السبت، 30 مايو 2015

الجنرال يبتسم في مقبرته السعيدة


الجنرال يبتسم في مقبرته السعيدة
وائل قنديل



لم تكن الطائرة التي تقل الشهيد الحي، محمد سلطان، قد هبطت في واشنطن،
حين كان عبد الفتاح السيسي يضحك بوسع شدقيه، وهو يمازح الحضور في الترسانة البحرية في الإسكندرية، بمقولة متفرّدة في ركاكتها وهزليتها، باعتبارها آخر ما وصل إليه "فساد الإدارة" أو "إدارة الفساد"، حين ينصح بالآتي "لو المسؤولين خدوا بالإجراءات وأخذوا بالأسباب، وكان هناك ضرر، لو الموضوع وصل إلى درجة السجن عشان نخدم البلد أخدمها، مش ممكن كلنا هندخل السجن".

"خذ قرارك وادخل السجن حبّاً في الوطن"، هذه هي فلسفة الجنرال في الحكم والإدارة، والتي تعني، صراحةً، أن دولة السيسي تعلن أنها غير مسؤولة عن حماية مسؤول شريف، يتخذ قراراً صائباً، من وجهة نظره ونظرها، فيكون مصيره السجن.

باختصار شديد، يقول السيسي للمصريين: القانون ليس معياراً وحكماً، وأن الخروج عن القانون لو كان في مصلحة الدولة، فهو عين الوطنية، ومنتهى البسالة والشجاعة.
والأخطر أنه يكرّس لمبدأ أن القانون ليس معياراً للفرز بين مواطن صالح وآخر طالح، ويؤسّس لأن المنفعة والمصلحة هي الأصل في الأفعال، بصرف النظر عن أخلاقيتها وقانونيتها.

هل السيسي، هنا، يعبّر عن الفلسفة النفعية، كما عرفها العالم منذ إرهاصاتها الأولى عن "أبيقور" قبل الميلاد، وحتى تحوّلها إلى نظرية عند الفيلسوف البريطاني جيرمي بينتام؟
بالتأكيد لا، فإذا كانت النفعية لدى هؤلاء تكرّس مبدأ أن الفعل الجيد هو الذي يحقق قدراً أكبر من اللذة والبهجة والمصلحة، لذا كانت محل استهجان، كونها تهمل تماماً الجانب الأخلاقي في الفعل، فإن "نفعية دولة السيسي" تنحدر إلى ما دون مستوى اللذة والبهجة والمصلحة، وتستقر عند مبدأ "الفهلوة"، تحقيقاً لقدر أكبر من الإيهام والخداع للجماهير، من خلال ترويج نجاحات كاذبة وإنجازات وهمية، يشهد بها ذلك الانحدار والانهيار في الأمور المعيشية، والأحوال الاقتصادية، ناهيك عن السقوط التام على صعيد الحريات والحقوق السياسية والاجتماعية.
من هنا، تبدو فداحة المفارقة: زعيم "أو نسخة زائفة من زعيم" يتحدث عن وطن وتقدم وازدهار وإنجاز، بينما الوقائع على الأرض تنطق بمقبرة أو خرابة، محفوفة بالتراجع والعتمة والعجز والبلادة.. 
تكفي هنا تراجيديا الرحيل، أو الترحيل، المفاجئ لمحمد سلطان، "أيوب المعتقلات السيسية"، إلى الولايات المتحدة الأميركية، بعد أن خيّروه بين الهلاك والفناء داخل مقابر الشرطة المصرية، التي يسمونها معتقلات، أو التنازل عن جنسيته، لكي تجري معاملته مواطناً يحمل الجنسية الأميركية، تفتح له المطارات، وتُسهّل له إجراءات السفر، وتنام من أجله القوانين وتعطّل الأحكام.

لا أتصوّر أنه من العدل أن يلوم أحد محمد سلطان على قراره بالرحيل من عذاب المقبرة، وهو على قيد الحياة، ذلك أنهم، باختصار شديد، أعلنوها صريحة: كونك مصرياً، فهذا يعني موتك، لو كنت معارضاً أو معترضاً على شروط الحياة داخل تراب المقبرة المقدس.
غير أن المفجع أكثر أن حكام المقبرة، الذين يعذبون الموتى والأحياء فيها، بحديث صاخب عن الوطنية والتحرر والأمن القومي، بدوا كالحملان المطيعة حين أومأت واشنطن "وغمزت بعينها" أن أطلقوا سراح محمد سلطان، فكان أن صدر قرار الإفراج والسفر ليلاً، من دون أن يقول لنا أحد: ماذا عن الكرامة والشموخ والزعيم الذي يهتز العالم إذا تنحنح؟
المسافة بين "محمد سلطان الأميركي" و"محمد سلطان المصري"، هي الفرق بين الدولة والمقبرة، وبين المجتمع الإنساني وتجمعات الوحوش البرية في مناطق البحيرات والمستنقعات العطنة، هي الفرق بين الإنسان وباقي الكائنات.

تخيّل، مثلاً، لو سألت مستشارة ألمانيا عبد الفتاح السيسي في أثناء لقائهما عن قصة إطلاق سراح محمد سلطان، ماذا ستكون الإجابة؟
أغلب الظن أنها لن تخرج عن "إذا أردت أن نعاملك كإنسان، تنازل عن جنسيتك المصرية".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق