باحث في التاريخ الإسلامي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي
- أحداث رمضانية مصيرية على ضفتي خليج الزقاق
في أشهر رمضان من أعوام 91هـ، و92هـ، و93هـ، كانت ضفتا خليج الزقاق، ذلك الشريان المائي الضيق الذي يفصل بين عدوتي المغرب والأندلس، على موعد مع العديد من الأحداث الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ في هذه المنطقة.
وفي مقدمتها تاريخ هذا الخليج الذي صار يدعى منذ ذلك التاريخ: "مضيق جبل طارق" إلى اليوم.
كان يوليان يكره لذريق ملك القوط، ويرغب في تقويض نظامه وهدم مملكته لأشياء نقمها عليه. ومن أجل ذلك حسّن للمسلمين فتح إسبانيا، وقدم لهم السفن اللازمة لعبور المضيق إليها
عبور سرية طريف الاستكشافية
في رمضان سنة 91هـ، كان عبور طريف بن مالك خليج الزقاق على رأس السرية الاستكشافية التي بعث بها القائد الفاتح موسى بن نصير، أمير أفريقية والمغرب، إلى الأندلس.
وكان عبور طريف من عدوة المغرب إلى عدوة الأندلس في أربعمائة مقاتل، معهم مائة فرس، على ظهر أربعة مراكب. فنزل طريف مع جنوده في الموضع الذي نسب إليه، والذي لا يزال يعرف باسمه حتى اليوم: "طريف"، وهي جزيرة صغيرة على ساحل الأندلس الجنوبي.
ومن هذا الموضع أغار طريف على الجزيرة الخضراء ونواحيها، وقام ببعض العمليات العسكرية السريعة هنا وهناك في نطاق المهمة الموكلة إليه تنفيذها، ثم عاد إلى طنجة بالسبي الكثير والمال الوفير، محققا النجاح المطلوب.
وتأتي أهمية هذه السرية في كونها أول خطوة عملية على طريق العبور إلى إسبانيا، تنفيذا للخطة التي رسمها القائد الكبير موسى بن نصير بدقة وبراعة، فضلا عن امتحانها الدور الذي كان يوليان، حاكم سبتة، يقوم به، ومدى إخلاصه وجديته في التعاون مع المسلمين في إنجاز هذا المشروع الكبير.
وكان يوليان يكره لذريق ملك القوط، ويرغب في تقويض نظامه وهدم مملكته لأشياء نقمها عليه. ومن أجل ذلك حسّن للمسلمين فتح إسبانيا، وقدم لهم السفن اللازمة لعبور المضيق إليها.
وذلك بعد أن عقد لنفسه ولأصحابه عهدا مع موسى بن نصير رضي به واطمأن إليه.
وأيا كان الأمر، فإننا من خلال سرية طريف هذه نرى أن فتح المسلمين إسبانيا لم يكن منذ البداية مغامرة حربية ارتجالية، كما يزعم المستشرقون، بل كان فتحا منظما وفق خطة محكمة موضوعة من قبل، أعدت لها وسائلها ومقدماتها وأهدافها وطرق تنفيذها.
يذكر المؤرخون أن طارق بن زياد، عندما رأى المعركة تشتد ضراوة يوما بعد يوم، ورأى أن تطاولها ليس في صالح المسلمين نظرا لقلة عددهم، جعل الوصول إلى لذريق هدفه
معركة وادي لكة الحاسمة
وفي رمضان سنة 92هـ خاض المسلمون معركة وادي لكة ضد الجيش القوطي بقيادة لذريق، ذلك الملك القوطي الجرماني الذي كان مشهورا بظلمه وفسقه وإجرامه.
فبعد أن تأكد موسى بن نصير من ملاءمة ظروف إسبانيا الداخلية للفتح، أعد لهذه المهمة الخطيرة جيشا قوامه سبعة آلاف مقاتل، وقدم عليه طارق بن زياد، حاكم طنجة، ثم أمده بعد ذلك بخمسة آلاف.
وذلك بعد أن كان موسى قد جهز السفن اللازمة للعبور بالتنسيق مع يوليان حاكم سبتة.
ونزل طارق في الجبل الذي لا يزال يعرف باسمه حتى الآن: "جبل طارق".
ولما وصل لذريق خبر نزول المسلمين في الجزيرة الخضراء، أقبل متبخترا على رأس جيوشه الجرارة، والتقى بجيش طارق عند مجرى نهر وادي لكة بجنوب غربي إسبانيا، حيث دارت المعركة الفاصلة بين المسلمين والقوط.
وقد استهلها طارق بخطبته الشهيرة: "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم العدو بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا قوت إلا ما تستخلصونه من عدوكم".
وقد بدأت المعركة يوم الأحد 28 رمضان سنة 92هـ، واستمرت ثمانية أيام، وانتهت بهزيمة ساحقة للقوط.
ويذكر المؤرخون أن طارق بن زياد، عندما رأى المعركة تشتد ضراوة يوما بعد يوم، ورأى أن تطاولها ليس في صالح المسلمين نظرا لقلة عددهم، جعل الوصول إلى لذريق هدفه.
وعندما لاحت له الفرصة وثب عليه كالليث الضاري، وأطاح به من فوق سريره، وبمقتله تداعت صفوف القوط وولوا الأدبار هاربين، تاركين جثث قتلاهم تغطي ميدان المعركة.
وقد فتح هذا الانتصار الكبير أبواب إسبانيا كلها أمام المسلمين، ففي أعقابه تتابع سقوط مدنها بأيديهم، وعلى رأسها العاصمة طليطلة، وغنم الفاتحون المسلمون ما فيها من ذخائر وكنوز.
من أجل هذا الهدف أيضا عبر مع موسى بن نصير من عبر من التابعين، فكانوا مقاتلين ودعاة إلى الله، وشهودا على العقود والاتفاقيات التي تبرم مع أمراء المدن المسيحيين، ومشرفين على بناء المساجد في هذه المدن
عبور موسى بن نصير وفتح إشبيلية
وفي رمضان سنة 93هـ كان عبور موسى بن نصير إلى الأندلس على رأس 18 ألف مقاتل، معظمهم من العرب، نجدة لطارق بن زياد ولاستكمال فتح المدن والمناطق التي لم يمر بها طارق.
وكان تصرف موسى هذا متفقا مع تخطيط رزين هدفه الإفادة القصوى من الفرصة التي أتيحت للمسلمين.
فقد كان عبوره تعزيزا للجيش الإسلامي وسدا لمحاولات قطع الطريق عليه من قبل قوات القوط التي لجأت إلى التحصن في الجنوب الشرقي والجنوب الغربي من إسبانيا، وإتماما لخطة الفتح المرسومة.
ومن أجل هذا الهدف أيضا عبر مع موسى بن نصير من عبر من التابعين، فكانوا مقاتلين ودعاة إلى الله، وشهودا على العقود والاتفاقيات التي تبرم مع أمراء المدن المسيحيين، ومشرفين على بناء المساجد في هذه المدن، ومسؤولين عن قسمة الغنائم.
وتأكيدا على هذا الهدف السامي، كان أول عمل يقوم به موسى بن نصير بعد نزوله في الجزيرة الخضراء، وهي أول مدينة افتتحت في الأندلس، إنشاء مسجد الرايات في المكان الذي اجتمع فيه أصحاب الرايات المسلمون للتشاور بصدد السبيل الأمثل لاستكمال الفتح.
ولم يلبث موسى بن نصير حتى استأنف المسير، سالكا طريقا آخر غير الطريق الذي سلكه طارق من قبل، وفتح في طريقه هذه مدنا إسبانية لا تقل عظمتها وأهميتها عن التي فتحها طارق، مثل شذونة وقرمونة.
ثم توج موسى فتوحاته الظافرة بفتح إشبيلية، وكانت هي الهدف الرئيس في خطته، إذ كانت يومئذ أكبر مدن إسبانيا بعد طليطلة.
ثم اتجه موسى بعد ذلك صوب مدينة ماردة الواقعة إلى الشمال الغربي من إشبيلية.
جاء ذلك في الوقت الذي كان فيه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير قد استكمل فتح الجنوب الغربي من إسبانيا.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق