الثلاثاء، 19 مايو 2015

الإعدامات في مصر: لولا «الرز» ما كانت الحلوى!


الإعدامات في مصر: لولا «الرز» ما كانت الحلوى!

أحمد بن راشد بن سعيّد


في أعقاب انقلاب 3 تموز (يوليو) 2013 في مصر، أعلنت قيادة الانقلاب أنها «تحتفظ» بالرئيس المنتخب محمد مرسي في «مكان آمن»؛ «حرصاً على سلامته»، وأنه غير متهم بشيء «حتى الآن».
متى كان الذئب يحنو على الحَمَل؟
لكن كان لا بد من تلفيق تهم للرئيس حتى لا يطالب الشعب الذي انتخبه بعودته، فحكم عليه قضاء الانقلاب بالسجن 20 عاماً بتهمة «استعراض القوة»، والتحريض على قتل محتجين في «الاتحادية» أواخر عام 2012، معظمهم من الإخوان.
لكن ذلك لم يكن كافياً؛ إذ أصبح هذا الأكاديمي والسياسي القابع خلف القضبان «رمزاً» لملايين المصريين و «أيقونة» لأحرار العالم كله، وهو الرئيس الأول والوحيد الذي اختاره المصريون في انتخابات حرة ونزيهة جرت بإشراف دولي، ولم يستقل، ولم تنته مدة ولايته، ومن ثمّ، فهو مازال رئيساً للبلاد، ولا يغيّر اختطافه وعزله وسجنه وتشويه تاريخه شيئاً من هذه الحقيقة. تلك هي المعضلة التي لا دواء لها في نظر الانقلابي سوى القتل، أو هكذا سوّلت له نفسه. ولكن هذا القتل سيُسمّى «إعداماً»، وسيجري إعلانه في قاعة المحكمة، لكي يُلبَس لباساً قانونياً.
 ولا حاجة إلى الذعر، فالأمر «قضائي» بحت، لا مسيّسُ ولا هزَلي، وثمة أصول مرعية في التقاضي، إذ من حق المحكوم عليه استئناف الحكم، الذي قد يُخفّف أو يُنقض.
وهكذا، يتحول المشهد العبثي القميء إلى إجراءات مألوفة مرتبطة بالنظام والقانون، وهو ما يسهم في إضفاء الشرعية على أداة من أحقر أدوات الدولة العميقة في مصر؛ القضاء، الذي لم يكن قط قضاءً بالعدل بين الناس، بل «قضاءً» على حقوق الناس.
غير أن مرسي لم يكن الوحيد الذي حكم عليه القاضي شعبان الشامي يوم السبت الماضي بالإعدام، إذ أعلن في الجلسة نفسها إعدام 107 آخرين من قيادات الإخوان المسلمين، بينهم امرأة واحدة هي سندس عاصم (كانت تنسق اتصالات الصحافة العالمية بمكتب الرئيس مرسي، والآن تدرس الدكتوراه في السياسة العامة بجامعة أوكسفورد).
جفّ ريق شعبان وهو يتلو الأسماء، ولك أن تتخيل كيف درس هذا القاضي وزملاؤه ملف كل واحد من هؤلاء المتهمين، وفحصوا الأدلة والقرائن، وتداولوا الرأي بشأنها، ثم أصدروا تلك القرارات. 
لا يُعدّ الحكم بعقوبة ما أمراً سهلاً؛ إذ يتطلب الكثير من الجهد والنظر والتجرد والأناة، ولكن لا يبدو أن هذه الإعدامات (بالجملة) قد أخذت من وقت شعبان وزمرته إلا بضعة اتصالات (مكالمات، إيميلات) بقيادة الدولة، ختمها شعبان بالقول: «حاضر يا افندم»، «تمام يا افندم».
لم ينطق القاضي بكلمة «الإعدام»، بل قال إنه سيحيل أوراق الضحايا إلى المفتي «لإبداء الرأي الشرعي»، وهي عبارة دعائية تعني الإعدام ولا تنص عليه؛ وتهدف إلى تخفيف الشعور بالصدمة.
لا يعني رأي المفتي شيئاً، فلو أقرّها، أضفى ذلك عليها نوعاً من «الشرعية» الدينية الزائفة، ولو رفضها، لم يُلغ الرفضُ الحكم، ولم يقلل من «قانونيته» المزعومة، وبهذا يكون هدف «الرأي الشرعي» الاستئناس فقط، أو هو في حقيقة الأمر، جزء من «التمثيلية» بحسب وصف منظمة العفو الدولية للمشهد التراجيدي/الكوميدي في مصر. 

فظيع جهل ما يجري، وأفظعُ منه أن تدري.
هكذا كتب الشاعر اليمني، عبد الله البردّوني، ذات يوم.
وفظاعات الانقلاب نتيجة حتمية لحدوثه واستمراره. لن ينضح الإناء إلا بما فيه.
 إنها «عدالة المنتصر» كما أشارت إليها بتهكم مجلة الإيكونومست.
لا يكره الدكتاتور شيئاً كما يكره رموز الحرية، وإذا كان هذا الدكتاتور انقلابياً غادراً، فإن طيف من انقلب عليهم سيظل يطارده ويؤرقه، حتى ولو زجّ بهم في غياهب السجون. إنهم يذكّرونه بلصوصيته، بعاره، بزيف نياشينه، وبتهافته على «الرز».
لا بد إذن من خنق أبطال الحرية في الميادين، ومن لم يُقتل في الشارع، يُقتل بسيف القانون.
لا بد من إطفاء جذوة الثورة التي بدأت مطلع عام 2011، والتي هي من يُحاكم اليوم، وتصدر ضدها قرارات الإعدام. 
الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، كان على حق عندما وصف القرارات بأنها عودة بمصر إلى عهودها القديمة، وأنها إعدام لشعب مصر، لا لمرسي وحده. 
كان مرسي يدرك فساد القضاء، وحاول إصلاحه عبر بعض القرارات والمشاريع، لكنه لم يستطع؛ إذ واجهته عاصفة من الاحتجاجات والشتائم؛ نظراً لارتباط القضاء ارتباطاً بنيويّاً بالدولة العميقة/العنيفة ومصالحها المتشابكة. 
خلال الشهور التي قضاها مرسي في السلطة، خضع سلفه المخلوع مبارك لسلسلة من المحاكمات الصورية، لكنه خرج بعد الانقلاب بريئاً، يدبّ على الأرض دبيبا. الدكتاتور الذي حكم مصر بقبضة من حديد 30 عاماً حظي حتى بمزايا الرؤساء السابقين، أما الرئيس الذي انتخبه الشعب، ولم يكمل عاماً واحداً في الرئاسة، فقد حكم عليه القضاء بالموت.
أحكام الموت شملت أيضاً نوّاباً منتَخبين، أحدهم محمد سعد الكتاتني، رئيس أول برلمان مصري منتخب بعد الثورة. جاء الانقلاب ليجهض الديموقراطية الوليدة، وجاءت القضاء ليطلق الرصاص على صدر الثورة التي أنجبتها.
لنتخيل لحظة فقط لو كان مرسي هو من يمارس هذا الجنون، بل جزءاً يسيراً منه؛ إذن لهاج العالم ضد أولئك الإسلاميين «الهمج» المعادين للحرية والحضارة. هذا ما يفسّر «برود» الموقف الأميركي من أحكام الإعدام، فأقصى ما صدر عن إدارة أوباما هو التعبير عن «القلق البالغ»، وتداعى لها أمين الأمم المتحدة، بان كي مون، بالتأوّه والأسى معرباً كعادته عن «قلق عميق». والقلق في اللغة السياسية لا يشكّل إدانة ولا استنكاراً. كان من بين المحكوم عليهم بالإعدام العلّامة يوسف القرضاوي، والشهيدان الفلسطينيان من كتائب القسام، تيسير أبو سنيمة، ورائد العطار، والأسير القسّامي في سجون الاحتلال منذ نحو 20 عاماً، حسن سلامة.
لكن قد ترتد هذه السلسلة من أحكام القضاء على صدر الدولة العميقة نفسها. الغباء يفضي إلى الفشل، والفاشل يمعن في ارتكاب الأخطاء التي لا تزيده إلا ضلالا، وقد يكون ذلك من أعظم أسلحة الثوار.
في 28 نيسان (أبريل) 2014، حكم قاض في المنيا بإعدام 683 من أنصار الرئيس مرسي، بينهم مرشد الإخوان، محمد بديع، وعلّقت سارا ليا وِتسِن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة هيومن رايتس ووتش بالقول إن «السلطات المصرية تُنزل أحكام الإعدام بالناس كأنها توزّع الحلوى». لم تكن تسريبات «الرز» وقتها قد ظهرت للعيان. لولا الرز ما كانت الحلوى.

• @LoveLiberty

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق