الأحد، 9 ديسمبر 2018

فليتألموا

فليتألـــــموا
د.أحمد خالد توفيق
نشر في 11 مارس 2008

لو تصالح كل العرب مع إسرائيل فلن أكون أنا ضمن القائمة بالتأكيد , لأننى ألعنهم و ألعن الأرض التى يمشون عليها , و أكره منظرهم و لون علمهم و لغتهم . أنا من جيل أوشك أن ينقرض تعلم أن يكره إسرائيل بحق.. أطفال بحر البقر الذين ماتوا بالقنابل كانوا فى سنى وقتها بالضبط , و كان يمكن أن أكون أنا لو فضلت الطائرات محافظة الغربية على الشرقية
كنت أتابع فى شغف برنامج ( ماما سلوى حجازى ) فى التلفزيون , و عرفت ذات صباح أن الإسرائيلين أسقطوا طائرتها .. لماذا؟ لأنهم أولاد كلب طبعاً .. أنا من جيل عرف فى المدرسة قصة دير ياسين و كفر قاسم و رأى أباه يبكى يوم استشهاد (عبد المنعم رياض)

أنا من جيل تعلم أن يكره كل ما هو إسرائيلى و ما زال منظر حروفهم العبرية يجعل الشعر ينتصب اشمئزازاً على ساعدى لأنه يذكرنى بمنظر أقدام العنكبوت

كان هذا قبل أن يعم السلام الأرض , و يبحث منافق ما فى مكتبة الإذاعة عن أغنية أم كلثوم ( بالسلام احنا بدينا بالسلام ) و يقوم بإعادة إحيائها مع لقطات من أغلفة مجلة أكتوبر للسادات و بيجين و هما ينظران لبعضهما فى شوق و حنان , و بيجين يضحك فى رقة الملائكة لأننا ( مهما كنا و مهما كنتم.. من حقوقنا و من حقوقكم .. الحياة و السلام .. يا سلاااااام! ) .

وكانت الأغنية تدوى بينما الطائرات الإسرائيلية تقصف المفاعل العراقى , و بينما جثث صابرا و شاتيلا تملأ الشوارع فيقئ المراسل الفرنسى الذى رأى المشهد برغم أنه سد أنفه بمنديل

ربما أنا متأخر عن عصرى و ربما عفا الزمن على , لكن هل تغير الإسرائيليون حقاً بما يكفى لجعلى متخلفاً؟.. جثة إيمان حجو الرضيعة التى لم يعد لها ظهر – حرفياً – تؤكد أنهم لم يتغيروا .. صرخات أبى محمد الدرة تؤكد أنهم لم يتغيروا .. هدى الطفلة التى تهز جثة أبيها محاولة جعله يفيق بمعجزة ما تؤكد أنهم لم يتغيروا .. جثث الأطفال التى تتناثر ليلاً نهاراً على شاشة الجزيرة تؤكد أنهم لم يتغيروا .. الطفلة المصرية التى قتلت على أرضنا و بين أهلها تؤكد أنهم لم يتغيروا


لا سبيل للتعامل مع هؤلاء و لا لغة يفهمونها سوى لغة الصواريخ التى تهوى على رءوسهم. أعرف يقيناً أنهم زائلون و أن فرصة حياتهم فى وسط معاد كاره لهم يفوقهم عدداً معدومة. و كما يقول الصحفى الأمريكى الذكى جيمس بنكرتون : " من المستحيل إخضاع الإسلام . لم يحدث قط فى أى مكان من العالم – ما عدا فى سجن ( أتيكا ) الأمريكى فقط – أن استطاعت أقلية بيضاء أن تسيطر على أغلبية مسلمة " . لكنى أتألم حقاً لأننى لن أرى هذا المشهد فى حياتى . سوف يحتاج الأمر إلى ثلاثين عاماً أخرى على الأقل , و عندها ربما يتذكر آخر راحل منهم أن يطفئ النور قبل أن يركب الطائرة العائدة إلى أوروبا كما يقول أحد مفكريهم ساخراً

يبدو لى أنهم قرروا قتلنا بطريقة أكثر نظافة و أناقة عن طريق ارتفاع ضغط الدم من الغيظ . كل هذه المذابح على الشاشة و لا أحد يعلق كأن ما نراه على الشاشة جثث دجاج أعدموه وقاية من إنفلونزا الطيور , و مجلس الأمن عاجز عن الإدانة , و بوش يرى كعادته أن من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها , ثم ينتفض العالم غير مصدق لبشاعة الجريمة التى حدثت فى القدس الغربية .. يا للهول..! أوه نو..! ماى جاش..! فلسطينى يقتل المدنيين..؟ جود هيفنز..! يهب بوش ليدين بأعنف عبارة . و يجتمع مجلس الأمن بسرعة البرق . ثم أقول لنفسى إن إسرائيل مجرد ولاية أمريكية أخرى تم زرعها هنا , و علينا أن نتعامل على هذا الأساس و نكف عن تصديق هراء الشريك الكامل و كل هذا السخف , أمريكا لن تتخلى عن تكساس أبداً .. هذا مفهوم

أتذكر هنا مقطعاً من " صلاة الجندى" للعبقرى الأمريكى مارك توين , يسخر فيه من فكرة الحرب , لكن الغريب أن هذا ما أريده للإسرائيلين فعلاً : " يا رب ساعدنا على أن نملأ قلوب أراملهم بحزن لا طائل منه .. ساعدنا على طردهم من بيوتهم مشردين منبوذين فى الخراب الباقى من أرضهم المدمرة, عراة يتضورون جوعاً و ظمأ .. يعانون قيظ الشمس و برد الشتاء محطمى الروح أنهكهم العذاب ... يسألونك رحمة القبر لكنهم يحرمون منها . من أجلنا يا رب دمر أحلامهم و أفسد حياتهم .. اجعل خطاهم ثقيلة و اغرق دربهم بالدموع , و لطخ الثلج الأبيض بدمهم النازف من أقدامهم . نسألك هذا يا رب يا من هو ملاذ من يطلبون عونه بقلوب مفعمة بالندم .. آمين !!! "ـ

سئمت أن نكون نحن المظلومين كل مرة , و أن نسعى كالمطلقات نطلب حقوقنا فى ردهات مجلس الأمن .. سئمت مشاعر المظلوم الذى يكنس السيدة زينب و أريد أن أستمتع و لو مرة واحدة بمشاعر الظالم أو – على الأقل – مشاعر الذى لا يجرؤ الناس على ظلمه . بعبارة أخرى نجح هؤلاء القوم فى جعلى أفقد جزءاً من إنسانيتى .. فى حرب "73" نشرت الصحف صورة جثة طيار إسرائيلى متفحمة , و كان مربوطاً بالسلاسل لمنعه من القفز من طائرته لو انطلقت صورايخ " سام 7 " نحوه .. هذه صورة إنسان احترق حياً لكن بائع الصحف علقها فى فخر , و بيعت الجريدة فى دقائق وسط التهليل و الانتشاء .. لا يمكن أن تلوم هؤلاء المنتشين .. فلتلم من جعلهم كذلك

رأيت أمس فى التلفزيون مشهد امرأة فلسطينية طيبة يمكن أن تكون أمى أو أختى و هى تصرخ مستغيثة بينما كلب بوليسى يمزق ذراعها .. كلب إسرائيلى ابن كلب طبعاً .. و ماذا عن طالبة المدرسه الثانوية المحجبة الرقيقة بنت الناس التى ظهرت على " الجزيرة" منذ أعوام لتقول إن جندياً إسرائيلياً أرغمها و زميلاتها على التعرى , ثم راح يمارس الاستمناء و هو يتسلى بعرض الستربتيز المجانى هذا ؟.. قالتها و انفجرت فى البكاء

نعم أنا أكره إسرائيل بقوة , و لا شئ يسرنى مثل ألمهم و دموعهم و صرخاتهم و دمهم يبلل الطرقات .. منظر طواقم الإسعاف و رجالها الملتحين بطاقيتهم المضحكة على مؤخرة الرأس كأن الواحد منهم استعار سروال طفلته الرضيعة , و هم يشدون الشريط الأصفر حول مكان الانفجار .. هل يوجد أجمل من هذا ؟ و هى الهدية التى لم أتلقها إلا فى حرب 73 و مع العمليات الاستشهادية و مع الشيخ حسن نصر الله بعد ذلك

ربما أنا من جيل منقرض إلى زوال , و ربما عجزت عن فهم العالم و تغيراته كما عجزت عن فهم معنى كلمات (نفسنة) و (تثبيت) و (حلاقة) فى عصرنا هذا , لكنى لن أتغير .. و ما يسعدنى بحق هو أن هؤلاء المجانين يواصلون جرائمهم بشكل يفوق تحمل الجهاز العصبى لأى إنسان , بحيث يكسبون كل يوم أعداءا جدداً بين الشباب و الأجيال الصاعدة التى فتحت عيونها لترى المذابح . فى لحظة من اللحظات قبل الانتفاضة الثانية نامت القضية فعلاً , و صارت علاقة الشاب بالإسرائيلين هى سائحة عارية الصدر رآها فى دهب أو شرم الشيخ , ثم تنبه الجميع إلى أن هذه السائحة تقتل و تذبح كذلك ... رهانى أن هذا المقت و كل هذه النيران لن تذهب سدى .. سوف تحرقهم يوماً ما بطريقة ما . نعم ... لا أجد عبارة أنهى بها مقالى أبلغ من : أنا باكره إسرائيل و أقولها لو أتسأل .. إن شا الله أموت قتيل أو أخش المعتقل .. هييييييييييييه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق