الخميس، 13 ديسمبر 2018

اللعبُ بالنَار.. قصة صناعة الجهاد العالمي

اللعبُ بالنَار.. قصة صناعة الجهاد العالمي

كما جرت العادة في كواليس مثل هذه الحكايات، تبدأ الأمور عادة بهمسات امرأة في أذن رجل نافذ لا يبالي. يصوّر السيناريو البارع لـ "أرون سوركين" المشهد ببراعة بين الساخر توم هانكس، من يلعب دور "تشارلي ويلسون"، والممثلة جوليا روبرتس كـ "جوانا هيرينج"، في الفيلم الشهير المعنون بـ "حرب تشارلي ويلسون" إنتاج عام 2007.
  
حتى ذلك التوقيت، لم يكن "تشارلي ويلسون" الحقيقي، ضابط البحرية الأميركية السابق وعضو الكونغرس المغمور نسبيا، يشتهر بأكثر من مغامراته النسائية الملتهبة، حتى إنه كان يُلقّب في أوساط تكساس السياسية باسم(1) "تشارلي المرح"، قبل أن تنتزعه "جوانا"، سيدة المجتمع والأعمال الأميركية، من سُباته السياسي، بعد أن أقنعته بالذهاب إلى باكستان وخوض مقابلة رتبتها له مع الرئيس وقتها "ضياء الحق" من أجل إقناعه بمهمة محددة: دفع واشنطن لزيادة دعمها لـ "المجاهدين الأفغان" في حربهم ضد الحكومة الجديدة المؤيدة من قِبل السوفييت.
   

بالنسبة إلى "جوانا"، التي شغلت آنذاك موقع القنصل الفخري في القنصلية الباكستانية في هيوستن، والحاصلة على ميدالية "جناح" أعلى أوسمة الشرف في باكستان، كانت الحرب التي يقودها جهاز المخابرات المركزية الأميركية "سي آي إيه" في أفغانستان منذ سنة كاملة، منذ بداية الجهاد الأفغاني ضد السوفييت عام 1979، أشبه بـ "حرب زائفة" لا يمكن أن تفضي إلى نتائج حقيقية بسبب هزالة التمويل، وتردي الأسلحة المقدمة للأفغان من وجهة نظرها، وكان ذلك يرجع بشكل رئيس إلى عدم رغبة الولايات المتحدة في الظهور كداعم مباشر للمجاهدين الأفغان في وجه الحكومة الجديدة المقربة من السوفييت.
  
ورغم أن أفغانستان لم تكن في أي وقت سابق قضية ويلسون الأولى، فإن القليل من الوقت، بضعة أشهر تحديدا، والكثير من الإلحاح النسائي المعتاد، كانا كفيلين بأن يشهد العالم شارلي المرح يرتدي العمامة المحلية ويقف وسط المجاهدين الأفغان في قلب الصحراء أوائل الثمانينيات، بعد أن خاض جولة من الدبلوماسية المكوكية بين مصر وإسرائيل، من وقّعا قبل أقل من عامين اتفاقية السلام بينهما، لوضع اللمسات النهائية حول أول تعاون فعلي بين الطرفين يقضي بتمرير الأسلحة المصرية سوفيتية الصنع، بمساندة إسرائيل، إلى باكستان ومنها إلى المجاهدين الأفغان. وفي حين أن واشنطن لم تكن راغبة أن تظهر بصمات دعمها في الحرب الأفغانية كما أسلفنا، فإنها قررت أن تخوض الحرب ضد السوفييت باستخدام الأسلحة السوفيتية المكدسة لدى القاهرة، والتي انحازت وقتها وفي عهد رئيسها أنور السادات إلى واشنطن.

بيد أن تحركات شارلي ويلسون، من قال عنه الجنرال الباكستاني "محمد ضياء الحق" نفسه بأن ما حدث في أفغانستان كان من "فعل تشارلي"، لم تكن تلك التحركات تُمثّل أكثر من قمة جبل جليد كان هدفه حشد الكونغرس والرأي العام لتعزيز الدعم المالي والسياسي لحرب بدأها(2) بالفعل رجل آخر. كانت حرب شارلي تستحق على وجه الدقة أن تُوصف بحرب "زبيغ" كما يحب أن يُطلق عليه، أو "زبيغنيو بريجنسكي"، كما يُكتب هذا الاسم المعقد ذو الأصول البولندية والذي لا يبدو أنه يحمل أيا من ملامح الأسماء الأميركية، مهندس الجهاد الأفغاني على الطريقة الأميركية، وأحد أهم مخططي السياسات الأميركية الإستراتيجية على الإطلاق.

الجهاد الأميركي
"لدينا فكرة عن إيمانكم العظيم بالله.. ونحن على ثقة بأنكم ستنتصرون.. تلك الأرض هناك هي أرضكم وسوف تعودون إليها في يوم من الأيام، لأن نضالكم سوف يسود، وستملكون بيوتكم ومساجدكم مرة أخرى"
("بيرجنسكي" مخاطبا المجاهدين الأفغان في أحد المعسكرات في باكستان، نهاية سبعينيات القرن الماضي)
     

في 27 مايو/أيار للعام الماضي 2017، كان على العالم أن يودع "بريجنسكي" بعد حياة امتدت لـ 89 عاما لم يراوح عبر أكثر من نصفها دائرة الضوء، بداية من عمله مستشارا للأمن القومي للرئيس جيمي كارتر، ووصولا لتسميته كأحد المستشارين السياسيين للرئيس السابق أوباما. وقد اختارت(3) صحيفة نيويورك تايمز وقتها الاحتفاء بالمعادل الديمقراطي لهنري كسينجر على طريقتها الخاصة، عبر نشر مجموعة من الصور التاريخية النادرة لجولات بريجنسكي المكوكية. وتظهر إحدى هذه الصور "زبيغ" وهو يصغي لخطاب الرئيس كارتر أمام مجلس النواب المصري، في أكتوبر/تشرين الأول عام 1979 بعد توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" مع إسرائيل، ولكن المفارقة في تلك الصورة أن "بريجنسكي" كان يحمل بين يديه "مسبحة" قيل إن مسؤولا مصريا منحه إياها وأقنعه بـ "فضائل" استخدامها، لكن مسبحة القاهرة لم تكن على الأرجح مفارقة بريجنسكي الأكثر إثارة للجدل، إذ إن مستشار الأمن القومي التاريخي لم يقنع بدور الصوفي الأميركي صاحب المسبحة، حيث لم يلبث فترة قصيرة بعدها حتى شوهد يخطب(4) في جحافل المجاهدين الأفغان محدثا إياهم عن "إيمانهم العظيم بالله والثقة في عودتهم إلى بيوتهم ومساجدهم من جديد".

في هذا التوقيت، تحديدا عام 1978، كانت الأمور تتغير في أفغانستان بشكل سريع، بعد أن وصل "محمد داوود خان" إلى السلطة في انقلاب أبيض على النظام الملكي بقيادة ابن عمه "محمد ظاهر شاه"، خلال ما عُرف باسم "ثورة ثور" التي قادها الشيوعيون في الحزب الديمقراطي الشعبي الأفغاني. لكن إصلاحات "داوود خان" الماركسية لم تحظ بالكثير من الشعبية، وَوُجهت باحتجاجات جماهيرية اضطرت الحزب في نهاية المطاف لإقالته وتولية "محمد تور تراكي" رئاسة المجلس الثوري ورئاسة الوزراء. بيد أن "تراكي" سرعان ما قتل في ظروف غامضة في خضم احتجاجات أكبر حجما، بعد أن قام بارتكاب عمليات قمع وحشية، تضمنت الإعدام الجماعي للعديد من الزعماء الدينيين، مما أثار ثورة ضده من الإسلاميين "المسلحين"، لكن تراكي كان قد وقع قبل رحيله على معاهدة تسمح بالتدخل السوفيتي في أفغانستان حال طلب الأفغان ذلك، وهي المعاهدة التي تدفقت جحافل السوفييت بموجبها تترا إلى أفغانستان في غضون أسابيع قليلة.

ومع حلول الأيام الأخيرة من عام 1979، كانت القوات الخاصة السوفيتية قد احتلت الأبنية الحكومية والعسكرية والإذاعية الرئيسة في العاصمة كابول، بما في ذلك القصر الرئاسي، متذرعين بمعاهدة الصداقة التي تم توقيعها مع تراكي، قبل أن يقوموا بدعم عملية التخلص من "حفيظ الله أمين" على يد اللجنة الثورية المركزية الأفغانية، بعد شكوكهم حول كونه عميلا للمخابرات الأميركية، وتنصيب "بابراك كارمال" رئيسا. كانت هذه الأحداث إيذانا ببداية العشرية الأفغانية السوداء التي كتبت النهاية الفعلية للاتحاد السوفيتي، والبداية الفعلية لما صار يُعرف لاحقا باسم منظومة الجهاد العالمي.
منذ منتصف السبعينيات، كان مسؤولو المخابرات الباكستانية يحاولون الضغط على واشنطن لتقديم الدعم لـ "المسلحين الإسلاميين"، ولكن توتر العلاقات بين باكستان وبين إدارة كارتر بفعل البرنامج النووي الباكستاني منع الأخيرة من الاستجابة، بيد أن قيام "الثورة الإسلامية" في إيران دفعت الإدارة الأميركية نحو السعي لتحسين علاقاتها مع باكستان بإلحاح من "بريجنسكي"، من نجح في منتصف عام 1979 في إقناع كارتر بتوقيع أمر بتزويد أسلحة "غير حاسمة" للمعارضين الإسلاميين في باكستان، قبل ستة أشهر كاملة من الغزو السوفيتي، بعكس الروايات الأميركية التقليدية التي تقول إن الدعم الأميركي للمجاهدين الأفغان جاء ردا على التدخل السوفيتي في أفغانستان. وفي حين أن كارتر بدا مندهشا بشدة من قرار السوفييت غزو أفغانستان، ما دفعه إلى فرض عقوبات قاسية، فإن بريجنسكي أكد في مقابلة شهيرة له مع مجلة "نوفيل أوبسرفاتور" عام 1998 أنه كان على يقين بأن "تلك المساعدات الأميركية سوف تحفز تدخلا سوفيتيًّا"، مؤكدا أنه كان يرغب في منح السوفييت "فيتنام الخاصة بهم" (5)، وبالتالي يعني أن تقودهم واشنطن بشكل غير مباشر إلى مسرح يتلقون فيه ضربات عسكرية موجعة، تماما كفيتنام واشنطن.

في وقت مبكر من عام 1980، قررت إدارة جيمي كارتر تدشين العملية سايكلون "الإعصار"، وهي برنامج لتدريب وتسليح المجاهدين الأفغان من خلال التعاون مع المخابرات الباكستانية وبالاستعانة بجهود التمويل والحشد السعودي. وسرعان ما بدأ بريجنسكي جولات الدبلوماسية المكوكية من ذات المكان الذي تلقى فيه مسبحته الشهيرة، في القاهرة، وهناك التقى مع الرئيس المصري أنور السادات، حيث نجح في إقناعه بحصول المجاهدين على الأسلحة السوفيتية القديمة المكدسة في المخازن المصرية، وسرعان ما أمر السادات بتخصيص مطار قنا العسكري ليكون مقرا لشحن الأسلحة إلى باكستان، كما تم تخصيص ميناء بورسعيد بدوره للاستخدام كقاعدة لتخزين ونقل الأسلحة إلى كراتشي. وفي اليوم التالي للقائه مع السادات في القاهرة، استقل بريجنسكي طائرته إلى غزة، حيث التقى بولي العهد السعودي وقتها الأمير "فهد بن عبد العزيز" وشقيقه وزير الدفاع الأمير "سلطان بن عبد العزيز"، وأتى لقاؤهم لتأمين دور سعودي هو الأكثر أهمية في العملية.

فبالإضافة إلى تحملها عبء التمويل مناصفة مع الأميركيين، كان بريجنسكي راغبا في تأمين مساندة المؤسسة الدينية السلفية السعودية بعد أن ضمن مساندة الأزهر في مصر، حيث لعبت الرياض دورها كقناة خلفية لضمان إمدادات المقاتلين والتمويل. ومع رحيل كارتر وبريجنسكي وقدوم "رونالد ريغان" إلى السلطة عام 1981، وسّع الرئيس الأميركي الجمهوري الجديد من جهود بلاده لمناهضة الحركات السوفيتية في جميع أنحاء العالم. ولتنفيذ هذه السياسة، نشر ريغان ضباطا شبه عسكريين تابعين لوكالة الاستخبارات المركزية في أفغانستان، على رأسهم "مايكل فيكرز" الذي لعب دور المهندس الفعلي للعمليات الأميركية على الأرض، والذي يعمل لحساب "غوست أفراكوتوس"، رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الإقليمية الذي كان له علاقة وثيقة مع تشارلي ويلسون، إضافة إلى مايكل بيلسبوري، مسؤول البنتاغون الذي لعب الدور الأبرز في تقديم صواريخ "ستينغر" المحمولة التي كانت حاسمة للمقاومة الأفغانية.

وفي عام 1985، كان العالم يشاهد على الهواء مباشرة المشهد(6) الأكثر غرابة ربما في تاريخ البيت الأبيض، حين استقبل الرئيس "ريغان" مجموعة من قادة المجاهدين الأفغان في البيت الأبيض، مشيرا إليهم أمام الكاميرات بأنهم "المعادل الأخلاقي للآباء المؤسسين أميركا"، وقائلا خلال اجتماعه بهم: "لدينا هنا ستة مقاتلين من أجل الحرية في أفغانستان: هنا رجل قتلت زوجته أمام طفليه، وشخص آخر فقد شقيقه في مذبحة، وهم هنا ليقولوا للعالم الخارجي، والعالم الحر، ما يجري في أفغانستان". وكان ريغان قد خصص في وقت سابق من عام 1982 المكوك الفضائي كولومبيا لما أسماه مقاتلي الحرية في أفغانستان، منوها أنه إذا كان كولومبيا "يمثل أرقى طموحات الإنسان في مجال العلم والتكنولوجيا، فإن نضال الشعب الأفغاني يمثل أعلى تطلعات الإنسان للحرية".

الطريق إلى بيشاور
في الوقت نفسه الذي كان فيه "ريغان" يستقبل قادة فصائل الأفغان في البيت الأبيض، كان الشيخ المصري الضرير "عمر عبد الرحمن" يستقل شاحنة مموهة في بيشاور متجها إلى أفغانستان، بعد أن قضى ثلاث سنوات في السجون المصرية بتهمة إصدار فتوى أسفرت عن اغتيال الرئيس "أنور السادات"؛ قبل أن تبرئه محكمة عسكرية، ليخوض طريقه إلى أفغانستان. وكان "عبد الرحمن" قد قرر أن يخوض تلك الرحلة الشاقة ملتحقا بصديقه القديم "قلب الدين حكمتيار"، أبرز قادة المقاومة الأفغانية وربما أكثرهم مقاومة للغرب، رغم أنه كان في التوقيت نفسه أحد أكثر قادة الفصائل تلقيا للدعم الأميركي.
  
يشترك عبد الرحمن وحكمتيار اللذان التقيا في السعودية قبل عدة سنوات في الكثير من القواسم(7)، لعل أبرزها أن كليهما كان قائدا دينيا كاريزميا للغاية إن جاز التعبير، وأن كلا منهما كان يرى حتمية الإطاحة بـ "الحكومات العلمانية"، سواء في أفغانستان أو مصر، وإقامة "دولة إسلامية". ورغم ذلك، وعلى متن ذات القافلة التي استقلها عبد الرحمن، كانت الشاحنات تنقل قذائف "AK-47" ومدافع الهاون والقنابل اليدوية والألغام الأميركية من باكستان باتجاه ممر خيبر، وانضمت الشاحنة التي كان الشيخ عمر يسافر فيها إلى قافلة مكونة من ست أو سبع شاحنات أخرى، وحين بدأ الشروق، كانت القافلة قد وصلت إلى وجهتها وهي مقر قيادة المعركة في مقاطعة جلال آباد، على بُعد خمسين ميلا شمال شرق العاصمة الأفغانية كابول.

لم يكن الشيخ المصري الضرير مقاتلا بطبيعة الحال، ولكن أفغانستان كانت قد تحولت إلى أرض الأحلام بالنسبة إلى "الإسلاميين الجهاديين" إن جاز القول. وعلى مدار أكثر من عقد من الزمان، تدفق نحو أكثر من 25 ألف ناشط إسلامي، من نحو ثلاثين بلدا حول العالم، عبر بيشاور إلى أفغانستان، بداية من ناشطي حركة الجهاد الإسلامي، ومرورا بفلسطين والجزائر والسعودية، ووصولا إلى جبهة تحرير مورو في الفلبين. وقد أسست الولايات المتحدة مركز موسكو المركزي في بيشاور من أجل تنسيق عمليات الفصائل الأفغانية، وكذا التنسيق بينها وبين المقاتلين الوافدين الذين عُرف أغلبهم باسم "الأفغان العرب".

ولكن الصديق الأبرز للشيخ "عمر عبد الرحمن" في أفغانستان كان شيخا فلسطينيا شهيرا يُدعى "عبد الله عزام"، من عمل أستاذا للشريعة الإسلامية في الجامعة الأردنية قبل انضمامه إلى حقبة الجهاد الأفغاني، وقد أسس عزام ما يُعرف بمكتب الخدمة، والذي كان يُعد أكبر مركز تجنيد للمتطوعين العرب والأجانب، وقد أنشأ مكتب الخدمة فروعا في أوروبا والولايات المتحدة مع تقدم الحرب، ونجح في تجنيد 200 من العرب الأميركيين للجهاد في أفغانستان.


تلقى مركز الخدمة دعما بملايين الدولارات من السعودية، سواء بشكل مباشر من الحكومة أو من الأمراء السعوديين وأعضاء النخبة المالية والتجارية في المملكة، وكان الأمير وقتها "سلمان بن عبد العزيز"، العاهل السعودي الحالي، حاكم الرياض الذي ترأس لجنة دعم تمويل المجاهدين العرب، وعمل بشكل وثيق مع أسامة بن لادن الذي كان ينشط في جهود التمويل قبل أن ينتقل للقتال بنفسه في أفغانستان، وكان "ابن لادن" بدوره صديقا حميما للأمير "تركي الفيصل"، رئيس الاستخبارات السعودية الأيقوني في الفترة بين عامي 1977 و2001، ورغم أن الفيصل أكد أن "ابن لادن" لم يكن وكيلا للمخابرات السعودية، فإنه أكد أنه التقى بـ "ابن لادن" عدة مرات في السفارة السعودية في باكستان.

كانت المخابرات الباكستانية قد طلبت(8) من الأمير "الفيصل" إرسال عضو من العائلة المالكة السعودية إلى باكستان، ولكن الفيصل اختار إرسال "ابن لادن" بدلا من ذلك، وخلال تلك الفترة اجتمع "ابن لادن" بانتظام مع كبار المسؤولين السعوديين، بمن فيهم تركي الفيصل والأمير "نايف بن العزيز" وزير الداخلية، وعلى رأسهم الأمير "بندر بن سلطان" الذي كان يلعب دور المنسق الرئيس لهذه العمليات، وفي الوقت الذي وصل فيه "ابن لادن" إلى باكستان أول مرة، كان بريجنسكي الأمريكي القح، للمفارقة الساخرة على ما يبدو، يحاضر للتو المجاهدين حول «فضائل استعادة أرضهم الموعودة» كما قال.

في نهاية المطاف، انسحب السوفييت من أفغانستان عام 1989، وبالفعل تحولت الدولة الآسيوية "الإسلامية" إلى فيتنام السوفييت تماما كما قال بريجنسكي، ولم يمض أكثر من عامين حتى انهار الاتحاد السوفيتي بفعل تداعيات الحرب، أما أفغانستان، فدخلت في حرب أهلية بين الفصائل، وفشلت حكومة "حكمتيار" الجديدة في السيطرة على الأوضاع في البلاد وعلى أتون الحرب الأهلية، قبل أن تنتقل أفغانستان إلى سيطرة حركة "طالبان" عام 1996، أما الأفغان العرب فسرعان ما عادوا إلى ديارهم ليجدوا أن القوات الأميركية حطّت رحالها في الخليج إثر الغزو العراقي للكويت، لتبدأ الحقبة الجديدة(9)في العلاقة بين الأميركيين والأنظمة العربية، وبين شبكات الجهاد العالمي التي لم تكن لتتشكل لولا الرعاية الأميركية للحرب في أفغانستان، وهي الحرب التي بلغت ذروتها مع زلزال 11 سبتمبر/أيلول لعام 2001 وتوابعه التي لا تزال تُشكّل وجه العالم حتى لحظتنا الحالية.
  
      
سخرية التاريخ
على مدار قرابة نصف قرن من الزمان، رأت الولايات المتحدة والعديد من حلفائها ما أسموه آنذاك "اليمين الإسلامي" كشركاء مناسبين في الحرب الباردة، نظرا لمناهضة ذلك "اليمين" للشيوعيين، ومعارضتهم للقوميين المتحالفين مع السوفييت مثل مصر جمال عبد الناصر وإيران محمد مصدق، لذلك فإن واشنطن استثمرت بشدة في دعمهم. ففي أفغانستان، بلغت(10) تكلفة العملية "سيكلون/الإعصار" خلال ست السنوات الأولى لها (1981-1987) 3.2 مليار دولار من المدفوعات الأميركية، مقسمة بالتساوي بين المساعدة الاقتصادية والمبيعات العسكرية، كما باعت الولايات المتحدة أيضا 40 طائرة من طراز "إف-16" إلى باكستان بتكلفة 1.2 مليار دولار خارج حزمة المساعدات. وبلغت حزمة المساعدة الثانية التي استمرت ست سنوات أخرى (1987-1993) نحو 4.2 مليار دولار، ومن هذا المبلغ، خصص مبلغ 2،28 مليارا للمساعدة الاقتصادية في شكل منح أو قروض تحمل معدل فائدة يتراوح بين 2 و3%، أما بقية المخصصات (1.74 مليار دولار) فكانت في شكل ائتمان للمشتريات العسكرية، في حين تشير بعض التقديرات إلى أنه تم توجيه أكثر من 20 مليار دولار من الأموال الأميركية إلى أفغانستان لتدريب وتسليح الجماعات الأفغانية، بخلاف الأموال التي تم جمعها من السعودية والتي تصل إلى مبلغ مماثل في أدنى التقديرات.

ومع ملاحظته هذا الضخ المالي والعسكري الهائل، يؤكد "تشالمرز جونسون" (1931-2010)، من كان أستاذا فخريا في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ومستشارا لوكالة الاستخبارات المركزية، في كتابه "تفكيك الإمبراطورية" أن الغزو السوفيتي لأفغانستان عشية عيد الميلاد عام 1979 كان استفزازا متعمدا من قِبل الولايات المتحدة لجر السوفييت إلى الحرب، وهو ما أكّده أيضا مدير وكالة المخابرات المركزية السابق ووزير الدفاع في عهد أوباما، "روبرت غيتس"، في مذكراته التي نُشرت في عام 1996، حيث أوضح أن أجهزة المخابرات الأميركية بدأت في مساعدة "المجاهدين" قبل 6 أشهر كاملة من الغزو السوفيتي لأفغانستان.

كان الأمر إذن خطة(11) تمت هندستها بعناية من قِبل بريجنسكي وكارتر، وحصلت على دعم مضاعف من قِبل إدارة ريغان، بل إن بريجنسكي نفسه لم يُخف أبدا فخره بهذه الجولة التي يعدها إنجازه الأول الحياتي، متسائلا في حوار صحافي شهير مع الصحافي الفرنسي "فانسان جوفير": "ما الأكثر أهمية في تاريخ العالم؟ طالبان أو انهيار الإمبراطورية السوفيتية؟ بعض المسلمين الغاضبين أم تحرير وسط أوروبا ونهاية الحرب الباردة؟".
   

وفي حالة أشبه بالإنكار ظل(12) بريجنسكي حتى وفاته يُنكر وجود "حالة إسلامية عالمية"، ويرى أن ما يجمع بين "السعودية الأصولية" و"الغرب المعتدل" و"آسيا الوسطى العلمانية" و"باكستان العسكرية" و"مصر الموالية للغرب" ليس أكثر مما يُوحّد بلدان العالم المسيحي. ولكن منطق المؤامرة بقي مهيمنا على رؤية الرجل الذي رأى الثورة السورية على أنها "اضطرابات اجتماعية قامت بسبب الجفاف قبل أن تتحول إلى مؤامرة استدرجت فيها كل من السعودية وقطر المخابرات الأميركية من أجل تحقيق أهدافهما السياسية"، ويكأنه انتقام القدر أن الرجل الذي هندس ما يمكن أن نُطلق عليه "مؤامرة القرن" رأى أن بلاده قد تم استدراجها إلى مؤامرة مماثلة وبشكل متطابق تقريبا.

بيد أن مفارقات القدر لم تقف عند هذا الحد، ففي الوقت الذي كان فيه العالم يُودّع بريجنسكي إلى صفحات التاريخ، كان رجل آخر يقفز من التاريخ نفسه إلى عالم الواقع في الوقت نفسه، الأسبوع الأول من مايو/أيار للعام الماضي، بشكل مريب، حين عاد "قلب الدين حكمتيار" من جديد إلى المشهد الأفغاني بعد غياب دام 20 عاما، وبعد 8 أشهر من المصالحة التي وقّعها مع الحكومة، مع تكهنات عديدة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه الرجل القادم من الأمس في عالم اليوم، والذي يحظى الآن، وهو على رأس "الحزب الإسلامي" الأفغاني، بإمكانية الفوز بثلث مقاعد برلمان أفغانستان في الانتخابات التي تمت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي للعام الحالي والتي لم تُعلن نتائجها للآن، ومن رأى في حديث له منذ أيام لصحيفة "الشرق الأوسط" أن "إيران أكثر دولة أضرت بأفغانستان، وأن التصدي لها يبدأ من كابل"(14)، وهو توجه ربما سيسعد الرئيس الأميركي الحالي "دونالد ترامب" كثيرا، أما بريجنسكي، فقد مات وهو ينسب لنفسه فضل "هندسة الجهاد الأفغاني"، وهو نسب قد يراه حكمتيار اليوم على الأرجح على أنه "عجرفة"، لكنه بالتأكيد يحمل شيئا غير يسير من الصحة، صحة يعضدها تاريخ طويل للإستراتيجي الأميركي المخضرم الذي ربما خبر الشرق الأوسط ومعاركه أكثر من أهله بما لا يقاس.

المصادر

  • 1رحيل تشارلي ويلسون، عاشق الملذات ومسلِّح "مجاهدي" أفغانستان
  • 2زبيجنيو بريجنسكي: دروس من حياة في الإستراتيجية
  • 3Zbigniew Brzezinski, National Security Adviser to Jimmy Carter
  • 4The Jihad: Creation and Instrument of US Foreign Policy
  • 5The Brzezinski Interview with Le Nouvel Observateur 1998
  • 6Waging Jihad to Defeat the Soviet Union
  • 7Blowback The CIA poured billions into a jihad
  • 8Creating the Mujahedin in Afghanistan
  • 9We created Islamic extremism
  • 10How U.S. Intelligence has created Enemeies
  • 11The Legacy And Lessons Of Zbigniew Brzezinski
  • 12How Jimmy Carter and I Started the Mujahideen
  • 13حكمتيار يعود إلى كابل ويدعو إلى السلام مع طالبان
  • 14حكمتيار: إيران أكثر دولة أضرت أفغانستان
  • ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق