مع تحول العالم كله للنظرة المادية تم اختراق الخطاب الديني بذات النظرة، خاصة الماركسية، أو ما أسميه "مركسة الدين" أي النظر للعبادات والزكوات وأعمال البر بمفهومها الماركسي الاجتماعي وليس من منطلق النظرة التعبدية التي تدمج بين القيمة الروحية الخاصة للعبادة والقيمة المادية المتفرعة عنه.
وأغلب عبادات الإسلام كالأضحية والزكاة والصدقات وإطعام الطعام هي "تجربة" يجب أن يعيشها المتعبد، وليست "ميزانا تجاريا" أو "رصيدا بنكيا" أو قضية اقتصادية متعلقة بالقيمة السوقية، بمعنى أنك مطالب كمتعبد بكل هذا أن تعيش التجربة في نفسك أولا، لأنك المخاطب الأول بالعبادة.
يتكرر خطاب "مركسة الدين" مع مواسم الحج والأضحية بشكل مستمر، ويقال: أليس الأولى من إنفاق المال في الحج والأضحية أن يتم إنفاقه على المشاريع التنموية والصدقات، وأن هذا تبديد للمال مقابل تعاظم الاحتياجات المادية للشعوب وشيوع الفقر؟ وفي هذا الخطاب خلط كبير بين ما هو دور للدولة والسلطة السياسية وبين ما هو كسب شخصي للأفراد والشخوص، وتحويل للمسؤولية السياسية والاجتماعية عن الفقر من السلطة لرميها على عاتق العبادات والممارسة الدينية الروحية التي يجب أن يعيشها الفرد.
الأصل في العبادات هو نصها المشرع لها، أي أن غاية كل عبادة هي في ذاتها تحديدا رغم ما قد يترتب عليها من فوائد متعدية للآخرين، إلا أن تجربة العبادة لها حكمة يجب أن يعيشها الشخص لتساهم في إصلاحه وتقويمه وشحنه روحيا، وهذا مالا يمكن أن تقوم به الأموال أو ترشيدها.
الأضحية مثلا هي فعل شرع لأجل أن يضحي الشخص بذاته، يشهد الدم ويباشر الذبح، ويوزع بيده على أهله وجيرانه، وهي في مدلولها عبادة رمزية على منهج أضحية إبراهيم فداء لإسماعيل، وممارسة اجتماعية متعلقة بذواتنا، حين وجه النبي للصدقة منها كانت سنته أن تكون الصدقة "منها"، لكن فعل التضحية تم بشكل كامل من قبل الشخص صاحب العبادة.
أن يشهد أهلك الأضحية ويروا دمها ويفرحوا فرحتها مقصود لذاته، أن تكرر فعل إبراهيم مقصود لذاته، وفكرة تحويلها لأموال صدقة أو إلغائها تماما بأن يمر عليك العيد تلو العيد لا يرى أهلك أضحية بحجة أنك تصدقت بها هو تغيير لمقصود العبادة. في الدين صدقات لا تنتهي، لماذا تأتي لتزاحم الله في فرضه وتقول لنحول مدلول هذه العبادة؟! لو شاء الله لجعل كل عباداتنا صدقات مالية!
كذلك الحج، الحج تجربة روحية متكاملة فرضها الله على عباده ليعيشها الشخص نفسه، ولها إسهام روحي في حياة الناس، أن يتم إلغاء القيمة الروحية لعبادة الحج وتحويله فقط لقضية مالية يمكن أن تسهم في التنمية هو محاولة لعلمنة الدين و"مركسته". يدفع الإنسان الغربي ربما ملايين الدولارات ليعيش تجربة روحية في مجاهيل إفريقيا ليستعيد ذاته التي أفقدتها إياه حضارة المال والتصنيع، وبالتالي فالهدف من العبادة في الأديان ليس قضية "تكافل اجتماعي" وفقط بل مستهدف بها إصلاح روح الإنسان، وهذا أمر لا يُقاس بالقيمة المالية للعبادة!
في المقابل فرض الدين طرائق مالية كثيرة للتعبد، منها الصدقات وإطعام الطعام والزكوات والكفارات، وهي أبواب مفتوحة لا تنتهي، فلماذا نصادر على الله حق الحكمة من التشريع، ولماذا نحاول تحويل كل العبادات لمعادلات مالية ورقمية؟! هذه من آثار الخطاب الماركسي على المتدين، والأصل في العبادات كما قال السلف "توقيفية" أي نمرها كما جاءت من غير تأويل أو تحريف.
قد يكون عنوان هذا المقال صادما، لكنها الحقيقة الأقرب للتحقق، فبعد قرون من الترويج للحرية باسم العلم يبدو أن العلم والتقنية يتحولان شيئا فشيئا لأكبر كوابيس الحرية على الإطلاق، بعد أن كان يروج للعلم والتقانة بأنهما قاطرة البشرية للخروج من الظلمات إلى النور ومن الاستبداد إلى الحرية، لكن يبدو أن العلم ومساراته الحديثة تحديدا قررت أخذ مسار عكسي..
في عصرنا الحالي تتضافر العلوم الطبيعية والاجتماعية فيما بينهما لخلق عالم سلطوي أكثر استبدادا وأقسى على دعاة الحرية وكل من ليس في موقع السلطة، حيث أن الهامش المفضل لحركات المعارضة والذي كان يمنحه غياب السلطة وأدواتها في المجال العام نظرا لعجزها عن ملأه أصبح الآن يضيق شيئا فشيئا بفضل التقنية والعلوم لا أي شيء آخر، وبعد أن كانت منصات التواصل الاجتماعي هي مساحة تلاقح الأفكار التي تقع خارج مظلة السلطة ورقابتها ومخبريها التقليديين، أضحت الآن أحد أهم الأدوات التي تمكن السلطة من الوصول بسهولة وسلاسة للمعارضين دون الحاجة لشهور من الرقابة والتقارير المكتوبة يدويا.
تقنيات الربيع العربي وصحوة السلطة:
لابد أنك تعرضت يوما ما منذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا إلى مقولات التبشير بعصر الحريات الذي يعد به التطور التقني والعلمي في مجالات التواصل الاجتماعي والانترنت والتطبيقات، حيث أن التفاؤل الذي ساد كان واثقا بشكل قاطع بأن هذه التقنية تعد بالحرية، بل إن الرئيس الأميركي أوباما كان أحد أكبر المتفائلين بهذا الأمر وهو ما دفعه لتبني موقف إيجابي من الربيع العربي في بدايته، ومحاولة تسويقه كنجاح للنموذج الأميركي الحر في عالم التقنية، والربط بين "وائل غنيم" الناشط المصري وعمله في جوجل كامتداد للتأثير الأميركي للربيع العربي.
نضالنا القادم ضد العلم والتقنية.. قراءة في معركتنا التي لا مفر من خوضها
25/11/2018
قد يكون عنوان هذا المقال صادما، لكنها الحقيقة الأقرب للتحقق، فبعد قرون من الترويج للحرية باسم العلم يبدو أن العلم والتقنية يتحولان شيئا فشيئا لأكبر كوابيس الحرية على الإطلاق، بعد أن كان يروج للعلم والتقانة بأنهما قاطرة البشرية للخروج من الظلمات إلى النور ومن الاستبداد إلى الحرية، لكن يبدو أن العلم ومساراته الحديثة تحديدا قررت أخذ مسار عكسي..
في عصرنا الحالي تتضافر العلوم الطبيعية والاجتماعية فيما بينهما لخلق عالم سلطوي أكثر استبدادا وأقسى على دعاة الحرية وكل من ليس في موقع السلطة، حيث أن الهامش المفضل لحركات المعارضة والذي كان يمنحه غياب السلطة وأدواتها في المجال العام نظرا لعجزها عن ملأه أصبح الآن يضيق شيئا فشيئا بفضل التقنية والعلوم لا أي شيء آخر، وبعد أن كانت منصات التواصل الاجتماعي هي مساحة تلاقح الأفكار التي تقع خارج مظلة السلطة ورقابتها ومخبريها التقليديين، أضحت الآن أحد أهم الأدوات التي تمكن السلطة من الوصول بسهولة وسلاسة للمعارضين دون الحاجة لشهور من الرقابة والتقارير المكتوبة يدويا.
تقنيات الربيع العربي وصحوة السلطة:
لابد أنك تعرضت يوما ما منذ الربيع العربي وحتى يومنا هذا إلى مقولات التبشير بعصر الحريات الذي يعد به التطور التقني والعلمي في مجالات التواصل الاجتماعي والانترنت والتطبيقات، حيث أن التفاؤل الذي ساد كان واثقا بشكل قاطع بأن هذه التقنية تعد بالحرية، بل إن الرئيس الأميركي أوباما كان أحد أكبر المتفائلين بهذا الأمر وهو ما دفعه لتبني موقف إيجابي من الربيع العربي في بدايته، ومحاولة تسويقه كنجاح للنموذج الأميركي الحر في عالم التقنية، والربط بين "وائل غنيم" الناشط المصري وعمله في جوجل كامتداد للتأثير الأميركي للربيع العربي.
هذا التفاؤل كان على موعد مع كابوس عدمي يقترب من التحقق حين تحول ثورات الربيع العربي إلى انتكاسة كبرى وتم توظيف التقنية ومنصات التواصل بشكل احترافي ومذهل في آن واحد من قبل السلطات الانقلابية التي درست على مدى أعوام الثورة هذه المنصات بشكل متقن وعملت على تشكيل استجابة مدروسة ضد الربيع العربي وأفكاره عبر أدوات "علمية وتقنية" دمجت بين هندسة نفسية لعبت على دوافع الخوف واختلال الأمن لدى الجماهير وبين التقنية التي قدمت تحليلات مفصلة عن اتجاهات الجمهور وكيفية التأثير فيه عبر "برمجيات" بحسابات افتراضية سميت لاحقا "الذباب الالكتروني" أو "اللجان الالكترونية" والتي كانت معطى تقنيا وعلميا بامتياز.
وليست الدراسات النفسية للجمهور والأفراد معطيات علمية حديثة في خدمة الاستبداد، بل قامت بين الحربين العالميتين وبعدهما آلاف التجارب التي كانت تسهم بشكل رئيسي في عمليات غسيل الدماغ وتجارب "الصحفة البيضاء" النفسية والتي شكلت نواة لاحقة لما عرف لدى الليبرالية الجديدة بـ "عقيدة الصدمة"، حيث أنتجت التجارب النفسية التي مارست الصعق الممنهج على أفراد بعينهم إلى تحديث نظرية سلطوية ليبرالية قائمة على فرض تحولات اقتصادية عميقة عبر استغلال أو افتعال "صدمات" كبرى للشعوب يتم عبرها تمرير تحولات هيكلية كاملة ما كانت لتتم لولا وجود هذه الصدمة، وتم تجريب هذه الآليات الغرب قبل الشرق.
استخدمت تجارب "الصدمة" و "الصفحة البيضاء" في الإقرار القسري للسياسات الاقتصادية في بريطانيا "تاتشر" عبر هندسة مجموعة من الأزمات وافتعال حرب الفوكلاند لقمع الاحتجاجات العمالية والإضراب، ونجحت من خلالها تاتشر في ترويض الحركة العمالية في بريطانيا للأبد، كما عززت هذه التجارب حكم الجنرال الانقلابي "بيونشيه" في تشيلي، وكذلك تم فرض أنماط اقتصادية جديدة في الولايات المتحدة عبر استغلال كوارث الأعاصير مثل "كاترينا" وتغيير خرائط ديموغرافية.
العلوم الاجتماعية وتطوير الاستبداد:
أسهم التطور العلمي والدراسات النفسية والاجتماعية في تطوير أداء السلطة بشكل مذهل، عبر ترويض "القطيع" الشعبي، وتوظيف استراتيجيات الإلهاء والتضليل بشكل منظم ومدروس ومجرب ومثبت علميا، حتى أضحت السلطة تتضاعف سطوتها بشكل كبير منذ السبعينات وحتى وقتنا الحاضر
فلم تعد الاختبارات الجينية والأبحاث النفسية، وثورة المعلومات تخدم اطلاقا ما كان يعد فجرا من الحريات يصعب حجبه.. بل إن كابوس الذكاء الاصطناعي والتجارب المعملية يقوضان فعليا قدرة الناس على خلق مجالهم الخاص خارج إطار التنظيم السلطوي، فكل هذه المعلومات المستقاة من حقول الأبحاث تسهم في تعزيز القوة الأمنية والعسكرية والمعلوماتية للسلطة وليس العكس.
وإذا انتقلنا إلى مزيد من حقول العلم سنجد أن حقل "الانثروبولوجيا" أو علم "الإناسة" والذي كان منوطا به دراسة الإنسان وأنماط حياته والكشف عن القوانين التي تحكم سلوكه بشكل مباشر كان أحد أدوات الاستعمار القديم في حكم الشعوب واستعبادها، وقدم تصورا عنصريا جدا في رؤيته للبشر وتصنيفهم تصنيفا عرقيا أدى في النهاية لظهور اسطورة التفوق لعرقي مما أسهم في ظهور النازية والفاشية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي بشكل واسع.
كما أسهم علم "أنثروبولوجيا الإجرام" في التأسيس لقواعد وأدوات الضبط السلطوي من حيث مراقبة الناس وحصرهم في قواعد وتصنيفهم إجراميا، ما ساهم بشكل كبير في ظهور دولة الشرطة كما يسميها ميشيل فوكو والدولة الأمنية، وأنظمة الرقابة التي لم تقوض الجريمة بشكل كبير بقدر ما استخدمت بشكل أكبر في تقويض التحركات المعارضة للسلطة والأمن السياسي والعمليات الاستخبارية.
لا يقف الأمر عند حدود الانثروبولوجيا بل أغلب حقول "علم الاجتماع" أضحت تخدم بشكل أكبر أجندات السلطة بجوار رفيقاتها من العلوم الطبيعية وعلوم الفضاء، حيث أن دراسات الجمهور والرأي العام والإعلام أصبحت موجهة بشكل أكبر لخدمة سلطة الدولة وسلطة السوق، وأصبحت تخلق بشكل أضعف وأقل سلطة الجمهور، بالرغم من ما يبدو على التفاعلات الإعلامية الحديثة من تحرر هش من الانضباط السلطوي، وتبشير أكبر بعالم الجمهور، لكن تقنيات الضبط والسيطرة أصبحت أكثر ذكاء وأقوى في فرض تحكم السلطة بشكل تفاعلاتنا.
الذكاء الاصطناعي وذروة الكابوس:
ليس بعيدا عن العلوم الاجتماعية يقف الذكاء الاصطناعي كشبح يستعد لأن يمنح السلطة والسوق معا تذكرة القضاء النهائي على كل منجزات الحرية البشرية عبر الولوج غير المحدود لحياتنا اليومية عبر التقنيات الحديثة والتحكم بشكل كامل بما يمكن لنا أن نراه ومالا يجب أن نراه، فضلا عن قدراته غير المحدودة في تحليل أفعالنا وسلوكنا اليومي بدقة شديدة عبر تتبع مساراتنا اليومية وتفاعلاتنا وضحكاتنا ومشترياتنا وقراءاتنا و علاقاتنا، وأخطائنا.
ومن ثم يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل كل ذلك والتطوع بتقديم تفضيلات لنا تتحكم فيها خوارزميات يشرف عليها أصحاب السلطة إما في الشركات الكبرى أو في أجهزة الاستخبارات على السواء، ما يعني وعلى وجه الدقة التحكم التام بالمنافذ الافتراضية لحياتنا بشكل مطلق، بينما تتكفل السلطة المادية لدولة الشرطة بالتحكم المطلق بالمنافذ الواقعية لحياتنا كذلك، ما يطرح غمامة سوداء في عقل كل باحث عن الحريات الطبيعية والأساسية.
ونموذجا "فيسبوك" و "أمازون" مثالان واقعيان بشكل مريب على قدرة الذكاء الاصطناعي و "الاحتكار" و "تضخم الشركات" على فرض نموذج عالمي للتواصل وللشراء وكذلك نماذج للمراقبة والتتبع والتحليل والتأثير على توجهاتنا مثلما فضحت ذلك تحقيقات "كامريدج أناليتكا" والتي كشفت عن مدى قدرة السلطة والشركات والتقنية على العمل معا لتقويض منجزات الحريات الأساسية واستغلال المعلومات والعلم معا للتحكم بنا.
الصين والاستبداد عبر التقنية:
تعتبر الصين أكثر الدول حرصا على تحقيق كافة النماذج الاستبدادية عبر استغلال كامل وناجح ومبدع للتقنيات الحديثة والعلوم الاجتماعية والنفسية على السواء، وتؤسس عبر برمجة كشف عنها مؤخرا على خلق قواعد بيانات مليارية لمواطنيها عبر مراقبة أفعالهم الاجتماعية والإجرامية والسياسية وأرائهم وأفكارهم.
وتقوم التقنية هنا بجانب الهندسة الاجتماعية في خلق نظام "إله" تقني يسري في جسد الدولة يمكنه أن يصنف المواطنين كخيرين وأشرار بمجرد تتبع نظام حياتهم وأفعالهم ويترتب على ذلك إمكانية حصولهم على امتيازات أو حتى حرمانهم من الحياة والتنقل وحقوقهم كافة من خلال نظام المراقبة الشاملة الذي تكفله للدولة الصينية أنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي الضخمة.
ويعد هذا النموذج أخطر من النموذج "الهتلري" في الضبط والسيطرة، حيث كان النظام الهتلري يحكم بالخوف والبوليس السري، في وقت كان التقنيات محدودة الوصول لحياة الناس الشخصية ما ساهم في قدرة كثيرين على التخفي والنجاة من النظام النازي.
بينما يعتبر النموذج الصيني هو الوحش المضاعف من النظام النازي، وبعقلية لا تقل وحشية وبقوة عسكرية أكبر وبنمو اقتصادي مضاعف وبمشروع عالمي يصعب مواجهته بسهولة، وبنظام معتقلات عرقية لا يختلف كثيرا عن نظام المعسكرات النازية، بل يفوقها باعتقال مايفوق المليون شخص من مدينة واحدة فقط!.
هل نحن ضد العلم والتطور؟
بقدر ما تتطور هذه العلوم في قدرتها على منح السلطة تذكرة وصول لحياتنا الشخصية بشكل شامل، بقدر ما يسهم الاحتكار وتضخم الشركات العالمية وارتباطها بالسلطة السياسية في حسم انتصار هذه التقنيات لصالح الاستبداد لا الحريات، هذا الاستبداد الذي تتطور أدواته بقدر عجزنا عن توظيف التقنية والعلوم لصالح الحرية.
صحيح أن العلوم طورت كثيرا من قدرة البشر على البقاء والرفاه، وأنقذت كثيرين من مخاطر الأوبئة ورفعت معدلات متوسط العمر البشري، وكذلك قللت من وفيات المواليد، وخلقت نظاما اقتصاديا قلل من المجاعات والكوارث التي تشهدها البشرية.
لكنها على الجهة الأخرى تحولنا إلى ما يشبه "دجاجات" جيدة التغذية والصحة والنظيم في مزرعة كبيرة يتحكم بها ثنائي "السلطة والسوق"، وعليه تصبح العلوم جيدة بقدر ما هي مفيدة لخلق مواطن "السوق المثالي" الذي يمتلك قدرة جيدة على العمل لإثراء الشركات واستهلاك منتجاتها والانضباط الكامل في اتباع أوامر السلطة وقوانينها.
وبما أن الأنظمة الغربية عملت بشكل كبير على تدمير أي أفكار تعمل على تنظيم البشر خارج سياق السلطة كالنقابات العمالية والحركات الدينية المعارضة، وكذلك الحركات الطلابية، ومحاولة تجريم أي تجمعات حركية مقابل تعظيم الفردية كمعيار للتحرر، فإن البشرية تفقد بشكل تدريجي وأكيد قدرتها على المقاومة.
فلا يمكن أن يتم توظيف التقنيات لصالح الحريات والإنسان دون أن تكون هناك تجمعات منظمة تعمل على ذلك بشكل مضاد، وطالما أن العالم يتجه شيئا فشيئا للفردية ومقاومة أي حركات اجتماعية أو سياسية أو طلابية، فلا يمكن مطلقا أن تنضج أي محاولة لتوظيف التقنية بشكل يعزز قوة الجماهير أو سطوتها.
هذا المقال ليس وصية "انتحار" لصاحبها، بل تأطير أعتبره هاما لنضالنا القادم ولمعاركنا القادمة والذي يجب أن يستوعب بشكل كبير جدا أن العلم سيظل أكبر داعم للاستبداد طالما أنه لا يوجد عمل منظم ومستقل لتشكلات الأحرار في هذا العالم يستوعب بشكل جيد مخاطر التغول العلمي والتقني لحياتنا اليومية.
ما كانت إيران لتتمكن من المنطقة لولا دعم العرب لمشروع أمريكا في العراق
أنس حسن مؤسس شبكة "رصد" الإخباريةالمشكلة أن العرب يتناسون أنهم ساهموا ودعموا إسقاط العراق، وسكتوا عن توسع إيران ودعموا الاحتلال، والآن يدفعون ثمن تمكن إيران من محاصرتهم! قناة العربية طالما دعمت العملية السياسية في العراق ووقفت بجوار حكومات الصفويين ضد المقاومة العراقية منذ 2003، والآن تتباكى على المد الإيراني. لم يكن يخفى على أحد مشروع قناة العربية الداعم لحكومة المالكي في بدايتها، ووقوفها ضد أي مشروع مقاوم لإيران في العراق، كنت أتعجب من هذا النهج. لم تكن إيران لتتمكن من المنطقة العربية لولا دعم العرب لمشروع أمريكا في العراق، ثم دعم الإعلام العربي لحكومات العراق المتتالية التابعة لإيران. كانت قناة العربية"الذراع السني" لترويج المشروع الصفوي في العراق، وكانت تستضيف يوميا خبراء الأمن العراقيين الصفويين وتقدمهم كأبطال وكعقلاء. حصيلة مواقف وسياسات قناة العربية "إجرامية" في حق العراق، لم تمتلك إيران بوقا تخاطب به العرب بمشروعها السياسي هنالك إلا عن طريق العربية التي كانت أكبر مروج كان برنامج "صناعة الموت" على العربية أبعد من كونه معاديا "للقاعدة"، بل كان يروج لاندماج السنة العراقيين في المشروع الإيراني في العراق. وقد تابع العرب صعود المشروع السياسي الإيراني في العراق بعيون قناة العربية، التي كانت تصف تلك المهزلة بالعملية الديمقراطية السياسية بالعراق. وعات الإخبارية المتعلقة بالعراق على "العربية" ضخمة، وكلها في دعم العملية السياسية الصفوية الأمريكية في العراق، فلماذا يتغاضى الجميع عن بلاياها منذ 2003 وحتى 2012؟ خلاصة القول: سوقت قناة العربية وبأموال خليجية المشروع السياسي الإيراني في العراق طيلة 10 سنوات، ثم الآن تتحدث عن إيران ومشروعها!! ويأتي السؤال: لصالح من كانت تروج العربية لمشروع إيران بالعراق؟ وبأموال من تم هذا الترويج؟ ولماذا؟ لن تستطيع أي دولة عربية مواجهة "المشروع الديني" لإيران بمشروع سياسي "علماني"، الإسلاميون -فقط- هم من بيدهم مواجهة هذا المشروع. وفي حين أثبتت القوات "العلمانية" لنظام الأسد فشلها الذريع، استطاعت المليشيات الدينية الشيعية الصمود قليلا في سوريا، العناوين الدينية أنجع. وفي حين فشلت القوات العراقية النظامية في مواجهة تنظيم الدولة، أعاد "الحشد الطائفي" شيئا من التوازن للحرب، برغم خسائره الكبيرة. ستجد القوى النظامية في المنطقة نفسها مضطرة بشكل أو بآخر للاختيار بين الإسلاميين أو إيران، ولا ثالث لهذه المعادلة إلا الحرب المباشرة. الرهان على النظام الدولي في حل قضايا المنطقة ورط تركيا وأصابها بالعجز الجغرافي السياسي، وأسقط الإخوان في مصر، وخطف اليمن من الخليج لصالح إيران. تركيا راهنت على حليفتها واشنطن لفرض منطقة عازلة، وماطلت واشنطن، ثم أعطت روسيا ضوءا أخضر للتدخل وإفشال المنطقة العازلة للأبد. وإخوان مصر راهنوا أن الأوروبيين والأمريكان لن يقبلوا بانقلاب عسكري، ليفاجئوا أنهم تم بيعهم من تحت الطاولة لصالح العسكر الحليف القديم للغرب. والخليج رهن اليمن بيد المبعوث الأممي "بن عمر" ودعمت الإمارات انقلابا ناعما لصالح، وفوجئوا بتورطهم في حرب كلفتهم المليارات إلى الآن. وأيَ حل "عربي" يصل أدراج النظام الدولي وأطرافه قبل التنفيذ سيكون مصيره الفشل الذريع، فالفاعلون الدوليون يتلاعبون بالعرب السنة ويسلمونهم لإيران. مقالات للكاتب
الاعتراف الدولي بالأسد: تجنيد المشروع الشيعي بجانب الصهيوني لمنع صحوة سنية؟
أنس حسن
دلالات الاعتراف الدولي الجديد بالأسد وبقائه هو في الوقت ذاته إعلان مشروع دولي جديد يتجاوز فكرة الثورة السورية، وسيتم بناء عليه تجاوز الكيانات المطالبة برحيل الأسد.
ذلك أن المشروع الحاليَ لم يعد مسألة رحيل الأسد، فقد كانت معضلة العالم مع الأسد هو ارتباطه بإيران، والآن قد تم استئناس إيران، ويتم المشي في خطوات تحويل وجهة المواجهة نحو تنظيم الدولة والنصرة لاحقا ..
انتهت حقبة الخوف من إيران لدى المجتمع الدولي، وبالتالي انتهت حقبة الخشية من حلفاء إيران، كما تم قطع الصلة بين إيران وفصائل غزة وضعفت علاقتها معها، والآن أصبحت إيران وحلفاؤها الحقيقيون أصحاب مشروع مشترك في الحرب على ما يسمى الإرهاب، وبمعنى آخر: تجنيد المشروع الشيعي بجانب اليهودي الصهيوني لمنع أي صحوة سنية.
ليس لأن العالم يعادي "السنة" أو يحب "الشيعة" فليست التقسيمات المذهبية هذه تعني لهم شيئا إلا من وجهة نظر الديموغرافيا والثقافة والهوية، حيث إن الكتلة الشيعية في أقصى تمددها لن تشكل خطرا على العالم في محيط "سني" عدو، سيجعلها تحتاج بشكل مستمر للدعم الغربي.
في حين أن أي صحوة سنية يكتب لها الانتشار والتوسع، فلن تتوقف عن الانتشار حتى تلامس حدود روسيا وقلب أوروبا والغرب إضافة للشرق الأوسط وإفريقيا، وبالتالي يكون وأد الفكرة التوسعية السنية والديموغرافيا السنية في منطقة "القلب"، وهي "الشرق الأوسط" ومحاصرتها بالشرطي الفارسي.
هذه اللعبة ليست محض مؤامرة أو خيال .. استمعوا جيدا للخبراء الروس ونظرياتهم حول الإسلام السياسي والجهادي وكيفية مواجهتهما وغيرهم من المحافظين الأوروبيين والأمريكيين.
خالد حسن هذه المرة ثورة مصر أكثر عمقا واتساعا ونضجا ووعيا، لأنها المعركة الصحيحة في التوقيت الصحيح. إنها لا تستهدف قشرة أو سطح الدولة البوليسية القمعية وإنما توغلت إلى الأعماق، حيث المناطق المظلمة المحظورة على أي فعل احتجاجي أن يقترب منها، هي ملك خاص لعصابة من كبار قادة الجيش والمخابرات. العسكر يستنكف عادة عن الغرق في أوحال التفاصيل والمطاردات اليومية، ترك هذا الجزء "العفن"و"المنفر"لجهاز أمن الدولة التابع للداخلية. لكن انقلاب "المراهقين" أربك سياسات الجيش وخلط أوراقه وغير عقيدته العسكرية وجعل منه "ميليشيات" مسلحة وأفقده، الأمر تجاوز مجرد إرسال دبابات لفرض السيطرة، وبدا واضحا، مع مرور الوقت، أنهم وقعوا في فخ نصبوه لغيرهم، جنون السلطة والحكم أصمهم وأعمى أبصارهم، من شجعهم ودفع لهم وأغراهم ومول "مراهقتهم وطيشهم" رأى الأمر لأول وهلة عملية ضخ أموال وصرف رواتب وحوافز وشراء ذمم وخطف مشروعات وامتيازات وسحق خصوم، وفقط، لكن بدا لهم من الجماهير ما لم يكونوا يحتسبون. ودخول إسرائيل على الخط من أول يوم، بل من قبل ذلك، تمهيدا وتحضيرا، كان دافعا أكبر للعصابة الانقلابية لتصمد إلى اليوم، ورمت (تل أبيب) بثقلها من خلال الخطة الإعلامية التضليلية السوداء والضغط على أوروبا وأمريكا للاعتراف بالعصابة وحملات العلاقات العامة وجمع "التبرعات" لتحسين صورة الانقلابيين وتوظيف جماعاتها وأدواتها وتحريك خلاياها لإنجاح انقلاب "المجموعة" الموالية للكيان الصهيوني داخل الجيش المصري. المعركة الحالية في مصر هي أول معركة دعائية تحريضية بهذه الشراسة تخوضها إسرائيل على أرض مصر ضد التوجهات المناهضة والمعادية للكيان الصهيوني، وفي مقدمتهم التيارات الإسلامية، منذ حرب أكتوبر. العسكر في الواجهة ووراءهم ممولون ومخططون ومحرضون ومتعهدون، إن رجعوا خطوة إلى الوراء أحرقوا هؤلاء وأولئك، وعقَدوا الوضع أكثر مما كان عليه الأمر بعد ثورة 25 يناير، فالكل مدرك أن الثورة هذه المرة تستجمع قواها وشتاتها بعد ضربات موجعة قصمت بعض ظهرها تلقتها من أطراف كان إلى وقت قريب تظنها حامية الثورة وحارسها. والكل مدرك أيضا أن الحسم لن يكون سريعا، لا الرصاص والقتل والترويع والحرق والاجتياحات ولا ما يقابل كل هذا وغيره من الاعتصامات والتظاهرات والتجمعات الاحتجاجية، إنما هو الاستنزاف وطول النفس والقدرة على الصمود والتحدي وكسب مساحات وشرائح وجماهير جديدة وهكذا. لكن الانقلاب ليس في جعبته إلا الرصاص والتهديد والبيادة والوحشية، في حين أمام مناوئيه أشكال ومساحات كبيرة من طبائع الاحتجاج والرفض، في تنويع وإبداع واستنزاف شارك فيه الكبير والصغير من مختلف الفئات. في كل أسبوع إضافة وشكل جديد ووجوه جديدة ومناطق وشوارع وعائلات تلتحق بالركب، وهذا ما بصنع منها تجربة فريدة في الثورات المعاصرة. لن ينهار الانقلاب دفعة واحدة في وقت واحد، وإنما تتصدع أركانه تدريجيا وتنفض من حوله الحاشية ودوائر التأييد من خارجه تدريجيا أيضا، والإبداع والتنويع في الرفض والاحتجاج والمناهضة بما يشبه معارك الاستنزاف والنفس الطويل يطيح ببنيانه . ولا تواجه المقاومة السلمية في مصر عصابة من العسكر احتلت البلد بميلشياتها المسلحة، وحسب، وإنما يواجهون سياسات إسرائيلية نازية عدوانية مهيمنة بشكل شبه مباشر، فمعركتهم تحمل أبعادا لم يكن يتصورها الثوار والمناهضون، ولكن زادتهم عزيمة وإصرارا، ودخول إسرائيل على الخط خدم الثوار أكثر مما أفزعهم. إسرائيل ترى في السيسي وعصابته فرصة تاريخية حاسمة لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وتصفية حماس ومعاقبة غزة وتصفية حساباتها مع المعادين لكيانها وسياساتها في المنطقة، فبقاؤه ونجاح انقلابه يحقق لها من المكاسب ما لم يخطر على بالها، ولكن الثورة المتدفقة في مصر ستفشل خططها، إنها معركة طال انتظارها وحان أوانها.
لماذا "دلجا" و"كرداسة"؟ ولماذا لا يكون القمع شاملا لكل المدن المصرية؟ بقلم: أنس حسن / المدير السابق لشبكة رصد الإخبارية التساؤل الذي يدهم أدمغة الكثيرين: لماذا "دلجا"؟ ولماذا "كرداسة"؟ ولماذا لا يكون القمع شاملا لكل المدن؟ ولماذا يتم التركيز الإعلامي عليهما تحديدا ونسج القصص الأسطورية حولهما؟ والجواب على هذا التساؤل يبدأ من حيث رصد التشابه بين كلا المنطقتين: فهما قريتان محدودتا المساحة، كما إنهما بؤرة احتجاج مستمرة، ويسكنهما غالبية مضادة للانقلاب، إلى جانب أنهما في "بؤرة" منطقة احتجاج أوسع، فـ"كرداسة" تقع في قلب (محافظة) "الجيزة"، وهي منطقة احتجاج واسعة ومن أكبر المحافظات كثافة سكانية، وكذلك "دلجا"، حيث نشاطها دائم وتقع في منطقة الصعيد ذات المزاج المعادي للانقلاب. القمع الشامل لا يجدي ويوسع دائرة الاحتجاج، وعليه فسياسات "الصدم والخوف"، تعتبر أنجح في التعامل مع مثل هذه الحالة، حيث توصي بأنه بمجرد "شيطنة" نقطتي تمرد داخل بقعة جغرافية كبيرة متأثرة بمناخ التمرد والمعارضة، وصب الأساطير حولها وإلباسها لباس الشر ثم ضربها بقوة، يمثل ذلك عملية قمع لجميع البقة الجغرافية المحيطة. لم تكن دلجا ولا كرداسة تشكل أي خطر حقيقي على الانقلاب بمفردهما، لكنهما في القلب من منطقة جغرافية وسكانية تشكل مزاجا معاديا للانقلاب، وهاتان المنطقتان (الصعيد - الجيزة) يشكل الحراك فيهما كتلة كبيرة من كتل معاداة الانقلاب، ويشكل المزاج العائلي والقبلي نوعا من الدوافع أيضا باتجاه استمرار الاحتجاج، وعليه يجب افتعال معركة "كسر الأنوف". وهذه المعركة تتخذ أنموذجا مصغرا يكون بمثابة العبرة لكل مناطق التمرد هناك، ويكون حديثا يوميا للمناطق المحيطة والمماثلة بخلاف الشائعات المضخمة لما حدث، والتي هي من طبيعة ونسيج الشعب المصري. إن منطق "سياسات الخوف" في الانقلابات العسكرية هو السبيل الوحيد لتثبيت سلطة وهيبة الانقلاب في صدور الشارع، إذ إن الانقلاب لا يمكنه الاعتماد لفترة طويلة على شرعية ادعاء "الرخاء" والمستقبل المشرق بمنطق السيسي حين قال(وبكرة تشوفوا مصر)، إذ إن هذه الشرعية سرعان ما ستتآكل تحت وطأة الأحداث والأزمات الاقتصادية التي تترتب على الانقلابات العسكرية. وعليه فالطريق الوحيد هو تفعيل "الخوف" لإخضاع الناس بشرعيته، ولا يمكن مطلقا فرض الخوف عن طريق القمع الشامل، لأنه يهلك السلطة القامعة قبل أن يهلك خصومها. وعليه، يتم تطبيق نظرية "القمع البؤري" عن طريق اختيار مناطق بؤرية من منطقة جغرافية أوسع كدلجا وكرداسة، أو اختيار شخص "بؤري" من جماعة يراد تهديدها كالصحفيين مثلا عن طريق اختيار "ابو دراع" أو قتل صحفي الجمهورية، وهكذا من كل فئة أو منطقة جغرافية يتم تطبيق هذا القمع "المقولب" لتخويف سائر القطاعات. وهذا بالتحديد ما يحدث مع دلجا وكرداسة اليوم، وهو مقدمة لكسر أنوف المحتجين في الصعيد والجيزة، ويضاف إلى ذلك كسر أنف "الكبرياء الصعيدي" ونسف الهالة التي رسمها الاحتجاج الصعيدي حول نفسه، وكسر كل العادات والتقاليد المتعلقة بالكرامة والهيبة وخلافه هناك، وهي كلها أمور في سياق الحرب النفسية وتحطيم الإرادة، وإيصال رسالة مفادها أن الانقلاب مستعد أن يكسر كل الأعراف مقابل الحفاظ على النظام الجديد. وبالتبعية، فإن ما يحدث اليوم في سيناء كذلك هو عين تلك السياسات، حيث يتم كسر كل أصول التعامل مع قبائل سيناء القائمة على الاعتراف بالقواعد والأعراف السيناوية، وانتهاكها، لإيصال رسالة أننا سندوس على كل عنق يرفض توجهاتنا الجديدة، سواء في القاهرة حيث شرعية الانقلاب أو في رفح والمنطقة الحدودية، حيث منطقة نشاط اقتصادي هام للقبائل السيناوية. إن تطبيق هذا الأنموذج إذا فشل في تحقيق مراده عن طريق استمرار الصمود يوسع يد النظام في تطبيق البطش بمناطق أوسع، وهذا معناه توسيع الجبهات واستمرار تآكل شرعية الانقلاب لدى المواطن العادي، فقد كان الهدف من العنف المفرط جدا في رابعة والنهضة هو رسالة خوف للجميع أن ما بيدنا لنفعله أكثر مما يتصوره البعض، ولكن هذه لرسالة تآكلت مع توسع دائرة الاحتجاج.
بقلم: أنس حسن / المدير السابق لشبكة رصد الإخبارية ملاحظة: (المقال كتب من سنة) - إن معركة هذه الأمة الأزلية هي مع الوصاية الأمريكية "الاحتلال الناعم"، وإن الاحتلال الناعم لا يتم إلا بعسكر وجيوش على نفس "ملة" و"لغة" و"جنس" و"عرق" البلد الذي يتم احتلاله،إذا فمواجهتنا الأزلية هي مع "العسكر"، ومتى تخلصنا من نارهم الموجهة إلى صدورنا، نكون قد تخلصنا من الاحتلال الأمريكي لنا. - إن تحويــل الجيوش إلى منظومات "اقتصاديـة" مرتبطة بأشخاص، و تبنيها لمواقف وتوجهات سياسية، يُحول الجيوش من مجرد أداة لحماية البلاد، إلى"عصابة مُسلحة"ذات توجهات سياسية تفرضها بقوة السلاح والنفوذ الاقتصادي، وبذلك تتحول إلى طرف مُحتل.. لا طرفٍ حامي. - إذا قلبت النظر شرقا وغربا في محيطك العربي المُتخلف، ستجد عسكرا هنا وهناك، يُذيقون شعوبهم العذاب "ضعفين"، فلا هُم احتلال مباشر تستطيع أن تعلن الجهاد عليه، ولا لديك من الأدوات ما يكفي لمواجهتهم،إنهم أفاعي ناعمة الملمس .. ناقعة السُم، شيئا فشيئا يتحللون من بدلاتهم العسكرية ليرتدوا تلك المدنية ناعمة الملمس ليضللوا ملايين أخرى من الدهماء التي تهتف لكل جلاد .. أن يعيش. - إن سياسات واشنطن كانت دوما أن لا تدخل جيوشها في معركة مباشرة لكسب النفوذ و السيطرة على العالم، بل كانت تعمل على صناعة "وكلاء" محليون لها في كل "منطقة" وفي كل "بلد"، وهذا عملا بمنطق "الشركة" الرأسمالي، ولم تدخل جيوش واشنطن في منطقة إلا في محاولة لزرع وكيل جديد ثم الخروج، ووكلاء واشنطن "عربيا" هم "جيوش" قذرة .. وأسر حاكمة. - وسياسة الوكيل و"التوكيل" هي سياسة شركات رأس المال بالأساس، وهي جزء من الثقافة الأمريكية، وبدأها "روزفلت" منذ سنة "45" بعد انحسار النفوذ البريطاني تدريجيا عن المنطقة، فالتقى روزفلت وقتها بعض الزعماء هم "ابن سعود" لتوكيل الطاقة والنفط، و"فاروق"وكان يتوسم فيه أن يكون شرطي المنطقة الأمريكي ولكنه بدا ضعيفا، ومن هنا بدأت أمريكا في سياسة تغيير الأنظمة من الداخل دون احتلال مباشر وصناعة وكلاء محليون لها. - ولو رجعنا إلى ثورة إيران -مثلا-، سنجد أن المفاوضات بين "الجيش" والخميني لم يكن الجيش طرفا فيهابل كانت واشنطن تفاوض نيابة عن الجيش، وحتى في مصر حينما تأزم الوضع بين الجيش والإخوان كان "كارتر" هو المندوب المفاوض بين الجيش والإخوان، إنهم حملة التوكيلات الأمريكية، وحين يتعثرون يأتي مالك الشركة ليفض النزاع بين وكيله والآخرين. - وكانت واشنطن دوما تصنع لوكلائها المحليين في كل دولة "إمبراطورية اقتصادية" يقتاتون منها وتصنع منهم نخب اقتصادية بالغة الثراء لرفع كعبهم داخليا وربط مصيرهم بخدمة ولي نعمتهم، وهذا مشاهد في الخليج وفي التسهيلات التي تمنحها الشركات الأمريكية للأسر الحاكمة، ومشاهد في مصر حين تمت بتعليمات أمريكية صناعة إمبراطورية اقتصادية للعسكريين مرتبطة مباشرة بالمسار الأمريكي ومعوناته، ولذلك فهم مرتهنون سياسيا واقتصاديا وولائيا لواشنطن، فـ"لحم كتافهم من خيرها". - ومسار التحول في الجيش المصري من الاستقلال التام إلى التبعية الكاملة حدث منذ اتفاقية السلام "79" التي حولته إلى كيان طفيلي يتغذى على فتات المساعدات الأمريكية مقابل دوره في حماية النظام ومعاهدة العار، وحماية التطبيع وحراسة الحدود الغربية - الجنوبية للكيان، وتم تحويل جهاز المخابرات المصري لترانزيت خاص بالمخابرات الأمريكية في حربها على ما يسمى الإرهاب، ورأس حربه في المنطقة العربية للحفاظ على الأنظمة ومحاربة توجهات المقاومة الإسلامية - وختاما: إننا حين نواجه هذه الأنظمة فلسنا نفاضل بين دولة مدنية ودينية !!، إننا في حرب مباشرة ومفتوحة مع البيت الأبيض ورجال تل أبيب ووكلائهم، إن هذا هو التوصيف الحقيقي لمعركتنا، ووعينا بشكل كامل لهذا يحدد مواقفنا، فالوعي الصحيح يشكل رد الفعل الصحيح، وإدراكك للعدو ومواقعه يجعلك لا تؤتى من خلف ظهرك، إنها معركة "الأنا" - "الهوية"، أمام "المسخ" - "الآخر"، ليس الآخر الذي يمكن أن تتعايش معه، بل الآخر الذي يريد سحقك وتحويل جسدك إلى آلة امتصاص لإنتاجه الرأسمالي، و تحويل عقلك إلى اسفنجة تمتص أفكاره المادية البالية