهم ولو قليلًا.
ومع ذلك، فإن هذا التداخل نفسه يكشف شيئًا عميقًا، يكشف أن الإيمان لا يحتاج إلى ظروف مثالية كي يظهر، وأن الفرح ليس حالة خارجية مكتملة الشروط، بل قرار داخلي يُصاغ رغم النقص. يتعلّم المرء هنا أن الفرح ليس نقيض الحزن، بل رفيقه في أحيان كثيرة، وأن القدرة على الابتسام لا تعني غياب الألم، بل تعني القدرة على حمله من دون أن يتحوّل إلى سيطرة كاملة. هذا العيد يقدّم درسًا صعبًا، ولكنه صادق، درس في إعادة تعريف ما نعتبره بدهيًا.
تبدو التفاصيل الصغيرة أكثر وضوحًا في مثل هذه الأيام، سلام عابر يتحوّل إلى معنى كبير، دعاء قصير يحمل ثقلًا غير متوقّع، نظرة صامتة تختصر كثيرًا من الكلام، وتتراجع المظاهر إلى الخلف، وتقترب المعاني من سطح التجربة، ويصبح العيد أقرب إلى لحظة تأمّل جماعية، لا احتفالًا صاخبًا، وكل شيء يميل إلى البساطة، ولكنها بساطة محمّلة بوعي كثيف.
وهنا تتغيّر أيضًا وظيفة الذاكرة، إذ لا يعود العيد مجرد استعادة لما كان، بل يصبح مساحة لمساءلة ما سيكون، سؤال مفتوح عن قدرة هذا العالم على أن يتعافى، وعن حدود ما يمكن احتماله، ومع كل ذلك يظل الدعاء حاضرًا كخيط دقيق يربط بين الممكن والمأمول، كأن الكلمات المرفوعة إلى السماء تحاول أن تعيد ترتيب الأرض بطريقة ما.
اللهم اجعل هذا العيد سكينة على القلوب، وأمنًا للأوطان، وفرجًا لكل من أثقلته الحرب، واجعل هذا التناقض الذي نعيشه اليوم طريقًا لفهم أعمق، لا مجرد عبور عابر، ففي مثل هذه اللحظات لا يُقاس العيد بما يُرى، بل بما يبقى في الداخل، بما ينجح في الصمود، وبما يرفض أن ينطفئ مهما تغيّرت الظروف.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق